الأحد ٢٦ / فبراير / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » الآداب المعنوية للصلاة »

المقالة الثانية: في مقدمات الصلاة وفيها خمسة أبواب

12 مايو 2012 | في الفئة: الآداب المعنوية للصلاة | لا توجد تعليقات | الزیارات: 467

الباب الأول: في التطهيرات والوضوء وآدابهما

 

 

 

وفيه سبعة فصول

 

 

 

الفصل الأول

 

 

 

في التطهيرات الثلاثة

 

 

 

كما أشرنا سابقا أن للصلاة غير هذه الصورة لحقيقة، وغير هذا الظاهر لباطنا، فكما أن لظاهرها آدابا وشروطا صورية وكذلك لباطنها أيضا آدابك وشروطك ولا بد للسالك من مراعاتها فللطهارة الصورية آداب وشروط صورية خارج بيانها عن وظيفة هذه الأوراق، وفقهاء الجعفرية أعلى الله كلمتهم ورفع الله درجتهم قد بيّنوها. وأما الآداب الباطنية والطهور الباطني فنحن نبيّنها على نحو الإجمال.

 

 

 

فليعلم أنه طالما كانت حقيقة الصلاة هي العروج إلى مقام القرب والوصول إلى مقام حضور الحق جلّ وعلا فللوصول إلى المقصد الأعلى والغاية القصوى يلزم طهارات غير هذه الطهارات، وأشواك هذا الطريق وموانع هذا العروج هي قذارات لا يتمكن السالك مع اتصافه بإحدى تلك القذارات من الصعود إلى هذه المرقاة والعروج بهذا المعراج وما يكون من قبيل تلك القذارات فهو موانع الصلاة ورجس الشيطان وما يكون معينا للسالك في السير، ومن آداب الحضور فهو من شروط هذه الحقيقة ويلزم للسالك إلى الله في بداية الأمر رفع الموانع أولا كي يتّصف بالطهارة ويتيسّر له الطهور الذي هو من عالم النور، وما دام السالك لم يتطهّر من جميع القذارات الظاهرية والباطنية والعلنيّة والسرية لا يكون له أي حظ من المحضر والحضور.

 

 

 

فأول مرتبة من مراتب القذارات هي تلوّث الآلات والقوى الظاهرية للنفس بلوث المعاصي وتقذرها بقذارة المعصية لوليّ النعم، وهذه هي الشبكة الصورية لإبليس، وما دام الإنسان مبتلى بهذه الشبكة فهو عن فيض المحضر وحصول القرب الإلهي محروم ولا يظنّن أحد أنه يمكن أن يرقى إلى مقام حقيقة الإنسانية من دون تطهير ظاهر مملكة الإنسانية، أو انه يستطيع أن يطهّر باطن قلبه من دون تطهير ظاهره، وهذا الظّن غرور من الشيطان ومن مكائده العظيمة وذلك لان الكدورات والظلمات القلبية تزداد بالمعاصي التي هي غلبة الطبيعة على الروحانية، وما دام السالك ما افتتح المملكة الظاهرية فهو محروم بالكلية من الفتوحات الباطنية التي هي المقصد الأعلى ولا ينفتح له طريق إلى السعادة، فأحد الموانع الكبيرة لهذا السلوك هو قذارات المعاصي التي لابدّ أن تطهّر بماء التوبة النصوح الطاهر الطهور، وليعلم أن جميع القوى الظاهرية والباطنية التي أعطانا الله إياها وأنزلها من عالم الغيب هي أمانات إلهية كانت طاهرة عن جميع القذارات وكانت طاهرة مطهّرة بل كانت متنورة بنور الفطرة الإلهية وبعيدة عن ظلمة تصرّف إبليس وكدورته، فلما نزلت إلى ظلمات عالم الطبيعة وامتدت يد تصرّف شيطان الواهمة ويد الخيانة الإبليسية إليها خرجت عن الطهارة الأصلية والفطرة الأولية وتلوّثت بأنواع القذارات والأرجاس الشيطانية. فالسالك إلى الله إذا تمسك بذيل عناية ولّي الله وأبعدها عن أن تتناولها يد الشيطان وطهّر المملكة الظاهرية وردّ الأمانات الإلهية كما أخذها فهو ما خان الأمانة حينئذ وإن صدرت منه خيانة فهو مورد للغفران والستارية فيستريح خاطره من ناحية الظاهر ويقوم بتخلية الباطن من أرجاس الأخلاق الفاسدة وهذه هي المرتبة الثانية من القذارات التي فسادها أكثر وعلاجها أصعب، وعند أصحاب الارتياض أهم لأنه ما دام الخلق الباطني للنفس فاسدا والقذارات المعنوية محيطة بها لا تليق بمقام القدس وخلوة الأنس بل مبدأ فساد المملكة الظاهرية للنفس هو الأخلاق الفاسدة والملكات الخبيثة لها وما دام السالك لم يبدّل بالملكات السيئة الملكات الحسنة فليس مأمونا عن شرور الأعمال. وإذا وُفّق للتوبة والاستقامة عليها التي هي من المهمات لا تتيسّر له. فتطهير الظاهر أيضا متوقف على تطهير الباطن مضافا إلى أن القذارات الباطنية موجبة للحرمان من السعادة ومنشأ لجهنم الأخلاق التي هي كما يقول " أهل المعرفة " أشدّ حرّاً من جهنم الأعمال، وقد أشير كثيراً إلى هذا المعنى في أخبار أحاديث أهل بيت العصمة. فيلزم السالك إلى الله هذه الطهارة أيضا.

 

 

 

وبعد أن غُسل عن روح النفس التلوث بالأخلاق الفاسدة بماء العلم النافع الطاهر الطهور وبارتياض شرعي صالح يشتغل حينئذ بتطهير القلب الذي هو أم القرى وبصلاحه تصلح المملكة وبفساده تفسد كلها. وقذارات عالم القلب مبدأ القذارات كلها وهي عبارة عن تعلّقه بغير الحق وتوجّهه إلى نفسه إلى العالم، ومنشؤها جميعا حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة وحبّ النفس الذي هو أمّ الأمراض. وما دامت جذور هذه المحبة في قلب السالك لا يحصل فيها أثر من محبة الله ولا يهتدي طريقا إلى منزل المقصد والمقصود، ومادام للسالك في قلبه بقايا من هذه المحبة لم يكن سيره إلى الله بل يكون سيره إلى النفس و إلى الدنيا و إلى الشيطان، فالتطهير عن حب النفس والدنيا هو أول مرتبة تطهير السلوك إلى الله في الحقيقة لأنه قبل هذا التطهير ليس السلوك سلوكا وإنما يطلق السلوك والسالك على سبيل المسامحة (وقال بعض علماء الآخرة في المقام بعد ذكر بعض الآيات والروايات فتفطّن ذوو البصائر بهذه الظواهر، إن أهم الأمور تطهير السرائر إذ يبعد أن يكون المراد بقوله صلى الله عليه وآله: " الطهور نصف الإيمان " عمارة الظاهر بالتنظيف بإفاضة الماء وإنقائه وتخريب الباطن وإبقائه مشحونا بالأخباث والقذارات هيهات هيهات.. ثم قال: والطهارة لها أربع مراتب. المرتبة الأولى: تطهير الظاهر عن الأحداث وعن الأخباث والفضلات. المرتبة الثانية: تطهير الجوارح عن الجرائم والآثام. المرتبة الثالثة: تطهير القلب عن الأخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة. المرتبة الرابعة: تطهير السرّ عما سوى الله تعالى وهي طهارة الأنبياء صلوات الله عليهم والصدّيقين. والطهارة في كل مرتبة نصف العمل الذي هو فيها فان الغاية القصوى من عمل السرّ أن ينكشف له جلال الله تعالى وعظمته ولن تحلّ معرفة الله تعالى بالحقيقة في السرّ ما لم يرتحل ما سوى الله تعالى عنه. ولذلك قال الله تعالى: {قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} (الأنعام 91).. لأنهما لا يجتمعان في قلب واحد.

 

 

 

{مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} (الأحزاب 4) وأما عمل القلب والغاية القصوى فيه عمارته بالأخلاق المحمودة والعقائد المشروعة، ولن يتّصف بها ما لم ينظّف من نقائضها من العقائد الفاسدة والرذائل الممقوتة، فتطهيره أحد الشطرين، وهو الشطر الأول الذي هو شرط في الثاني فكان الطهور شطر الإيمان بهذا المعنى، وكذلك تطهير الجوارح عن المناهي أحد الشطرين وهو الشطر الأول الذي هو شرط في الثاني، فتطهيره أحد الشطرين وهو الشطر الأول وعمارتها بالطاعات الشطر الثاني.

 

 

 

فهذه مقامات الإيمان ولكل مقام طبقة ولن ينال العبد الطبقة العالية إلاَّ أن يجاوز الطبقة السافلة فلا يصل إلى طهارة السر من الصفات المذمومة وعمارته بالخلق المحمود، ولن يصل إلى ذلك من لم يفرغ من طهارة الجوارح عن المناهي وعمارتها بالطاعات وكلما عزّ المطلوب وشرف، صعب مسلكه وطال طريقه وكثرت عقباته. فلا تظن أن هذا الأمر يدرك وينال بالهوينى.

 

 

 

انتهى موضع الحاجة من كلامه أقول: ومن طلب العلى سهر الليالي) ومن وراء هذا المنزل منازل البلاد السبعة لعشق العطار يظهر النموذج منها للسالك وذاك القائل رأى نفسه في أول منعطف من زقاقها (إشارة إلى الشعر المعروف للعارف الرومي يقول فيه :

 

 

 

هفت شعر عشق را عطّار كَشت                 ما هنوز اندر خم يك كوجه ايم

 

 

 

يعنى أن عطّار النيشابوري (العارف المعروف) سار ودار في المدن السبعة التي هي مدن العشق وبلاده ولكنّا مع الأسف إلى الآن لم نتجاوز من منعطف زقاق واحد لتلك المدن). ونحن وراء الأسوار والحجب الضخمة ونحسب تلك البلاد وحكامها من الأساطير.

 

 

 

أنا لست أركز على الشيخ العطار (هو فريد الدين محمد بن إبراهيم النيسابوري المعروف بالشيخ العطّار صاحب الأشعار والمصنّفات في التوحيد والحقايق والمعارف وله أشعار في مدح مولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام وفي ذمّ الدنيا. توفي سنة 427 (خكز) بعد عمر طويل وقيل أنّه قُتل في فتنة التتر وقبره خارج نيسابور معروف. وميثم التمّار الصحابي المعروف). أو على ميثم التمّار ولكن لا أنكر المقامات من أصلها وأتطلب صاحبها بالقلب والروح وأرجو الفرج لهذه المحبة وأنت كن كما شئت واتصل مع من شئت :

 

 

 

مدّعي خواست كه آيد بتماشا كه راز        دست غيب آمد وبر سينه نا محرم زد

 

 

 

(البيت للعارف الحافظ الشيرازي يقول: أراد المدّعي أن يدخل منتزه السرّ فظهرت اليد الغيبية وضربت في صدر المدعي وردّه عن الورود لأنه ما كان محرماً للسرّ. فبيّن أن من شروط الدخول في حرم سرّ الله رفض الدعوى وترك الأنانية).

 

 

 

ولكن لم أكن خائنا للأحباء العرفانيين في الأخوة الإيمانية ولا أضيق بالنصيحة لهم التي هي من حقوق المؤمنين.

 

 

 

فإن أعظم القذارات المعنوية التي لا يمكن تطهيرها بسبعة أبحر وأعجزت الأنبياء العظام هي قذارة الجهل المركب الذي هو منشأ الداء العضال إلاَّ وهو إنكار مقامات أهل الله وأرباب المعرفة ومبدأ سوء الظنّ لأصحاب القلوب، وما دام الإنسان ملوّثا بهذه القذارة لا يتقدّم خطوة إلى المعارف بل ربما تطفئ هذه الكدورة نور الفطرة الذي هو مصباح طريق الهداية وينطفئ بها نار العشق التي هي براق العروج إلى المقامات ويخلّد الإنسان في أرض الطبيعة، فاللازم على الإنسان أن يغسل هذه القذارات عن باطن القلب بالتفكر في حال الأنبياء والأولياء الكمل صلوات الله عليهم وتذكر مقاماتهم و إلاَّ يقنع بالحدّ الذي هو فيه فإن الوقوف على الحدود والقناعة في المعارف، من التلبيسات العظيمة لإبليس والنفس الأمّارة نعوذ بالله منها، وحيث أن هذه الرسالة كتبت على وفق ذوق العامة فقد أمسكنا عن التطهيرات الثلاثة للأولياء والحمد لله. (بالاستئذان من حضرة الأستاذ أشير إلى التطهيرات الثلاثة للأولياء وأن كان لا يخلو عن التجاسر وسوء الأدب عند أرباب المعنى.

 

 

 

فأقول: المرتبة الأولى من التطهيرات الثلاثة للأولياء تطهير الأعضاء والجوارح من الأعمال والأفعال البشرية، وهذا التطهير هو نتيجة قرب النوافل كما في الحديث المتفق عليه " لا يزال يتقرّب إلي عبدي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت أنا سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها ".

 

 

 

فالسالك الكامل الواصل إذا خرج من بيت النفس المظلم وطوى عالم النفس بالكلية واندك جبل إنّيّته وأنانيته بتجلي الأنوار الربوبية وخرق الحجب النورانية والظلمانية يتجلى الحق تعالى في وجوده فيسمع بالحق ولا يسمع غير الحق ويبصر بالحق ولا يبصر سوى الحق ويبطش بالحق ولا يصدر منه إلاَّ الحق وينطق بالحق ولا ينطق إلاَّ الحق.

 

 

 

فإذا تمكن في هذا المقام وتقرّب إلى الله سبحانه بقدر استعداده فتحصل له المرتبة الثانية من التطهير وهو التطهير من الصفات الخلقية فالجذبات الإلهية الرحمانية تجذبه ويأنس بنار العشق من جانب طور تجلّي الأسماء فتقربه من بساط الأنس، فإن جذبه من جذبات الرحمان توازن عمل الثقلين كما في الحديث ويكون كالحديدة المحماة كما في الحديث أيضاً، فكلما يتمكن من القرب يتأدّب بالآداب الربوبية المستفادة من قوله صلى الله عليه وآله " أدّبني ربي فأحسن تأديبي ". فتكمل فيه الصفات والملكات الخلقية وتصل جوهرة   العبودية إلى كنها وتختفي العبودية وتظهر الربوبية وتتحقق بحقيقة " وتخلّقوا بأخلاق الله ". ثم في منتهى قرب النوافل يصل إلى المرتبة الثالثة من التطهير وهي تطهير الذات وكشف سبحات الجلال ويحصل الفناء الكلّي والصعق التام والاضمحلال المطلق والتلاشي التام ويصير القلب إلهيا ولاهوتيا وتتجلى حضرة اللاهوت في مراتب الباطن والظاهر فيصل على معدن العظمة ويصير روحه معلقا بعزّ القدس كما أشار عليه السلام في المناجاة الشعبانية: " الهي هب لي كمال الانقطاع إليك وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرنا إليك حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور وتصل إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا معلّقة بعزّ قدسك ". فعند ذلك يكون وجوده حقانيا، والحق تعالى يشاهد الموجودات في مرآة وجوده، وإذا كان إنسانا كاملا فيوافق المشيئة المطلقة، كما ورد في زيارة الأولياء الكمّل " إرادة الربّ في مقادير أموره تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم " وتكون روحانية عين مقام الظهور الفعلي للحق تعالى كما قال علي عليه السلام: " نحن صنائع الله والخلق بعد صنائعنا " فيه يبصر الحق تعالى وبه يسمع وبه يبطش كما في زيارة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: " السلام على عين الله الناظرة وأذنه الواعية ويده الباسطة السلام على جنب الله الرضي ووجهه المضيء " وربما تستفاد هذه اللطيفة الربانية من حديث قرب النوافل: " كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به.. إلى آخره.. " فليتدبّر.. وفي دعاء رجب: " لا فرق بينك وبينها إلاَّ أنهم عبادك وخلقك ".

 

 

 

وليعلم أنه يمكن تطهير الفطرة بعد تلوثها. وما دام الإنسان في هذه النشأة فالخروج من تصرّف الشيطان له مقدور وميسور، والورود في حزب ملائكة الله التي هي جنود رحمانية إلهية له ميسّر. وحقيقة جهاد أعداء الدين كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الخروج من تصرف جنود إبليس والورود تحت تصرّف جنود الله، فأول مرتبة الطهارة هي التسنّن بالسنن الإلهية والائتمار بأوامر الحق.

 

 

 

والمرتبة الثانية هي التحلي بفضائل الأخلاق وفواضل الملكات. والمرتبة الثالثة هي الطهور القلبي وهو عبارة عن تسليم القلب إلى الحق تعالى، وبعد هذا التسليم يصير القلب نورانيا بل يكون القلب نفسه من عالم النور ومن درجات النور الإلهي، ويسري نور القلب إلى سائر الأعضاء والجوارح والقوى الباطنية وتكون المملكة كلها نورا ونورا على نور وينتهي الأمر إلى حد يكون القلب إلهيا ولاهوتيا، وتتجلى حضرة اللاهوت في جميع مراتب الباطن والظاهر، وفي هذه الحال تفنى العبودية كل الفناء وتختفي، فتظهر الربوبية وتبين. ويحصل لقلب السالك في هذه الحال الطمأنينة والأنس ويصير جميع العوامل محبوبا له وتحصل له الجذبات الإلهية وتغفر له الخطايا والزلاّت وتستتر في ظلّ التجلّيات الحبّيّة وتحصل له بدايات الولاية ويليق بالورود على محضر الأنس، وللسالك بعد هذا منازل لا يناسب هذه الأوراق ذكرها).

 

 

 

الفصل الثاني

 

 

 

في الإشارة إلى مراتب الطهور

 

 

 

اعلم أن الإنسان مادام في عالم الطبيعة ومنزل مادة الهيولانية فهو تحت تصرفات جنود إلهية وجنود إبليسيه. والجنود الإلهية هي جنود الرحمة والسلامة والسعادة والنور والطهارة والكمال، وجنود إبليس مقابلاتها، وحيث أن الجهات الربوبية غالبة على الجهات الإبليسية فللإنسان في مبدأ الفطرة نور وسلامة وسعادة فطرية إلهية كما صرّح بذلك في الأحاديث الشريفة وأشير إليه في الكتاب الشريف الإلهي، وما دام الإنسان في هذا العالم فهو بقدر الاختيار يستطيع أن يجعل نفسه تحت تصرّف أحد هذين الجنديين، فإذا لم يكن لإبليس من أول فطرة الإنسان إلى آخرها تصرّف في فطرته فهو إنسان الهي لاهوتي، وهو من قرنه إلى قدمه نور وطهارة وسعادة فقلبه نور الحق ولا يتوجّه لغير الحق وقواه الباطنية والظاهرية نورانية وطاهرة ولا يتصرف فيها سوى الحق وليس لإبليس فيها حظ ولا لجنوده فيها تصرّف. ومثل هذا الموجود الشريف طاهر مطلقا ونور خالص وما تقدم من ذنبه وما تأخّر فهو مغفور له، وهو صاحب الفتح المطلق وواجد لمقام العصمة الكبرى بالأصالة وبقية المعصومين واجدون لذاك المقام تبعا لتلك الذات المقدسة وهو صاحب مقام الخاتمية الذي هو الكمال على الإطلاق، وحيث أن أوصياءه مشتقون من طينته ومتصلون بفطرته فهم أصحاب العصمة المطلقة بتبعة ولهم التبعية الكاملة. وأما بعض المعصومين من الأنبياء والأولياء عليهم السلام فليسوا أصحاب العصمة المطلقة ولم يكونوا خالين من تصرّف الشيطان، كما أن توجّه آدم عليه السلام إلى الشجرة كان من تصرفات إبليس الكبير إبليس الأبالسة مع أن تلك الشجرة الجنة الإلهية ومع ذلك كانت له الكثرة الأسمائية التي تنافي مقام الآدمية الكاملة، وهذا أحد معاني الشجرة المنهي عنها أو أحد مراتبها و إذا تلوّث نور الفطرة بالقذارات الصورية والمعنوية فبمقدار التلوّث يبعد عن بساط القرب ويهجر من حضرة الأنس حتى يصل إلى مقام ينطفئ فيه نور الفطرة بالكلّية وتصير المملكة شيطانية كلها ويكون ظاهرها وباطنها وسرّها وعلنها في تصرّف الشيطان فيكون الشيطان قلبه وسمعه وبصره ويده ورجله وتكون جميع أعماله شيطانية، وإذا وصل أحد  - والعياذ بالله - إلى هذا المقام فهو الشقّي المطلق ولا يرى وجه السعادة أبدا، وبين هاتين المرتبتين مقامات ومراتب لا يحصيها إلاَّ الله وكل من يكون إلى أفق النبوة أقرب فهو من أصحاب اليمين وكل من كان إلى أفق الشيطان أقرب فهو من أصحاب الشمال.

 

 

 

الفصل الثالث

 

 

 

في الآداب القلبية للسالك حينما يتوجه إلى الماء للطهارة

 

 

 

ونذكر في المقام الحديث الشريف لمصباح الشريعة كي يحصل للقلوب الصافية لأهل الإيمان منه نورانية.

 

 

 

ففي مصباح الشريعة قال الإمام الصادق عليه السلام: " إذا أردت الطهارة والوضوء فتقدم إلى الماء تقدمك إلى رحمة الله فإن الله قد جعل الماء مفتاح قربته ومناجاته ودليلاً على بساط خدمته، وكما أن رحمة الله تطهّر ذنوب العباد كذلك النجاسات الظاهرة يطهرها الماء لا غير"، قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا} (الفرقان 48). وقال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} (الأنبياء 30). فكما يحيي به كل شيء من نعيم الدنيا كذلك برحمته وفضله جعل حياة القلوب الطاعات. وتفكر في صفاء الماء ورقّته وطهارته وبركته ولطيف امتزاجه بكل شيء واستعمله في تطهير الأعضاء التي أمرك الله بتطهيرها، وات بآدابها في فرائضه وسننه فإن تحت كل واحدة منها فوائد كثيرة، فإذا استعملها بالحرمة انفجرت لك عيون فوائده عن قريب ثم عاشر خلق الله كامتزاج الماء بالأشياء يؤدي كل شيء حقّه ولا يتغير معناه معتبرا لقول رسول الله صلى الله عليه وآله مثل المؤمن المخلص الخالص كمثل الماء، ولتكن صفوتك مع الله تعالى في جميع طاعتك كصفوة الماء حين أنزله من السماء وسمّاه طهورا وطهّر قلبك بالتقوى واليقين عند طهارة جوارحك بالماء ".

