الخميس ٣٠ / مارس / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » الآداب المعنوية للصلاة »

الباب الرابع: في الآداب القلبية للوقت وفيه فصلان:

12 مايو 2012 | في الفئة: الآداب المعنوية للصلاة | لا توجد تعليقات | الزیارات: 113

الفصل الأول

 

 

 

في آداب أوقات الصلاة

 

 

 

اعلم أن لأهل المعرفة وأصحاب القلوب على قدر قوة معرفتهم للمقام المقدس الربوبي واشتياقهم إلى مناجاة حضرة الباري عز اسمه مراقبة ومواظبة لأوقات الصلاة التي هي ميقات المناجاة وميعاد الملاقاة مع الحق، ولا يزالون يراقبون ذلك فالمجذوبون لجمال الجميل والعاشقون للحسن الأزلي والمشغوفون به والسكارى من كأس المحبة والمصعوقون من قدح ألست الذين فرغوا عن الكونين وأعرضوا عن جميع أقاليم الوجود وتعلقوا بعز قدس جمال الله فلهم دوام الحضور وليسوا مهجورين عن الذكر والفكر والمشاهدة و المراقبة لحظة واحدة.

 

 

 

والذين هم أصحاب المعارف وأرباب الفضائل والفواضل وهم شرفاء النفس وكرماء الطينة فلا يختارون على المناجاة مع الحق شيئا ويطلبون من الخلوة مع الحق ومن مناجاته نفس الحق ويرون أن العزة والشرف والفضيلة والمعرفة كلها في تذكر الحق ومناجاته فهم إذا توجهوا إلى العالم ونظروا إلى الكونين يكون توجههم ونظرهم إليها توجه العارفين لها ونظرهم، ويتطلبون الحق في العالم ويطلبونه ويرون جميع الموجودات جلوة للحق ولجمال الجميل (عاشقهم برهمه عالم كه همه عالم ازاوست) (مصراع بيت للشاعر المعروف السعدي الشيرازي يقول: أنا للعالم عاشق حيث منه الكون أجمع).

 

 

 

فهم يواظبون على أوقات الصلاة بتمام أرواحهم وقلوبهم وينتظرون وقت المناجاة مع الحق ويحضّرون أنفسهم ويهيئّونها لميقات الحق فقلوبهم حاضرة ويطلبون من المحضر الحاضر ويحترمون المحضر لأجل الحاضر ويرون أن العبودية هي المراودة والمعاشرة مع الكامل المطلق فاشتياقهم إلى العبادة من هذا الباب والذين يؤمنون بالغيب وعالم الآخرة ويعشقون كرامات الحق جل جلاله ولا يستدلون النعم الأبدية الجنانية واللذات والبهجات الدائمة السرمدية بالحظوظ الداثرة الدنيوية واللذائذ الناقصة المؤقتة المشوبة، فهؤلاء أيضا في وقت العبادة التي هي بذور النعم الأخروية يحضرون قلوبهم ويقومون بالأمر بإقبال واشتياق وينتظرون أوقات الصلاة فإنها وقت حصول النتائج واكتساب الذخائر ولا يختارون على النعم الدائمة شيئا فهؤلاء أيضا حيث أن قلوبهم خبيرة بعالم الغيب وقد آمنت قلوبهم بالنعم الأبدية واللذائذ الدائمة لعالم الآخرة يغتنمون أوقاتهم ولا يضيّعونها أولئك أصحاب الجنة وأرباب النعمة هم فيها خالدون.

 

 

 

هذه الطوائف التي ذكرت، وبعضها التي لم يذكر لهم من العبادة نفسها أيضا لذائذ على حسب مراتبهم ومعارفهم وليس لهم كلفة وتكليف فيها أصلا.

