الخميس ٣٠ / مارس / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » الآداب المعنوية للصلاة »

المقالة الأولى: في الآداب التي تكون ضرورية في جميع حالات الصلاة بل في جميع العبادات والمناسك وفيها اثنا عشر فصلاً

12 مايو 2012 | في الفئة: الآداب المعنوية للصلاة | لا توجد تعليقات | الزیارات: 361

 

 

وفيها اثنا عشر فصلاً

 

 

 

الفصل الأول

 

 

 

في التوجّه إلى عزّ الربوبية وذلّ العبودية

 

 

 

من الآداب القلبية في العبادات والوظائف الباطنية لسالك طريق الآخرة التوجّه إلى عزّ الربوبية وذلّ العبودية، وهذا التوجّه من المنازل المهمّة في السلوك للسالك بحيث تكون قوّة سلوك كل من السالكين بحسب قوة هذا النظر وبمقدارها، بل الكمال والنقص لإنسانية الإنسان تابع لهذا الأمر، وكلما كان النظر إلى الإنّية والأنانية ورؤية النفس وحبّها في الإنسان غالبا كان بعيدا عن كمال الإنسانية ومهجورا من مقام القرب الربوبي، وأن حجاب رؤية النفس وعبادتها لأضخم الحجب وأظلمها، وخرق هذا الحجاب أصعب من خرق جميع الحجب، وفي نفس الحال مقدمة له بل وخرق هذا الحجاب هو مفتاح مفاتيح الغيب والشهادة وباب أبواب العروج إلى كمال الروحانية، وما دام الإنسان قاصرا على النظر إلى نفسه وكماله المتوهم وجماله الموهوم فهو محجوب ومهجور من الجمال المطلق والكمال الصرف والخروج من هذا المنزل هو أول شرط للسلوك إلى الله بل هو الميزان في حقانية الرياضة وبطلانها. فكل سالك يسلك بخطوة الأنانية ورؤية النفس ويطوي منازل السلوك في حجاب الإنيّة وحب النفس تكون رياضته باطلة ولا يكون سلوكه إلى الله بل إلى النفس (أمّ الأصنام صنم نفسك) (مصراع بيت للعارف الرومي مشهور: مادربت هابت نفس شما است) قال تعالى: " {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ}(النساء 100).

 

 

 

فالهجرة الصورية وصورة الهجرة عبارة عن هجرة البدن " المنزل الصوري " إلى الكعبة أو إلى مشاهد الأولياء، والهجرة المعنوية هي الخروج من بيت النفس ومنزل الدنيا إلى الله ورسوله، والهجرة إلى الرسول و إلى الوليّ أيضاً هجرة إلى الله، و ما دام للسالك تعلّق ما بنفسانيّته وتوجّه منه إلى إنّيّته فليس هو بمسافر وما دامت البقايا من الأنانية على امتداد نظر السالك وجدران مدينة النفس وإذ أن أعلام حبّ النفس غير مختفية فهو في حكم الحاضر لا المسافر ولا المهاجر.

 

 

 

وفي مصباح الشريعة قال الصادق (عليه السلام): (العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في العبودية وجد في الربوبية، وما خفي من الربوبية أصيب في العبودية).

 

 

 

فمن سعى بخطوة العبودية ووسم ناصيته بسمة ذلة العبودية يصل إلى عزّ الربوبية، والطريق للوصول إلى الحقائق الربوبية هو السير في مدارج العبودية فما فقد من الإنّيّة والأنانية في عبوديّته يجده في ظّل الحماية الربوبية حتى يصل إلى مقام يكون الحق تعالى سمعه وبصره ويده ورجله كما في الحديث الصحيح المشهور عند الفريقين. فإذا ترك العبد التصرفات من عنده وسلم حكومة وجوده كلها إلى الحق وخلّى بين البيت وصاحبه وفني في عزّ الربوبية فحينئذ يكون المتصرف في الدار صاحبها فتصير تصرفات العبد تصرّفا إلهيا، فيكون بصره بصراً إلهياً وينظر ببصر الحق ويكون سمعه سمعاً إلهياً فيسمع بسمع الحق، وكلما اكتملت ربوبية النفس وكان عزّها منظورا في نظرها نقص بمقدار من العزّ الربوبي لأن هذين: أي عزّ العبودية وعز الربوبية متقابلان " الدنيا والآخرة ضرتان " فمن الضروري للسالك أن يتفطّن إلى ذلّه ويكون ذلّ العبودية وعزّ الربوبية نصب عينيه.