 

 

 

وفي هذا الحديث لطائف ودقائق وإشارات وحقائق تحيي قلوب أهل المعرفة وتعطي الأرواح الصافية لأصحاب القلوب حياة جديدة. ففي هذا الحديث شبه الماء بل أوله إلى رحمة الحق فمن نكات هذا التشبيه أو التأويل أن الماء أحد المظاهر العظيمة لرحمة الحق التي أنزلها في عالم الطبيعة وجعلها سببا لحياة الموجودات بل أهل المعرفة يعبّرون بالماء عن الرحمة الواسعة الإلهية التي نزلت من السماء رفيعة الدرجات لحضرة الأسماء والصفات فأحيا بها أراضي التعيّنات للأعيان. وحيث أن تجلّي الرحمة الواسعة الإلهية في الماء الملكي الظاهري أكثر من سائر الموجودات الدنيوية جعله الله تعالى لتطهير القذارات الصورية بل ماء الرحمة للحق تعالى إذا نزل وظهر في كل نشأة من نشآت الوجود وفي كل مشهد من مشاهد الغيب والشهود يطهّر ذنوب عباد الله وفقا لتلك النشأة وبما يناسب ذلك العالم.

 

 

 

فماء الرحمة النازل من سماء الأحدية تطهر ذنوب غيبة تعينات الأعيان، وبماء الرحمة الواسعة النازلة من سماء الواحدية تطهر ذنوب عدمية الماهيات الخارجية في كل مرتبة من مراتب الوجود طبقا لتلك المرتبة، وفي مراتب نشآت الإنسانية أيضا لماء الرحمة ظهورات مختلفة كما أنه بالماء النازل من حضرة الذات بالتعينات الجمعية البرزخية تطهر ذنوب سر الوجود " وجودك ذنب لا يقاس به ذنب " وبالماء النازل من حضرات الأسماء والصفات وحضرة التجلي الفعلي تطهر رؤية الصفة والفعل وبالماء النازل من سماء الحضرة الحكم العدل تطهر القذارات الخلقية الباطنية، وبالماء النازل من سماء الحضرة الحكم العدل تطهر القذارات الخلقية الباطنية، وبالماء النازل من سماء الغفارية تطهر ذنوب العباد، وبالماء النازل من سماء الملكوت تطهر القذارات الصورية، فعلم أن الحق تعالى جعل الماء مفتاح قربه ودليل بساط رحمته ثم يعين عليه السلام في الحديث الشريف وظيفة أخرى ويفتح طريقا آخر لأهل السلوك والمراقبة.

 

 

 

يقول عليه السلام: " تفكَّرْ في صفاء الماء ورقته وطهره وبركته ولطيف امتزاجه بكل شيء واستعمله في تطهير الأعضاء التي أمرك الله بتطهيرها وائت بآدابها في فرائضه وسننه فإن تحت كل واحدة منها فوائد كثيرة فإذا استعملتها بالحرمة انفجرت لـك عيون فوائـده عن قريب ".

 

 

 

أشار عليه السلام في هذا الحديث الشريف إلى مراتب الطهارة بالطريق الكلية وبيّن أربع مراتب كليّة احدها ما ذكر في الحديث الشريف إلى حد الذي ذكرناه وهو تطهير الأعضاء، وأشار عليه السلام إلى أنّ أهل المراقبة والسلوك إلى الله يلزم إلاَّ يتوقّفوا عند صور الأشياء وظواهرها بل لابدّ أن يجعلوا الظاهر مرآة للباطن ويستكشفوا من الصور الحقائق ولا يقنعوا بالتطهير الصوري فإن القناعة بالتطهير الصوري فخّ إبليس فينتقلوا من صفاء الماء إلى تصفية الأعضاء ويصفونها بأداء الفرائض والسنن الإلهية ويرققون الأعضاء برقة الفرائض والسنن ويخرجونها من غلظة التعصي ويسرون الطهور والبركة في جميع الأعضاء ويدركون من لطف امتزاج الماء بالأشياء كيفية امتزاج القوى الملكوتية الإلهية بعالم الطبيعة ولا يدعون القذارات الطبيعية تؤثّر فيها فإذا تلبست أعضاؤهم بالسنن والفرائض الإلهية وآدابها تظهر فوائدها الباطنية بالتدريج وتنفجر عيون الأسرار الإلهية وتنكشف لهم لمحة من أسرار العبادة والطهارة.

 

 

 

ولما فرغ عليه السلام من بيان المرتبة الأولى من الطهارة وكيفية تحصيلها شرع في بيان الوظيفة الثانية وقال: ثم عاشر خلق الله كامتزاج الماء بالأشياء يؤدي كل شيء حقه ولا يتغّير عن معناه معتبرا لقول رسول الله صلى الله عليه وآله " مثل المؤمن المخلص (الخالص) كمثل الماء " فبيّن عليه السلام في الحكم الأول ما يربط بتعامل الإنسان السالك مع قواه الداخلية وأعضائه، والحكم الثاني الذي هو في هذه الفقرة من الحديث الشريف يرتبط بتعامل الإنسان مع خلق الله وهذا هو حكم جامع يبيّن كيفية معاشرة السالك للمخلوق ويستفاد منه ضمنا حقيقة الخلوة وهي أن السالك إلى الله في نفس الحال الذي يعاشر كل طائفة من الناس بالمعروف ويرد الحقوق الخلقية ويراود كل أحد ويعامله بطور يناسب حاله فهو في الوقت نفسه لا يتجاوز عن الحقوق الإلهية ولا يترك المعنى من نفسه وهو العبادة والعبودية والتوجّه إلى الحق وفي نفس الحال التي يكون فيها في الكثرة يكون في الخلوة وقلبه الذي هو منزل المحبوب خاليا من الأغيار وفارغا من كل صورة ومثال. (أقول: وقد أشير إلى هذا المعنى في كثير من الأحاديث، ففي نهج البلاغة لعلي عليه السلام في خطبته المعروفة التي يصف فيها المتقين قال (عليه السلام): " إن كان من الغافلين كتب الذاكرين وان كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين " وفي الكافي الشريف روايات متقاربة المضمون: إن الله سبحانه أوحى لموسى بن عمران: " يا بن عمران لا تدع ذكري على كل حال". وقال الصادق عليه السلام: قال الله تعالى " يا بن آدم اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي ". إلى أن قال " اذكرني في ملأ أذكرك في ملأ خير من ملئك ". وقال " ما من عبد يذكر الله في ملأ من الناس إلاَّ ذكره الله في ملأ من الملائكة " وأيضا في الكافي الشريف عن الصادق عليه السلام قال: " الذاكر لله عز وجل في الغافلين كالمقاتل في المحاربين الغازين".)

 

 

 

ثم ذكر عليه السلام الحكم الثالث وهو كيفية تعامل السالك مع الحق تعالى، يقول: " ولتكن صفوتك مع الله في جميع طاعتك كصفوة الماء حين أنزله من السناء وسمّاه طهورا " يعني يلزم للسالك إلى الله أن يكون خالصا من تصرف الطبيعة ولا يكون لكدورتها وظلمتها طريق إلى قلبه، وتكون جميع عباداته خالية عن جميع الشرك الظاهري والباطني، وكما أن الماء في وقت نزوله من السماء طاهر وطهور وما امتدّت إليه يد تصرف القذارات كذلك قلب السالك الذي نزل من سماء عالم غيب الملكوت طاهراً ومنزّهاً لا يتركه يقع تحت تصرّف الشيطان والطبيعة ويتلوث بالقذارات.

 

 

 

وبعد هذا بين عليه السلام الحكم الأخير وهو وظيفة لأهل الرياضة والسلوك ويقول: " وطهّر قلبك بالتقوى واليقين عند تطهير جوارحك بالماء " وفي هذا إشارة إلى مقامين شامخين لأهل المعرفة. الأول: التقوى وكماله ترك غير الحق. والثاني: اليقين وكماله مشاهدة حضور المحبوب.

 

 

 

الفصل الرابع

 

 

 

في الطهور وهو إما الماء وهو الأصل في هذا الباب وإما الأرض.

 

 

 

(قال العارف السعيد القاضي سعيد القمّي ((*- هو محمد بن مفيد القُمّي العالم الفاضل الحكيم المتشرع العارف الربّاني والمحقّق الصمداني من أعاظم علماء الحكمة والأدب والحديث. انتهى إليه منصب القضاء في بلده قم.

 

 

 

كان من تلامذة المحقق الفيض الكاشاني والمولى عبد الرزّاق اللاهيجي له مصنفات فائقة منها شرحه على كتاب توحيد الصدوق في مجلّدات والأربعينيات وغير ذلك. وأشهر مصنفاته شرحه على التوحيد وهو مشتمل على الفوائد الكثيرة فلنذكر فائدة مختصرة منها:

 

 

 

روى الصدوق عن أبي عبد الله عليه السلام قال لمّا أمر الله عز وجل إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ببنيان البيت وتمّ بناؤه أمره أن يصعد ركنا ينادي في الناس إلاَّ هلمّ الحجّ فلو نادى هلمّوا إلى الحج لم يحجّ إلاَّ من كان يومئذ انسيّا مخلوقا ولكن نادى هلمّ الحجّ فلبّى الناس في أصلاب الرجال لبيك داعي الله لبيك داعي الله فمن لبىّ عشرا حجّ عشرا ومن لبّى خمسا حج خمسا ومن لبّى أكثر فبعدد ذلك ومن لبى واحدا حجّ واحدا ومن لم يلبّ لم يحج.

 

 

 

قال القاضي سعيد في معنى الخبر: عندي إن الوجه فيه أن استعمال هلم لمجرّد الأمر وطلب الحضور مع تجريد من خصوصية المخاطب بالأفراد والتذكير والتأنيث، والمعنى ليكن إتيان بالحجّ وليصدر قصد إلى البيت ممّن يأتي منه هذا القصد من أفراد البشر وهذا إنّما يصحّح في صيغة المفرد حيث لم يكن فيه علامة الزيادة لأجل التأنيث والتثنية والجمع بخلاف صيغة الجمع فان الزيادة فيه مانعة عن ذلك كما لا يخفى على المتدرّب في العلوم (انتهى).)) وهو (أي الطهور) أمّا الماء الذي هو سرّ الحياة التي هي العلم ومشاهدة الحيّ القيّوم، قال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا* لِنُحْيِيَ بِهِ} (الفرقان 48 و 49). وقال جل وعلا: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ} (الأنفال 11) وأما التراب الذي هو أصل نشأة الإنسان قال عزّ من قائل {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} (طه55). وقال جلّ جلاله: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا} (النساء 43) وذلك لتتفكر في ذاتك لتعرف من أوجدك ومم أوجدك ولم أوجدك، فتخضع له وترفع التكبّر من رأسك لان التراب هو الأصيل في الذلّة والمسكنة.

 

 

 

ثم إعلم أن ماء الغيث لطيف في غاية الصفا وله مزاج واحدا ولا يمازجه شيء في الخارج فهو في الباطن العلم اللدني الذي له طعم واحد إذ الأنبياء والأولياء كلهم على قول متحد وان اختلفت المشارب والمناهل فليكن معتمدك في طهورك الظاهري والباطني هذا الماء، وأما ماء العيون والآبار فهو مختلف الطعم بحسب تلك البقعة والأرض التي خرج منها وامتزج بتربتها فهو العلم المستفاد من الأفكار الصحيحة التي لا تخلو من شائبة التغيّر بحسب مزاج المتفكر لأنه ينظر في مواد محسوسة تقوم عليها البراهين، فاختر لنفسك أي الماءين يقرب من ذوقك ويناسب مشربك.. (انتهى).

 

 

 

وكأنّ الإمام أطال الله بقاه ينظر إلى كلام هذا العارف في هذا المبحث ولكن شتّان ما بين الكلامين، فتأمّل تعرف).

 

 

 

اعلم أن للإنسان السالك في الوصول إلى المقصد الأعلى ومقام القرب الربوبي طريقين على نحو كلي أحدهما وله مقام الكلّية والأصالة وهو السير إلى الله بالتوجّه إلى مقام الرحمة المطلقة وخصوصا الرحمة الرحيمية وهي رحمة توصل كل موجود إلى كماله اللائق به، ومن شعب الرحمة الرحيمية ومظاهرها بعث الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم الذين هم هداة السبل والمساعدون للمتأخرين عن السير، بل إن دار التحقق في نظر أهل المعرفة وأصحاب القلوب هي صورة الرحمة الإلهية، والخلائق دائما مستغرقون في بحار رحمة الحق تعالى ولكنهم لا يستفيدون منها.

 

 

 

فهذا الكتاب العظيم الإلهي الذي نزل من عالم الغيب الإلهي والقرب الربوبي، ولأجل استفادتنا نحن المهجورين وخلاصنا نحن المسجونين في سجن الطبيعة والمغلولين في سلاسل أهواء النفس والآمال وقد صار في صورة اللفظ والكلام هو أحد مظاهر العظيمة للرحمة المطلقة الإلهية، وما استفدنا نحن الصم العمي منه بشيء ولا نستفيد. وان الرسول الخاتم والوليّ المطلق الأكرم الذي شرّفنا وقد من محضر القدس ومحفل القرب والأنس الإلهي إلى هذا المنزل منزل الغربة والوحشة وابتلي بمعاشرة أمثال أبي جهل وشرّ منه مراودته وان أنين ليغان على قلبي منه صلى الله عليه وآله قد أحرق قلوب أهل المعرفة والولاية ويحرقها الآن أيضا هو الرحمة الواسعة والكرامة المطلقة الإلهية التي كان قدومها في هذه الدويرة للرحمة على الموجودات وعلى سكنة العالم الأسفل الأدنى وإخراجهم من هذه الدار دار الغربة والوحشة، فهو صلى الله عليه وآله كالحمامة المطوقة التي تلقي نفسها إلى الفخ لتنجي رفقاءها منه.

 

 

 

   فلابد للسالك إلى الله أن يرى التطهير بماء الرحمة صورة لاستفادته من الرحمة الإلهية النازلة، وما دامت الاستفادة له ميسورة، لابد أن يقوم بأمرها وإذا قصرت يده عنها بسبب القصور الذاتي أو تقصيره وبسبب فقد ماء الرحمة لم يكن له بدّ من التوجّه بذلّه ومسكنته وفقره وفاقته، فإذا جعل ذلّة عبوديته نصب عينيه وتوجّه باضطراره الذاتي وفقره الذاتي وإمكانه الذاتي وخرج من التعزز والغرور وحب النفس ينفتح له باب آخر من الرحمة وتبدل بأرض الطبيعة أرض الرحمة البيضاء ويصير التراب أحد الطهورين ويصير موردا لترحم الحق تعالى وتلطفه، وكلما قوي هذا النظر في الإنسان أي النظر إلى ذلّة نفسه يكون موردا للرحمة أكثر. وأما إذا أراد الإنسان أن يسلك هذا الطريق بقدم الاعتماد على النفس وعلى عمله فهو هالك لا محالة لأنه من الممكن إلاَّ يؤخذ بيده فمثله كالطفل الذي يتجاسر على المشي ويغتر بقدمه، ويعتمد على قوته، فمثل هذا الطفل لا يكون موردا لعناية أبيه ويكله الأب إلى نفسه وأما إذا عرض اضطراره وعجزه على جناب الأب الشفيق وخرج عن الاعتماد على نفسه وعلى قوّته بالكلّية فيصير حينئذ موردا لعناية الأب ويأخذ الأب بيده بل يأخذه في حضنه ويمشي به بقدمه فالأحرى بالسالك إلى الله أن يكسر رجل سلوكه وان يستدعي البراءة من الاعتماد على نفسه وارتياضه وعمله بالكلّية وينفى عن نفسه وقدرته وقوّته، ويجعل فناءه واضطراره دائما نصب عينيه حتى يقع دائما موردا للعناية، فربما يسلك حينئذ طريقا يطول سيره مئة سنة في ليلة واحدة بالجذبة الربوبية , وحينما يفنى عن نفسه وقوته وقدرته ويقول في محضر القدس الربوبي بلسان باطنه وحاله بالعجز والافتقار: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ}. (النمل - 61).

 

 

 

الفصل الخامس

 

 

 

في نبذة من آداب الوضوء الباطنية والقلبية

 

 

 

فمن ذلك ما ورد عن الإمام الرضا (هو الإمام الثامن من أئمة الهدى بضعة سيد الورى مولاي علي بن موسى الرضا صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين المعصومين، ولد عليه السلام حادي عشر ذي القعدة يوم الخميس أو يوم الجمعة بالمدينة سنة 148 ثمان وأربعين ومئة بعد وفاة جدّه الصادق عليه السلام بأيام قليلة ومكارم أخلاقه ومعالي أموره أكثر من أن تحصى وتذكر فعن إبراهيم بن العباس قال: ما رأيت أبا الحسن الرضا عليه السلام جفا أحدا بكلامه قطّ ولا اتّكى بين يدي جليس له قطّ ولا رأيته شتم أحدا من مواليه ومماليكه قطّ ولا رأيته تفل قط ولا رأيته يقهقه في ضحكه قط بل كان ضحكه التبسّم وكان إذا خلا ونصبت مائدته أجلس معه على مائدته مماليكه حتى البواب والسايس، وكان عليه السلام قليل النوم بالليل كثير السهر يحيي أكثر لياليه من أولها إلى الصبح وكان كثير الصيام فلا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر ويقول ذلك صوم الدهر. وكان عليه السلام كثير المعروف والصدقة في السرّ وأكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة فمن زعم أنه رأى مثله في فضله فلا تصدقوه (انتهى).

 

 

 

وقبض أبو الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام في آخر صفر كما اختاره ابن الأثير والطبرسي والسيد الشبلنجي من سنة 203 (رج) ثلاثة ومئتين وهو ابن خمس وخمسين سنة وتوفي بطوس في قرية يقال لها سناباد من نوقان على دعوة ودفن بها صلوات الله عليه. وكتب المأمون إلى أهل بغداد وبني العباس والموالي يعلمهم بموته عليه السلام وأنّهم إنّما نقموا ببيعته وقد مات وسألهم الدخول في طاعته فكتبوا إليه أغلظ جواب.

 

 

 

وقال الصدوق: ولعلي بن أبي عبد الله الخوافي يرثي الرضا عليه السلام :

 

 

 

يا أرض طوس سقاك الله رحمته        ماذا حويت من الخيرات يا طوس

 

 

 

طابت بقاعك في الدنيا وطاب بها     شخص ثوى بسنا آباد مرموس

 

 

 

شخص عزيز على الإسلام مصرعه     في رحمة الله مغمور ومغموس

 

 

 

يا قبره أنت قبر قد تضمّنه             حلم وعلم وتطهير وتقديس

 

 

 

فخراً بأنك مغبوط بــجثّته       لملائكة الأبرار محروس)

 

 

 

وإنه عليه السلام: " إنما أمر بالوضوء ليكون العبد طاهرا إذا قام بين يدي الجبّار وعند مناجاته إيّاه مطيعا له فيما أمر نقيّا من الأرجاس والنجاسة مع ما فيه من ذهاب الكسل وطرد النعاس وتزكية الفؤاد للقيام بين يدي الجبّار ".

 

 

 

فبيّن عليه السلام إلى هنا النكتة (النُكتهْ: المسألة العلمية الدقيقة، يُتَوَصَلُ إليها بدقة، وإنعام فكر (المعجم الوسيط) (الناشر)) من أصل الوضوء ونبّه أهل المعرفة وأصحاب السلوك بأن للوقوف في محضر الحق جلّ وعلا وللمناجاة مع قاضي الحاجات آدابا لابد أن تلاحظ حتى أنه مع القذارات الصورية والكثافات وكسالة العين الظاهرة أيضا لا يحضر في ذلك المحضر فكيف إذا كان القلب معدنا للكثافات ومبتلىً بالقاذورات المعنوية التي هي أصل القذارات مع أن في الرواية: " إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم بل ينظر إلى قلوبكم ". ومع أن ما يتوجّه به الإنسان إلى الحق تعالى وما يليق من العوالم الخلقية أن ينظر إلى كبرياء ونصيب مع ذلك ما أهملت الطهارة الصورية والنظافة الظاهرية فقرروا صورة الطهارة لصورة الإنسان وباطنها لباطنه ومن جعله عليه السلام تزكية القلب في هذا الحديث الشريف من فوائد الوضوء يعلم أن للوضوء باطنا يكون به تزكية الباطن ويعلم أيضا الرابطة بين الظاهر والباطن والشهادة والغيب ويستفاد أيضا أن الطهور الظاهري والوضوء الصوري من العبادات وإطاعة للرب ومن هذه الجهة الطهور الظاهر موجب للطهور الباطن ومن الطهارة الصورية تحصل تزكية الفؤاد.

 

 

 

وبالجملة السالك إلى الله لابد أن يتوجه في وقت الوضوء إلى انه يريد التوجّه إلى المحضر المقدّس لحضرة الكبرياء ومع هذه الحالات القلبية التي له لا يليق للمحضر بل أنه يطرد من جناب العزّ الربوبي فيشمّر ذيله بأن يسري الطهارة الظاهرية إلى الباطن ويجعل قلبه موردا لنظر الحق بل منزلا لحضرة القدس ويطهره من غير الحق ويخرج من رأسه التفرعن وحب النفس الذي هو أصل أصول القذارات كي يليق للمقام المقدّس. (أقول: اعلم ان النجاسة التي يجب إزالتها للصلاة على أنواع منها ما هو على اللباس وظاهر البدن، وهذه النجاسة تغسل بالماء المطلق   وتحصل الطهارة من الخبث التي هي من شروط الصلاة، ونظير هذه النجاسة في عالم الباطن والمعنى التلوث بقذارة المعاصي الصغيرة التي تصدر من المؤمن، وحيث أن مرتبة النجاسة فيها ضعيفة فتطهّر بالآلام الدنيوية وتوجب رفعها الابتلاءات في عالم الطبيعة. قال تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} (النساء 31) ومنها ما يسري ويجري إلى باطن الجسد وهو أيضا على قسمين :

 

 

 

القسم الأول: ما يسري في جميع الجسد وهو ما يسمى بالحدث الأكبر والتطهير من هذه النجاسة والخباثة يحتاج إلى غسل جميع البدن بنيّة القربى إلى الله تعالى والتعبد له حتى يكون بواسطة اقتران الغسل بقصد القربة وانتسابه إلى حضرة الباري جلّ شأنه، تأثير الماء في رفع النجاسة أقوى وأنفذ وان كان على حساب المقدار والوزن قليلا فيكون مثله مثل الإكسير الذي يؤثر قيراط منه في قنطار من النحاس فيصير ذهبا خالصا، ومن المعاصي ما هو بمنزلة الحدث الأكبر في الروح وهي المعاصي التي رسخت جذورها في القلب وصارت منشأ للملكات الخبيثة والرذائل النفسانية من الكبر والحسد والشرك ونحوها وتسمّى بالموبقات وقد أوعد الله سبحانه صاحبها النار وآثار تلك المعاصي لا تزول عن القلب بسهولة بل لابدّ من التوبة الحقيقة بشرائطها وإلا فآخر الدواء الكيّ، أعاذنا الله منه.

