الأحد ٢٦ / فبراير / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » الآداب المعنوية للصلاة »

الباب الثاني: في نبذة من آداب اللباس وفيه مقامان

12 مايو 2012 | في الفئة: الآداب المعنوية للصلاة | لا توجد تعليقات | الزیارات: 107

المقام الأول

 

 

 

في آداب مطلق اللباس

 

 

 

اعلم أن النفس الناطقة الإنسانية حقيقة، هي: - في عين الوحدة وكمال البساطة - ذات نشآت عمدتها كلّيّة ثلاث :

 

 

 

الأولى: النشأة الملكية الدنيوية الظاهرة ومظهرها الحواس الظاهرة والقشر الأدنى لها هو الحواس الملكيّة.

 

 

 

الثانية: النشأة البرزخية المتوسطة ومظهرها الحواس الباطنية والبدن البرزخي والقالب المثالي.

 

 

 

الثالثة: النشأة الغيبية الباطنية ومظهرها القلب والشؤون القلبية.

 

 

 

ونسبة كل من هذه المراتب إلى الأخرى نسبة الظاهرية والباطنية، ونسبة التجلي والمتجلي، ومن هذه الجهة تسري الآثار والخواص والانفعالات من مرتبة إلى أخرى، فمثلا إذا أدركت حاسّة البصر شيئا يقع منه أثر في الحسّ البصري البرزخي مناسب لتلك النشأة ويقع منه أثر في البصر الباطني القلبي يناسب تلك النشأة، وهكذا الآثار القلبية تظهر في النشأتين الأخيرتين. وهذا المطلب مضافاً إلى أنه مطابق للبرهان القوي المتين مطابق للوجدان أيضاً، فمن هذه الجهة يكون لجميع الآداب الصورية الشرعية في الباطن أثر بل آثار، ولكل من الأخلاق الجملية التي هي من حظوظ مقام برزخية النفس أيضا آثار في الظاهر والباطن ولكل من العارف الإلهية والعقائد الحقّة في النشأتين البرزخية والظاهرة آثار.

 

 

 

فمثلا الإيمان بأن المتصرف في مملكة الوجود وعوالم الغيب والشهود هو الحق تعالى وليس لسائر الموجودات فيها تصرّف إلاَّ التصرّف الأدنى الظلّي يوجب كثيرا من الكمالات النفسانية والأخلاق الفاضلة الإنسانية مثل التوكل والاعتماد على الحق وقطع الطمع من المخلوق التي هي أمّ الكمالات، ويوجب كثيراً من الأعمال الصالحة والأفعال الحسنة وترك كثير من القبائح، وهكذا سائر المعارف التي تعدادها وتعداد تأثيراتها خارج عن مجال هذه الأوراق، والقلم القاصر للكاتب، ويحتاج إلى تحرير كتاب ضخم لمؤلف صاحب قلم قويّ من أهل المعرفة، أو من نفس حار لأحد أهل الحال (دست ما كوتاه وخرما بر نخيل) (مصراع معروف يعد كمثل دارج مضمونة: إن أيدينا قصيرة والتمر على النخل فلا تصل إليه أيدينا). وهكذا مثلا خلق الرضا فانه من الأخلاق الكمالية الإنسانية وله تأثيرات كثيرة في تصفية النفس وتجلياتها، ويجعل القلب موردا للتجليات الخاصة الإلهية ويوصل الإيمان إلى كماله، وكمال الإيمان إلى الطمأنينة، والطمأنينة إلى كمالها وكمالها إلى المشاهدة، والمشاهدة إلى كمالها، وكمالها إلى المعاشقة، والمعاشقة إلى كمالها و كمالها إلى المراودة، والمراودة إلى كمالها وكمالها إلى المواصلة، والمواصلة إلى كمالها ويرتقي إلى ما لا يسعه وهمي ووهمك.

 

 

 

وفي ملك البدن والآثار والأفعال الصورية التي هي أغصان وأوراق تلك الشجرة تأثيرات غريبة فيصير السمع والبصر وسائر القوى والأعضاء إلهية ويظهر سرّ كنت سمعه وبصره شيئا ما كما أن لتلك المراتب في الظاهر تأثيرا بل تأثيرات وللهيئة الظاهرة وجميع الحركات والسكنات عادية وغير عادية ولجميع التروك والأفعال أيضا فيها تأثيرات عجيبة بحيث ربما يتفق أن السالك يسقط من الأوج الأعلى إلى أسفل السافلين بنظرة واحدة تحقيرية إلى عبد من عباد الله ولا يستطيع جبران هذا السقوط في السنين المتوالية، وحيث أن قلوبنا نحن المساكين ضعيفة خفيفة وضئيلة ومثل شجرة الصفصاف (لهذه الشجرة صنف خاص يقال له بالفارسية (بيد مجنون) أي الصفصاف المجنون لها أغصان ضئيلة جدا متدلية إلى الأرض وهي كما مثل بها الأستاذ تتحرك بأدنى نسيم).