 

 

 

وكلما قوي هذا النظر زادت روحانيته في العبادة وكانت روح العبادة أقوى، حتى إذا تمكن العبد بنصرة الحق وأوليائه الكُمّل عليهم السلام من الوصول إلى حقيقة العبودية، وكنهها فإنه يجد حينئذ لمحة من سرّ العبادة. وهذان المقامان - أعني مقام عزّ الربوبية الذي هو الحقيقة ومقام ذلّ العبودية الذي هو رقيقته - مرموزان في جميع العبادات وبالأخص في الصلاة التي   لها مقام الجامعية. ومنزلتها بين العبادات منزلة الإنسان الكامل ومنزلة الإسم الأعظم بل هي عينه، وللقنوت، من الأعمال المستحبة. وللسجدة، من الأعمال الواجبة اختصاص بهذه الخصوصية وسنشير إليها فيما يأتي إن شاء الله.

 

 

 

وليعلم أن العبودية المطلقة من أعلى مراتب الكمال وأرفع مراتب الكمال وأرفع مقامات الإنسانية وليس لأحد فيها نصيب سوى الأكمل من خلق الله محمد صلى الله عليه وآله وأولياء الله الكمّل، فله صلى الله عليه وآله هذا المقام بالأصالة وللأولياء الكمّل بالتبعية وأما بقية العباد فهم في طريق العبادة عُرج وعبادتهم وعبوديّتهم معلّلة ولا ينال المعراج الحقيقي المطلق إلاَّ بقدم العبودية ولهذا قال الله سبحانه: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} (الإسراء 1) فقد أسرى الله سبحانه بتلك الذات المقدسة إلى معراج القرب والوصول بقدم العبودية والجذبة الربوبية.

 

 

 

وفي التشهد الصلاتي هو رجوع من الفناء المطلق الذي حصل للمصلّي في السجدة، التوجّه إلى العبودية أيضاً قبل التوجه بالرسالة ويمكن أن يكون إشارة إلى مقام الرسالة هو أيضا نتيجة لجوهرة العبودية ولهذا المطلب ذيل طويل خارج عن نطاق هذه الأوراق.

 

 

 

الفصل الثاني

 

 

 

في مراتب مقامات أهل السلوك

 

 

 

اعلم أن لأهل السلوك في هذا المقام وسائر المقامات مراتب ومدارج لا تحصى. ونحن نذكر بعض مراتبه على النحو الكلّي، وأما الإحاطة بجميع جوانبه وإحصاء جميع مراتبه فخارج عن عهدتي وفوق طاقتي، فإن " الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق ". (قال الصادق عليه السلام: " الإيمان درجات وطبقات ومنازل، فمنه التام المنتهي تمامه ومنه الناقص البيّن نقصانه ومنه الراجح الزائد رجحانه "

 

 

 

وقال الباقر عليه السلام: " إن المؤمنين على منازل، منهم على واحدة ومنهم على اثنتين ومنهم على ثلاث ومنهم على أربع ومنهم على خمس ومنهم على ستّ ومنهم على سبع، فلو ذهبت تحمل على صاحب الواحدة اثنتين لم يقوَ، وعلى صاحب الاثنتين ثلاثا لم يقو " وساق الحديث ثم قال: " وعلى هذه الدرجات ").

 

 

 

فمن تلك المراتب مرتبة العلم وهي أن يثبت بالسلوك العلمي والبرهان الفلسفي ذلة العبودية وعزة الربوبية، وهذا لبّ من لباب المعارف. فقد اتضح في العلوم العالية والحكمة المتعالية أن جميع دار التحقق وتمام دائرة الوجود إنما هو صرف الربط والتعلّق ومحض الفقر والفاقة أما العزّة والملك والسلطان فمختصة بذاته المقدس الكبريائي وليس لأحد من حظوظ العزة والكبرياء نصيب.

 

 

 

وذل العبودية والفقر ثابت في ناصيتهم وفي حاقّ حقيقتهم، وإنما حقيقة العرفان والشهود ونتيجة الرياضة والسلوك هي رفع الحجاب عن وجه الحقيقة ورؤية ذل العبودية وأصل الفقر والتدلي في نفسه وفي جميع الموجودات، ولعل في الدعاء المنسوب إلى سيّد الكائنات صلى الله عليه وآله: " اللهم أرني الأشياء كما هي " إشارة إلى هذا المقام بمعنى أنه صلى الله عليه وآله سأل الله سبحانه أن يشهده ذلة العبودية المستلزمة لشهود عزّ الربوبية.