 

 

 

والقسم الثاني: النجاسة التي تسري إلى الباطن ولكن بمرتبة ضعيفة من السراية بحيث لا تصل إلى جميع البدن ويكفي في تطهيرها غسل بعض الأجزاء توأما بقصد القربة والعبودية كما ذكرنا في الغسل وتسمى بالحدث الأصغر، ونموذج هذه النجاسة في عالم الروح بعض المعاصي الكبيرة التي ليس لها جذر نفساني وكبعض المعاصي الذي قد يتفق للإنسان وخصوصا في عهد الشباب ولكن حيث العصيان أمر عارضي وليس ناشئا عن ملكة التعصي لقرب العهد من الفطرة فهو أقرب إلى رحمة الله والتوبة من أسهل. وقد أشير إلى ذلك في الروايات. منها ما رواه الصدوق قدس سره في الأمالي عن الصادق عليه السلام أنه قال: " إن العبد لفي فسحة من أمره ما بينه وبين أربعين سنة فإذا بلغ أربعين سنة أوحى الله عزّ وجلّ إلى ملكية أنّي قد عمّرت عبدي عمرا فغلّظا عليه وشددا وتحفظا واكتبا عليه قليل عمله وكثيره وصغيره وكبيره. "

 

 

 

فإذا لم يتمكن المصلي من الماء لتطهيره فقد جعل الله سبحانه التراب احد الطهورين لأن التراب أذلّ الأشياء على وجه الأرض يطؤه الناس بأقدامهم فلا بدّ للعبد أن يتّصف بصفته في جناب الحق فيمسح جبينه ويسمه بسمة الذّلة والافتقار والعبودية، ويرمز بهذا أيضا إلى أن ناصية الخلق بيد قدرته يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، كما قال سبحانه: {مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} (هود 56).فلعله بإظهار الخضوع والمسكنة يجلب رحمة الله يوم يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام ثم يمسح يديه بالتراب وهما مظهر قدرته فيذلّله في حضرة القادر المطلق ويقف بعد ذلك في صف الحاضرين في المحضر.

 

 

 

وقال فقيه الفرقة الناجية الشهيد الثاني (قدّس سره) :

 

 

 

فأمّا الطهارة، فليستحضر في قلبه أن تكليفه فيه بغسل الأطراف الظاهرة و تنظيفها لاطلاع الناس عليها و لكون تلك الأعضاء مباشرة للأمور الدنيوية منهمكة في الكدورات الدنية فلأن يطهر مع ذلك قلبه الذي هو موضع نظر الحق تعالى فإنه لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم.. و لأنه الرئيس الأعظم لهذه الجوارح و المستخدم لها في تلك الأمور المبعدة عن جنابه تعالى و تقدس أولى و أحرى، بل هذا تنبيه واضح على ذلك و بيان شاف على ما هنالك، و ليعلم من تطهير تلك الأعضاء عند الاشتغال بعبادة الله تعالى و الإقبال عليه و الالتفات عن الدنيا بالقلب والحواس لتلقي السعادة في الأخرى إن الدنيا والآخرة ضرتان كلما قربت من إحداهما بعدت عن الأخرى، فلذلك أمر بالتطهير من الدنيا عند الاشتغال و الإقبال على الأخرى. فأمر في الوضوء بغسل الوجه لأن التوجه و الإقبال بوجه القلب على الله تعالى به و فيه أكثر الحواس الظاهرة التي هي أعظم الأسباب الباعثة على مطالب الدنيا فأمر بغسله ليتوجه به و هو خال من تلك الأدناس و يترقى بذلك إلى تطهيرها ما هو الركن الأعظم في القياس ثم أمر بغسل اليدين لمباشرتهما أكثر أحوال الدنيا الدنية و المشتهيات الطبيعية ثم بمسح الرأس لان فيه القوة المفكرة التي يحصل بواسطتها القصد إلى تناول المرادات الطبيعية و تنبعث الحواس للإقبال على الأمور الدنيوية المانع من الإقبال على الآخرة السنية، ثم يمسح الرجلين لأن بهما يتوصل إلى مطالبة و يتوصل إلى تحصيل مآربه على نحو ما ذكر في باقي الأعضاء، فيسوغ له الدخول في العبادة و الإقبال عليها فائزا بالسعادة، و أمر في الغسل بغسل جميع البشرة لأن أدنى حالات الإنسان و أشدها تعلقا بالملكات الشهوية حالة الجماع و موجبات الغسل و لجميع بدنه مدخل في تلك الحالة و لهذا قال صلى الله عليه و آله: " إن تحت كل شعرة جنابة ".. فحيث كان جميع بدنه بعيدا عن المرتبة العلية منغمسا في اللذات الدنية كان غسله أجمع من أهم المطالب الشرعية ليتأهل لمقابلة الجهة الشريفة و الدخول في العبادة المنيفة و يبعد عن القوى الحيوانية و اللذات الدنيوية. و لما كان للقلب من ذلك الحظ الأوفر و النصيب الأكمل كان الاشتغال بتطهيره من الرذائل و التوجهات المانعة من درك الفضائل أولى من تطهير تلك الأعضاء الظاهرة عند اللبيب العاقل. و أمر في التيمم بمسح تلك الأعضاء بالتراب عند تعذر غسلها بالماء الطهور وضعا لتلك الأعضاء الرئيسية و هضما لها بتلقيها بأثر التربة الخسيسة، و هكذا يخطر أن القلب إذا لم يمكن تطهيره من الأخلاق و الرذيلة و تحليته بالأوصاف الجميلة فليقمه في مقام الهضم و يسقه بسياط الذل و الأعضاء عسى أن يطلع عليه مولاه الرحيم و سيده الكريم و هو منكسر متواضع فيهبه نفحة من نفحات نوره اللامع فإنه عند القلوب المنكسرة كما ورد في الأثر فترق من هذه الإشارات و نحوها إلى ما يوجب لك الإقبال أو تلافي سالف الإهمال).

 

 

 

ثم بيّن الرضا سلام الله عليه وجه اختصاص الأعضاء المخصوصة للوضوء فقال :

 

 

 

" وإنّما وجب على الوجه واليدين والرأس والرجلين لان العبد إذا قام بين يدي الجبار فإنما يكشف من جوارحه ويظهر ما وجب به الوضوء وذلك أنه بوجهه يسجد ويخضع وبيده يسأل ويرغب ويرهب ويتبتّل وبرأسه يستقبله في ركوعه وسجوده، وبرجليه يقوم ويقعد ".

 

 

 

وحاصل ما قاله عليه السلام انه حيث أن لهذه الأعضاء دخلا في عبودية الحق تعالى والعبودية تظهر من هذه الأعضاء فلهذا وجب تطهيرها.. وبعد هذا بيّن عليه السلام الأمور التي تظهر من هذه الأعضاء، وبهذا فتح باب الاعتبار والاستفادة لأهلهما، وأرشد أهل المعارف إلى أسرارها بأن ما هو محل للعبودية في محضر الحق تبارك لا بد أن يكون طاهرا ومطهرا والأعضاء والجوارح الظاهرية التي يكون لها حظ ناقص من تلك المعاني لا تليق لذلك المقام من دون طهارتها ومع أن الخضوع ليس من صفات الوجه على الحقيقة والسؤال والرغبة والرهبة والتبتل والاستقبال ليس شيء منها من شؤون الأعضاء الحسيّة ولكن حيث أن هذه الأعضاء مظاهر تلك الأمور لزم تطهيرها، فعلى هذا فإنّ تطهير القلب الذي هو محل حقيقي للعبودية ومركز واقعي لتلك المعاني يكون ألزم، وبدون تطهير القلب لو غسلت الأعضاء الصورية بسبعة أبحر ما تطهّرت ولا توجد فيها لياقة لذلك المقام بل يكون للشيطان فيها تصرّف ويكون المرء مطرودا من حضرة العزّة. (يجب على السالك الطالب أن يراعي آداب الوضوء كما قال الصادق عليه السلام: " وات بآدابها في فرائضه و سننه " ليستعد للحضور و يستفيد من عيون فوائده كما وعدها الإمام الصادق عليه السلام فالأدب الأول أن يتوجه إلى القبلة و مركز العبادة و نقطة التوحيد التي هي من عمدة الشرائط الصلاتية ليستفيد من فوائد الاستقبال التي سنذكرها في محلها، و قد أشير إلى هذا الأدب في الرواية: " و إن من توضأ حيال القبلة كان له ثواب صلاة ركعتين " و ينبغي أن يكون وقوفه الوقوف في مقام الحمد حيث أذن له رب العزة و السلطان بالحضور و هو الآن في مقام تحصيل مقدمات التشرف لينال هذا الشرف فيأخذ غرفة من الماء و يغسل يديه من المرفقين و ليتفطن أنه كما يغسل بالماء الظاهر الذي هو سبب حياة لكل حي ظاهره كذلك يغسل باطنه بالعلم و هو الموجب لحياة القلوب و الأرواح فينور به قلبه وروحه، فأخذه الماء صورة تناول الرحمة الإلهية ليطهر بها من كل عيب و نقص و يغسل يديه من العيوب و من حوله و قوته أشواك طريق السلوك و لعل غسل اليد اليسرى يرمز إلى أنه لا حول عن المعاصي إلاَّ بالله، واليد اليمنى إلى أنه لا قوة على الطاعات إلاَّ بالله.

 

 

 

وأيضا أن اليد مظهر الإمساك والقبض وبواسطة الحرص والبخل تمسك عن البسط في الخيرات، قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء} (المائدة 64). فليتنبه بأن قبض اليد الظاهرية مانع عن اغتراف الماء النازل من سماء الدنيا كذلك قبض اليد المعنوية مانع عن تناول ماء الرحمة النازل من سماء العلم والحكمة وبصبّ الماء باليمنى على اليسرى يتنبّه انه لابد له من بسط اليد في البذل والإعطاء والإيثار في سبيل رضى المحبوب، ولا يمسك يده، قال تعالى :{لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} (آل عمران 92).

 

 

 

وأيضا يرمز بغسل اليد إلى غسل يده عّما نهى عنه الشارع وبالخصوص المنهيات التي تتحقق باليد كالسرقة والتعدّي والغصب وأمثالها.

 

 

 

ويتفطن أيضا إلى أنه كما أن النوم في الليل أو النهار حدث يوجب هذا الوضوء الذي هو في صدده كذلك الغفلة عن مقام الغيب والشهود حدث لابد لك من رفعة فبغسل يديه مستمدا من مقام الرحمانية والرحيمية للحق تعالى شأنه يرفع ذاك الحدث. وقد ورد في الحديث " لا وضوء لمن لا يسمّ الله " فيغسل يديه قائلا بسم الله الرحمن الرحيم ثم يقول: " الحمد لله الذي جعل الماء طهوراً ولم يجعله نجسا " وهذا إشارة إلى مقام الحمد الذي ذكرناه، ثم يتنبه إلى الجهات التي ذكرها الأستاذ في الطهارة ويقول :" اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين " ويجدّد التوبة على حسب المرتبة التي هو فيها ويسأل التوبة من الله ثم يتمضمض ويجري ذكره الجميل على اللسان بقوله: " اللهم لقّنّي حجّتي يوم ألقاك وأطلق لساني بذكرك " ومعنى تلك المضمضة التي يطّهر بها فمه من فضول الطعام أنه يطهر فمه ولسانه من الذكر القبيح ومن فضول الكلام (وفضول الكلام يميت القلب) وممّا يجري على لسانه ويخرج من فمه ممّا يمقته الله ويدخله النار كما قال صلى الله عليه وآله: " وهل يكبّ الناس على مناخرهم في النار إلاَّ حصائد ألسنتهم ". فيزيده بذكر الله وتلاوة القرآن.

 

 

 

ثم يستنشق، وحقيقة إخراج الكبر والتعالي من دماغه كما يخرج بالاستنشاق فضولات الدماغ من طريق أنفه وينقي مجراه ويستعد لشم الروائح العطرة المعنوية التي تهب من حي الحبيب ووجدان نفس الرحمن من جانب اليمن والوادي الأيمن، ويقول بلسانه رمزا لذلك المعنى :

 

 

 

" اللهم لا تحرمني ريح الجنة واجعلني ممن يشم ريحها وروحها وطيبها " ثم يغسل وجهه ويتوجّه إلى أنّ ذلك يرمز إلى بياض الوجه وتحصيل ماء الوجه عند الله سبحانه فيتذكّر قصوره وتقصير وخجلته وسواد وجهه ويستجير بالله من أن يلقى الله سبحانه بهذه الحالة كما يحكيها الله سبحانه :

 

 

 

{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} (الزمر 60).. وقال تعالى:

 

 

 

 {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} (عبس 40 - 41). وليستحي من الله سبحانه لما رآه حيث نهاه ولما توجّه إلى غير مولاه. ونعم ما قيل :

 

 

 

قالوا غدا نأتي ديار الحمى     وننزل الركب بمغناهم

 

 

 

فكلّ من كان محبّا لهم                يصبح مسرورا بلقياهم

 

 

 

قلت فلي ذنب وما حيلتي     بأي وجه أتلقّاهم

 

 

 

قالوا أليس العفو من شأنهم    لاسيما عمّن ترجّاهم

 

 

 

وقد ورد في الحديث أنه يقول عند غسل وجهه " اللهم بيّض وجهي يوم تسودّ الوجوه ولا تسوّد وجهي يوم تبيضّ الوجوه ".

 

 

 

ويتذكر عندما يغسل اليدين أن باطنه غسل الأيدي من مرافق رؤية الأسباب التي هي أيادي صنع المعبود إلى منتهى أنامل المباشرة والاكتساب.

 

 

 

وأيضا هو غسل اليد عن الخلق وتفويض الأمر إلى الله والاستعداد للتمسك بذيل المحبوب وقرع بابه كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في حق عباد الله وأصحاب الذكر " لكل باب رغبة إلى الله منهم يد قارعة ".

 

 

 

ويتذكر أيضا موقف القيامة وتطاير الكتب وأحوال الناس في ذاك الوقت كما قال تعالى:

 

 

 

{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} (الانشقاق 7) {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ} (الحاقة 25).. فيقول عند غسله اليمنى " اللهم أعطني كتابي بيميني والخلد في الجنان بيساري وحاسبني حسابا يسيرا ".

 

 

 

ويقول أيضا عند غسله اليسرى: " اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري ولا تجعلها مغلولة إلى عنفي وأعوذ بل من مقطّعات النيران "

 

 

 

ويمسح رأسه من الخضوع لغير الله ومن الكبرياء العارضة له إذ عدّ نفسه شيئا ومن التشمخ الذي عرض له من النظر إلى نفسه ويتذكر عند مسح رأسه خطيئة أبيه آدم وميله إلى الشجرة المنهية ووضعه يد الذّلة والافتقار على أمّ رأسه كما في الرواية يجيء شرحها وينادي ربه كما نادى أبوه ربّنا ظلمنا أنفسنا ليشمله غفران الرب الرحيم من قرنه إلى قدمه، ويتحقق معنى الدعاء الوارد عند مسح الرأس من قوله: " اللهم غشّني برحمتك وبركاتك وعفوك ومغفرتك ".

 

 

 

ويمسح رجليه من المشي إلى دار الغربة وأرض المذّلة، ويطهّرها أيضا عن المشي بالكبر. قال تعالى: " ولا تمش في الأرض مرحا " (الإسراء 37) ويمشي بقدم العبودية والهوان ليصدق عبوديته للرب الرحمن.. قال تعالى: " وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا (الفرقان 63) " ويلزم تصميماً على الثبات في طريق الجهاد وميدان الجهاد الأصغر والأكبر والمشي على الصراط المستقيم ويقول بلسان قاله " اللهم ثبّت قدمي على الصراط يوم تزلّ فيه الأقدام واجعل سعيي فيما يرضيك عني ".

 

 

 

وبالجملة، فانه يراعي حالة الخضوع والحضور في جميع حالات الوضوء فانه من العبادات، والعبادة بلا حضور كجسم بلا روح.

 

 

 

ونتبرك في ختام هذا البحث بذكر رواية شريفة حاوية لأسرار عظيمة وهي ما رواه العارف السعيد القاضي سعيد القمّي بعد كلام له قال في كتاب المعراج للشيخ أبي محمد الحسن رضي الله عنه في حديث طويل، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ثم قال لي ربي يا محمد مدّ يديك فيتلقاك ما يسيل من ساق العرش الأيمن فنزل الماء فتلقيته باليمين ثم قال: يا محمد خذ ذاك الماء فاغسل به وجهك وعلة غسل الوجه انك تريد أن تنظر إلى عظمتي وأنت طاهر ثم اغسل ذراعيك اليمين واليسار وعلة ذلك أنك تريد أن تتلقى بيديك كلامي وامسح رأسك بفضل ما بيدك من الماء ورجليك إلى كعبيك وعلة المسح أني أريد أوطئك موطئا لم يطأه أحد قبلك ولا يطؤه أحد غيرك ").

 

 

 

وصل: ومن ذلك ما عن العلل بإسناده قال: " جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألوه عن مسائل، وكان فيما سألوه أخبرنا يا محمد لأيّ علّة نتوضأ هذه الجوارح الأربع وهي أنظف المواضع في الجسد ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: لما أن وسوس الشيطان إلى آدم ودنا من الشجرة فنظر إليها فذهب ماء وجهه ثم قام ومشى إليها وهي أول قدم مشت إلى الخطيئة ثم تناول بيده منها ما عليها وأكل فتطاير الحلي والحلل عن جسده فوضع آدم يده على أمّ رأسه وبكى فلما تاب الله عليه فرض الله عليه وعلى ذريته تطهير هذه الجوارح الأربع فأمر الله عزّ وجلّ بغسل الوجه لما نظر إلى الشجرة وأمره بغسل اليدين إلى المرفقين لما تناول بهما وأمر بمسح الرأس لما وضع يده على أمِّ رأسه وأمره بمسح القدمين لما مشى بهما إلى الخطيئة ".

 

 

 

وفي باب علّة وجوب الصوم أيضا: عن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام قال :

 

 

 

" جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسأله أعلمهم عن مسائل، فكان فيما سأله أن قال له: لأيّ شيء فرض الله عز وجل الصوم على أمّتك بالنهار ثلاثين يوما وفرض على الأمم السالفة أكثر من ذلك ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله أن آدم لما أكل من الشجرة بقي في بطنه ثلاثين يوما ففرض الله تعالى على ذرّيته ثلاثين يوما الجوع والعطش والذي يأكلونه تفضّل من الله تعالى عليهم " (الحديث).

 

 

 

فمن هذه الأحاديث لأهل الإشارات وأصحاب القلوب إستفادات منها أن خطيئة آدم عليه السلام مع أنها ما كانت من قبيل خطايا غيره بل لعلها كانت خطيئة طبيعية أو أنها كانت خطيئة التوجّه إلى الكثرة التي هي شجرة الطبيعة أو كانت خطيئة التوجّه إلى الكثرة الأسمائية، بعد جاذبة الفناء الذاتي ولكنها ما كانت متوقعة من مثل آدم عليه السلام الذي كان صفيّ الله والمخصوص بالقرب والفناء الذاتي ولهذا أعلن الذات المقدسة وأذاع بمقتضى الغيرة الحبية عصيانه وغوايته في جميع العوالم وعلى لسان الأنبياء عليهم السلام، وقال تعالى:

 

 

 

{وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}. (طه - 121). ومع ذلك لا بد من التطهير والتنبيه بهذه المثابة له ولذرّيته التي كانت مستكنة في صلبه ومشتركة في خطيئته بل اشتركوا في الخطيئة بعد الخروج من صلبه أيضا فكما أن لخطيئة آدم وأبنائه مراتب ومظاهر فأول مرتبتها التوجه إلى الكثرات الأسمائية وآخر مظهرها الأكل من الشجرة المنهية التي صورتها الملكوتية شجرة فيها أنواع الثمار والفواكه وصورتها الملكية هي الطبيعة وشؤونها، وان حب الدنيا والنفس هما موجودان باستمرار في الذرية لمن شؤون هذا الميل إلى الشجرة والأكل منها كذلك لتطهيرهم وتنزيههم وطهارتهم وصلاتهم وصيامهم للخروج من خطيئة الأب الذي كان هو الأصل أيضا مراتب كثيرة مطابقة لمراتب الخطيئة.

 

 

 

وقد علم من هذا البيان أن جميع أنواع المعاصي القلبية لابن آدم هي من شؤون أكل الشجرة، وتطهيرها على نحو خاص: وان جميع أنواع المعاصي القلبية لهم أيضا من شؤون تلك الشجرة وتطهيرها بطور آخر, وأن جميع أنواع المعاصي الروحية من تلك وتطهيرها بطور خاص وأن تطهير الأعضاء الظاهرية هو ظلّ الطهارات القلبية والروحية للكمّل ووظيفة ووسيلة لتطهير القلب والروح لأهل السلوك. وما دام الإنسان في حجاب تعيّن الأعضاء وطهارتها وواقف في ذلك الحد فليس هو من أهل السلوك، وهو باق في الخطيئة، فإذا اشتغل بمراتب الطهارات الظاهرية والباطنية وجعل الطهارات الصورية القشرية وسيلة للطهارات المعنوية اللبية ولاحظ في جميع العبادات والمناسك حظوظها القلبية وتمتع منها بل اهتم بالجهات الباطنية أكثر من الظاهرية وعرف أنها هي المقصد الأعلى دخل في باب سلوك الإنسانية كما أشار إليه في الحديث الشريف في مصباح الشريعة حيث يقول فيه: " وطهّر قلبك بالتقوى واليقين عند طهارة جوارحك بالماء " فيلزم للإنسان السالك العلمي كي يشخص ببركة أهل الذكر عليهم السلام مراتب العبادات ويرى العبادات الصورية مرتبة نازلة للعبادات القلبية والروحية ثم يشرع في السلوك العملي الذي هو حقيقة السلوك، وغاية هذا السلوك هي تخلية النفس عن غير الحق وتحليتها بالتجليات الأسمائية والصفاتية والذاتية، فإذا حصل للسالك هذا المقام فحينئذ ينتهي سلوكه وتحصل له الغاية في السير الكمالي فينال أسرار النسك والعبادات ولطائف السلوك وهي التجليات الجلالية التي هي أسرار الطهارات والتجليات الجمالية التي هي غايات العبادات الأخر، وتفصيلها خارج عن مجال هذه الأوراق.

 

 

 

الفصل السادس

 

 

 

في الغسل وآدابه القلبية

 

 

 

يقول أهل المعرفة أن الجنابة هي الخروج عن وطن العبودية والدخول في الغربة و إظهار الربوبية و دعوى المنيّة والدخول في حدود المولى و الاتصاف بوصف السيادة و الغسل للتطهير من هذه القذارات و الاعتراف بالتقصير. و قد ذكر بعض المشايخ في ضمن عشرة فصول، مئة و خمسين حالا لابد للعبد السالك التطهير منها في خلال الغسل يرجع أغلبها أو كلها إلى العزة و الجبروت و كبرياء النفس و حب النفس و رؤيتها.

 

 

 

    يقول كاتب هذه الأوراق: الجنابة هي الفناء في الطبيعة و الغفلة عن الروحانية و الغاية القصوى لكمال السلطنة الحيوانية و البهيمية، و الدخول في أسفل السافلين و الغسل هو التطهير من هذه الخطيئة و الرجوع عن حكم النفس التي فنيت في الطبيعة و ابتليت بغرور الشيطان.