 

 

 

تضطرب بالنسيم الرقيق وتفقد حالة السكون، فاللازم لنا أن نلاحظ الحالات القلبية حتى في الأمور العادية وأحدها، اتخاذ اللباس ونتحفظ على القلب، وحيث أن للنفوس والشيطان حبائل مستحكمة وتسويلات دقيقة جدا والإحاطة بها خارجة عن طاقاتنا فلا بد لنا أن نقوم في مقابلها بقدر قوّتنا ونطاق وسعنا ونطلب التوفيق والتأييد من الحق تعالى.

 

 

 

فنقول بعدما اتضح أن للباطن في الظاهر وللظاهر في الباطن تأثيرا لابد للإنسان الطالب للحق والارتقاء الروحاني أن يحترز في انتخاب مادة اللباس وهيئته مما يكون له تأثير السوء في الروح ويخرج القلب عن الاستقامة ويغفله عن الحق ويجعل وجهة الروح دنيوية، ولا يتوهّم أن تسويل الشيطان وتدليس النفس الأمّارة إنما هو في اللباس الفاخر الجميل فقط وفي التجمّل والتزين فحسب بل اللباس الخلق الذي لا قيمة له ربما يسقط الإنسان عن درجة الاعتبار، ومن هذه الجهة لابد للإنسان أن يحترز من لباس الشهرة بل من مطلق المشي على خلاف المعمول والمتعارف، كما أنه لابدّ أن يحترز عن الألبسة الفاخرة التي تكون مادتها وجنسها قيمة وتكون هيئتها وخياطها جالبة للأنظار ومشارا إليها بالبنان لان قلوبنا ضعيفة وغير ثابتة، فبمجرد الامتياز والتعين يزلّ وينحرف عن الاعتدال فالإنسان المسكين الضعيف العاري من جميع مراحل الشرف والإنسانية وعزة النفس وكمال الآدمية والبريء منها ربما يتفق أنه بواسطة أذرع من الثوب الأبريسم أو من الصوف وقد قلّد في خياطته الأجانب مع أنه تمكن منه بقيمة هي بيعه شرفه وارتكابه المنكرات، ينظر إلى عباد الله بنظر الحقارة والكبر ولا يعيّن لموجود قيمة، وهذا ليس إلاَّ من كمال ضعف نفسه وقلّة ظرفيّته حيث يتوهّم أن فضلات القزّ ولباس الغنم موجبة لاعتباره وشرفه.

 

 

 

أيها الإنسان المسكين، ما هذا الضعف ؟ وما هذه المسكنة فيك ؟ فشأنك أن تكون فخرا لعالم الإمكان وخلاصة للكون والمكان، أنت ابن آدم وشأنك أن تكون معلّما للأسماء والصفات، أنت ابن خليفة الله وشأنك أن تكون من الآيات الباهرات (تورا زكنكره عرش ميزنند صفير) (مصراع بيت للحافظ الشيرازي يقول: أنت الطائر الذي تركت مكانك فمن أعالي العرش يصفرون لك كي ترجع إلى وكرك). أيها الشقيّ والخلف غير الصالح غصبت مقدارا قليلا من فضلات الحيوانات وملبوساتها وتفتخر بها. لو كان هذا فخرا فهو للقزّ والغنم والإبل والسنجاب والأرنب. لماذا تفتخر بلباس غيرك وتدلّل بما هو فخر لهم وتتكبّر به ؟ وبالجملة كما أن لمادة اللباس وجنسه وكونه قيّما ومزيّنا تأثيرا في النفوس، ومن هذه الجهة قال أمير المؤمنين عليه السلام كما رواه القطب الرواندي (هو أبو الحسن سعيد بن هبة الله بن الحسن العالم المتبحّر الفقيه المحدّث صاحب الخرائج والجرائح وقصص الأنبياء ولب اللباب وشرح النهج وغيره وهو أحد مشايخ ابن شهر آشوب يروي عن جماعة كثيرة من المشايخ. توفي القطب 4 شوال سنة 573 (تعج) كما في البحار نقلا عن خطّ الشهيد وقبره ببلد قُم في جوار الحضرة الفاطمية عليها السلام، مزار معروف). عليه الرحمة: " من لبس ثوبا عاليا فلا بد من التكبر ولابد للمتكبّر من النار ".

 

 

 

كذلك في هيئته وكيفيّة قصّه وخياطته آثار ربما يحصل للإنسان بواسطة أنه شبّه لباسه بالأجانب عصبية جاهلية للأجانب ويتضجّر ويتنفّر من الله ورسوله ويكون أعداء الله وأعداء رسوله محبوبين عنده ولذا ورد في الرواية عن الصادق عليه السلام: " إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى بعض أوليائه: قل للمؤمنين لا تلبسوا ملابس أعدائي ولا تأكلوا كأعدائي ولا تمشوا كأعدائي فتكونوا أعدائي كا هم أعدائي ".