 

 

 

فسالك طريق الحقيقة ومسافر سبيل العبودية إذا قطع هذا المنزل بالسلوك العلمي وركب مركب السير الفكري يقع في حجاب العلم ويصل إلى المقام الأول للإنسانية، ولكن هذا الحجاب من الحجب الغليظة وقد قالوا: العلم هو الحجاب الأكبر ولا بد إلاَّ يبقى في هذا الحجاب وأن يخرقه ولعله إذا اقتنع بهذا المقام وسجن قلبه في هذا القيد يقع في الاستدراج، والاستدراج في هذا المقام هو أن يشتغل بالتفريعات الكثيرة العلمية ويجوّل فكره في هذا الميدان، فيقيم لهذا المقصد براهين كثيرة فيحرم من المنازل الأخر ويتعلق قلبه بهذا المقام ويغفل عن النتيجة المطلوبة وهي الوصول إلى الفناء في الله ويصرف عمره في حجاب البرهان وشعبه وكلما كثرت الفروع يصير الحجاب والاحتجاب عن الحقيقة أكثر.

 

 

 

فللسالك إلاَّ يغتّر بمكايد الشيطان في هذا المقام ولا يحتجب بكثرة العلم وغزارته، ولا بقوة البرهان عن الحق والحقيقة ويتأخر عن السير في الطلب وله أن يشمّر الذيل بهمّته، ولا يغفل عن الجدّ في طلب المطلوب الحقيقي حتى ينال المقام الثاني.

 

 

 

وهو أن كل ما أدركه عقله بقوة البرهان والسلوك العلمي يكتبه بقلم العقل على صحيفة قلبه كي يوصل حقيقة ذل العبودية وعزّ الربوبية إلى القلب ويفرغ من القيود والحجب العلمية، ونحن نشير إلى ذلك المقام عن قريب أن شاء الله، فإذن، فنتيجة المقام الثاني هي حصول الإيمان بالحقائق.

 

 

 

والمقام الثالث هو مقام الاطمئنان والطمأنينة، وهو في الحقيقة المرتبة الكاملة من الإيمان، قال تعالى مخاطبا خليله {أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} ولعلّنا نشير إلى تلك المرتبة أيضاً فيما سيأتي.

 

 

 

المرتبة الرابعة هي مقام المشاهدة، وهو نور الهي وتجلّ رحماني يظهر في سرّ السالك تبعا للتجليات الأسمائية والصفاتية وينوّر جميع قلبه بنور شهوديّ ولهذا المقام درجات كثيرة لا تتسع هذه الأوراق لذكرها.

 

 

 

وفي هذه المقام يبرز نموذج من قرب النوافل المعبّر عنه بـ " كنت سمعه وبصره ".

 

 

 

ويرى السالك نفسه مستغرقا في البحر اللا متناهي ومن ورائه بحر عميق في غاية العمق تنكشف له فيه نبذة من أسرار القدر، ولكل من هذه المقامات استدراج يختص به وللسالك فيه هلاك عظيم. ولا بدّ للسالك في جميع هذه المقامات من تخليص نفسه من الأنانية وأن يتخلص من رؤية نفسه وحبّها، فإنه منبع أكثر المفاسد ولاسيّما للسالك وسنشير إلى ذلك المطلب إن شاء الله.

 

 

 

الفصل الثالث

 

 

 

في بيان الخشوع

 

 

 

إن من الأمور اللازمة للسالك في جميع عباداته ولاسيما في الصلاة التي هي رأس العبادات ولها مقام الجامعية، الخشوع. وحقيقته عبارة عن الخضوع التام الممزوج بالحب أو الخوف وهو يحصل من إدراك عظمة الجلال والجمال وسطوتهما وهيبتهما.

 

 

 

وتفصيل هذا الإجمال هو أنّ قلوب أهل السلوك بحسب الجِبِلّة والفطرة مختلفة، فبعض منها عشقّي ومن مظاهر الجمال ومتوجه إلى جمال المحبوب بحسب الفطرة فهؤلاء إذا أدركوا في سلوكهم ظل الجميل، أو شاهدوا أصل الجمال تمحوهم العظمة المختفية في سرّ الجمال فتصعقهم، لأنّ في كل جمال جلالا مختفيا وفي كل جلال جمالا مستورا.

 

 

 

ولعله إلى ذلك أشار مولى العارفين وأمير المؤمنين والسالكين صلوات الله عليه وعلى آله أجمعين حيث قال:

 

 

 

" سبحان من اتسعت رحمته لأوليائه في شدّة نقمته، واشتدت نقمته لأعدائه في سعة رحمته"   فتغشاهم هيبة الجمال وعظمته ويأخذهم الخشوع في حيال جمال المحبوب.