 

 

 

    فالآداب القلبية للغسل هي إلاَّ يتوقف السالك في حين غسله بتطهير الظاهر و غسل البدن الذي هو القشر الأدنى و الحظ الدنيوي، و تكون جنابة باطن القلب و سرّ الروح موردا لعنايته، و يكون غسله أهم في نظره فيتجنب عن غلبة النفس البهيمية و الشأن الحيواني على النفس الرحمانية و الشؤون الرحمانية و يتوب عن رجز الشيطان و غروره و يطهر باطن الروح الذي هو نفخة إلهية و قد نفخ فيه بالنفس الرحماني عن الحظوظ الشيطانية و هي التوجّه إلى الغير الذي هو أصل الشجرة المنهية حتى يليق بهذا التطهير للدخول على جنة أبيه آدم عليه السلام.

 

 

 

   وليعلم أن الأكل من هذه الشجرة شجرة الطبيعة و الإقبال على الدنيا و التوجه إلى الكثرة هو أصل أصول الجنابة، و ما دام لم يطهر من هذه الجنابة بانغماسه في ماء الرحمة للحق تعالى أو تطهيره التام بذاك الماء الذي يجري عن ساق العرش الرحماني و الخالص عن التصرف الشيطاني لا يليق للصلاة التي هي حقيقة معراج القرب فإنه لا صلاة إلاَّ بطهور، و قد أشار إلى ما ذكر في الحديث الشريف في الوسائل عن الشيخ الصدوق رضوان الله عليه قال: وبإسناده قال: " جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فسأله أعلمهم عن مسائل، و كان فيما سأله أن قال: لأي شيء أمر الله تعالى بالاغتسال من الجنابة و لم يأمر بالغسل من الغائط و البول ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و آله أن آدم لما أكل من الشجرة دبّ ذلك في عروقه و شعره و بشره فإذا جامع الرجل أهله خرج الماء من كل عرق وشعرة في جسده، فأوجب الله عز وجل على ذريّته الاغتسال من الجنابة إلى يوم القيامة ". الخبر.

 

 

 

وفي رواية أخرى عن الرضا عليه السلام: " إنما أمروا بالغسل من الجنابة و لم يأمروا بالغسل من الخلاء و هو أنجس من الجنابة و أقذر من أجل أن الجنابة من نفس الإنسان و هو شيء يخرج من جميع جسده، و الخلاء ليس هو من نفس الإنسان و إنما هو غذاء يدخل من باب و يخرج من باب ".

 

 

 

وظاهر هذه الأحاديث وان كان عند أهل الظاهر هو أن النطفة لما كانت تخرج من جميع البدن فوجب غسل جميعه. وهذا مطابق لرأي جمع من الأطباء والحكماء الطبيعيين ولكن تعليله عليه السلام بأكل الشجرة كما في الحديث الأول ونسبة الجنابة إلى النفس كما في الحديث الثاني يفتح طريقا إلى المعارف لأهل المعرفة والإشارة لأن قضية الشجرة و أكل آدم منها من أسرار علوم القرآن وأهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام، و كثير من المعارف مرموز فيها، ولذا جعلوا عليهم السلام في الأحاديث الشريفة قضية آدم، والأكل من الشجرة علّة لتشريع كثير من العبادات ومن جملتها باب الوضوء والصلاة والغسل وصوم شهر رمضان وكونه ثلاثين يوما وكثير من مناسك الحج، وفي نيّتي منذ سنين أن أفرد رسالة في هذا الباب ولكن الإشتغالات الأُخر منعتني عن ذلك، وأسأل الله تعالى التوفيق والسعادة لذلك.

 

 

 

وبالجملة، فأنت يا ابن آدم وقد جعلت بذرا للّقاء وخلقت للمعرفة واصطفاك الله تعالى لنفسه وخمّرك بيدي جماله وجلاله وجعلك مسجوداً للملائكة ومحسودا لإبليس إذا أردت أن تخرج عن جنابة أبيك الذي هو أصلك وتليق للقاء حضرة المحبوب وتحصل استعدادا للوصول إلى مقام الإنس وحضرة القدس فلا بد لك من أن تغسل باطن قلبك الذي هو محفل لجناب الجميل وجمال الجليل عن حب الدنيا وشؤونها الخبيثة التي هي رجز الشيطان فان جنة لقاء الحق تعالى محل الأطهار ولا يدخل الجنة إلاَّ الطيب.

 

 

 

* شست وشوئي كن وآنكه بخرابات خرام *. (مصراع من بيت للشاعر العارف الحافظ الشيرازي يقول: تنظف عن القذارات ثم يقصد الخرابات. الخرابات في الأدب الفارسي محل اجتماع السكارى وفي الأدب العرفاني يعبّر به عن مجتمع المجذوبين والمصعوقين من تجليات الجلال والجمال).

 

 

 

الفصل السابع

 

 

 

في نبذة من الآداب الباطنية لإزالة النجاسة والتطهير من الخبائث

 

 

 

 اعلم أن إزالة الحدث كما مرّ هي في الخروج من الإنيّة والأنانيّة والفناء عن النفس بل هي الخروج من بيت النفس بالكلية، وما دام في العبد بقايا من نفسه فهو محدث للحدث الأكبر والعابد والمعبود فيه هو الشيطان والنفس. وإن منازل سير أهل الطريقة والسلوك إذا كانت لأجل الوصول إلى المقامات وحصول المعارج والمدارج فليست خارجة عن تصرف النفس والشيطان وإنما السير والسلوك معللة، فالسلوك إذن في منازل النفس والسير في جوف البيت ومثل هذا السالك ليس بمسافر ولا سالك وليس مهاجرا إلى الله ورسوله، وما طهّر من الحدث الأكبر الذي هو عينيّة العبد فإذا تطهّر من هذا الحدث بالكلية يكون العابد والمعبود هو الحق تعالى ويحصل نتيجة قرب النافلة أي: كنت سمعه وبصره.. فمن هذه الجهة يلزم غسل جميع البدن في الطهارة من الحدث الأكبر لأنه مادامت عينيّة العبد باقية بوجه من الوجوه لم يرتفع الحدث فان تحت كل شعرة جنابة فالتطهير من الحدث هو التطهير من الحدوث، ثم الفناء في بحر القدم وكما له الخروج من الكثرة الأسمائية التي هي باطن الشجرة ويخرج بهذا الخروج من الخطيئة السارية لآدم أصل الذرية، فالحدث هو من القذارات المعنوية وتطهيره أيضا من الأمور الغيبية الباطنية وهو نور لكن الوضوء نور محدود والغسل نور مطلق، وأيّ وضوء أنقي من الغسل (قال فقيه الأمة الشهيد الثاني (قدّس سرّه): " وأما إزالة النجاسة فالكلام فيها نحو الكلام في الطهارة في التزكية بتطهير القلب من نجاسة الأخلاق ومساوئها فانك إذا أمرت بتطهير ظاهر الجلد وهو القشر وبتطهير الثياب وهو أبعد عن ذاتك فلا تغفل عن تطهير لبّك الذي هو ذاتك وهو قلبك فاجتهد له بالتوبة والندم على ما فرط وتصميم العزم على ترك العود في المستقبل، وطهّر بها باطنك فإنها موقع نظر المعبود).وأما هذه المكانة فليست لإزالة الخبث والنجاسات الظاهرية لأنها تنظف صوري وتطهير ظاهري والآداب القلبية لها هي أن يعلم السالك الذي يريد الحضور في محضر الحق انه لا يمكن التطرق إلى محضر الحق مع رجس الشيطان ورجس هذا الخبيث. وما لم يحصل الخروج من أمهات المذام الأخلاقية التي هي مبدأ لفساد المدينة الفاضلة الإنسانية ومنشأ للخطيئات الظاهرية والباطنية لم يجد السالك طريقا إلى المقصد ولا سبيلا إلى المقصود.

 

 

 

إن الشيطان الذي كان مجاورا للعالم القدس ويعد في سلك الكروبيين فإنه آخر الأمر بواسطة الملكات الخبيثة أبعد عن جناب مقام المقربين وأرجم بنداء فأخرج منها فإنك رجيم (ص 77 والحجر 34). فإذا نحن المتأخرين عن قافلة عالم الغيب والساقطين في بئر الطبيعة العميق والمردودين إلى أسفل السافلين كيف نقدر مع وجداننا الملكات الخبيثة الشيطانية أن نليق لمحضر القدس ونكون مجاورين للروحانيين ورفقاء للمقربين.

 

 

 

إن الشيطان رأى نفسه ورأى ناريته وقال أنا خير منه، وهذا الإعجاب بالنفس صار سببا لعبادة نفسه وتكبره وتحقير آدم وإهانته وقال خلقته من طين، وقاس قياسا باطلا ولم ير حسن آدم وكمال روحانيته بل رأى ظاهره ومقام طينته وترابيته ورأى من نفسه مقام ناريته وغفل عن الشرك وحب النفس ورؤيتها، فصار حب النفس حجابا لرؤية نقصه وشهود عيوبه وصارت هذا الرؤية للنفس والحب لها سببا للتعبد لنفسه والتكبر والتظاهر والرياء والاستقلال في الرأي والعصيان وأبعد عن معراج القدس إلى تيه الطبيعة المظلمة. فاللازم للسالك إلى الله أن يطهّر نفسه من أمهات الرذائل والأرجاس الباطنية الشيطانية عند تطهيره الأرجاس الصورية وان يغسل المدينة الفاضلة بماء رحمة الحق وارتياض شرعي ويصفّي قلبه الذي هو محلّ لتجلّي الحق ويخلع نعلي حبّ الجاه والشرف كي يليق للدخول في الوادي المقدس الأيمن ويكون قابلا لتجلي الرب، وما دام لم يحصل التطهير من الأرجاس الخبيثة لا يمكن له التطهير من الإحداث لأن تطهير الظاهر مقدمة لتطهير الباطن، وما لم تحصل التقوى التامة الملكية الدنيوية على وفق دستور الشريعة المطهّرة لم تحصل التقوى القلبية، وما لم تحصل التقوى القلبية من الأمور التي ذكرناها لم تحصل التقوى الروحية السرية الحقيقية. وجميع مراتب التقوى مقدمة لهذه المرتبة وهر ترك غير الحق، ومادام في السالك بقية باقية من الأنانية فلن يتجلّى الحق عن سرّه.

 

 

 

نعم ربما يكون بمقتضى سبق الرحمة وغلبة جهة يلي اللّهي يدرك السالك الإمداد الغيبي ويحرق بالجذوة الإلهية ما بقي من الأنانية إن كانت، ولعل في كيفية تجلي الحق للجبل واندكاكه وصعق موسى إشارة لما ذكر، وهذا الفرق أيضا موجود بين السالك المجذوب والمجذوب السالك.

 

 

 

وقد يتفطّن أهل الحقيقة مما ذكر إلى نكتة قابلة لان تعلم ومطلب مهم والجهل به منشأ لكثير من الضلالات والغوايات والتأخر عن سلوك طريق الحق ولا ينبغي لطالب حق الجهل به ولا يجوز له الغفلة عنه، وهو أن السالك وطالب الحق لابد أن يبرئ نفسه من الإفراط والتفريط اللذين يكونان في بعض جهلة أهل التصوّف وبعض غفلة أهل الظاهر حتى يمكن السير إلى الله لان بعضهم يعتقد أن العلم والعمل الظاهري القالبي حشو وهما للجهّال والعوام، وأما الذين هم أهل السر والحقيقة وأصحاب القلوب وأرباب السابقة الحسنى فلا يحتاجون إلى هذه الأعمال، وإن الأعمال القالبية لأجل حصول الحقائق القلبية والوصول إلى المقصد فإذا وصل السالك إلى المقصد فالاشتغال بالمقدمات تبعيد له والاشتغال بالكثرات حجاب له. والطائفة الثانية قامت في قبال هذه الطائفة فوقعوا في جانب التفريط وأنكروا جميع المقامات المعنوية والأسرار الإلهية وسوى محض الظاهر والصورة والقشر أنكروا سائر الأمور ونسبوها إلى التخيلات والأوهام ولا زال التنازع والمجادلة والمخاصمة بين الطائفتين، كل يرى الآخر على خلاف الشريعة والحق أن كلتا الطائفتين قد تجاوز عن الحد ووقعوا في الإفراط والتفريط، ونحن أشرنا في رسالة سرّ الصلاة إلى هذا الموضوع، وفي هذا المقام أيضا نُرى حدّ الاعتدال الذي هو الصراط المستقيم في الكافي عن علي بن الحسين عليهما السلام((* -   هو الإمام الرابع زين العابدين وسيد الساجدين ومصباح المتهجدين وقدوة المتّقين أبو محمد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ولد عليه السلام بالمدينة المنوّرة يوم النصف من جمادى الأولى سنة 36 ستّ وثلاثين يوم فتح البصرة ونزول النصر على أمير المؤمنين عليه السلام وغلبته على أصحاب الجمل. وقيل في الخامس من شعبان سنة 38 وأمّه ذات العلى والمجد شاه زنان بنت يزد جرد. وهو ابن شهريار بن كسرى ذو سؤدد ليس يخاف كسرى، وقيل كان اسمها شهربانويه وفيه يقول أبو الأسود :

 

 

 

وإن غلاما بين كسرى وهاشم             لأكرم من نيطت عليه التمائم

 

 

 

قال الزهري ما رأيت هاشميا أفضل من علي بن الحسين عليه السلام وعن أبي جعفر عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليه السلام يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة وكانت الريح تميله بمنزله السنبلة، وكان إذا توضأ للصلاة يصفرّ لونه فيقول له أهله ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء فيقول تدرون بين يدي من أريد أن أقوم ؟!

 

 

 

وعن ابن عايشة قال: سمعت أهل المدينة يقولون: فقدنا صدقة السرّ حين مات علي بن الحسين عليه السلام وكان عليه السلام إذا حضرت اقشعرّ جلده واصفر لونه وارتعد كالسعفة وكان إذا قام في صلاته غشى لونه لون آخر، وكان قيامه في صلواته قيام العبد الذليل بين يدي الملك الجليل، كانت أعضاؤه ترتعد من خشية الله وكان في الصلاة كأنه ساق شجرة لا يتحرك منه إلاَّ ما حركت الريح منه وإذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفضّ عرقا. وإذا كان شهر رمضان لم يتكلم إلاَّ بالدعاء والتسبيح والاستغفار والتكبير وكان له خُريطة فيها تربة الحسين (عليه السلام) وكان لا يسجد إلاَّ على التراب وكان إذا قرأ " مالك يوم الدين " يكرّرها حتى يكاد أن يموت. وفضائله ومكارم أخلاقه أكثر من أن تعدّ ومعجزاته أكثر من أن تحصى وله الصحيفة السجادية زبور آل محمد. توفي عليه السلام يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت أو مضت من المحرّم سنة 95 خمس وتسعين من الهجرة وله يومئذ سبع وخمسون سنة سمّة هشام بن عبد الملك وكان في ملك الوليد بن عبد الملك. وسمّيت سنة وفاته سنة الفقهاء لكثرة من مات فيها من العلماء والفقهاء. قال السبط في التذكرة وكان عليه السلام سيّد الفقهاء مات في أولها وتتابع الناس بعده سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وسعيد بن جبير وعامة فقهاء المدينة وقبره بالبقيع في القبة التي فيها العباس وعمّه الحسن بن على عليه السلام وعن أبي الحسن عليه السلام قال: إن علياً بن الحسين لمّا حضرته الوفاة أغمي عليه ثم فتح عينيه وقرأ " إذا وقعت الواقعة " و " إنا فتحنا لك "، وقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} (الزمر 74) ثم قبض من ساعته ولم يقل شيئا)).: " إن الله تعالى أوحى إلى دانيال عليه السلام: إنّ أمقت عبيدي إليّ الجاهل بحق أهل العلم التارك للاقتداء بهم، وإنّ أحب عبيدي إليّ التقيّ الطالب للثواب الجزيل اللازم للعلماء التابع للحكماء القابل عن الحكماء " وأهل العلم هم الأئمة المعصومون. وقال الحكيم والفيلسوف الإسلامي أبو نصر الفارابي  ((* - الفارابي أبو نصر محمد بن طرخان الفارابي التركي الحكيم المشهور صاحب التصانيف في المنطق والموسيقى قالوا انه كان من أكبر فلاسفة المسلمين ولم يكن فيهم من بلغ رتبته في فنونه ويحكى أنه كان منفردا بنفسه لا يجالس الناس وكان مدّة مقامه بدمشق لا يكون غالبا إلاَّ عند مجتمع ماء أو مشتبك رياض ويؤلف هناك كتبه ويتناوبه المشتغلون عليه. وكان أزهد الناس في الدنيا لا يحتفل بأمر مكسب ولا مسكن وأجرى عليه سيف الدولة كل يوم من بيت المال أربعة دراهم وهو الذي اقتصر عليها لقناعة ولم يزل على ذلك إلى أن توفي بدمشق سنة 339 (شلط) وقد ناهز ثمانين سنة وصلى عليه سيف الدولة في أربعة من خواصه ودفن بظاهر دمشق خارج الباب الصغير.

 

 

 

  "ينبغي لمن أراد أن يشرع في الحكمة أن يكون صحيح المزاج متأدّبا بآداب الأخيار قد تعلّم القرآن واللغة وعلوم الشرع أولا، ويكون عفيفا صدوقا معرضا عن الفسق والفجور والغدر والخيانة والمكر والحيلة فارغ البال عن مصالح المعاش مقبلا على أداء الوظائف الشرعية غير مخلّ بركن من أركان الشريعة ولا بأدب من آدابها معظّما للعلم والعلماء ولا يكون عنده لشيء قدر إلاَّ الحكمة وأهلها ولا يتخذ العلم حرفة وإذا كان بخلاف ذلك فهو عالم زور وحكيم كذب بل لا يعدّ منهم").فليعلم أن المناسك الصورية والعبادات القالبية ليس لحصول الملكات الكاملة الروحانية والحقائق القلبية فقط بل هي إحدى ثمراتها لكن عند أهل المعرفة وأصحاب القلوب جميع العبادات هي إسراء المعارف الإلهية من الباطن إلى الظاهر ومن السرّ إلى العلن، وكما أن نعمة الرحمة الرحمانية بل الرحيمية منبسطة إلى جميع النشآت القلبية والقالبية للإنسان ولكل من المراتب حظ من النعم الجامعة الإلهية ولكل منها حظ ونصيب من ثناء الحق وشكر النعمة الرحمانية والرحيمية للواجب المطلق وما دام للنفس حظ من النشأة الصورية الدنيوية ولها من حياة الملك نصيب، ولا ينطوي بساط الكثرة بالكلية ولا ترتفع حظوظ الطبيعة. والسالك إلى الله كما أنه لا بد إلاَّ يكون قلبه مشغولا بغير الحق كذلك لابد إلاَّ يكون صدره وخياله وملك الطبيعة مصروفه في غير الحق حتى يكون للتوحيد والتقديس في جميع النشآت قدم راسخ، وإذا كان للجذبة الروحية في ملك الطبيعة نتيجة غير التعبد والتواضع للحق ففي النفس بقية من الأنانية. وسير السالك إنما هو في جوف بيت النفس وليس سيرة إلى الله وغاية سير أهل الله هي أن تكون الطبيعة وملك البدن منصبغة الله.

 

 

 

ولعل من المراتب والبواطن للحديث الشريف الذي يحكي عن لسان الحق تعالى شأنه أن الله قال: " وأنا الرحمان خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته " فلعلها هي قطع الطبيعة التي هي أم الأرواح عن موطنها الأصلي ووصلها هو إرتياضها وإرجاعها إلى موطن العبودية.

 

 

 

وفي الحديث عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " استوصوا بعمّتكم النخلة خيرا فإنها خلقت من طينة آدم ". وهذا الحديث يشير إلى الرحم الذي ذكرناه.

 

 

 

وبالجملة إخراج مملكة الظاهر عن موطن العبودية وإرسالها على رسلها من غاية الجهل لمقامات أهل المعرفة ومن تسويلات الشيطان الرجيم فانه يمنع كل طائفة عن الحق تعالى بطريق خاص، كما أن إنكار المقامات وسدّ طرق المعارف التي هي قرّة عين أولياء الله عليهم السلام وتحديد الشرائع الإلهية بالظاهر الذي هو حظ الدنيا وملك النفس ومقام حيوانيتها والغفلة عن الأسرار والآداب الباطنية للعبادات التي توجب تطهير السرّ وتعمير القلب وارتقاء الباطن من غاية الجهالة والغفلة وكل من هاتين الطائفتين بعيد عن طريق السعادة والصراط المستقيم للإنسانية ومهجور عن مقامات أهل المعارف. والعارف بالله والعالم بالمقامات لابد له أن يراعي جميع الحقوق الباطنية والظاهرية ويوصل إلى كل صاحب حق حقه ويطهّر نفسه من الغلوّ والتقصير والإفراط والتفريط ويزيل عن نفسه قذارة إنكار صورة الشريعة الذي هو في الحقيقة تحديد ويزيل عن نفسه خباثة إنكار باطن الشريعة الذي هو تقييد وكلاهما من الوساوس الشيطانية ومن أخباث ذلك اللعين حتى يتيسّر له طريق السير إلى الله والوصول إلى المقامات المعنوية. فإزالة أخباث الأوهام الفاسدة المانعة من القرب إلى الله ومن معراج المؤمنين إحدى مراتب إزالة الخبث، وأن من إحدى معاني جامعية النبوّة الخاتمية ومقاماتها بل من دلائل الخاتمية أنه في جميع المقامات النفسية قد استوفى جميع حقوقها وحظوظها من جميع شؤون الشريعة، وكما أنه في معرفة شؤون الربوبية جلّت عظمته عُرّف الحق سبحانه في العلّو الأعلى والدنو الأدنى لمقام الجامعية وقال: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ}(الحديد 3). و {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (النور 35) إلى آخره، ولو دليتم بحبل من الأرضين السفلى لهبطتم على الله {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} (البقرة  115). إلى غير ذلك مما يحصل به للعارف بالمعارف الإلهية والمجذوب بالجذبات الرحمانية طرب ملكوتي ووجد لاهوتي.

 

 

 

كذلك فقد أسرى التوحيد العملي القلبي إلى آخر مراتب أفق الطبيعة وملك البدن ولم يحرم موجودا من حظ معرفة الله. وبالجملة أهل التصوف يترنّمون بالحكمة العيسوية من حيث لا يشعرون، وأهل الظاهر يتكلمون بالحكمة الموسوية، والمحمديون يتبرّؤون من هذين بطريق التقييد، وتفصيل هذا الإجمال خارج عن مجال هذا المقام ولا ينبغي ذكره في هذه الأوراق.

 

 

 

وصل: عن مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام:

 

 

 

"سمي المستراح مستراحا لاستراحة النفوس من أثـقال النجاسات واستفراغ الكثافات والقذر فيها، والمؤمن يعتبر عندها أن الخالص من حطام الدنيا كذلك يصير عاقبته فيستريح بالعدول عنها وتركها، ويفرّغ نفسه وقلبه عن شغلها ويستنكف عن جمعها وأخذها استنكافه عن النجاسة والغائط والقذر ويتفكر في نفسه المكرمة في حال، كيف تصير ذليلة في حال، ويعلم أن التمسّك بالقناعة والتقوى يورث له راحة الدارين وان الراحة في هوان الدنيا والفراغ من التمتع بها وفي إزالة النجاسة من الحرام والشبهة فيغلق عن نفسه باب الكبر بعد معرفته إياها، ويفرّ من الذنوب ويفتح باب التواضع والندم والحياء ويجتهد في أداء أوامره واجتناب نواهيه طلبا لحسن المآب وطيب الزلفى ويسجن نفسه في سجن الخوف والصبر والكف عن الشهوات إلى أن يتصل بأمان الله في دار القرار ويذوق طعم رضاه، فان المعوّل ذلك وما عداه لا شيء ". (انتهى كلامه الشريف).