 

 

 

فكما أن للألبسة الفاخرة جدا في النفوس تأثيرا، كذلك للألبسة الدنية جدا من حيث المادة والجنس ومن حيث الهيئة والشكل في النفوس تأثير، وربما يكون فساد هذا اللباس أشد بمراتب من تلك الألبسة الفاخرة لان للنفس مكائد دقيقة جدا فبمجرد أن يرى السالك نفسه من النوع الممتاز بأنه لبس اللباس الخشن والكرباس ولبس سائر الناس الألبسة اللينة اللطيفة، فبواسطة حب النفس يغفل هو عن عيوبه ويحسب هذا الأمر العرضي وغير المربوط به سببا لافتخاره، وربما يعجب بنفسه ويتكبّر على عباد الله ويحسب سائر الناس مبعدين عن ساحة القدس للحق ويرى نفسه من المقربين ومن خلّص عباد الله وربما يبتلى بالرياء وسائر المفاسد العظيمة، فالمسكين اقتنع من جميع مراتب المعرفة والتقوى والكمالات النفسانية باللباس الخشن ولبس الخلق وغفل عن الآلاف من عيوبه التي من أعظمها هذا العيب الذي حدث فيه من سوء تأثير هذا اللباس، وحسب نفسه من أهل الله مع أنه من أولياء الشيطان وحسب عباد الله لا شيء وبلا قيمة.

 

 

 

وكذلك أيضا ربما يكون أن هيئة اللباس وكيفيته يبلي الإنسان بمفاسد مثل أن يرتّب اللباس على نحو يشتهر بالزهد والقدس، وبالجملة لباس الشهرة سواء في جانب الإفراط أو في جانب التفريط من الأمور التي تزلزل القلوب الضعيفة وتخلعها من مكارم الأخلاق وتوجب العجب والرياء والكبر (وفي وصية النبي صلى الله عليه وآله لأبي ذرّ: " يا أبا ذرّ البس الخشن من اللباس والصفيق من الثياب لئلا يجد الفخر فيك مسلكه "). التي كل واحد منها من أمهات الرذائل النفسانية والموجب للركون إلى الدنيا. وعلاقة القلب بها الذي هو رأس كل الخطيئات ومنبع جميع القبائح.

 

 

 

وفي الأحاديث أيضا أشير إلى كثير من الأمور المذكورة كما في الكافي الشريف عن الصادق عليه السلام: " إن الله يبغض شهرة اللباس ".

 

 

 

وعنه أيضا قال: " الشهرة خيرها وشرها في النار ". وعنه عليه السلام: " إن الله يبغض الشهرتين، شهرة اللباس وشهرة الصلاة ".

 

 

 

وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله ما معناه: " من لبس ثياب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثياب الذلّ يوم القيامة ".

 

 

 

المقام الثاني

 

 

 

في نبذة من آداب لباس المصلى وفيه فصلان:

 

 

 

الفصل الأول

 

 

 

في سر طهارة اللباس

 

 

 

اعلم أن الصلاة هي مقام العروج إلى مقام القرب والحضور في محضر الأنس، ويلزم للسالك مراعاة آداب الحضور في محضر القدس لملك الملوك، وحيث أن أدنى المراتب والمراحل لظهور النفس التي هي قشر القشور والبدن الصوري الملكي إلى أعلى المقامات والحقائق التي هي لبّ اللباب ومقام سرّ القلوب كما أنها حاضرة في المحضر المقدس للحق، فالسالك أيضا لابد أن يستحضر ويُرى جميع الجنود الباطنة والظاهرة لممالك السر والعلن إلى محضر الحق جلّ وعلا ويقدم إلى محضره المقدس جميع الأمانات التي وهبها الله سبحانه بيدي قدرة الجمال والجلال له وكانت تلك الأمانات في كمال الطهارة والصفاء ومن دون تصرف أحد من الموجودات ويرد الأمانات إليه كما أعطاه سبحانه إياها. ففي أدب الحضور خطرات كثيرة لا يجوز للسالك أن يغفل عنها لحظة واحدة ولا بد له أن يجعل طهارة اللباس الذي هو ساتر للقشر بل قشر القشر وسيلة لطهارة الألبسة الباطنية وليتفطّن أنه كما أن هذا اللباس الصوري ساتر فهو لباس للبدن الملكي، فالبدن ساتر للبدن البرزخي والبدن البرزخي موجود الآن ولكنه في ستر البدن الدنيوي وحجابه وهذا البدن ساتر له والبدن البرزخي ساتر ولباس وحجاب للنفس وهي ساترة للقلب والقلب ساتر للروح والروح ساتر السر وهو ساتر اللطيفة الخفية إلى غير ذلك من المراتب وكل مرتبة نازلة ساترة للمرتبة العالية ومجموع هذه المراتب وان كان موجودا خلّص أهل الله وسائر الناس عنها محرومون، ولكن حيث أن بعض المراتب موجودة في الكل فلهذا نشير إليه فقط.