 

 

 

وهذه الحالة في أوائل الأمر توجب تزلزل القلب واضطرابه، وبعد التمكين تحصل للسالك حالة الأنس وتتبدل حالة الوحشة والاضطراب المتولدة من العظمة والسطوة إلى الأنس والسكينة وتجيئه حالة الطمأنينة، كما أن حالة قلب خليل الرحمن كانت كذلك.

 

 

 

وبعض من القلوب خوفّي ومن مظاهر الجلال، وأرباب تلك القلوب يدركون دائماً العظمة والكبرياء والجلال، وخشوعهم يكون من الخوف، ومن تجلي الأسماء القهرية والجلالية لقلوبهم، كما أن يحيى، على نبيّنا وآله وعليه السلام، كان هكذا. فالخشوع يكون ممزوجا تارة بالحب وأخرى بالخوف والوحشة، وان كان في حبّ وحشة، وفي كل   خوف حبّ. ومراتب الخشوع على حسب مراتب إدراك العظمة والجلال والحسن والجمال، وحيث أن أمثالنا مع ما لنا من هذه الحالة، من نور المشاهدات محرومون فلا بد أن نكون بصدد تحصيل الخشوع من طريق العلم أو الإيمان. قال تعالى:

 

 

 

{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} (1 المؤمنون 1-2) فجعل الخشوع في الصلاة من حدود الإيمان وعلائمه. فكل من لم يكن خاشعا في الصلاة فهو خارج عن زمرة أهل الإيمان طبقا لما قاله الذات المقدسة الحق تعالى شأنه. (1 قال الصادق عليه السلام " إذا دخلت في صلاتك فعليك بالتخشّع والإقبال على صلاتك فإن الله تعالى يقول :

 

 

 

{الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}.

 

 

 

قال المحقق الكاشاني ((* لقب العالم الفاضل الكامل العارف المحدّث الحكيم المتألّه محمد بن المرتضى المدعو بالمولى محسن القاشاني صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة كالوافي والصافي والشافي والمفاتيح والنخبة والحقائق وعلم اليقين وعين اليقين وخلاصة الأذكار وبشارة الشيعة والمحجة البيضاء في إحياء الأحياء إلى غير ذلك مما يقرب من مئة تصنيف)).  في المحجة البيضاء ما حاصله: إن الخشوع في الصلاة على قسمين

 

 

 

الأول: الخشوع القلبي وهو أن يكون تمام همّته في الصلاة ومعرضا عما سواها بحيث لا يكون في قلبه سوى المحبوب.

 

 

 

والثاني: الخشوع في الجوارح وهو يحصل بأن يغمض عينيه ولا يلتفت إلى الجوانب ولا يلعب بأعضائه...

 

 

 

وبالجملة لا تصدر منه حركة سوى الحركات الصلاتية، ولا يأتي بشي من المكروهات.. ثم ينقل الروايات المتضمنة للأمور المكروهة في الصلاة.

 

 

 

وأقول: إن حقيقة الخشوع عبارة عن حالة قلبية تحصل للقلب من إدراك الجلال والجمال، وبمقدار ما يدرك القلب منهما تزول عنه الإنّيّة والأنانية فيخضع ويسلّم لصاحب الجلال والجمال.. وبهذه العناية نسب الخشوع إلى الأرض والجبال، فإن الأرض مسلّمة للعوامل الطبيعية وليس لها إرادة في إنبات النبات، بل هي تسليم محض، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} (فصلت 39). وهكذا الجبل بالنسبة إلى نزول القرآن فإن أنيّة الجبل تندكّ ولا يمكنه المقاومة، قال تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} (الحشر 21).

 

 

 

وبما أن صلواتنا ليست مشفوعة بالخشوع فإن ذلك ناجم إمّا عن نقص الإيمان، أو فقدانه. وإن الاعتقاد والعلم مغايران للإيمان، فالعلم بالله وأسمائه وصفاته وسائر المعارف الإلهية الذي يوجد فينا، مغاير للإيمان وليس بإيمان.

 

 

 

والدليل على ذلك إن الشيطان كما يشهد له الذات المقدسة الحق عالم بالمبدأ والمعاد ومع ذلك فهو كافر، لأنه يقول :

 

 

 

{خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} فهو إذا يعترف بالحق تعالى وخالقيته، ويقول أيضاً:

 

 

 

{أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} فيعتقد بالمعاد وهو كذلك عالم بالكتب والرسل والملائكة، ومع ذلك كله خاطبه الله سبحانه بلفظ الكافر، وأخرجه من زمرة المؤمنين.