 

 

 

وفي هذا الكلام الشريف حكم (دستور) جامع لأهل المعرفة والسلوك وهو أن الإنسان اليقظان السالك إلى دار الآخرة لابد أن يستوفي في كل حال من الحالات حظوظة الروحانية ولا يغفل في حال عن ذكر مرجعه ومآله، ولهذا قالت الحكماء: النبي خادم القضاء كما أن الطبيب خادم البدن. فإن الأنبياء العظام والأولياء الكرام عليهم السلام حيث أنهم لا يرون إلاَّ القضاء الإلهي ولا ينظرون سوى الجهة يلي اللهي. والحاكم في قلوبهم هو ملكوت القضاء الإلهي فيرون جريان الأمور بأيدي ملائكة الله التي هي جنود الله ويجدونها كذلك والطبيب والطبيعي حيث أنه بعيد عن هذه المرحلة ومهجور عن هذا الوادي فينسب جريان الأمور الطبيعية إلى القوى الطبيعية. الإنسان الإلهي يرى في كل شيء الحظ الإلهي. و العين المشاهدة للحق والبصيرة العارفة بالله تشاهد في كل موجود نور الحق، كما روي عن أمير المؤمنين والإمام جعفر الصادق سلام الله عليهما: " ما رأيت شيئا إلاَّ ورأيت الله قبله وبعده ومعه وفيه ".

 

 

 

موسئي نيست كه دعوى أنا الحق شنود      ورنه اين زمزمه در هر شجرى نيست كه نيست (البيت للشاعر العارف الحافظ الشيرازي يقول:  ليس ثمة شجرة خالية من نداء " أنا الحق " ولكن ليس هناك كموسى حتى يسمع هذا النداء).

 

 

 

وبالجملة الإنسان السالك في جميع أحواله ومن جميع أموره لابد أن يستفيد حظوظ سلوكه، فإذا رأى أن الحطام الدنيوي ولذائذ عالم الملك كلها زائلة ومتغيرة وعاقبة أمرها إلى الفساد والأفول فيعرض قلبه عنها بسهولة ويفرغ قلبه عن الاشتغال بها وجمعها ويستنكف عنها كما يستنكف عن القذارات. إن باطن عالم الطبيعة هو القذارة وتعتبر الكثافة والقذارة في الرؤيا التي هي باب من المكاشفة تعبيرا عن الدنيا والمال، وفي المكاشفة العلوية: "الدنيا جيفة وميتة " (قال علي عليه السلام: " اقبلوا على جيفة افتضحوا بأكلها واصطلحوا على حبّها " وقال أيضا: يتنافسون في دنيا دنيّة ويتكالبون على جيفة مريحة "). فالمؤمن كما يفرغ نفسه عن الأثقال والفضولات الطبيعية ويريح المدينة الطبيعية من إذاها كذلك يريح قلبه من التعلق والاشتغال بها ويرفع عن القلب ثقل حب الدنيا والجاه ويريح ويفرغ المدينة الفاضلة الروحانية منها، ويتفكر في الاشتغال في الدنيا كيف أذلّ النفس الشريفة بعد ساعات وأحوجها إلى أقبح الحالات وأفضحها، كذلك الاشتغال القلبي بالعالم بعدما يرتفع حجاب الملك والطبيعة وما هو ببعيد يذلّ الإنسان ويبتليه بالحساب والعقاب، ويعلم أن التمسّك بالتقوى والقناعة موجب راحة الدارين، وأن الراحة في هوان الدنيا، فلذلك لا يلتذّ ولا يتمتع منها وكما أنه طهّر نفسه من النجاسات الصورية كذلك سيطهّر نفسه من نجاسات المحرّمات والمشتبهات، وإذا عرف نفسه ووجد ذلّة احتياجها فيغلق باب الكبر والتعظيم عن نفسه ويفر من العصيان والذنوب ويفتح على نفسه باب التواضع والندامة ويجدّ ويجتهد في إطاعة أوامر الحق ويجتنب عن عصيانه حتى يكون له حسن المآب إلى الحق ويتقرب إلى مقام القدس بطهارة النفس وصفائها وليسجن هو بنفسه نفسه في سجن الخوف والصبر والكف عن الشهوات النفسانية كي يأمن من سجن العذاب الإلهي ويلحق إلى الحق في دار القرار و إلى كنف ذاته المقدسة فيذوق في تلك الحال طعم رضا الحق تعالى وهذا غاية آمال أهل السلوك وليس لغيره أي قيمة.

 

 

 

الباب الثاني

 

 

 

في نبذة من آداب اللباس وفيه مقامان

 

 

 

المقام الأول

 

 

 

في آداب مطلق اللباس

 

 

 

اعلم أن النفس الناطقة الإنسانية حقيقة، هي: - في عين الوحدة وكمال البساطة - ذات نشآت عمدتها كلّيّة ثلاث :

 

 

 

الأولى: النشأة الملكية الدنيوية الظاهرة ومظهرها الحواس الظاهرة والقشر الأدنى لها هو الحواس الملكيّة.

 

 

 

الثانية: النشأة البرزخية المتوسطة ومظهرها الحواس الباطنية والبدن البرزخي والقالب المثالي.

 

 

 

الثالثة: النشأة الغيبية الباطنية ومظهرها القلب والشؤون القلبية.

 

 

 

ونسبة كل من هذه المراتب إلى الأخرى نسبة الظاهرية والباطنية، ونسبة التجلي والمتجلي، ومن هذه الجهة تسري الآثار والخواص والانفعالات من مرتبة إلى أخرى، فمثلا إذا أدركت حاسّة البصر شيئا يقع منه أثر في الحسّ البصري البرزخي مناسب لتلك النشأة ويقع منه أثر في البصر الباطني القلبي يناسب تلك النشأة، وهكذا الآثار القلبية تظهر في النشأتين الأخيرتين. وهذا المطلب مضافاً إلى أنه مطابق للبرهان القوي المتين مطابق للوجدان أيضاً، فمن هذه الجهة يكون لجميع الآداب الصورية الشرعية في الباطن أثر بل آثار، ولكل من الأخلاق الجملية التي هي من حظوظ مقام برزخية النفس أيضا آثار في الظاهر والباطن ولكل من العارف الإلهية والعقائد الحقّة في النشأتين البرزخية والظاهرة آثار.

 

 

 

فمثلا الإيمان بأن المتصرف في مملكة الوجود وعوالم الغيب والشهود هو الحق تعالى وليس لسائر الموجودات فيها تصرّف إلاَّ التصرّف الأدنى الظلّي يوجب كثيرا من الكمالات النفسانية والأخلاق الفاضلة الإنسانية مثل التوكل والاعتماد على الحق وقطع الطمع من المخلوق التي هي أمّ الكمالات، ويوجب كثيراً من الأعمال الصالحة والأفعال الحسنة وترك كثير من القبائح، وهكذا سائر المعارف التي تعدادها وتعداد تأثيراتها خارج عن مجال هذه الأوراق، والقلم القاصر للكاتب، ويحتاج إلى تحرير كتاب ضخم لمؤلف صاحب قلم قويّ من أهل المعرفة، أو من نفس حار لأحد أهل الحال (دست ما كوتاه وخرما بر نخيل) (مصراع معروف يعد كمثل دارج مضمونة: إن أيدينا قصيرة والتمر على النخل فلا تصل إليه أيدينا). وهكذا مثلا خلق الرضا فانه من الأخلاق الكمالية الإنسانية وله تأثيرات كثيرة في تصفية النفس وتجلياتها، ويجعل القلب موردا للتجليات الخاصة الإلهية ويوصل الإيمان إلى كماله، وكمال الإيمان إلى الطمأنينة، والطمأنينة إلى كمالها وكمالها إلى المشاهدة، والمشاهدة إلى كمالها، وكمالها إلى المعاشقة، والمعاشقة إلى كمالها و كمالها إلى المراودة، والمراودة إلى كمالها وكمالها إلى المواصلة، والمواصلة إلى كمالها ويرتقي إلى ما لا يسعه وهمي ووهمك.

 

 

 

وفي ملك البدن والآثار والأفعال الصورية التي هي أغصان وأوراق تلك الشجرة تأثيرات غريبة فيصير السمع والبصر وسائر القوى والأعضاء إلهية ويظهر سرّ كنت سمعه وبصره شيئا ما كما أن لتلك المراتب في الظاهر تأثيرا بل تأثيرات وللهيئة الظاهرة وجميع الحركات والسكنات عادية وغير عادية ولجميع التروك والأفعال أيضا فيها تأثيرات عجيبة بحيث ربما يتفق أن السالك يسقط من الأوج الأعلى إلى أسفل السافلين بنظرة واحدة تحقيرية إلى عبد من عباد الله ولا يستطيع جبران هذا السقوط في السنين المتوالية، وحيث أن قلوبنا نحن المساكين ضعيفة خفيفة وضئيلة ومثل شجرة الصفصاف (لهذه الشجرة صنف خاص يقال له بالفارسية (بيد مجنون) أي الصفصاف المجنون لها أغصان ضئيلة جدا متدلية إلى الأرض وهي كما مثل بها الأستاذ تتحرك بأدنى نسيم).

 

 

 

تضطرب بالنسيم الرقيق وتفقد حالة السكون، فاللازم لنا أن نلاحظ الحالات القلبية حتى في الأمور العادية وأحدها، اتخاذ اللباس ونتحفظ على القلب، وحيث أن للنفوس والشيطان حبائل مستحكمة وتسويلات دقيقة جدا والإحاطة بها خارجة عن طاقاتنا فلا بد لنا أن نقوم في مقابلها بقدر قوّتنا ونطاق وسعنا ونطلب التوفيق والتأييد من الحق تعالى.

 

 

 

فنقول بعدما اتضح أن للباطن في الظاهر وللظاهر في الباطن تأثيرا لابد للإنسان الطالب للحق والارتقاء الروحاني أن يحترز في انتخاب مادة اللباس وهيئته مما يكون له تأثير السوء في الروح ويخرج القلب عن الاستقامة ويغفله عن الحق ويجعل وجهة الروح دنيوية، ولا يتوهّم أن تسويل الشيطان وتدليس النفس الأمّارة إنما هو في اللباس الفاخر الجميل فقط وفي التجمّل والتزين فحسب بل اللباس الخلق الذي لا قيمة له ربما يسقط الإنسان عن درجة الاعتبار، ومن هذه الجهة لابد للإنسان أن يحترز من لباس الشهرة بل من مطلق المشي على خلاف المعمول والمتعارف، كما أنه لابدّ أن يحترز عن الألبسة الفاخرة التي تكون مادتها وجنسها قيمة وتكون هيئتها وخياطها جالبة للأنظار ومشارا إليها بالبنان لان قلوبنا ضعيفة وغير ثابتة، فبمجرد الامتياز والتعين يزلّ وينحرف عن الاعتدال فالإنسان المسكين الضعيف العاري من جميع مراحل الشرف والإنسانية وعزة النفس وكمال الآدمية والبريء منها ربما يتفق أنه بواسطة أذرع من الثوب الأبريسم أو من الصوف وقد قلّد في خياطته الأجانب مع أنه تمكن منه بقيمة هي بيعه شرفه وارتكابه المنكرات، ينظر إلى عباد الله بنظر الحقارة والكبر ولا يعيّن لموجود قيمة، وهذا ليس إلاَّ من كمال ضعف نفسه وقلّة ظرفيّته حيث يتوهّم أن فضلات القزّ ولباس الغنم موجبة لاعتباره وشرفه.

 

 

 

أيها الإنسان المسكين، ما هذا الضعف ؟ وما هذه المسكنة فيك ؟ فشأنك أن تكون فخرا لعالم الإمكان وخلاصة للكون والمكان، أنت ابن آدم وشأنك أن تكون معلّما للأسماء والصفات، أنت ابن خليفة الله وشأنك أن تكون من الآيات الباهرات (تورا زكنكره عرش ميزنند صفير) (مصراع بيت للحافظ الشيرازي يقول: أنت الطائر الذي تركت مكانك فمن أعالي العرش يصفرون لك كي ترجع إلى وكرك). أيها الشقيّ والخلف غير الصالح غصبت مقدارا قليلا من فضلات الحيوانات وملبوساتها وتفتخر بها. لو كان هذا فخرا فهو للقزّ والغنم والإبل والسنجاب والأرنب. لماذا تفتخر بلباس غيرك وتدلّل بما هو فخر لهم وتتكبّر به ؟ وبالجملة كما أن لمادة اللباس وجنسه وكونه قيّما ومزيّنا تأثيرا في النفوس، ومن هذه الجهة قال أمير المؤمنين عليه السلام كما رواه القطب الرواندي (هو أبو الحسن سعيد بن هبة الله بن الحسن العالم المتبحّر الفقيه المحدّث صاحب الخرائج والجرائح وقصص الأنبياء ولب اللباب وشرح النهج وغيره وهو أحد مشايخ ابن شهر آشوب يروي عن جماعة كثيرة من المشايخ. توفي القطب 4 شوال سنة 573 (تعج) كما في البحار نقلا عن خطّ الشهيد وقبره ببلد قُم في جوار الحضرة الفاطمية عليها السلام، مزار معروف). عليه الرحمة: " من لبس ثوبا عاليا فلا بد من التكبر ولابد للمتكبّر من النار ".

 

 

 

كذلك في هيئته وكيفيّة قصّه وخياطته آثار ربما يحصل للإنسان بواسطة أنه شبّه لباسه بالأجانب عصبية جاهلية للأجانب ويتضجّر ويتنفّر من الله ورسوله ويكون أعداء الله وأعداء رسوله محبوبين عنده ولذا ورد في الرواية عن الصادق عليه السلام: " إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى بعض أوليائه: قل للمؤمنين لا تلبسوا ملابس أعدائي ولا تأكلوا كأعدائي ولا تمشوا كأعدائي فتكونوا أعدائي كا هم أعدائي ".

 

 

 

فكما أن للألبسة الفاخرة جدا في النفوس تأثيرا، كذلك للألبسة الدنية جدا من حيث المادة والجنس ومن حيث الهيئة والشكل في النفوس تأثير، وربما يكون فساد هذا اللباس أشد بمراتب من تلك الألبسة الفاخرة لان للنفس مكائد دقيقة جدا فبمجرد أن يرى السالك نفسه من النوع الممتاز بأنه لبس اللباس الخشن والكرباس ولبس سائر الناس الألبسة اللينة اللطيفة، فبواسطة حب النفس يغفل هو عن عيوبه ويحسب هذا الأمر العرضي وغير المربوط به سببا لافتخاره، وربما يعجب بنفسه ويتكبّر على عباد الله ويحسب سائر الناس مبعدين عن ساحة القدس للحق ويرى نفسه من المقربين ومن خلّص عباد الله وربما يبتلى بالرياء وسائر المفاسد العظيمة، فالمسكين اقتنع من جميع مراتب المعرفة والتقوى والكمالات النفسانية باللباس الخشن ولبس الخلق وغفل عن الآلاف من عيوبه التي من أعظمها هذا العيب الذي حدث فيه من سوء تأثير هذا اللباس، وحسب نفسه من أهل الله مع أنه من أولياء الشيطان وحسب عباد الله لا شيء وبلا قيمة.

 

 

 

وكذلك أيضا ربما يكون أن هيئة اللباس وكيفيته يبلي الإنسان بمفاسد مثل أن يرتّب اللباس على نحو يشتهر بالزهد والقدس، وبالجملة لباس الشهرة سواء في جانب الإفراط أو في جانب التفريط من الأمور التي تزلزل القلوب الضعيفة وتخلعها من مكارم الأخلاق وتوجب العجب والرياء والكبر (وفي وصية النبي صلى الله عليه وآله لأبي ذرّ: " يا أبا ذرّ البس الخشن من اللباس والصفيق من الثياب لئلا يجد الفخر فيك مسلكه "). التي كل واحد منها من أمهات الرذائل النفسانية والموجب للركون إلى الدنيا. وعلاقة القلب بها الذي هو رأس كل الخطيئات ومنبع جميع القبائح.

 

 

 

وفي الأحاديث أيضا أشير إلى كثير من الأمور المذكورة كما في الكافي الشريف عن الصادق عليه السلام: " إن الله يبغض شهرة اللباس ".

 

 

 

وعنه أيضا قال: " الشهرة خيرها وشرها في النار ". وعنه عليه السلام: " إن الله يبغض الشهرتين، شهرة اللباس وشهرة الصلاة ".

 

 

 

وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله ما معناه: " من لبس ثياب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثياب الذلّ يوم القيامة ".

 

 

 

المقام الثاني

 

 

 

في نبذة من آداب لباس المصلى

 

 

 

وفيه فصلان:

 

 

 

الفصل الأول

 

 

 

في سر طهارة اللباس

 

 

 

اعلم أن الصلاة هي مقام العروج إلى مقام القرب والحضور في محضر الأنس، ويلزم للسالك مراعاة آداب الحضور في محضر القدس لملك الملوك، وحيث أن أدنى المراتب والمراحل لظهور النفس التي هي قشر القشور والبدن الصوري الملكي إلى أعلى المقامات والحقائق التي هي لبّ اللباب ومقام سرّ القلوب كما أنها حاضرة في المحضر المقدس للحق، فالسالك أيضا لابد أن يستحضر ويُرى جميع الجنود الباطنة والظاهرة لممالك السر والعلن إلى محضر الحق جلّ وعلا ويقدم إلى محضره المقدس جميع الأمانات التي وهبها الله سبحانه بيدي قدرة الجمال والجلال له وكانت تلك الأمانات في كمال الطهارة والصفاء ومن دون تصرف أحد من الموجودات ويرد الأمانات إليه كما أعطاه سبحانه إياها. ففي أدب الحضور خطرات كثيرة لا يجوز للسالك أن يغفل عنها لحظة واحدة ولا بد له أن يجعل طهارة اللباس الذي هو ساتر للقشر بل قشر القشر وسيلة لطهارة الألبسة الباطنية وليتفطّن أنه كما أن هذا اللباس الصوري ساتر فهو لباس للبدن الملكي، فالبدن ساتر للبدن البرزخي والبدن البرزخي موجود الآن ولكنه في ستر البدن الدنيوي وحجابه وهذا البدن ساتر له والبدن البرزخي ساتر ولباس وحجاب للنفس وهي ساترة للقلب والقلب ساتر للروح والروح ساتر السر وهو ساتر اللطيفة الخفية إلى غير ذلك من المراتب وكل مرتبة نازلة ساترة للمرتبة العالية ومجموع هذه المراتب وان كان موجودا خلّص أهل الله وسائر الناس عنها محرومون، ولكن حيث أن بعض المراتب موجودة في الكل فلهذا نشير إليه فقط.

 

 

 

    فليعلم أنه كما لا تتحقق صورة الصلاة بدون طهارة اللباس والبدن وأن القذارات التي هي رجس للشيطان ومستبعد محضر الرحمن هي من موانع ورود المحضر. وكما أنه يبعد المصلّي الملوّث لباسه وبدنه برجز الشيطان عن محضر القدس ولا يترك أن يدخل إلى مقام الأنس، كذلك قذارات المعاصي وعصيان الحق التي هي من تصرفات الشيطان ومن رجس ذاك الخبيث وقاذوراته من موانع ورود المحضر، فالمتلبّس بالمعاصي قد نجّس ساتر البدن البرزخي ولا يتمكن مع هذه القذارة أن يرد إلى محضر الحق، وتطهير هذا اللباس من شرائط تحقق الصلاة الباطنية وصحتها وما دام الإنسان في حجاب الدنيا لا يطّلع على ذلك البدن الغيبيّ وطهارة لباسه وقذارته وشرطية الطهارة ومانعية القذارة فيها، ولكن في اليوم الذي خرج عن هذا الحجاب ورائد السلطنة الباطنية، ويوم الجمع طويا بساط تفرقة الظاهر وطلعت شمس الحقيقة من وراء الحجب المظلمة الدنيوية وانفتحت البصيرة الباطنية الملكوتية وأغلقت البصيرة الحيوانية الملكية فهو يدرك بعين البصيرة أن صلاته كانت فاقدة للطهارة إلى نهاية الأمر وكان مبتلى بآلاف من الموانع التي كان كل واحد منها سببا مستقلا للتبعيد عن محضر الحق المقدس، ومع آلاف الأسف أنه ليس في ذلك اليوم طريق للجبران ولا حيلة للإنسان بل ما يبقى له حين ذاك فقط هو الحسرات والندامات، ندامات لا نهاية لها وحسرات لا انتهاء لها {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ} (مريم 39).