 

 

 

    فليعلم أنه كما لا تتحقق صورة الصلاة بدون طهارة اللباس والبدن وأن القذارات التي هي رجس للشيطان ومستبعد محضر الرحمن هي من موانع ورود المحضر. وكما أنه يبعد المصلّي الملوّث لباسه وبدنه برجز الشيطان عن محضر القدس ولا يترك أن يدخل إلى مقام الأنس، كذلك قذارات المعاصي وعصيان الحق التي هي من تصرفات الشيطان ومن رجس ذاك الخبيث وقاذوراته من موانع ورود المحضر، فالمتلبّس بالمعاصي قد نجّس ساتر البدن البرزخي ولا يتمكن مع هذه القذارة أن يرد إلى محضر الحق، وتطهير هذا اللباس من شرائط تحقق الصلاة الباطنية وصحتها وما دام الإنسان في حجاب الدنيا لا يطّلع على ذلك البدن الغيبيّ وطهارة لباسه وقذارته وشرطية الطهارة ومانعية القذارة فيها، ولكن في اليوم الذي خرج عن هذا الحجاب ورائد السلطنة الباطنية، ويوم الجمع طويا بساط تفرقة الظاهر وطلعت شمس الحقيقة من وراء الحجب المظلمة الدنيوية وانفتحت البصيرة الباطنية الملكوتية وأغلقت البصيرة الحيوانية الملكية فهو يدرك بعين البصيرة أن صلاته كانت فاقدة للطهارة إلى نهاية الأمر وكان مبتلى بآلاف من الموانع التي كان كل واحد منها سببا مستقلا للتبعيد عن محضر الحق المقدس، ومع آلاف الأسف أنه ليس في ذلك اليوم طريق للجبران ولا حيلة للإنسان بل ما يبقى له حين ذاك فقط هو الحسرات والندامات، ندامات لا نهاية لها وحسرات لا انتهاء لها {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ} (مريم 39).

 

 

 

فإذا حصلت الطهارة للباس الباطني فيلزم طهارة البدن الملكوتي أيضا من رجز الشيطان وهو عبارة عن التطهير من أرجاس الأخلاق الذميمة التي يلوّث كل منها الباطن ويبعّد الإنسان عن المحضر ويهجّره من بساط قرب الحق، وهي أيضا من رجس الشيطان البعيد عن الرحمة، وإنما أصول جميع الذمائم ومبادئها هي العجب وحبّ النفس والتكبّر والتظاهر والتعصّب، وكل منها مبدأ كثير من الذمائم الأخلاقية ورأس كثير من الخطيئات، فإذا فرغ السالك من هذه الطهارة وطهّر لباس التقوى بماء التوبة النصوح والرياضة الشرعية فيلزمه أن يشتغل بتطهير القلب الذي هو الساتر الحقيقي، وتصرّف الشيطان فيه أكثر وقذاراته سارية إلى سائر الألبسة والسواتر وما لم يطهّر ذاك لا تتيسرّ سائر الطهارات ولتطهيره مراتب يشار إلى بعضها الذي يناسب هذه الأوراق :

 

 

 

أحدها: التطهير من حبّ الدنيا الذي هو رأس كل الخطيئات ومنشأ جميع المفاسد، وما دامت هذه المحبة في قلب الإنسان لا يتيسّر له الورود إلى محضر الحق ولا تتحقق المحبة الإلهية التي هي أم الطهارات مع هذه القذارة ولعله ما اهتم بشيء في كتاب الله ووصايا الأنبياء والأولياء عليهم السلام وخصوصا أمير المؤمنين عليه السلام مثلما اهتم بترك الدنيا والزهد فيها والاتقاء منها الذي هو من حقائق التقوى. ولا تحصل هذه المرتبة من التطهير إلاَّ بالعلم النافع والرياضيات القوية القلبية وصرف الهمّة في التفكر في المبدأ والمعاد وانشغال القلب بالاعتبار في أفول الدنيا وخرابها وكرامة العوالم الغيبية وسعادتها " رحم الله امرءاً علم من أين وفي أين و إلى أين ؟ " ومنها التطهير من الاعتماد على الخلق الذي هو شرك خفيّ بل هو عند أهل المعرفة شرك جليّ، ويحصل هذا التطهير بالتوحيد الفعلي للحقّ جلّ وعلا الذي هو منبع الطهارات القلبية ولا بد أن يعلم أن مجرد العلم البرهاني والقدم التفكّري في باب التوحيد الفعلي لا ينتج النتيجة المطلوبة بل ربما تكون كثرة الاشتغال بالعلوم البرهانية سببا لظلمة القلب وكدورته وتمنع الإنسان من المقصد الأعلى، وفي هذا المقام قالوا العلم هو الحجاب الأكبر، وفي عقيدة الكاتب أن جميع العلوم هي عملية حتى علم التوحيد ولعله يستفاد كونه عمليا من كلمة التوحيد التي هي تفعيل لأنه بحسب ما يناسب الاشتقاق التوحيد عبارة عن التوجه من الكثرة إلى الوحدة وجعل جهات الكثرة مستهلكة ومضمحلة في عين الجمع ولا يحصل هذا المعنى بالبرهان بل يلزم أن ينّبه القلب بالرياضيات القلبية والتوجّه الغريزي إلى مالك القلوب ما أفاده البرهان نقطع حتى يحصل حقيقة التوحيد نعم، إن البرهان يقول لنا لا مؤثر في الوجود إلاَّ الله وهذا أحد معاني لا إله إلاَّ الله وببركة هذا البرهان نقطع يد تصرف الموجودات عن ساحة كبرياء الوجود ونردّ ملكوت العوالم وملكها إلى صاحبها ونظهر حقيقة كبرياء الوجود ونردّ ملكوت العوالم وملكه إلى صاحبها ونظهر حقيقة له ما في السموات والأرض وبيده ملكوت كل شيء وهو الذي في السماء اله وفي الأرض اله ولكن ما لم يصل هذا المطلب البرهاني إلى القلب ولم يعد صورة باطنية للقلب، لم نصل من حد العلم إلى حد الإيمان ولم يكن لنا من نور الإيمان الذي ينوّر مملكة الباطنية والظاهرية سهم ونصيب، فلهذه الجهة لنا نحن مع العلم بالبرهان لهذا المطلب الشامخ الإلهي واقع في التكثير وليس عندنا خبر من التوحيد الذي هو قرّة عين أهل الله، ندق طبل لا مؤثر في الوجود إلاَّ الله ومع ذلك نمد عين الطمع ويد الطلب إلى كل مستأهل وغير مستأهل :