 

 

 

فإذا يمتاز أهل العلم من أهل الإيمان، وليس كل من هو من أهل العلم أهل للإيمان، فيلزم للسالك أن يدخل نفسه في سلك المؤمنين بعد سلوكه العلمي، ويوصل إلى قلبه عظمة الحق وجلاله وبهاءه، وجماله جلّت عظمته كي يخشع قلبه، وإلا فمجرد العلم لا يوجب خشوعا كما ترونه في أنفسكم فإنكم مع كونكم معتقدين بالمبدأ والمعاد، ومع اعتقادكم بعظمة الله وجلاله ليست قلوبكم خاشعة. وأما قوله تعالى :

 

 

 

{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} (سورة الحديد/16) فلعلّ المراد منه هو الإيمان الصوري أي الإيمان بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله، وإلا فالإيمان الحقيقي يلازم مرتبة من الخشوع لا محالة أو أن المراد من الخشوع في هذه الآية، هو الخشوع بمراتبه الكاملة، كما أن العالم ربما يطلق على من وصل من حد العلم إلى حد الإيمان، ويحتمل أن تكون الآية الشريفة {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} إشارة إلى هؤلاء.

 

 

 

وقد أطلق العلم والإيمان والإسلام في الكتاب والسنة على المراتب المختلفة منها وبيانها خارج عن وظيفة هذه الأوراق، وبالجملة على السالك لطريق الآخرة وخصوصا على السالك بالخطوة المعراجية الصلاتية أن يحصّل الخشوع بنور العلم والإيمان وان يمكّن هذه الرقيقة الإلهية، والبارقة الرحمانية في قلبه بمقدار ما يمكنه، فلعله يستطيع أن يحتفظ بهذه الحالة في جميع الصلاة من أولها إلى آخرها.

 

 

 

وحالة التمكّن والاستقرار وان كانت لا تخلو في أول الأمر من صعوبة وأشكال لأمثالنا، ولكنها مع الممارسة والارتياض القلبي أمر ممكن جدّا.

 

 

 

عزيزي، أن تحصيل الكمال وزاد الآخرة يستدعي طلبا وجدا، وكلما كان المطلوب أعظم فهو أحرى بالجدّ.

 

 

 

ومن الواضح أن معراج القرب إلى حضرة الألوهية، ومقام جوار رب العزة، لا يتيسر مع هذه الرخوة والفتور والتسامح، فيلزمك القيام الرجولي حتى تصل إلى المطلوب، وطالما أنك تؤمن بالآخرة وتعلم بأن النشأة الآخرة لا يمكن أن تقاس بهذه النشأة من حيث السعادة والكمال ولا في جانب الشقاوة والوبال، لأن تلك النشأة عالم أبدي دائم لا موت فيه ولا فناء له سعيدة في راحة وعزة ونعمة أبدية وهي راحة لا يوجد لها شبيه في هذا العالم، وعزة وسلطنة ألاهيان ليس لهما نظير في هذه النشأة، و نِعَمُ ما خطرت على مخيِّلة أحد وكذلك الأمر في جانب الشقاوة فإن عذابها ونقمتها ووبالها ليس لها في هذا العالم مثيل ولا نظير، وتعلم أن طريق الوصول إلى السعادة إنما هو إطاعة رب العزة، وليس في العبادات ما يضاهي هذه الصلاة فإنها معجون جامع إلهي يتكفل بسعادة البشر (وان قبلت قبلت جميع الأعمال) فلا بدّ لك من الجدّ التام في طلبها ولا تتضايق في السعي إليها ومن تحمل المشاق في سبيلها مع أنه ليس فيها مشقة بل انك إذا واظبت عليها مدة يسيرة، وحصل لقلبك الأنس بها لتجدنَّ في هذا العالم من المناجاة مع الحق تعالى شأنه لَذّات لا يقاس بها لذّة من لذّات هذا العالم كما يظهر ذلك من السير في أحوال أهل المناجاة مع الله سبحانه.

 

 

 

وبالجملة فخلاصة ما ذكرنا في هذا الفصل، أنه إذا علم الإنسان بالبرهان أو ببيان الأنبياء عليهم السلام عظمة الله وجماله وجلاله، فلا بدّ إن يذكِّر القلب بها حتى يدخل الخشوع شيئا فشيئا في القلب بواسطة التذكُّر والتوجه القلبي والمداومة على ذكر عظمة الله وجلاله حتى تحصل النتيجة المطلوبة. ولا بد للسالك إلاَّ يقنع في حال من الحالات بالمقام الذي هو فيه، فإنه مهما حصلت المقامات لأمثالنا فلا تساوي اصغر نقد في سوق أهل المعرفة، ولا تقابل في سوم أصحاب القلوب حبة خردل.