 

 

 

فإذا حصلت الطهارة للباس الباطني فيلزم طهارة البدن الملكوتي أيضا من رجز الشيطان وهو عبارة عن التطهير من أرجاس الأخلاق الذميمة التي يلوّث كل منها الباطن ويبعّد الإنسان عن المحضر ويهجّره من بساط قرب الحق، وهي أيضا من رجس الشيطان البعيد عن الرحمة، وإنما أصول جميع الذمائم ومبادئها هي العجب وحبّ النفس والتكبّر والتظاهر والتعصّب، وكل منها مبدأ كثير من الذمائم الأخلاقية ورأس كثير من الخطيئات، فإذا فرغ السالك من هذه الطهارة وطهّر لباس التقوى بماء التوبة النصوح والرياضة الشرعية فيلزمه أن يشتغل بتطهير القلب الذي هو الساتر الحقيقي، وتصرّف الشيطان فيه أكثر وقذاراته سارية إلى سائر الألبسة والسواتر وما لم يطهّر ذاك لا تتيسرّ سائر الطهارات ولتطهيره مراتب يشار إلى بعضها الذي يناسب هذه الأوراق :

 

 

 

أحدها: التطهير من حبّ الدنيا الذي هو رأس كل الخطيئات ومنشأ جميع المفاسد، وما دامت هذه المحبة في قلب الإنسان لا يتيسّر له الورود إلى محضر الحق ولا تتحقق المحبة الإلهية التي هي أم الطهارات مع هذه القذارة ولعله ما اهتم بشيء في كتاب الله ووصايا الأنبياء والأولياء عليهم السلام وخصوصا أمير المؤمنين عليه السلام مثلما اهتم بترك الدنيا والزهد فيها والاتقاء منها الذي هو من حقائق التقوى. ولا تحصل هذه المرتبة من التطهير إلاَّ بالعلم النافع والرياضيات القوية القلبية وصرف الهمّة في التفكر في المبدأ والمعاد وانشغال القلب بالاعتبار في أفول الدنيا وخرابها وكرامة العوالم الغيبية وسعادتها " رحم الله امرءاً علم من أين وفي أين و إلى أين ؟ " ومنها التطهير من الاعتماد على الخلق الذي هو شرك خفيّ بل هو عند أهل المعرفة شرك جليّ، ويحصل هذا التطهير بالتوحيد الفعلي للحقّ جلّ وعلا الذي هو منبع الطهارات القلبية ولا بد أن يعلم أن مجرد العلم البرهاني والقدم التفكّري في باب التوحيد الفعلي لا ينتج النتيجة المطلوبة بل ربما تكون كثرة الاشتغال بالعلوم البرهانية سببا لظلمة القلب وكدورته وتمنع الإنسان من المقصد الأعلى، وفي هذا المقام قالوا العلم هو الحجاب الأكبر، وفي عقيدة الكاتب أن جميع العلوم هي عملية حتى علم التوحيد ولعله يستفاد كونه عمليا من كلمة التوحيد التي هي تفعيل لأنه بحسب ما يناسب الاشتقاق التوحيد عبارة عن التوجه من الكثرة إلى الوحدة وجعل جهات الكثرة مستهلكة ومضمحلة في عين الجمع ولا يحصل هذا المعنى بالبرهان بل يلزم أن ينّبه القلب بالرياضيات القلبية والتوجّه الغريزي إلى مالك القلوب ما أفاده البرهان نقطع حتى يحصل حقيقة التوحيد نعم، إن البرهان يقول لنا لا مؤثر في الوجود إلاَّ الله وهذا أحد معاني لا إله إلاَّ الله وببركة هذا البرهان نقطع يد تصرف الموجودات عن ساحة كبرياء الوجود ونردّ ملكوت العوالم وملكها إلى صاحبها ونظهر حقيقة كبرياء الوجود ونردّ ملكوت العوالم وملكه إلى صاحبها ونظهر حقيقة له ما في السموات والأرض وبيده ملكوت كل شيء وهو الذي في السماء اله وفي الأرض اله ولكن ما لم يصل هذا المطلب البرهاني إلى القلب ولم يعد صورة باطنية للقلب، لم نصل من حد العلم إلى حد الإيمان ولم يكن لنا من نور الإيمان الذي ينوّر مملكة الباطنية والظاهرية سهم ونصيب، فلهذه الجهة لنا نحن مع العلم بالبرهان لهذا المطلب الشامخ الإلهي واقع في التكثير وليس عندنا خبر من التوحيد الذي هو قرّة عين أهل الله، ندق طبل لا مؤثر في الوجود إلاَّ الله ومع ذلك نمد عين الطمع ويد الطلب إلى كل مستأهل وغير مستأهل :

 

 

 

باي استدلاليان جوبيـــن بود          باي جوبين سخت بي تمكين بود

 

 

 

(بيت شعر للمولى الرومي يقول: " إن للاستدلالّيين رِجلاً من خشب ولا يمكن الاعتماد على الرجل الخشبية ").

 

 

 

وهذا التطهير من المقامات الجليلة للسالكين وبعد هذا المقام مقامات أخر خارجه عن حدودنا ولعله في خلال هذه الأوراق يجيء منها ذكر بما يناسب هذه الأوراق.

 

 

 

الفصل الثاني

 

 

 

في الاعتبارات القلبية لستر العورة

 

 

 

(قال الشهيد قدّس سرّه: " وأما ستر العورة فاعلم أن معناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق فإن ظاهر بدنك موقع نظر الخلق فما رأيك في عورات باطنك ومقابح سرّك التي لا يطلّع عليها إلاَّ ربك فاحضر تلك المقابح ببالك وطالب نفسك بسترها وتحقق أنه لا يستر عن عين الله تعالى ساتر وإنما يسترها ويكفرها الندم والحياء والخوف فتستفيد بإحضارها من مكانها في قلبك انبعاث جنود الخزف والحياء من مكانها فتذل به نفسك وتسكن تحت الخجلة وتقوم بين يدي الله قيام العبد المجرم المسيء الآبق ندم فرجع إلى مولاه بانكسار رأسه من الحياء والخوف ".

 

 

 

إذا رأى السالك نفسه حاضرا في محضر الحق المقدس جلّ وعلا بل وجد باطنه وظاهره وسره وعلنه عين الحضور. كما روي عن الكافي والتوحيد أن الصادق عليه السلام قال: " إن روح المؤمن لأشدّ اتصالا بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها " بل ثبت بالبرهان القوي المتين في العلوم العالية أن جميع دائرة الوجود من أعلى مراتب الغيب إلى أدنى مراتب الشهود هي عين التعلق والروابط ومحض التدلي والفقر إلى القيوم المطلق جلّت عظمته، ولعلة أشير إلى هذا المعنى في الآية المباركة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (فاطر 15)  فإذا كان موجود من الموجودات في حال من الحالات وآن من الآنات وحيثيّة من الحيثيّات غير متعلّق بعزّ القدس الربوبي يخرج عن بقعة الإمكان الذاتي والفقر ويدخل في حريم الوجوب الذاتي والغني، وعلى العارف بالله والسالك إلى الله أن يكتب هذا المطلب الحق البرهاني وهذه اللطيفة الإلهية العرفانية في لوح القلب بواسطة الرياضات القلبية ويخرجها من حد العقل والبرهان إلى حد العرفان حتى تتجلى في قلبه حقيقة الإيمان ونوره، فان أصحاب القلب وأهل الله لا يقفون في حد الإيمان بل يقدمون منه إلى منزل الكشف والشهود وهو يحصل بالمجاهدة الشديدة والخلوة مع الله والعشق لله، كما في مصباح الشريعة أن الصادق عليه السلام قال: " العارف شخصه مع الخلق وقلبه مع الله لو سها قلبه عن الله طرفة عين لمات شوقا إليه، والعارف أمين ودائع الله وكنز أسراره ومعدن نوره ودليل رحمته على خلقه ومطية علومه وميزان فضله وعدله، قد غني عن الخلق والمراد والدنيا ولا مؤنس له سوى الله ولا نطق ولا إشارة ولا نفس إلاَّ بالله لله من الله مع الله".

 

 

 

وبالجملة إذا رأى السالك نفسه بجميع شؤونه عين الحضور يستر جميع عوراته الظاهرية والباطنية لحفظ المحضر وذلك إذ وجد أن كشف العورات الباطنية في محضر الحق أقبح وأفضح من كشف العورات الظاهرية بمقتضى الحديث " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم ".. وهذه العورات الباطنية والذمائم الأخلاقية وخبائث العادات والأحوال الرديئة الخلقية هي التي تسقط الإنسان عن لياقة المحضر وأدب الحضور وهذه هي المرتبة الأولى من هتك الستور وكشف العورات، وليعلم أن الإنسان إن لم يستر نفسه بحجاب الستارية والغفارية من الحق جلّ وعلا ولم يقع تحت اسم الستّار والغفار مع طلبة الغفارية والستارية. فبعد انطواء ساتر الملك وارتفاع حجاب الدنيا فربما تهتك ستوره في محضر الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين عليهم السلام ولا يعلم قباحة كشف تلك العورات الباطنية وفضاحتها ونتن سوى الله.

 

 

 

أيها العزيز لا تقس أوضاع عالم الآخرة بهذا العالم فإن هذا العالم لا يتسع لظهور نعمة من نعم ذاك العالم أو نقمة من نقماته، هذا العالم مع ما فيه من سعة السموات والعوالم لا يتسع لظهور حجاب من الحجب الملكوتية السفلى التي من جملتها عالم القبر فكيف بالملكوت الأعلى الذي يكون عالم القيامة أنموذجا منه. ففي الحديث المفصّل والذي رواه الشيخ الشهيد الثاني رضوان الله عليه في منية المريد عن الصديقة الكبرى سلام الله عليها قالت: " سمعت أبي صلى الله عليه وآله يقول: إن علماء شيعتنا يحشرون فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم وجدّهم في إرشاد عباد الله حتى يخلع على الواحد منهم ألف ألف خلعة من نور.. إلى أن قالت عليها السلام: أن سلكا من تلك الخلع لأفضل مما طلعت عليه الشمس ألف ألف مرة ". هذا بالنسبة إلى النعيم، وأما بالنسبة إلى العذاب فقد روى الفيض رحمه الله في العلم اليقين عن المرحوم الصدوق بإسناده عن الصادق عليه السلام في ضمن حديث " أن جبريل عليه السلام قال لرسول الله صلى الله عليه وآله: فلو أن حلقة من السلسلة التي طولها سبعون ذراعا وضعت على الدنيا لذابت الدنيا من حرّها ولو أن قطرة من زقّومها وضريعها قطرت في مياه أهل الدنيا لمات أهلها من نتنها " نعوذ بالله من غضب الرحمن.

 

 

 

فيلزم على السالك إلى الله أن يبدّل أوصافه وأخلاقه السيّئة إلى الأوصاف والأخلاق الكاملة ويفنى في بحر الأوصاف الكمالية للحق، هذا البحر المتلاطم غير المتناهي ويبدّل الأرض المظلمة الشيطانية بأرض بيضاء مشرقـة ويجد فـي نفسه {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} (الزمر 69)  ويحقق في مملكة وجوده مقام أسماء الجمال والجلال للذات المقدسة فيقع في هذا المقام في ستر الجمال والجلال ويتخلّق بأخلاق الله ويستر مقابح التعينات النفسية والظلمات الوهمية فإذا تحقق هذا المقام يقع موردا للعنايات الخاصة للحق جلّ جلاله ويؤيده الحق بلطفه الخفيّ الخاص ويستره تحت حجاب كبريائه على نحو لا يعرفه غيره وهو أيضا لا يعرف غير الحق "  إن أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري " وفي الكتاب المقدس الإلهي إشارات كثيرة في هذا الموضوع لأهله كما في قوله تعالى: {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ} (البقرة  257) إن أهل المعرفة وأصحاب السابقة الحسنى يعلمون أن جميع التعينات الخلقية والكثرات العينية ظلمات والنور المطلق لا يحصل إلاَّ بإسقاط الإضافات وكسر التعينات التي هي أصنام طريق السالك فإذا اضمحلت وانطمست ظلمات كثرات الفعلية والوصفية في عين الجمع تكون جميع العورات مستورة ويتحقق الحضور المطلق والوصول التام.

 

 

 

والمصلي في هذا المقام كما أنه مستور بالحق فهو مصلّ بصلاة الحق ولعل صلاة معراج خاتم الرسل صلى الله عليه وآله وسلم كانت بهذه الطريقة في بعض المقامات والمدارج، والله العالم.

 

 

 

وصل: عن مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: " أزين اللباس للمؤمنين لباس التقوى وأنعمه الإيمان ". قال الله عز وجل: {وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ} (الأعراف 26). وأما اللباس الظاهر فنعمة من الله يستر عورات بني آدم وهي كرامة أكرم الله بها عباده ذرية آدم لم يكرم غيرهم وهي للمؤمنين آلة لأداء ما افترض الله عليهم وخير لباسك ما لا يشغلك عن الله عزّ وجلّ بل يقرّبك من شكره وذكره وطاعته ولا يحملك فيها إلى العجب والرياء والتزين والمفاخرة والخيلاء فإنها من آفات الدين ومورثة القسوة في القلب، فإذا لبست ثوبك فاذكر ستر الله عليك ذنوبك برحمته والبس باطنك بالصدق كما ألبست ظاهرك بثوبك وليكن باطنك في ستر الرهبة وظاهرك في ستر الطاعة واعتبر بفضل الله عز وجل حيث خلق أسباب اللباس لتستر العورات الظاهرة وفتح أبواب التوبة والإنابة لتستر بها عورات الباطن من الذنوب وأخلاق السوء (في الكافي بإسناده إلى معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "إذا تاب العبد توبة نصوحا أحبّه الله فستر الله عليه في الدنيا والآخرة، فقلت: وكيف يستر عليه ؟ قال: يُنسي ملكيه ما كتبا عليه من الذنوب و (ثم خ ل) يوحي إلى جوارحه اكتمي عليه ذنوبه ويوحي إلى بقاع الأرض اكتمي عليه ما كان يعمل عليك من الذنوب فيلقى الله حين يلقاه وليس شيء يشهد عليه بشيء من الذنوب ") ولا تـفضح أحدا حيـث ستـر الله عليك أعظم منه (إنَّ الستّارية من أوصاف الله تعالى وطوبى لعبد تخلّق بأخلاق الله.. وقد شدّد النكير في الروايات على من كان بصدد إفشاء عيب من أخيه المؤمن كما قال الصادق عليه السلام: "من اطلّع من مؤمن على ذنب أو سيئة فأفشى ذلك عليه ولم يكتمها ولم يستغفر الله له كان عند الله كعاملها وعليه وزر ذلك الذي أفشاه عليه وكان مغفورا لعاملها وكان عقابه ما أفشى عليه في الدنيا مستور عليه في الآخرة ثم يجد الله أكرم من أن يثنّي عليه عقابا في الآخرة ".

 

 

 

وقال عليه السلام: " من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه وهدم مروّته ليسقط من أعين الناس أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان فلا يقبله الشيطان ". والروايات في ذلك أكثر من أن تذكر.

 

 

 

وذكر المحدّث القمّي في السفينة في مادة عيب عن سفيان بن عيينة ((* - ابن عيينه بضم عينه أبو محمد سفيان بن عيينه ابن أبي عمر أن الكوفي المكي تابعي التابعين كان جدّه أبو عمران من عمّال خالد بن عبد الله القسري فلّما عزل خالد عن العراق وولى يوسف بن عمر طلب عمّال خالد فهرب منه إلى مكة فنزلها وولد سفيان سنة 107 ذكره الخطيب في تاريخه وأثنى عليه، وقال: كان له في العلم قدر كبير ومحلّ خطير وأدرك نيّفاً وثمانين نفساً من التابعين وسمع ابن شهاب الزهري وعمرو بن دينار وأبا إسحاق السبيعي ثم ذكر جماعة كثيرة من نظرائهم (انتهى). وهو عندنا كسفيان الثوري وينقل منه بعض الكلمات الحكيمة التي ينبغي أخذها فان الحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث وجدها. حكي أنه كتب إلى أخ له: أما آن لك يا أخي أن تستوحش من الناس ولقد أدركنا الناس وهم إذا بلغ أحدهم أربعين سنة جن (أي ستر) عن معارفه وصار كأنه مختلط العقل من شدّة تأهّبه للموت وكان إذا أعطاه الناس شيئا قال أعطوه لفلان فإنه أحوج مني.

 

 

 

وقال خصلتان يعسر علاجهما: الطمع فيما بأيدي الناس وإخلاص العمل لله. ويقول: إذا كان نهاري نهار سفيه وليلي ليل جاهل ماذا أصنع بالعلم الذي كتبت ؟.

 

 

 

توفّي في غرّة رجب سنة 198 (فصح) بمكة ودفن بالحجون بتقديم الحاء المهملة على الجيم موضع بمعلاة مكة ومعلاة مقبرة بها دفنت خديجة رضي الله عنها)). قال في قوله تعالى: إلاَّ أمم أمثالكم.. ما في الأرض آدمي إلاَّ وفيه شبه من بعض البهائم، فمنهم من يقدم إقدام الأسد ومنهم من يعدو عدو الذئب ومنهم من ينبح نباح الكلب ومنهم من يتطوّس كفعل الطاووس، ومنهم من يشبه الخنزير، فانه لو ألقي إليه الطعام الطيّب تركه وإذا قام الرجل عن رجيعه ولغ فيه، وكذلك نجد الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يحفظ واحدة منها فإن أخطأت مرة واحدة حفظها ولم يجلس مجلسا إلاَّ رواه عنه.. ثم قال: فاعلم يا بنيّ انك إنما تعشر البهائم والسباع فبالغ في الاحتراز. قال المحدث القمي بعد نقل هذا الكلام أقول وأحسن من هذا ما قال أمير المؤمنين عليه السلام: " إن الأشرار يتتبّعون مساوئ الناس ويتركون محاسنهم كما يتتبّع الذباب المواضع الفاسدة من الجسد ويترك الصحيح "). واشتغل بعيب نفسك واصفح عمّا لا يعنيك حاله وأمره واحذر أن تفني عمرك لعمل غيرك ويتّجر برأس مالك غيرك وتهلك نفسك فإن نسيان الذنوب من أعظم عقوبة الله تعالى في العاجل وأوفر أسباب العقوبة في الآجل وما دام العبد مشتغلا بطاعة الله تعالى ومعرفة عيوب نفسه وترك ما يشين في دين الله فهو بمعزل عن الآفات خائض في رحمة الله عز وجل يفوز بجواهر الفوائد من الحكمة والبيان وما دام ناسيا لذنوبه جاهلا لعيوبه راجعا إلى حوله وقوته لا يفلح إذا أبدا "

 

 

 

إنَّ مقاصد الحديث الشريف وإن اتضحت في الجملة في البيانات السابقة ولكن الإشارة إلى بعض إشاراته بعنوان شبه الترجمة موجب لصفاء القلوب.

 

 

 

يقول الإمام عليه السلام: أزين اللباس للمؤمنين هو لباس التقوى وألطفه لهم هو لباس الإيمان، كما قال الله تعالى: ولباس التقوى ذلك خير.. وأما لباس الظاهر فهو من نعم الله تعالى فانه يستر عورة بني آدم، وهذه الكرامة كرامة خاصة لذرية آدم عليه السلام ولم يعطها سبحانه إلى سائر الموجودات ولكن المؤمنين يصرفون هذه النعمة أيضا في أداء الواجبات الإلهية، وخير لباسك ما لا يغفلك عن الله ولا يشغلك بغير الله بل يقربك إلى شكره وذكره وطاعته، فلا بد لك أن تحترز في مادة اللباس وهيئته مما يوجب الغفلة والبعد عن ساحة قدس الحق وتعلم أن في اللباس بل في جميع الأمور العادية أمورا تغفل الإنسان عن الحق وتشغله بالدنيا وتؤثر في قلبه الضعيف تأثيرات السوء وتبتله بالعجب والرياء والتزين والفخر والكبر وكل ذلك آفات للدين وموجبة لقسوة القلب، وإذا لبست اللباس الظاهر فتذكر أن الله تعالى ستر بساتر رحمته ذنوبك ومعاصيك، وكما أنك لبّست ظاهرك باللباس الظاهري فلا تغفل عن الألبسة الباطنية ولبّس باطنك بلباس الصدق ولا بد لك أن تجعل باطنك في ستر الخوف والرهبة وظاهرك في ستر الطاعة وتعتبر من فضل الله تعالى حيث أنه تعالى أعطى اللباس الظاهر كي تستر به عيوبك الظاهرة وفتح لك أبواب التوبة والإنابة كي تستر بها العورات الباطنية التي هي المعاصي والأخلاق الذميمة. ولا تفضح أحدا كما أن الله سبحانه لم يفضحك فيما أهو أعظم واشتغل بعيب نفسك كي ينفتح لك باب الإصلاح واصفح عما لا يكون معينا لك (أقول: ويمكن أن يكون الاشتقاق من عني فيكون المعنى: واصفح عما لا يفيدك والمعنيان متقاربان)   واحذر أن تفني عمرك لعمل غيرك وتكتب نتيجة أعمالك في صحيفة أعمال غيرك ويتّجر الآخرون برأس مالك وتلقي بنفسك إلى الهلاك لان نسيانك ذنوبك من أعظم العقوبات التي ابتلى الله تعالى الإنسان في الدنيا بها لأنه إذا نسي ذنوبه لم يقم بإصلاح نفسه، ونسيان الذنوب من أوفر أسباب العذاب في الآخرة وما دام العبد مشتغلا بطاعة الحق عز وجل ومشغولا بمعرفة عيوب نفسه وتاركا للأمور التي هي عيب في دين الله فهو بمعزل عن الآفات وغائص في بحر رحمة الله وفائز بجواهر الحكمة والبيان، وما دام العبد ناسيا ذنوبه وجاهلا بعيوبه ومعتمدا على حوله وقوته لا يحصل له الفلاح أبدا.

 

 

 

الباب الثالث

 

 

 

في الآداب القلبية لمكان المصلّى وفيه فصلان:

 

 

 

الفصل الأول

 

 

 

في معرفة المكان

 

 

 

(قال الشهيد رضوان الله عليه: وأما المكان فاستحضر فيه أنك كائن بين يدي ملك الملوك تريد مناجاته والتضرّع إليه والتماس رضاه ونظره إليك بعين الرحمة، فانظر مكانا يصلح لذلك كالمساجد الشريفة والمشاهد المطهّرة مع الإمكان فانه تعالى جعل تلك المواضع محلاّ لإجابته ومظنّة لقبوله ورحمته ومعدنا لمرضاته ومغفرته على مثال حضرة الملوك الذين يجعلونها وسيلة لذلك فادخلها ملازما للسكينة والوقار ومراقبا للخشوع والانكسار سائلا أن يجعلك من خاص عبادة وان يلحقك بالماضين منهم وراقب الله كأنك على الصراط جائز وكن مترددا بين الخوف والرجاء وبين القبول والطرد فيخشع حينئذ قلبك ويخضع لبّك وتتأهل لان تفيض عليك الرحمة وتنالك يد العاطفة وترعاك عين العناية.

 

 

 

وقال العارف القاضي سعيد القمّي: إن للأماكن أثرا في حجاب القلب عن الله وإقباله إليه تعالى اللهم إلاَّ لأصحاب الأحوال حيث لا يشغلهم حال عن حال فانظر في أي مكان ومرتبة بالنظر إلى حضرة ذي الجلال فإن لم تكن خارجا عن مقام الحسّ فذلك كمال النقص، فاجهد أن تسعى إلى مسجد القلب لتفوز بصلاة جميع القوى وجماعة المشاعر والأعضاء، وان اجتهدت ان تدخل كعبة الروح فتصلي مع جماعة الأرواح المقدسة والنفوس القدسية فتلك الصلاة نور، وإن ارتقيت بروحك إلى الملأ الأعلى وتدخل المسجد الأقصى والعالم الإلهي العقلي فذلك نور على نور).

 

 

 

إعلم أن للسالك إلى الله بحسب النشآت الوجودية أمكنة، ولكل منها آداب مخصوصة ما لم يتحقق السالك بها لم يتوصّل إلى صلاة أهل المعرفة.

 

 

 

المقام الأول: النشأة الطبيعية والمرتبة الظاهرية الدنيوية ومكانها أرض الطبيعة. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ".. فالسالك في هذه المرتبة أدبه في أن يفهم قلبه أن نزوله من النشأة الغيبية وهبوط النفس من المحل الأعلى الأرفع إلى أرض الطبيعة السفلى ورده من أحسن تقويم إلى أسفل سافلين لأجل سلوكه الاختياري إلى الله وعروجه إلى معراج القرب ووصوله إلى فناء الله والجناب الربوبي الذي هو غاية الخلقة ونهاية المقصد لأهل الله. العارف يقول من الله وفي الله و إلى الله فللسالك أن يفهم نفسه ويذوق بذائقة روحه أن دار الطبيعة هي مسجد عبادة الحق وأنه قدم إلى هذه النشأة لأجل هذا المقصد كما يقول الحق جلّ وعلا: " وما خلقت الإنس والجن إلاَّ ليعبدون ".. فإذا وجد دار الطبيعة مسجدا للعبادة ورأى نفسه معتكفا فيه لا بدّ وأن يقوم بآدابه ويصوم عن تذكر غير الحق وألاّ يخرج عن مسجد العبودية إلاَّ بقدر الحاجة فإذا انقضت حاجته يعود ولا يستأنس بغير الحق ولا يتعلق قلبه بغيره، فان هذا كله خلاف آداب   العكوف على باب الله، وللعارف بالله في هذا المقام حالات لا يصح كتابتها وحيث أن الكاتب خارج عن الفطرة الإنسانية، ومستغرق في البحر المسجور والظلماني للطبيعة وعار عن الحق والحقيقة وعن جميع مقامات السالكين والعارفين فالأفضل إلاَّ يفضح نفسه أكثر من هذا المقام ويشكو من النفس الأمارة إلى جناب ذي الجلال المقدّس لعله يؤيد باللطف العام والرحمة الشاملة ويجبر ما سبق من عمره في بقيّته ربنا ظلمنا أنفسنا وان تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين.