 

 

 

وأما نحن المساكين المبتلين بالآمال والأماني والمقيدين بسلاسل الهوى والهوس والمنغمرين في البحر المسجور الظلماني للطبيعة الذين ما وصلت إلى شامّة أرواحنا رائحة من المحبة والعشق وما ذائقة قلوبنا لذة من العرفان والفضيلة، فلسنا لا من أصحاب العرفان والعيان ولا من أرباب الإيمان والاطمئنان، نرى العبادات الإلهية تكليفا وكلفة والمناجاة مع قاضي الحاجات تحميلا وتكلّفا لا نركن إلى شيء غير الدنيا التي هي معلف للحيوانات ولا نتعلق بسوى دار الطبيعة التي هي معتكف للظالمين قد عميت أبصار قلوبنا عن جمال الجميل وهجرت ذائقة أرواحنا ذوق العرفان.

 

 

 

نعم إن رئيس سلسلة أهل الحق وخلاصة أصحاب المحبة والحقيقة يترنم بقوله: أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني فيا رب ما هذه البيتوتة التي كانت لمحمد صلى الله عليه وآله معك في دار الخلوة والأنس ؟. وما هذا الطعام والشراب الذي أذقته بيدك هذا الموجود الشريف وأخلصته من جميع العوالم، ففي شأن ذلك السيد العظيم أن يقول: " لي مع الله وقت لا يسعه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل " فهل هذا الوقت من أوقات عالم الدنيا والآخرة أو أنه وقت الخلوة في قاب قوسين وطرح الكونين..

 

 

 

أن موسى عليه السلام صام صوما موسويا أربعين يوما ونال إلى ميقات الحق، وقال تعالى: {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}(الأعراف 142)، ومع ذلك أين هذا الميقات من الميقات المحمدي ولا نسبة بينه وبين الوقت الأحمدي.

 

 

 

إن موسى في الميعاد خوطب بخطاب فاخلع نعليك وقد فسّر بمحبة الأهل، والرسول الخاتم قد أمر في ميعاده بأن يحب عليا، وفي القلب من هذا السر جذورة ما أبرَّ منها شيء (توخود حديث مفصل بخوان ازاين مجمل) (مصراع معروف. مضمونه: أنت اقرأ بنفسك الحديث المفصل عن هذا المجمل).

 

 

 

الفصل الثاني

 

 

 

في الآداب القلبية للصلاة

 

 

 

فأنت أيها العزيز اغتنم وقت المناجاة هذا بالقدر الميسور والمقدار المقدور وقم بآدابه القلبية وفهّم قلبك أن وسيلة الحياة الأبدية الأخروية ومنبع الفضائل النفسانية ورأس مال الكرامات غير المتناهية هو المراودة والمؤانسة مع الحق ومناجاته وخصوصا الصلاة فإنها معجون روحاني قد هيّئ بيدي الجمال والجلال للحق وأجمع وأكمل من جميع العبادات، فبقدر ما يمكنك حافظ على أوقاتها وانتخب أوقات فضيلتها فإن فيها نورا ليس في غيرها من الأوقات وأقلل فيها من الاشتغالات القلبية بل اقطعها، وهذا يحصل بأن تقسم وتعيّن أوقاتك وتعيّن للصلاة المتكفّلة لحياتك الأبدية وقتا خاصا لا يكون لك فيه أشغال أخر ولا تكون للقلب تعلّقات أخرى، ولا تجعل الصلاة تزاحم الأمور الأخر كي تستطيع أن تريح القلب وتحضره، والآن نذكر الأحاديث الواردة في أحوال المعصومين عليهم السلام على قدر اقتضاء المقام فلعلّه بالتدبّر في حالات أولئك الأكرمين يتمّ التنبيه وتدرك عظمة الموقف وأهمية المقام وخطره وتستيقظ من نوم الغفلة.

 

 

 

فعن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله أنها قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحدّثنا ونحدّثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه شغلا بالله عن كل شيء ".

 

 

 

وروي عن علي عليه السلام: " كان إذا حضر وقت الصلاة يتململ ويتزلزل ويتلوّن، فيقال له: ما لك يا أمير المؤمنين ؟ فيقول عليه السلام: جاء وقت الصلاة وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ".