 

 

 

باي استدلاليان جوبيـــن بود          باي جوبين سخت بي تمكين بود

 

 

 

(بيت شعر للمولى الرومي يقول: " إن للاستدلالّيين رِجلاً من خشب ولا يمكن الاعتماد على الرجل الخشبية ").

 

 

 

وهذا التطهير من المقامات الجليلة للسالكين وبعد هذا المقام مقامات أخر خارجه عن حدودنا ولعله في خلال هذه الأوراق يجيء منها ذكر بما يناسب هذه الأوراق.

 

 

 

الفصل الثاني

 

 

 

في الاعتبارات القلبية لستر العورة

 

 

 

(قال الشهيد قدّس سرّه: " وأما ستر العورة فاعلم أن معناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق فإن ظاهر بدنك موقع نظر الخلق فما رأيك في عورات باطنك ومقابح سرّك التي لا يطلّع عليها إلاَّ ربك فاحضر تلك المقابح ببالك وطالب نفسك بسترها وتحقق أنه لا يستر عن عين الله تعالى ساتر وإنما يسترها ويكفرها الندم والحياء والخوف فتستفيد بإحضارها من مكانها في قلبك انبعاث جنود الخزف والحياء من مكانها فتذل به نفسك وتسكن تحت الخجلة وتقوم بين يدي الله قيام العبد المجرم المسيء الآبق ندم فرجع إلى مولاه بانكسار رأسه من الحياء والخوف ".

 

 

 

إذا رأى السالك نفسه حاضرا في محضر الحق المقدس جلّ وعلا بل وجد باطنه وظاهره وسره وعلنه عين الحضور. كما روي عن الكافي والتوحيد أن الصادق عليه السلام قال: " إن روح المؤمن لأشدّ اتصالا بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها " بل ثبت بالبرهان القوي المتين في العلوم العالية أن جميع دائرة الوجود من أعلى مراتب الغيب إلى أدنى مراتب الشهود هي عين التعلق والروابط ومحض التدلي والفقر إلى القيوم المطلق جلّت عظمته، ولعلة أشير إلى هذا المعنى في الآية المباركة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (فاطر 15)  فإذا كان موجود من الموجودات في حال من الحالات وآن من الآنات وحيثيّة من الحيثيّات غير متعلّق بعزّ القدس الربوبي يخرج عن بقعة الإمكان الذاتي والفقر ويدخل في حريم الوجوب الذاتي والغني، وعلى العارف بالله والسالك إلى الله أن يكتب هذا المطلب الحق البرهاني وهذه اللطيفة الإلهية العرفانية في لوح القلب بواسطة الرياضات القلبية ويخرجها من حد العقل والبرهان إلى حد العرفان حتى تتجلى في قلبه حقيقة الإيمان ونوره، فان أصحاب القلب وأهل الله لا يقفون في حد الإيمان بل يقدمون منه إلى منزل الكشف والشهود وهو يحصل بالمجاهدة الشديدة والخلوة مع الله والعشق لله، كما في مصباح الشريعة أن الصادق عليه السلام قال: " العارف شخصه مع الخلق وقلبه مع الله لو سها قلبه عن الله طرفة عين لمات شوقا إليه، والعارف أمين ودائع الله وكنز أسراره ومعدن نوره ودليل رحمته على خلقه ومطية علومه وميزان فضله وعدله، قد غني عن الخلق والمراد والدنيا ولا مؤنس له سوى الله ولا نطق ولا إشارة ولا نفس إلاَّ بالله لله من الله مع الله".