 

 

 

المقام الثاني: مرتبة القوى الظاهرة والباطنة التي هي جنود ملكية وملكوتية للنفس ومحلّها الأرض الطبيعية الإنسانية وهي هذه البنية والبدن وأدب السالك في هذا المقام أن يفهم باطن قلبه بأن أرض الطبيعة نفسه وهي مسجد الربوبية ومحل السجدة للجنود الرحمانية فلا ينجسها بقاذورات تصرف إبليس ولا يجعل الجنود الإلهية تحت تصرف إبليس كي تشرق ارض الطبيعة بشروق نور الرب وتخرج عن ظلمة البعد عن الساحة الربوبية وكدورته فيرى قواه الملكية الملكوتية معتكفة في مسجد البدن ويعامل بدنه معاملة المسجد ومع قواه بعين العكوف إلى فناء الله، وتكليف السالك في هذا المقام أكثر لأن تنظيف المسجد وطهارته أيضا على عهدته كما أنه بنفسه أيضا يتكفل أدب المعتكفين في هذا المسجد.

 

 

 

المقام الثالث: النشأة الغيبية للسالك: ومحلها البدن البرزخي الغيبي للنفس الذي يتكون بإنشاء النفس وخلاّقيتها، والأدب للسالك في هذا المقام أن يذوّق نفسه أن التفاوت بين هذا المقام والمقامات الأخر كثير وحفظ هذا المقام هو من مهمات السلوك لان القلب هو أمام المعتكفين في هذا الجناب وبفساده يفسد الجميع إذا فسد العالم فسد العالم فقلب العالِم عالَم صغير وعالم القلب هو العالم الكبير وتكاليف السالك في هذا المقام تكون أكثر من ذين المقامين لأنه قد كلف بناء المسجد أيضا بنفسه ومن الممكن لا سمح الله أن يكون مسجده مسجد ضرار وكفر وتفريق بين المسلمين ولا يجوز في هذا المسجد عبادة الحق ويجب تخريبه، فإذا أسّس السالك المسجد الملكوتي الإلهي بيد التصرف الرحماني ويد الولاية وطهّر بنفسه هذا المسجد عن جميع القاذورات والتصرفات الشيطانية واعتكف فيه فلا بد له أن يجاهد حتى يخرج نفسه من العكوف في المسجد ويعتكف بفناء صاحب المسجد فإذا تطهّر عن التملّق بالنفس وخرج عن قيد نفسه يصير هو بنفسه منزلا للحق بل مسجدا للربوبية ويثني الحق على نفسه في ذاك المسجد بالتجليات الفعلية ثم الأسمائية ثم الذاتيّة وهذا الثناء هو صلاة الرب يقول سبّوح قدّوس رب الملائكة والروح، وللسالك إلى الله في جميع مقامات السلوك مهمة أخرى لا يجوز له الغفلة عنها مطلقا بل هذه المهمة هي غاية السلوك ولب لبابة وهي أن لا يغفل في جميع الحالات والمقامات عن ذكر الحق ويطلب في جميع المناسك والعبادات معرفة الله ويطلب الله في جميع المظاهر ولا تمنعه النعمة والكرامة عن الصحبة والخلوة فانه نوع من الاستدراج.

 

 

 

وبالجملة يرى روح العبادات والمناسك وباطنها معرفة الله ويتطلب فيها المحبوب ولعله تستحكم في قلبه علاقة المحبة والمحبوبية ويكون موردا للعنايات الخفية والمراودات السرية.

 

 

 

وصل: في مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام: " إذا بلغت باب المسجد فاعلم أنك قد قصدت باب ملك عظيم لا يطأ بساطه إلاَّ المطهرون ولا يؤذن لمجالسته إلاَّ الصدّيقون " (قد تفطّنت بفضل الله تعالى لنكتة لطيفة في المقام وهي أن الرواية الشريفة كأنها قررت للوافدين إلى حضرة ذي الجلال مرحلتين، الأولى: الوفود على حضرته والورود إلى جنابه والثانية: المجالسة والمؤانسة معه جلّت وعظمت نعماؤه. فخصّت الأولى بالمطهّرين والثانية بالصدّيقين كما أن في القرآن الكريم إشارة لطيفة إلى هاتين، أما بالنسبة إلى الأولى فهو قول الله سبحانه في شأن مريم الطاهرة: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ 42 يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} (آل عمران42، 43)، حيث أن الأمر بالقنوت والسجود والركوع مع الراكعين وقيامها في صفّهم بعد اصطفائها وتطهيرها وخصوصا إذا جعلنا الواو في وطهّرك للعطف التفسيري وهو أفضل لئلاّ يلزم التكرار في قوله تعالى واصطفاك على نساء العالمين.. فيكون المعنى أن قيامها عليها السلام في مجلس الذكر بعد كونها مطهّرة، وان جعلها الواو لمطلق العطف فلا يضرّ أيضا بالمعنى الذي نحن بصدده وهو أنه لابد للوافد على الله أن يكون مطهّرا كما أشار إليه في الرواية الشريفة بقوله: " لا يطأ بساطه إلاَّ المطهّرون ".

 

 

 

وأما بالنسبة إلى المرحلة الثانية، فقوله تعالى: {أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ}    (الحديد 19). فان فيها أيضا إشارة في غاية اللطافة لما ذكرنا وهي أن الكون عند الربّ تعالى يختصّ بالصدّيقين سواء جعلنا الظرف متعلقا بالشهداء كما هو الظاهر لكونه أقرب أو جعلناه متعلقا بأولئك، وان كان بعيدا لبعده وعلى كلا التقديرين يستفاد ما ذكرنا من الآية الشريفة فافهم واغتنم ولله الحمد). فهب القدوم إلى بساط خدمة الملك هيبته فانك على خطر عظيم ان غفلت فاعلم أنه قادر على ما يشاء من العدل والفضل معك وبك فان عطف عليك برحمته وفضله قبل منك يسير الطاعة وأجزل لك عليها ثوابا كثيرا (في الكافي الشريف عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " مرّ بي أبي وأنا بالطواف وأنا حَدَث وقد اجتهدت في العبادة فرآني وأنا أتصابّ عرقا فقال لي: يا جعفر يا بنيّ إن الله إذا أحب عبدا يدخله الجنة ورضي عنه باليسير ".

 

 

 

وفيه أيضا عن حنان بن سدير قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله إذا أحبّ عبدا فعمل قليلا جزاه بالقليل الكثير ولم يتعاظمه أن يجزي بالقليل الكثير له ".

 

 

 

أقول: ذكر صاحب الوسائل (قدّس سرّه) هاتين الروايتين في الوسائل في باب (استحباب الاقتصاد في العبادة) وعندي أنها لا تناسب الباب بل الأولى أن ينعقد باب في كتب الأحاديث بعنوان: (باب أنّ الأصل في اشتراط القبول في الأعمال محبة الله عز وجل للعبد) وتذكر هاتان الروايتان في ذلك الباب). وان طالبك باستحقاق الصدق والإخلاص عدلا بك حجبك ورد طاعتك وان كثرت فهو فعال لما يريد واعترف بعجزك وتقصيرك وانكسارك وفقرك بين يديه فانك قد توجّهت للعبادة والمؤانسة به واعرض أسرارك عليه ولتعلم أنه لا يخفى عليه أسرار الخلق أجمعين وعلانيتهم وكن كأفقر عباده بين يديه وأخل قلبك عن كل شاغل يحجبك عن ربك فانه لا يقبل إلاَّ الأطهر والأخلص، فانظر من أي ديوان يخرج اسمك فان ذقت حلاوة مناجاته ولذيذ مخاطباته وشربت بكأس رحمته وكراماته من حسن إقباله عليك وإجابته فقد صلحت لخدمته فادخل فلك الإذن والأمان، وإلا فقف وقوف من انقطعت عنه الحيل وقصر عنه الأمل وقضي عليه الأجل فان علم الله عز وجل من قلبك صدق الالتجاء إليه نظر إليك بعين الرأفة والرحمة واللطف، ووفقك لما يحب ويرضى فانه كريم يحب الكرامة لعباده المضطّرين إليه المحترقين على بابه لطلب مرضاته.

 

 

 

قال تعالى: " أمّن يجيب المضطّر إذا دعاه ويكشف السوء ".

 

 

 

وحيث أن هذا الكلام الشريف دستور جامع لأصحاب المعرفة وأرباب السلوك إلى الله نقلته بتمامه فلعله يحصل حال من التدبّر فيه، ومحصل قوله عليه السلام أنه إذا وصلت إلى باب المسجد فانتبه إلى أيّ باب وصلت ؟ وأيّ جناب قصدت ؟ فاعلم أنك وصلت إلى جناب السلطان العظيم الشأن الذي لا يضع أحد قدمه على بساط قربه إلاَّ إذا طهر وتطهر من جميع أرجاس عالم الطبيعة والأرجاس الشيطانية ولا يصدر الإذن لمجالسته إلاَّ الذين يقدمون عليه بالصدق والصفاء والخلوص من جميع أنواع الشرك الظاهر والباطن، فاجعل عظمة الموقف والهبة والعزّة والجلال الإلهي نصب عينك ثم ضع قدمك إلى جناب القدس و بساط الأنس فانك واقع في مخاطرة عظيمة (باخبر باش كه سر ميشكند ديوارش) فانك وردت إلى جناب القادر المطلق يجري ما يشاء في مملكته فإما أن يعاملك بالعدالة ويناقش في الحساب فيطالب بالصدق والإخلاص وتحجب عن الجناب وتردّ طاعتك وان كثرت، وإما أن يعطف إليك طرفه ويقبل بفضله ورحمته طاعتك التي هي لا شيء ولا قيمة لها ويعطيك ثوابه العظيم فإذا عرفت الآن عظمة الموقف فاعترف بعجزك وتقصيرك وفقرك وإذا توجهت إلى عبادته وقصدت المؤانسة معه ففرّغ قلبك عن الانشغال بالغير الذي يحجبك عن جمال الجميل وهذا الاشتغال بالغير قذارة وشرك ولا يقبل الحق تعالى إلاَّ القلب الطاهر الخالص، وإذا وجدت في نفسك حلاوة مناجاة الحق وذقت حلاوة ذكر الله وجرعت من كأس رحمته وكراماته ورأيت حسن إقباله وإجابته في نفسك فاعلم انك صرت لائقا لخدمته المقدسة، فادخل فانك مأذون ومأمون وإذا ما وجدت في نفسك هذه الحالات فقف بباب رحمته كالمضطر الذي انقطعت عنه جميع العلاجات وبعد عن الآمال وقرب إلى أجله فإذا عرضت ذلّتك ومسكنتك والتجأت إلى بابه ورأى سبحانه منك الصدق والصفاء فينظر إليك بعين الرحمة والرأفة ويؤيدك ويوفّقك لتحصيل رضاه فانه الذات المقدسة لكريم ويحب الكرامة لعباده المضطرين كما يقول تعالى: أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.

 

 

 

(اعلم أن المصلي في الحقيقة ونفس الأمر العقل لان مقام العقل مقام العبادة وهو الواقف في مقام إياك نعبد وإياك نستعين، ومقام العقل أول مقام الصحو، وما قبله مقام السكر والفناء والزوال وفقدان النفس ووجدان الربّ. قال تعالى: " هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ". قال الباقر عليه السلام: " كان شيئا ولم يكن مذكورا ".                     

 

 

 

في المجمع عن الباقر والصادق عليهما السلام: " كان مذكورا في العلم ولم يكن مذكورا في الخلق ". وروايات أخر تقرب من هذا المعنى.

 

 

 

 فالمصلي هو العقل فقط ولذا ترى أن المجنون والصبي والنائم والمغمى عليه والسكران ليسوا مكلّفين بالصلاة وإن كان بالنسبة إلى السكران من باب الامتناع بالاختيار وهو لا ينافي الاختيار.. فليتدبّر.

 

 

 

ثم أن عدم التكليف في الموارد المذكورة من جهة أن الأصل الذي عليه مدار الصلاة وسائر التكاليف مفقود في هذه الموارد وان المكلّف الأصلي هو العقل كما قاله تعالى حين خلقه: " أقبل فأقبل ثم قال له: أدبر فأدبر فقال بك أثيب وبك أعاقب "، وأما غير العقل فالتكليف له تبعي وبالعرض.

 

 

 

ومكان العقل ومحلّه القلب الذي هو عرش الرحمن، وحيث أن حقيقة الصلاة عبارة عن توجّه العقل بكينونته إلى الله سبحانه فالمسجد ومكان الصلاة والعبادة هو القلب، ولا بدّ أن يكون المسجد ومحل العبادة طاهرا من لوث النجاسات كما في الحديث: " جنّبوا مساجدكم عن النجاسات ". فمن الواجب أن يكون المصلّى الواقعي ومحل المصلي الحقيقي طاهرا من لوث الكفر والنفاق والشرك بجميع مراتبها ومن كل ما هو مكروه للمحبوب من قبيل الحسد والعجب والكبر وحبّ الرئاسة وأمثالها. وحيث أن الصلاة معراج المؤمن فإذا كان في القلب شيء من ظلمة الكفر والفسق وأثقالها فذلك القلب لا يقدر على العروج. فالواجب أن تصدر الصلاة عن قلب خاص مزكّى وذي بصيرة تامة ومعرفة كاملة لله سبحانه وصفاته وأسمائه ومعرفة أنبيائه وأوليائه ومعاداة أعدائه، ويكون مؤمنا بكل ما جاء به الأنبياء والرسل {وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} (البقرة 285).. ولا يصحّ صدور الصلاة عن القلب الكافر غير البصير وغير المؤمن بالله وأوليائه وغير المعادي لأعداء الله سواء كان عدم إيمانه في هذا العالم أو في العالم الأول، فان صلاته حينئذ من لطخ أصابه في العالم الأول من طينة الأولياء وصار سببا لإيمانه الصوري وحسن خلقه العرضي غير الذاتي كما في الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث طويل: من أن حسن شيم أعداء الله من لطخ أصحاب اليمين كما أن الصورة الإنسانية للكافر مغصوبة عنده في هذه الدنيا لينال بواسطتها شهواته ومقاصده الحيوانية، وفي يوم تبلى السرائر وتنكشف الحقائق تؤخذ الصورة منه ويحشر على غير صورة الإنسان، فما في وجودهم من النور والخير والصلاح مغصوبة وكله من مقتضيات لباس التقوى المختصّ بالمؤمنين، فأعمال هؤلاء تقع في المكان المغصوب ولا تنفعهم شيئا بل نفعها عائد إلى صاحب اللطخ ومتعلقة به، فان الغاصب يؤخذ بأشدّ الأحوال وترجع الأعمال إلى أصلها والأعمال غير المرضية الصادرة عن المؤمن فهي من اللطخ الذي أصابه من أصحاب الشمال وظلّه وشعاعه فترجع إليهم لا محالة كرجوع شعاع الشمس إليها كما صرّح بذلك في الرواية التي رواها الصدوق في العلل عن الباقر عليه السلام وفيها: " اخبرني يا إبراهيم عن الشمس إذا طلعت وبدا شعاعها في البلدان أهو بائن في القرص ؟ قلت: في حال طلوعه بائن. قال: أليس إذا غابت الشمس اتصل ذلك الشعاع بالقرص حتى يعود إليه ؟ قلت: نعم. قال: كذلك يعود كل شيء إلى سنخه وجوهره وأصله، فإذا كان يوم القيامة نزع الله عز وجل سنخ الناصب وطينته مع أثقاله وأوزاره من المؤمن فيلحقها كلها بالناصب وينزع سنخ المؤمن وطينته مع حسناته وأبواب برّه، واجتهاده من الناصب فيلحقها كلها بالمؤمن".

 

 

 

فبالتدقيق فيما ذكرنا، وفي الروايات الواردة في باب الطينة والميثاق ربّما يتّضح حقيقة الأمر في الإيمان المستقر والمستودع وانه لابد للإيمان المستودع أن يزول وهذا مقتضى عدله سبحانه لتجزى كل نفس بما كسبت ومن هذه الجهة فقد ركز في روايات الباب على العدل الإلهي والحكمة الربانية كقول الباقر عليه السلام في الرواية المتقدمة فإذا عرضت هذه الأعمال كلها على الله عز وجل قال: أنا عدل لا أجور ومنصب لا أظلم وحكم لا أحيف ولا أميل ولا أشطط الحقوا الأعمال السيئة التي اجترحها المؤمن بسنخ الناصب وطينته والحقوا الأعمال الحسنة التي اكتسبها الناصب بسنخ المؤمن وطينته وردّوها كلها إلى أصلها فاني أنا الله لا إله إلاَّ أنا عالم السرّ وأخفى وأنا المطّلع على قلوب عبادي لا أحيف ولا أظلم ولا ألزم أحدا إلاَّ ما عرفته منه قبل أن أخلقه.

 

 

 

وحيث أن الرواية مشتملة على أسرار من العارف ممّا يصعب على القلوب فهمه وعلى القلوب إدراكه كما صرّح عليه السلام في آخرها بقوله: خذها إليك يا أبا إسحاق فو الله انه لمن غرر أحاديثنا وباطن سرائرنا ومكنون خزائننا فنقرّبها إلى الأذهان البسيطة ببيان بسيط وهو أنّا نفرض أن إنساناً يريد أن يعلّم ولده ويربّيه فاستأجر له معلّما ومربيّا وهيأ له جميع ما له دخل وتأثير في تعلّمه وتربيته ولكن إنساناً أخر منع الولد عن التعلّم بإغوائه وتدليساته وأخذ من ماله واتّجر لنفسه فأصبح الولد جاهلا وفقيرا، أليس مقتضى العدل حينئذ أن يكون وزر جهل الولد وفقره على ذلك الغاصب ويؤخذ منه ما اتّجر لنفسه بمال الولد فأصبح هو غنيّا والولد فقيرا فيعطى المال للولد ليجبر ما أصابه من الظلم والحرمان فعلى ذلك فما جزاء الكفّار والمنافقين وأمثالهم الذين ضيّعوا ما تحملّ الأنبياء والأولياء في سبيل إصلاح المجتمع وأفسدوا على المؤمنين آراءهم وأعمالهم، وفي نفس الوقت استفادوا لأنفسهم فوائد كانت نتيجة مشاقّ الأنبياء ومساعيهم وكان المؤمنون أحقّ بها منهم، أليس جزاؤهم ما ذكر في الرواية الشريفة من نزع حسناتهم وإعطائها للمؤمنين ؟ وكذلك نزع سيّئات المؤمنين وإعطاؤها لهم. وقد أشير إلى هذا الحكم العدل في موارد كثيرة تأويلا وتصريحا.

 

 

 

فمن التأويل ما أشار إليه الباقر عليه السلام وقال: يا إبراهيم اقرأ هذه الآية قلت يا بن رسول الله أيّه آية ؟ قال قوله تعالى قال {مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّـآ إِذًا لَّظَالِمُونَ} (يوسف 79) هو في الظاهر ما تفهمونه وهو الله في الباطن هذا بعينه يا إبراهيم إن للقرآن ظاهرا وباطنا ومحكما ومتشابها وناسخا ومنسوخا إلى أن قال عليه السلام وان ما أخبرتك لموجود في القرآن كلّه قلت هذا بعينه يوجد في القرآن ؟ قال نعم يوجد في أكثر من ثلاثين موضعا في القرآن أتحب أن أقرأ ذلك عليك ؟ قلت: بلى يا بن رسول الله فقال قال الله عز وجل: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُون* وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ..} (العنكبوت12، 13) أزيدك يا إبراهيم ؟ قلت بلى يا بن رسول الله قال: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ} (النحل 25). أتحب أن أزيدك ؟ قلت: بلى يا بن رسول الله. قال: {فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (الفرقان 70) إلى أن قال عليه السلام: ألم أبيّن لك أمر المزاج والطينتين من القرآن ؟ قلت: بلى يا بن رسول الله. قال: اقرأ يا إبراهيم: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ...} (يعني من الأرض الطّيبة والأرض المنتنة)... {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} (النجم 32). يقول لا يفتخر أحدكم بكثرة صلاته وصيامه وزكاته ونسكه لان الله عز وجل أعلم بمن اتّقى منكم فإن ذلك من قبل اللمم (وهو المزاج).

 

 

 

أزيدك يا إبراهيم ؟ قلت بلى يا بن رسول الله. قال: " كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حقّ عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله.. أئمة الجور دون أئمة الحق ويحسبون أنهم مهتدون "، خذها إليك يا أبا إسحاق فو الله انه لمن غرر أحاديثنا. " الحديث " فعلى المتعلم البصير والقارئ الخبير أن يتأمل في الحديث الشريف ويتفحّص القرآن الكريم ليقف على بقية الآيات الدالّة على ما ذكرنا وهي على ما ذكره الإمام باقر العلوم عليه الصلاة والسلام ما يزيد على ثلاثين موضعا في القرآن.

 

 

 

وسيجيء الإشارة إلى بعض ما ذكرنا من المؤلف دام ظلّه في تفسير إياك نعبد وإياك نستعين فانتظر).

 

 

 

الفصل الثاني

 

 

 

 في بعض آداب إباحة المكان

 

 

 

(منها ما رواه الكلبي (رحمه الله) في الكافي عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: وجدنا في كتاب على {إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}(الأعراف 128) أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الله الأرض ونحن المتقون والأرض كلها لنا.

 

 

 

ورواية أخرى فيه أيضا ومفادها أوسع من الأولى قال عليه السلام: " الدنيا وما فيها لله تبارك وتعالى ولرسوله ولنا.. وفي ثالثة ومفادها أوسع من السابقتين عن أبي بصير قال: قلت له: أما على الإمام زكاة ؟ فقال: أحلت يا أبا محمد علمت أن الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء جائز له وذلك من الله. ").

 

 

 

إذا فهم السالك إلى مراتب المكان بحسب المقامات والنشآت الوجودية لنفسه فله أن يجتهد في آدابه القلبية لإباحتها حتى تخرج صلاته من التصرفات العصبية لإبليس الخبيث فيقوم في المرتبة الأولى بآداب صورية للعبودية والرقّية ويفي بالعهود السابقة في عالم الذرّ ويوم الميثاق ويبعّد يد تصرف إبليس عن ملك طبيعة حتى تحصل له المراودة والمخاطبة مع صاحب البيت ولا تكون تصرفاته في عالم الطبيعة غصبا. يقول بعض أهل الذوق: ان معنى الآية الشريفة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ...}(المائدة/1) بحسب الباطن أن حليّة بهيمة الأنعام موقوفة على الوفاء بعهد الولاية. وقد روي في الأحاديث أن جميع الأرض للإمام وغير الشيعة غاصبة لها، وأهل المعرفة يرون ولّي الأمر مالكا لجميع ممالك الوجود ومدارج الغيب والشهود ولا يجوّزون تصرّف أحد فيها بدون إذن الإمام.