 

 

 

فليتذكر السالك في جميع حالاته نقائصه ومعايبه، فعلّه ينفتح له طريق إلى السعادة من هذه السبيل والحمد لله.

 

 

 

الفصل الرابع

 

 

 

في بيان الطمأنينة

 

 

 

من الآداب القلبية المهمة للعبادات - وخصوصا العبادات الذكرية - الطمأنينة. وهذه غير الطمأنينة التي اعتبرها الفقهاء رضوان الله عليهم في خصوص الصلاة، فهذه عبارة عن أن السالك يأتي بالعبادة مع سكون القلب، واطمئنان الخاطر، لأن العبادة إذا أتي بها في حال اضطراب القلب وتزلزله فالقلب لا ينفعل بمثل هذه العبادة ولا يحصل أثر من العبادة في ملكوت القلب ولا تصير حقيقة العبادة صورة باطنية للقلب، والحال إن من إحدى جهات تكرار العبادات وتكثير الأذكار والأوراد أن يتأثر القلب منها وينفعل حتى يتشكل باطن السالك شيئا فشيئا من حقيقة الذكر والعبادة، ويتحد قلبه بروح العبادة، وطالما لم يكن للقلب اطمئنان وسكون وطمأنينة ووقار لم يكن للأذكار والنسك فيه تأثير ولا يسري أثر العبادة في ظاهر البدن وملكه إلى ملكوته وباطنه ولا يؤدي إلى القلب حظوة من العبادة. وهذا من الأمور الواضحة التي لا تحتاج إلى بيان، ويعلم بأدنى تأمّل، وإذا كانت العبادة بهذه الكيفية بحيث لا يشعر القلب بها أصلا ولا يظهر منها أثر في الباطن لا يتحفظ عليها في سائر العوالم ولا تصعد من نشأة الملك إلى نشأة الملكوت، ومن الممكن أن تمحى صورتها بالكلية عن صفحة القلب (ونعوذ بالله) عند شدائد مرض الموت وسكراته المهيبة والأهوال والمصائب التي تكون بعد الموت فيقدم الإنسان على الله وهو صفر اليدين.

 

 

 

ونذكر لذلك مثلا، وهو أن الذكر الشريف: " لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله " إذا قاله أحد من قلبه وباطمئنان من لبّه وراح يعلّم القلب هذا الذكر الشريف، فيتعلم القلب الذكر ويتكلم به شيئا فشيئا حتى يتبع لسان القلب اللسان الظاهر فيكون القلب ذاكراً أولا ثم يتبعه اللسان الظاهر، ويكون ذاكرا وإلى هذا المعنى أشار الإمام الصادق عليه السلام، على ما في رواية مصباح الشريعة قال:

 

 

 

" فاجعل قلبك قبلة للسانك لا تحركه إلاَّ بإشارة القلب وموافقة العقل ورضى الإيمان ".

 

 

 

ففي أول الأمر ما لم ينطق لسان القلب فلسالك طريق الآخرة إن يعلّمه النطق ويلقي عليه الذكر. مع طمأنينة وسكون، فإذا انفتح لسان القلب بالنطق يكون القلب قبلة للّسان ولسائر الأعضاء. فإذا شرع القلب في ذكر تكون مدينة وجود الإنسان بأسرها ذاكرة، وأما إذا قال هذا الذكر الشريف بلا سكون في القلب ولا طمأنينة منه ومع العجلة والاضطراب واختلال الحواس فلا يكون منه أيّ تأثير في القلب ولا يتجاوز عن حدّ اللسان والسمع الحيواني الظاهري، إلى الباطن والسمع الإنساني ولا تتحقق حقيقته في الباطن ولا يصير صورة كمالية للقلب غير ممكنة الزوال فإن إصابته الأهوال والشدائد وبالخصوص أهوال الموت وسكراته وشدائد نزع الروح الإنساني فينسى الذكر بالمرّة وينمحي الذكر الشريف عن صحيفة قلبه بل اسم الله سبحانه وتعالى واسم الرسول الخاتم والدين الشريف الإسلام، والكتاب المقدس الإلهي والأئمة الهداة وسائر المعارف التي ما أنهاها إلى القلب فينساها كلها وعند السؤال في القبر لا يحير جوابا، والتلقين أيضاً لا يفيد حاله لأنه لا يجد في نفسه من حقيقة الربوبية والرسالة وسائر المعارف أثراً. وما قاله بقلقلة لسانه وما حصلت له صورة في القلب قد انمحى من خاطره ولم يكن له نصيب من الشهادة بالربوبية والرسالة وسائر المعارف.