 

 

 

وبالجملة إذا رأى السالك نفسه بجميع شؤونه عين الحضور يستر جميع عوراته الظاهرية والباطنية لحفظ المحضر وذلك إذ وجد أن كشف العورات الباطنية في محضر الحق أقبح وأفضح من كشف العورات الظاهرية بمقتضى الحديث " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم ".. وهذه العورات الباطنية والذمائم الأخلاقية وخبائث العادات والأحوال الرديئة الخلقية هي التي تسقط الإنسان عن لياقة المحضر وأدب الحضور وهذه هي المرتبة الأولى من هتك الستور وكشف العورات، وليعلم أن الإنسان إن لم يستر نفسه بحجاب الستارية والغفارية من الحق جلّ وعلا ولم يقع تحت اسم الستّار والغفار مع طلبة الغفارية والستارية. فبعد انطواء ساتر الملك وارتفاع حجاب الدنيا فربما تهتك ستوره في محضر الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين عليهم السلام ولا يعلم قباحة كشف تلك العورات الباطنية وفضاحتها ونتن سوى الله.

 

 

 

أيها العزيز لا تقس أوضاع عالم الآخرة بهذا العالم فإن هذا العالم لا يتسع لظهور نعمة من نعم ذاك العالم أو نقمة من نقماته، هذا العالم مع ما فيه من سعة السموات والعوالم لا يتسع لظهور حجاب من الحجب الملكوتية السفلى التي من جملتها عالم القبر فكيف بالملكوت الأعلى الذي يكون عالم القيامة أنموذجا منه. ففي الحديث المفصّل والذي رواه الشيخ الشهيد الثاني رضوان الله عليه في منية المريد عن الصديقة الكبرى سلام الله عليها قالت: " سمعت أبي صلى الله عليه وآله يقول: إن علماء شيعتنا يحشرون فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم وجدّهم في إرشاد عباد الله حتى يخلع على الواحد منهم ألف ألف خلعة من نور.. إلى أن قالت عليها السلام: أن سلكا من تلك الخلع لأفضل مما طلعت عليه الشمس ألف ألف مرة ". هذا بالنسبة إلى النعيم، وأما بالنسبة إلى العذاب فقد روى الفيض رحمه الله في العلم اليقين عن المرحوم الصدوق بإسناده عن الصادق عليه السلام في ضمن حديث " أن جبريل عليه السلام قال لرسول الله صلى الله عليه وآله: فلو أن حلقة من السلسلة التي طولها سبعون ذراعا وضعت على الدنيا لذابت الدنيا من حرّها ولو أن قطرة من زقّومها وضريعها قطرت في مياه أهل الدنيا لمات أهلها من نتنها " نعوذ بالله من غضب الرحمن.

 

 

 

فيلزم على السالك إلى الله أن يبدّل أوصافه وأخلاقه السيّئة إلى الأوصاف والأخلاق الكاملة ويفنى في بحر الأوصاف الكمالية للحق، هذا البحر المتلاطم غير المتناهي ويبدّل الأرض المظلمة الشيطانية بأرض بيضاء مشرقـة ويجد فـي نفسه {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} (الزمر 69)  ويحقق في مملكة وجوده مقام أسماء الجمال والجلال للذات المقدسة فيقع في هذا المقام في ستر الجمال والجلال ويتخلّق بأخلاق الله ويستر مقابح التعينات النفسية والظلمات الوهمية فإذا تحقق هذا المقام يقع موردا للعنايات الخاصة للحق جلّ جلاله ويؤيده الحق بلطفه الخفيّ الخاص ويستره تحت حجاب كبريائه على نحو لا يعرفه غيره وهو أيضا لا يعرف غير الحق "  إن أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري " وفي الكتاب المقدس الإلهي إشارات كثيرة في هذا الموضوع لأهله كما في قوله تعالى: {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ} (البقرة  257) إن أهل المعرفة وأصحاب السابقة الحسنى يعلمون أن جميع التعينات الخلقية والكثرات العينية ظلمات والنور المطلق لا يحصل إلاَّ بإسقاط الإضافات وكسر التعينات التي هي أصنام طريق السالك فإذا اضمحلت وانطمست ظلمات كثرات الفعلية والوصفية في عين الجمع تكون جميع العورات مستورة ويتحقق الحضور المطلق والوصول التام.

 

 

 

والمصلي في هذا المقام كما أنه مستور بالحق فهو مصلّ بصلاة الحق ولعل صلاة معراج خاتم الرسل صلى الله عليه وآله وسلم كانت بهذه الطريقة في بعض المقامات والمدارج، والله العالم.