 

 

 

يقول الكاتب: إن إبليس اللعين هو عدّو الله وتصرفاته وكل تصرف إبليسيّ في عالم الطبيعة جور وغصب فالسالك إلى الله إن أخرج نفسه من تصرفات ذلك الخبيث يكون تصرّفه تصرّفا رحمانيا ويباح ويطهر مكانه وملبسه ومطعمه ومنكحه وبمقدار ما يقع تحت تصرف إبليس يخرج عن الحلّيّة ويتصرّف فيه شرك الشيطان، فإذا وقعت الأعضاء الظاهرة للإنسان في تصرف إبليس تكون أعضاؤه إبليسية ويكون غاصبا لمملكة الحق كما أنه عكوف القوى الملكوتية في مسجد البدن يكون مباحا وعدلا إذا كانت القوى من الجنود الرحمانية وإلا فجنود إبليس ليس لها الحق بأن تتصرف في مملكة البدن الإنساني التي هي ملك للحق تعالى، فإذا قصّر يد تصرف الشيطان عن مملكة القلب الذي هو منزل خاص للحق تعالى وخلّص قلبه لتجليات الحق ولا يترك أحدا غير الحق يتطرق إليه - فان غير الحق إبليس الطريق - يباح له المساجد الظاهرة والباطنة والأمكنة الملكية والملكوتية وتكون صلاته صلاة أهل المعرفة وتتضح بهذا الميزان طهارة المسجد أيضا.

 

 

 

الباب الرابع

 

 

 

في الآداب القلبية للوقت وفيه فصلان:

 

 

 

الفصل الأول

 

 

 

في آداب أوقات الصلاة

 

 

 

اعلم أن لأهل المعرفة وأصحاب القلوب على قدر قوة معرفتهم للمقام المقدس الربوبي واشتياقهم إلى مناجاة حضرة الباري عز اسمه مراقبة ومواظبة لأوقات الصلاة التي هي ميقات المناجاة وميعاد الملاقاة مع الحق، ولا يزالون يراقبون ذلك فالمجذوبون لجمال الجميل والعاشقون للحسن الأزلي والمشغوفون به والسكارى من كأس المحبة والمصعوقون من قدح ألست الذين فرغوا عن الكونين وأعرضوا عن جميع أقاليم الوجود وتعلقوا بعز قدس جمال الله فلهم دوام الحضور وليسوا مهجورين عن الذكر والفكر والمشاهدة و المراقبة لحظة واحدة.

 

 

 

والذين هم أصحاب المعارف وأرباب الفضائل والفواضل وهم شرفاء النفس وكرماء الطينة فلا يختارون على المناجاة مع الحق شيئا ويطلبون من الخلوة مع الحق ومن مناجاته نفس الحق ويرون أن العزة والشرف والفضيلة والمعرفة كلها في تذكر الحق ومناجاته فهم إذا توجهوا إلى العالم ونظروا إلى الكونين يكون توجههم ونظرهم إليها توجه العارفين لها ونظرهم، ويتطلبون الحق في العالم ويطلبونه ويرون جميع الموجودات جلوة للحق ولجمال الجميل (عاشقهم برهمه عالم كه همه عالم ازاوست) (مصراع بيت للشاعر المعروف السعدي الشيرازي يقول: أنا للعالم عاشق حيث منه الكون أجمع).

 

 

 

فهم يواظبون على أوقات الصلاة بتمام أرواحهم وقلوبهم وينتظرون وقت المناجاة مع الحق ويحضّرون أنفسهم ويهيئّونها لميقات الحق فقلوبهم حاضرة ويطلبون من المحضر الحاضر ويحترمون المحضر لأجل الحاضر ويرون أن العبودية هي المراودة والمعاشرة مع الكامل المطلق فاشتياقهم إلى العبادة من هذا الباب والذين يؤمنون بالغيب وعالم الآخرة ويعشقون كرامات الحق جل جلاله ولا يستدلون النعم الأبدية الجنانية واللذات والبهجات الدائمة السرمدية بالحظوظ الداثرة الدنيوية واللذائذ الناقصة المؤقتة المشوبة، فهؤلاء أيضا في وقت العبادة التي هي بذور النعم الأخروية يحضرون قلوبهم ويقومون بالأمر بإقبال واشتياق وينتظرون أوقات الصلاة فإنها وقت حصول النتائج واكتساب الذخائر ولا يختارون على النعم الدائمة شيئا فهؤلاء أيضا حيث أن قلوبهم خبيرة بعالم الغيب وقد آمنت قلوبهم بالنعم الأبدية واللذائذ الدائمة لعالم الآخرة يغتنمون أوقاتهم ولا يضيّعونها أولئك أصحاب الجنة وأرباب النعمة هم فيها خالدون.

 

 

 

هذه الطوائف التي ذكرت، وبعضها التي لم يذكر لهم من العبادة نفسها أيضا لذائذ على حسب مراتبهم ومعارفهم وليس لهم كلفة وتكليف فيها أصلا.

 

 

 

وأما نحن المساكين المبتلين بالآمال والأماني والمقيدين بسلاسل الهوى والهوس والمنغمرين في البحر المسجور الظلماني للطبيعة الذين ما وصلت إلى شامّة أرواحنا رائحة من المحبة والعشق وما ذائقة قلوبنا لذة من العرفان والفضيلة، فلسنا لا من أصحاب العرفان والعيان ولا من أرباب الإيمان والاطمئنان، نرى العبادات الإلهية تكليفا وكلفة والمناجاة مع قاضي الحاجات تحميلا وتكلّفا لا نركن إلى شيء غير الدنيا التي هي معلف للحيوانات ولا نتعلق بسوى دار الطبيعة التي هي معتكف للظالمين قد عميت أبصار قلوبنا عن جمال الجميل وهجرت ذائقة أرواحنا ذوق العرفان.

 

 

 

نعم إن رئيس سلسلة أهل الحق وخلاصة أصحاب المحبة والحقيقة يترنم بقوله: أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني فيا رب ما هذه البيتوتة التي كانت لمحمد صلى الله عليه وآله معك في دار الخلوة والأنس ؟. وما هذا الطعام والشراب الذي أذقته بيدك هذا الموجود الشريف وأخلصته من جميع العوالم، ففي شأن ذلك السيد العظيم أن يقول: " لي مع الله وقت لا يسعه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل " فهل هذا الوقت من أوقات عالم الدنيا والآخرة أو أنه وقت الخلوة في قاب قوسين وطرح الكونين..

 

 

 

أن موسى عليه السلام صام صوما موسويا أربعين يوما ونال إلى ميقات الحق، وقال تعالى: {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}(الأعراف 142)، ومع ذلك أين هذا الميقات من الميقات المحمدي ولا نسبة بينه وبين الوقت الأحمدي.

 

 

 

إن موسى في الميعاد خوطب بخطاب فاخلع نعليك وقد فسّر بمحبة الأهل، والرسول الخاتم قد أمر في ميعاده بأن يحب عليا، وفي القلب من هذا السر جذورة ما أبرَّ منها شيء (توخود حديث مفصل بخوان ازاين مجمل) (مصراع معروف. مضمونه: أنت اقرأ بنفسك الحديث المفصل عن هذا المجمل).

 

 

 

الفصل الثاني

 

 

 

في الآداب القلبية للصلاة

 

 

 

فأنت أيها العزيز اغتنم وقت المناجاة هذا بالقدر الميسور والمقدار المقدور وقم بآدابه القلبية وفهّم قلبك أن وسيلة الحياة الأبدية الأخروية ومنبع الفضائل النفسانية ورأس مال الكرامات غير المتناهية هو المراودة والمؤانسة مع الحق ومناجاته وخصوصا الصلاة فإنها معجون روحاني قد هيّئ بيدي الجمال والجلال للحق وأجمع وأكمل من جميع العبادات، فبقدر ما يمكنك حافظ على أوقاتها وانتخب أوقات فضيلتها فإن فيها نورا ليس في غيرها من الأوقات وأقلل فيها من الاشتغالات القلبية بل اقطعها، وهذا يحصل بأن تقسم وتعيّن أوقاتك وتعيّن للصلاة المتكفّلة لحياتك الأبدية وقتا خاصا لا يكون لك فيه أشغال أخر ولا تكون للقلب تعلّقات أخرى، ولا تجعل الصلاة تزاحم الأمور الأخر كي تستطيع أن تريح القلب وتحضره، والآن نذكر الأحاديث الواردة في أحوال المعصومين عليهم السلام على قدر اقتضاء المقام فلعلّه بالتدبّر في حالات أولئك الأكرمين يتمّ التنبيه وتدرك عظمة الموقف وأهمية المقام وخطره وتستيقظ من نوم الغفلة.

 

 

 

فعن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله أنها قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحدّثنا ونحدّثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه شغلا بالله عن كل شيء ".

 

 

 

وروي عن علي عليه السلام: " كان إذا حضر وقت الصلاة يتململ ويتزلزل ويتلوّن، فيقال له: ما لك يا أمير المؤمنين ؟ فيقول عليه السلام: جاء وقت الصلاة وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ".

 

 

 

ونقل السيد ابن طاووس في فلاح السائل: كان الحسين عليه السلام " إذا توضأ يتغير لونه ويضطرب مفاصله فقيل له في ذلك فقال: حق لمن يقف بين يدي ذي العرش أن يصفرّ لونه وتضطرب مفاصله " ونقل عن الحسن عليه السلام أيضا مثل ذلك.

 

 

 

وعن علي بن الحسين عليه السلام: " كان إذا حضر للوضوء اصفرّ لونه فيقال له ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء ؟ فيقول: ما تدرون بين يدي من أقوم ؟ ".

 

 

 

ونحن أيضا إذا تفكرنا قليلا وفهّمنا قلبنا المحجوب أنّ أوقات الصلاة هي أوقات الحضور في جناب القدس بحضرة ذي الجلال، وأن الحق تعالى ملك الملوك والعظيم المطلق في تلك الأوقات دعا عبده الضعيف الذي هو لا شيء إلى مناجاته وأذن له بالدخول إلى دار الكرامة حتى يفوز بالسعادات الأبدية ويجد السرور والبهجات الدائمية لكنّا مبتهجين ومسرورين من دخول وقت الصلاة بمقدار معرفتنا وإذا استشعر القلب عظمة المقام وخطره فيحصل فيه الخوف والخشية بمقدار فهمه العظمة وحيث أن قلوب الأولياء مختلفة وحالاتهم متفاوتة على حسب التجليات اللطفيّة والقهرية واستشعار العظمة والرحمة فحينا يحملهم اشتياق الملاقاة واستشعار الرحمة والجمال على السرور والبهجة ويقولون: أرحنا يا بلال، وحينا يجعلهم التجليات بالعظمة والقهر والسلطنة في حالة الصعق ويرتعشون ويرتعدون.

 

 

 

وبالجملة أيها الضعيف إن الآداب القلبية للأوقات هي أن تهيئ نفسك للورود إلى حضرة مالك الدنيا والآخرة ومخاطبة الحق جل وعلا ومكالمته، فانظر بعين إلى ضعفك ومسكنتك وذلّتك وعجزك و إلى العظمة والجلال والكبرياء للذات المقدسة جلّت عظمته، ذلك أن الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين في جناب عظمته مصعوقون، وبالعجز والمسكنة والذلّة معترفون فإذا نظرت هذه النظرة وفهّمت قلبك فليستشعر القلب الخوف ويرى نفسه وعباداته لا شيء وانظر بعين أخرى إلى سعة رحمة الذات المقدسة وكمال عطفها وإحاطة رحمانيتها حيث أنه أذن للعبد الضعيف مع ما له من أنواع التلوّثات وكمال عجزه ومسكنته في الدخول إلى حضرة قدسه ودعاه إلى مجلس أنسه بتشريفات من إهباط الملائكة وإنزال الكتب السماوية وبعث الأنبياء والمرسلين من دون أن يكون لهذا الممكن المسكين سابقة استعداد أو يتصورّ لحضرته جل وعلا ونعوذ بالله أو لملائكة الله أو الأنبياء عليهم السلام في هذه الدعوة والحضور نفع فإذا توجّه القلب إلى ذلك فيحصل له الأنس البتة ويستشعر الرجاء فهيئ نفسك للحضور بقدمي الخوف والرجاء والرهبة والرغبة بقلب خجل وفؤاد وجل واستشعار الانكسار والذلة والضعف والمسكنة ولا ترَ لنفسك أية لياقة للحضور في هذا المحضر ولا تعدّ نفسك لائقا للعبادة والعبودية وترّ الأذن في الدخول في العبادة والعبودية من شمول الرحمة وعميم اللطف فحسب لحضرة الأحدية جلّت قدرته، فانك إذا جعلت ذلّتك نصب عينيك وتواضعت لذات الحق المقدسة بروحك وقلبك وعرفت نفسك وعبوديتك كلا شيء يتلطف الحق تعالى ويرفعك ويخلّعك بخلعة كراماته.

 

 

 

الباب الخامس

 

 

 

في بعض آداب الاستقبال وفيه فصلان:

 

 

 

الفصل الأول

 

 

 

في السر الجمالي للاستقبال

 

 

 

اعلم أن ظاهر الاستقبال متقوّم بأمرين: أحدهما المقدمي وهو صرف الوجه الظاهر عن جميع الجهات المتشتتة، والآخر النفسي وهو الاستقبال بالوجه إلى الكعبة أم القرى ومركز بسط الأرض، ولهذه الصورة باطن وللباطن سرّ بل أسرار وأصحاب الأسرار الغيبية يصرفون باطن الروح عن الجهات المتشتتة لكثرات الغيب والشهادة ويجعلون جهة السرّ والروح أحدية التعلق ويجعلون جميع الكثرات فانية في سرّ أحدية الجمع، فإذا تنزّل هذا السر الروحي في القلب فيظهر الحق في القلب بظهور الاسم الأعظم الذي هو مقام الجمع الأسمائي، وتفنى الكثرات الأسمائية وتضمحل في الاسم الأعظم وتكون وجهة القلب في هذا المقام إلى حضرة الاسم الأعظم فإذا ظهرت هذه عن باطن القلب إلى ظاهر الملك فينتقش إفناء الغير في الانصراف عن غرب عالم الملك وشرقه وينتقش التوجه إلى حضرة الجمع في التوجه إلى مركز بسط الأرض الذي هو يد الله في الأرض، وأما بالنسبة إلى السالك الذي يسير من الظاهر إلى الباطن ويترقى من العلن إلى السر فلا بد له أن يجعل هذا التوجّه الصوري إلى مركز البركات الأرضية وترك الجهات المتشتتة المتفرقة التي هي الأصنام الحقيقية، ويتوجّه إلى القبلة الحقيقية التي هي أصل أصول بركات السموات والأرض ويرفع رسوم الغير والغيرية حتى يصل شيئا ما إلى سرّ وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ويحصل في قلبه انموذجة من تجليات عالم الغيب الأسمائي وبوارقه وتحترق الجهات المتشتتة والكثرات المتفرقة ببارقة إلهية ويؤيده الحق تعالى وتتحطم الأصنام الصغيرة والصنم الأعظم عن باطن القلب بيد الولاية، ولا انتهاء لهذه القصة فاتركها وامضِ.

 

 

 

الفصل الثاني

 

 

 

في بعض الآداب القلبية للاستقبال

 

 

 

 اعلم أيها السالك إلى الله انك إذا صرفت وجهك الظاهر من الجهات المتشتتة لعالم الطبيعة وتوجهت إلى النقطة الواحدة فقد ادّعيت فطرتين من الفطر التي خمّرت بيد الغيب واختفيت في ذاتك وقد خمّر الحق تعالى طينتك بها بيد الجلال والجمال وقد أظهرت هاتين الحالتين الفطريتين بصورة ظاهرة دنيوية وأشهدتهما بها وأقمت البينة على عدم احتجابك من نور هاتين الفطرتين الإلهيتين، والبينتان هما صرف الظاهر عن الغير والتوجه إلى القبلة التي هي محل ظهور يد الله وقدرة الله، وهاتان الفطرتان الإلهيتان أحداهما هي التنفّر عن النقص والناقص، والثانية هي العشق للكمال والكامل، وهذان اللذان أحدهما أصلي ذاتي والثاني تبعي ظلّي من الفطر التي خمرت بها جميع عائلة البشر ومن دون استثناء أحد منهم. ففي جميع سلسلة البشر مع اختلافهم في العقائد والأخلاق والطبائع والأمزجة والأمكنة والعادات في البدوي منهم والحضري والوحشي والمتمدن والعالم والجاهل والإلهي والطبيعي. هاتان الفطرتان مخمرتان وان كانوا هم محجوبين عن هذه الفطرة ويختلفون في تشخيص الكمال والنقص والكامل والناقص، فذاك الوحش السفّاك الفتّاك القتّال يرى الكمال في أن يغلب على نفوس الناس وأعراضهم ويرى السفك والقتل كمالا فيصرف فيه عمره، وذاك الطالب للدنيا الطالب للجاه والمال يرى الكمال بالمال والجاه ويعشقهما.

 

 

 

وبالجملة فصاحب كل مقصد يرى مقصده كمالا وصاحبه كاملا ويعشقه ويتنفّر عن غيره. فالأنبياء عليهم السلام والعلماء بالله وأصحاب المعرفة قد جاؤوا ليخرجوا الناس عن الاحتجاب ويخلصوا نور فطرتهم من ظلمات الجهل ويفهموهم الكامل والكمال، فإنهم بعدما عرفوا شخص الكمال والكامل فالتوجّه إليه وترك غيره لا يحتاج إلى الدعوة بل نور الفطرة هو أعظم هاد الهي وهو موجود في جميع سلالة البشر.

 

 

 

وفي هذا المعجون الإلهي، أعني الصلاة التي هي معراج القرب الإلهي الاستقبال إلى القبلة والتوجه إلى النقطة المركزية ورفع اليد وصرف الوجه عن الجهات المتفرقة ادعاء بأن الفطرة قد تيقّظت وخرج نور الفطرة عن الإحتجابات وهذا الادّعاء حقيقي بالنسبة إلى الكمّل وأصحاب المعرفة. وأما بالنسبة إلينا أصحاب الحجاب فأدبه أن نفهّم القلب أنه لا كمال ولا كامل في جميع دار التحقق سوى الذات المقدسة الكاملة على الإطلاق فان تلك الذات المقدسة كمال بلا نقص وجمال بلا عيب وفعلية بلا شوب القوة وخير بلا اختلاط بالشرّ ونور بلا شوب ظلمة، وما يوجد في جميع دار التحقق من الكمال والجمال والخير والعزّة والعظمة والنورانية والفعلية والسعادة فهو من نور جمال تلك الذات المقدسة وليس لأحد شركة للذات المقدسة في كمالها الذاتي، وليس لموجود جمال ولا كمال ولا نور ولا بهاء إلاَّ بجمال تلك الذات المقدسة وكمالها ونورها وبهائها.

 

 

 

وبالجملة، إن العالم قد تنوّر بجلوة جماله المقدس وأعطي له الحياة والعلم والقدرة والا فجميع دار التحقق كانت في ظلمة العدم وكمون الليس وبكون بل من كان قلبه منورا بنور المعرفة يرى كل شيء غير نور جمال الجميل باطلا ولا شيء، ومعدوما أزلا وأبدا.

 

 

 

وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما سمع هذا الشعر للبيد: * إلاَّ كل شيء ما خلا الله باطل * قال صلى الله عليه وآله: " هذا الشعر أصدق شعر قاله العرب " فإذا فهّمت قلبك بطلان جميع دار التحقّق وفهّمته كمال الذات المقدسة فلا تحتاج في توجّه القلب   إلى القبلة الحقيقية والعشق لجمال الجميل على الإطلاق والتنفّر من جميع دار التحقق سوى جلوة الذات المقدسة إلى إعمال رويّة بل فطرة الله بنفسها تدعو الإنسان إليه بالدعوة الجبلّيّة الفطرية وتكون وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض لسان الذات والقلب والحال وتكون إني لا أحب الآفلين لسان فطرة الإنسان.

 

 

 

فاعلم أيها الفقير أن العالم بوجهته السوائية زائل وداثر وفانٍ وباطل ليس لأحد من الموجودات من قبل نفسه شيء وليس في ذاته جمال ولا بهاء ونور وسناء، والجمال والبهاء منحصر بالذات المقدسة، فتلك الذات المقدسة كما أنها متفردة في الإلوهية ووجوب الوجود، متفردة بالجمال والبهاء والكمال أيضا بل متفرّدة بالوجود، وان الذلّ والعدم الذاتي والبطلان ثابتة في ناصية ما سواه، فاصرف قلبك الذي هو مركز لنور فطرة الله من الجهات المتشتتة للأباطيل والانعدام والنواقص ووجهه إلى مركز الجمال والكمال وليكن لسان فطرتك في ضميرك الصافي.. ما يقوله العارف الشيرازي :

 

 

 

در ضمير ما نمى كنجد بغير از دوست كس   هر دو عالم رابد شمن ده كه ما را دوست بس (لا تسع قلوبنا أحد غير الحبيب فدع الكونين للعدوّ فان الحبيب يكفينا).

 

 

 

وصل: عن الإمام الصادق عليه السلام: " إذا استقبلت القبلة فآيس من الدنيا وما فيها والخلق وما هم فيه واستفرغ قلبك عن كل شاغل يشغلك عن الله تعالى وعاين بسرّك عظمة الله تعالى واذكر وقوفك بين يديه يوم تبلو كل نفس ما أسلفت وردّوا إلى الله مولاهم الحق وقف على قدم الخوف والرجاء ".

 

 

 

وهذا الدستور الشريف دستور جامع لأمثالنا المحجوبين الذين لا نستطيع أن نحافظ دائما على حالات قلوبنا ونجمع بين الوحدة والكثرة ونتوجّه إلى الحق والخلق فحينئذ لا بد لنا أن نيأس من الدنيا وما فيها عند التوجّه إلى الحق واستقبال القبلة ونقطع طمعنا عن الخلق وشؤونه ونخرج عن روحنا وقلبنا المشاغل القلبية والشواغل الروحية لنصير لائقين للحضور في الحضرة ويتجلى في سر روحنا جلوة من جلوات العظمة، فإذا وجدنا نور العظمة على مقدار استعدادنا نتذكر رجوعنا إلى الحق ووقوفنا في محضره المقدس يوم يظهر لكل نفس ما عملت وردّوا إلى الله مولاهم الحق ويقع خط البطلان على جميع الأهواء النفسانية والمعبودات الباطلة، ففي محضر هذا العظيم الشأن الذي جميع دار التحقق هي جلوة من جلوات فعله فإن مسكينا مثلك ومثلي لا بد وان يرد بقدمي الخوف والرجاء ويقوم على تينك القدمين وإذا رأينا الضعف والفتور والمسكنة والفقر والذلّة لأنفسنا والعظمة والحشمة والجلال والكبرياء في الذات المقدسة فنقع في الخوف والخشية على خطر المقام وإذا وجدنا الرحمة والعطوفة والألطاف غير المتناهية والكرامات اللانهائية نكون راجين وآملين.

 

 

 

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©