 

 

 

ونقل السيد ابن طاووس في فلاح السائل: كان الحسين عليه السلام " إذا توضأ يتغير لونه ويضطرب مفاصله فقيل له في ذلك فقال: حق لمن يقف بين يدي ذي العرش أن يصفرّ لونه وتضطرب مفاصله " ونقل عن الحسن عليه السلام أيضا مثل ذلك.

 

 

 

وعن علي بن الحسين عليه السلام: " كان إذا حضر للوضوء اصفرّ لونه فيقال له ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء ؟ فيقول: ما تدرون بين يدي من أقوم ؟ ".

 

 

 

ونحن أيضا إذا تفكرنا قليلا وفهّمنا قلبنا المحجوب أنّ أوقات الصلاة هي أوقات الحضور في جناب القدس بحضرة ذي الجلال، وأن الحق تعالى ملك الملوك والعظيم المطلق في تلك الأوقات دعا عبده الضعيف الذي هو لا شيء إلى مناجاته وأذن له بالدخول إلى دار الكرامة حتى يفوز بالسعادات الأبدية ويجد السرور والبهجات الدائمية لكنّا مبتهجين ومسرورين من دخول وقت الصلاة بمقدار معرفتنا وإذا استشعر القلب عظمة المقام وخطره فيحصل فيه الخوف والخشية بمقدار فهمه العظمة وحيث أن قلوب الأولياء مختلفة وحالاتهم متفاوتة على حسب التجليات اللطفيّة والقهرية واستشعار العظمة والرحمة فحينا يحملهم اشتياق الملاقاة واستشعار الرحمة والجمال على السرور والبهجة ويقولون: أرحنا يا بلال، وحينا يجعلهم التجليات بالعظمة والقهر والسلطنة في حالة الصعق ويرتعشون ويرتعدون.

 

 

 

وبالجملة أيها الضعيف إن الآداب القلبية للأوقات هي أن تهيئ نفسك للورود إلى حضرة مالك الدنيا والآخرة ومخاطبة الحق جل وعلا ومكالمته، فانظر بعين إلى ضعفك ومسكنتك وذلّتك وعجزك و إلى العظمة والجلال والكبرياء للذات المقدسة جلّت عظمته، ذلك أن الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين في جناب عظمته مصعوقون، وبالعجز والمسكنة والذلّة معترفون فإذا نظرت هذه النظرة وفهّمت قلبك فليستشعر القلب الخوف ويرى نفسه وعباداته لا شيء وانظر بعين أخرى إلى سعة رحمة الذات المقدسة وكمال عطفها وإحاطة رحمانيتها حيث أنه أذن للعبد الضعيف مع ما له من أنواع التلوّثات وكمال عجزه ومسكنته في الدخول إلى حضرة قدسه ودعاه إلى مجلس أنسه بتشريفات من إهباط الملائكة وإنزال الكتب السماوية وبعث الأنبياء والمرسلين من دون أن يكون لهذا الممكن المسكين سابقة استعداد أو يتصورّ لحضرته جل وعلا ونعوذ بالله أو لملائكة الله أو الأنبياء عليهم السلام في هذه الدعوة والحضور نفع فإذا توجّه القلب إلى ذلك فيحصل له الأنس البتة ويستشعر الرجاء فهيئ نفسك للحضور بقدمي الخوف والرجاء والرهبة والرغبة بقلب خجل وفؤاد وجل واستشعار الانكسار والذلة والضعف والمسكنة ولا ترَ لنفسك أية لياقة للحضور في هذا المحضر ولا تعدّ نفسك لائقا للعبادة والعبودية وترّ الأذن في الدخول في العبادة والعبودية من شمول الرحمة وعميم اللطف فحسب لحضرة الأحدية جلّت قدرته، فانك إذا جعلت ذلّتك نصب عينيك وتواضعت لذات الحق المقدسة بروحك وقلبك وعرفت نفسك وعبوديتك كلا شيء يتلطف الحق تعالى ويرفعك ويخلّعك بخلعة كراماته.

 

 

 

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©