 

 

 

وصل: عن مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: " أزين اللباس للمؤمنين لباس التقوى وأنعمه الإيمان ". قال الله عز وجل: {وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ} (الأعراف 26). وأما اللباس الظاهر فنعمة من الله يستر عورات بني آدم وهي كرامة أكرم الله بها عباده ذرية آدم لم يكرم غيرهم وهي للمؤمنين آلة لأداء ما افترض الله عليهم وخير لباسك ما لا يشغلك عن الله عزّ وجلّ بل يقرّبك من شكره وذكره وطاعته ولا يحملك فيها إلى العجب والرياء والتزين والمفاخرة والخيلاء فإنها من آفات الدين ومورثة القسوة في القلب، فإذا لبست ثوبك فاذكر ستر الله عليك ذنوبك برحمته والبس باطنك بالصدق كما ألبست ظاهرك بثوبك وليكن باطنك في ستر الرهبة وظاهرك في ستر الطاعة واعتبر بفضل الله عز وجل حيث خلق أسباب اللباس لتستر العورات الظاهرة وفتح أبواب التوبة والإنابة لتستر بها عورات الباطن من الذنوب وأخلاق السوء (في الكافي بإسناده إلى معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "إذا تاب العبد توبة نصوحا أحبّه الله فستر الله عليه في الدنيا والآخرة، فقلت: وكيف يستر عليه ؟ قال: يُنسي ملكيه ما كتبا عليه من الذنوب و (ثم خ ل) يوحي إلى جوارحه اكتمي عليه ذنوبه ويوحي إلى بقاع الأرض اكتمي عليه ما كان يعمل عليك من الذنوب فيلقى الله حين يلقاه وليس شيء يشهد عليه بشيء من الذنوب ") ولا تـفضح أحدا حيـث ستـر الله عليك أعظم منه (إنَّ الستّارية من أوصاف الله تعالى وطوبى لعبد تخلّق بأخلاق الله.. وقد شدّد النكير في الروايات على من كان بصدد إفشاء عيب من أخيه المؤمن كما قال الصادق عليه السلام: "من اطلّع من مؤمن على ذنب أو سيئة فأفشى ذلك عليه ولم يكتمها ولم يستغفر الله له كان عند الله كعاملها وعليه وزر ذلك الذي أفشاه عليه وكان مغفورا لعاملها وكان عقابه ما أفشى عليه في الدنيا مستور عليه في الآخرة ثم يجد الله أكرم من أن يثنّي عليه عقابا في الآخرة ".

 

 

 

وقال عليه السلام: " من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه وهدم مروّته ليسقط من أعين الناس أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان فلا يقبله الشيطان ". والروايات في ذلك أكثر من أن تذكر.

 

 

 

وذكر المحدّث القمّي في السفينة في مادة عيب عن سفيان بن عيينة ((* - ابن عيينه بضم عينه أبو محمد سفيان بن عيينه ابن أبي عمر أن الكوفي المكي تابعي التابعين كان جدّه أبو عمران من عمّال خالد بن عبد الله القسري فلّما عزل خالد عن العراق وولى يوسف بن عمر طلب عمّال خالد فهرب منه إلى مكة فنزلها وولد سفيان سنة 107 ذكره الخطيب في تاريخه وأثنى عليه، وقال: كان له في العلم قدر كبير ومحلّ خطير وأدرك نيّفاً وثمانين نفساً من التابعين وسمع ابن شهاب الزهري وعمرو بن دينار وأبا إسحاق السبيعي ثم ذكر جماعة كثيرة من نظرائهم (انتهى). وهو عندنا كسفيان الثوري وينقل منه بعض الكلمات الحكيمة التي ينبغي أخذها فان الحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث وجدها. حكي أنه كتب إلى أخ له: أما آن لك يا أخي أن تستوحش من الناس ولقد أدركنا الناس وهم إذا بلغ أحدهم أربعين سنة جن (أي ستر) عن معارفه وصار كأنه مختلط العقل من شدّة تأهّبه للموت وكان إذا أعطاه الناس شيئا قال أعطوه لفلان فإنه أحوج مني.

 

 

 

وقال خصلتان يعسر علاجهما: الطمع فيما بأيدي الناس وإخلاص العمل لله. ويقول: إذا كان نهاري نهار سفيه وليلي ليل جاهل ماذا أصنع بالعلم الذي كتبت ؟.