 

 

 

وفي الحديث أن طائفة من أمة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله   وسلم، إذا أوردوهم في النار ونظروا إلى مالك: خازن جهنم نسوا اسم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من هيبته مع أنهم من أهل الإيمان كما هو في نفس ذلك الحديث.

 

 

 

قال المحدّث العظيم الشأن المجلسي (إذا أطلق، فهو شيخ الإسلام والمسلمين مروّج المذهب والدين الإمام العلامة المحقق المدقق محمد باقر بن محمد تقي بن المقصود علي المجلسي قدس الله أرواحهم. قال صاحب المستدرك المحدّث العلامة النوري قدس سرّه لم يوفق أحد في الإسلام مثل ما وفّق هذا الشيخ المعظم والبحر الخضم والطود الأشم من ترويج المذهب وإعلاء كلمة الحق وكسر صولة المبتدعين وقمع زخارف الملحدين وإحياء دارس سنن الدين المبين ونشر آثار أئمة المسلمين بطرق عديدة وأنحاء مختلفة أجلّها وأبقاها التصانيف الرائقة الأنيقة الكثيرة التي شاعت في الأنام وينتفع بها في آناء الليل والأيام العالم والجاهل والخواص والعوام والعجمي والعربي مع ما خرج من مجلسه جماعة كثيرة من الفضلاء وصرّح تلميذه الأجل الميرزا عبد الله الاصبهاني في (ض) أنهم بلغوا إلى ألف نفس. (انتهى). ومن أجلِّ تأليفاته وأعظمها موسوعة بحار الأنوار وكل مؤلفاته الشريفة على ما وقع عليها التخمين تبلغ ألف ألف بيت وأربعة آلاف بيت وكسرا. توفي سنة 1110 (غقي) في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان وعمره إذ ذاك ثلاث وسبعون فانه ولد في سنة 1037 وهو يوافق عدد (جامع كتاب بحار الأنوار) ومرقده الشريف الآن ملجأ الخلائق بأصبهان في الباب القبلي من جامعها العتيق الأعظم ومن المجرّبات استجابة الدعوات عند مضجعة المنيف قدّس الله نفسه الزكيّة.)

 

 

 

رحمه الله في مرآة العقول في شرح الحديث الشريف: (كنت سمعه وبصره) ما حاصله أن من لم يصرف بصره وسمعه وسائر أعضائه في سبيل إطاعة الحق تعالى لم يكن له بصر وسمع روحاني وهذا البصر والسمع الملكي الجسماني لا ينتقل إلى ذاك العالم ويكون الإنسان في عالم القبر والقيامة بلا سمع وبلا بصر، والميزان في السؤال والجواب في القبر تلك الأعضاء الروحانية (انتهى ملخصا).

 

 

 

والأحاديث الشريفة في هذا النحو من الطمأنينة وآثارها، كثيرة، ومن هذه الجهة أمر بترتيل القرآن الشريف، وفي الحديث: عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سمعته يقول: " من نسي سورة من القرآن مُثّلَت له في صورة حسنة ودرجة رفيعة، فإذا رآها قال من أنت ما أحسنك ليتك لي، فتقول: أما تعرفني، أنا سورة كذا وكذا لو لم تنسني لرفعتك إلى هذا المكان ".

 

 

 

وفي الحديث قال: " من قرأ القرآن وهو شاب مؤمن اختلط القرآن بدمه ولحمه ".

 

 

 

والسّر في ذلك أنّ اشتغال القلب وتكدره في أيام الشباب أقل. لذا يتأثر القلب من القرآن أكثر أسرع ويكون أثره أيضاً أبقى. وفي هذا الباب أحاديث كثيرة نذكر منها في باب القراءة إنشاء الله. وفي الحديث الشريف: " ما من شيء أحبّ إلى الله عزّ وجل من عمل يداوم عليه وإن قلّ " ولعل السر العمدة فيه أنه مع المداومة يكون العمل صورة باطنية للقلب كما ذكرنا.