 

 

 

توفّي في غرّة رجب سنة 198 (فصح) بمكة ودفن بالحجون بتقديم الحاء المهملة على الجيم موضع بمعلاة مكة ومعلاة مقبرة بها دفنت خديجة رضي الله عنها)). قال في قوله تعالى: إلاَّ أمم أمثالكم.. ما في الأرض آدمي إلاَّ وفيه شبه من بعض البهائم، فمنهم من يقدم إقدام الأسد ومنهم من يعدو عدو الذئب ومنهم من ينبح نباح الكلب ومنهم من يتطوّس كفعل الطاووس، ومنهم من يشبه الخنزير، فانه لو ألقي إليه الطعام الطيّب تركه وإذا قام الرجل عن رجيعه ولغ فيه، وكذلك نجد الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يحفظ واحدة منها فإن أخطأت مرة واحدة حفظها ولم يجلس مجلسا إلاَّ رواه عنه.. ثم قال: فاعلم يا بنيّ انك إنما تعشر البهائم والسباع فبالغ في الاحتراز. قال المحدث القمي بعد نقل هذا الكلام أقول وأحسن من هذا ما قال أمير المؤمنين عليه السلام: " إن الأشرار يتتبّعون مساوئ الناس ويتركون محاسنهم كما يتتبّع الذباب المواضع الفاسدة من الجسد ويترك الصحيح "). واشتغل بعيب نفسك واصفح عمّا لا يعنيك حاله وأمره واحذر أن تفني عمرك لعمل غيرك ويتّجر برأس مالك غيرك وتهلك نفسك فإن نسيان الذنوب من أعظم عقوبة الله تعالى في العاجل وأوفر أسباب العقوبة في الآجل وما دام العبد مشتغلا بطاعة الله تعالى ومعرفة عيوب نفسه وترك ما يشين في دين الله فهو بمعزل عن الآفات خائض في رحمة الله عز وجل يفوز بجواهر الفوائد من الحكمة والبيان وما دام ناسيا لذنوبه جاهلا لعيوبه راجعا إلى حوله وقوته لا يفلح إذا أبدا "

 

 

 

إنَّ مقاصد الحديث الشريف وإن اتضحت في الجملة في البيانات السابقة ولكن الإشارة إلى بعض إشاراته بعنوان شبه الترجمة موجب لصفاء القلوب.

 

 

 

يقول الإمام عليه السلام: أزين اللباس للمؤمنين هو لباس التقوى وألطفه لهم هو لباس الإيمان، كما قال الله تعالى: ولباس التقوى ذلك خير.. وأما لباس الظاهر فهو من نعم الله تعالى فانه يستر عورة بني آدم، وهذه الكرامة كرامة خاصة لذرية آدم عليه السلام ولم يعطها سبحانه إلى سائر الموجودات ولكن المؤمنين يصرفون هذه النعمة أيضا في أداء الواجبات الإلهية، وخير لباسك ما لا يغفلك عن الله ولا يشغلك بغير الله بل يقربك إلى شكره وذكره وطاعته، فلا بد لك أن تحترز في مادة اللباس وهيئته مما يوجب الغفلة والبعد عن ساحة قدس الحق وتعلم أن في اللباس بل في جميع الأمور العادية أمورا تغفل الإنسان عن الحق وتشغله بالدنيا وتؤثر في قلبه الضعيف تأثيرات السوء وتبتله بالعجب والرياء والتزين والفخر والكبر وكل ذلك آفات للدين وموجبة لقسوة القلب، وإذا لبست اللباس الظاهر فتذكر أن الله تعالى ستر بساتر رحمته ذنوبك ومعاصيك، وكما أنك لبّست ظاهرك باللباس الظاهري فلا تغفل عن الألبسة الباطنية ولبّس باطنك بلباس الصدق ولا بد لك أن تجعل باطنك في ستر الخوف والرهبة وظاهرك في ستر الطاعة وتعتبر من فضل الله تعالى حيث أنه تعالى أعطى اللباس الظاهر كي تستر به عيوبك الظاهرة وفتح لك أبواب التوبة والإنابة كي تستر بها العورات الباطنية التي هي المعاصي والأخلاق الذميمة. ولا تفضح أحدا كما أن الله سبحانه لم يفضحك فيما أهو أعظم واشتغل بعيب نفسك كي ينفتح لك باب الإصلاح واصفح عما لا يكون معينا لك (أقول: ويمكن أن يكون الاشتقاق من عني فيكون المعنى: واصفح عما لا يفيدك والمعنيان متقاربان)   واحذر أن تفني عمرك لعمل غيرك وتكتب نتيجة أعمالك في صحيفة أعمال غيرك ويتّجر الآخرون برأس مالك وتلقي بنفسك إلى الهلاك لان نسيانك ذنوبك من أعظم العقوبات التي ابتلى الله تعالى الإنسان في الدنيا بها لأنه إذا نسي ذنوبه لم يقم بإصلاح نفسه، ونسيان الذنوب من أوفر أسباب العذاب في الآخرة وما دام العبد مشتغلا بطاعة الحق عز وجل ومشغولا بمعرفة عيوب نفسه وتاركا للأمور التي هي عيب في دين الله فهو بمعزل عن الآفات وغائص في بحر رحمة الله وفائز بجواهر الحكمة والبيان، وما دام العبد ناسيا ذنوبه وجاهلا بعيوبه ومعتمدا على حوله وقوته لا يحصل له الفلاح أبدا.

 

 

 

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©