 

 

 

الفصل الخامس

 

 

 

في بيان الحفاظ على العبادة من تصرف الشيطان

 

 

 

من الآداب المهمة القلبية للصلاة وغيرها من العبادات الحفاظ عليها من التصرفات الشيطانية، وهو في الوقت نفسه من أمهات الآداب القلبية والقيام به من عظائم الأمور ومشكلات الدقائق، ولعل الآية الشريفة في وصف المؤمنين الذين هم على صلواتهم يحافظون إشارة إلى جميع مراتب الحفظ التي تكون أحداها بل أهمها الحفاظ عليها من تصرفات الشيطان.

 

 

 

وتفصيل هذا الإجمال إن من الواضح عند أصحاب المعرفة وأرباب القلوب أنه كما أن للأبدان غذاء جسمانيا تتغذى به، ولا بد أن يكون الغذاء مناسبا لحالها وموافقا لشأنها حتى تتيسر لها التربية الجمسانية والنمو النباتي، كذلك فإن للقلوب والأرواح غذاء لا بد أن يكون مناسبا لحال كل منها وموافقا لنشأتها كي تتربى به وتتغذى منه وتنمو نموا معنويا وتترقى ترقيا باطنيا. والغذاء المناسب لنشأة الأرواح هو المعارف الإلهية اعتبارا من مبدأ المبادئ للوجود إلى منتهى النهاية للنظام الوجودي كما قال أعاظم أرباب الصناعة الفلسفية في تعريف الفلسفة " هي صيرورة الإنسان عالما عقليا مضاهيا للعالم العيني في صورته وكماله ". وهذا القول إشارة إلى هذا التغذي من المعارف الإلهية في حين أن تغذي القلوب يستمد من الفضائل والمناسك الإلهية.

 

 

 

وليعلم أن كلا من هذه الأغذية إذا خلص من تصرف الشيطان وأوعدّ على يد الولاية للرسول الخاتم وولي الله الأعظم صلوات الله عليهما وآلهما يتغذى الروح والقلب منه وينالا الكمال اللائق   بالإنسانية، ويعرجان معراج القلوب إلى الله، ولا يحصل الخلاص من تصرف الشيطان الذي هو مقدمة للإخلاص بحقيقته إلاَّ أن يكون السالك في سلوكه طالباً لله. ويضع حب النفس وعبادتها الذي هو المنشأ للمفاسد كلها وأمُّ الأمراض الباطنية تحت قدميه، وهذا لا يتيسر بتمام معناه في غير الإنسان الكامل وبتبعية في خُلَّص أوليائه، وأما سائر الناس فغير ميسّر لهم هذا الخلاص، ولكن على السالك إلاَّ ييأس من الألطاف الباطنية لله سبحانه فإن اليأس من روح الله رأس كل برودة وفتور ومن أعظم الكبائر. والذي يمكن من الإخلاص لصنف الرعايا هو أيضاً قرّة العين لأهل المعرفة، فعلى سالك طريق الآخرة لزوما حتما أن يخلص معارفه ومناسكه من تصرف الشيطان والنفس الأمارة مهما بلغ من الجهد وأن يغوص في حركاته الباطنية، وتغذياته الروحية، ولا يغفل عن حيل النفس والشيطان وحبائل النفس الأمارة وإبليس وان يسوء ظنه سوء الظن الكامل في جميع حركاته وأفعاله، ولا يخلي نفسه على رسلها آنا ما، فربما تتغلب على الإنسان وتصرعه إذا تسامح معها وتوسقه إلى الهلاك والفناء، لأن الأغذية الروحانية إذا لم تكن خالصة من تصرف الشيطان وتدخلت يده في أعدادها فمضافا إلى أنه لا تتربى بها الأرواح والقلوب ولا تصل إلى الكمال اللائق بها، يحصل لها النقصان الفاحش أيضاً، ولعلها تجعل صاحبها منسلكا في سلك الشياطين والبهائم والسباع. وما هو السبب للسعادة ورأس المال لكمال الإنسانية والوصول إلى المدارج العالية ليعطي النتيجة المعكوسة ويسوق الإنسان إلى الهاوية المظلمة للشقاوة كما رأينا في بعض أهل العرفان الاصطلاحي أشخاصا انتهت بهم هذه الاصطلاحات والغور فيها إلى الضلالة وجعلت قلوبهم منكوسة وبواطنهم مظلمة وصارت الممارسة في المعارف موجبة لقوة أنانيتهم وإنيتهم وصدرت منهم الدعاوى غير اللائقة والشطحات غير المناسبة. وكذلك رأينا في أرباب الرياضات والسلوك أفرادا أوجبت رياضتهم واشتغالهم بتصفية النفس جعل قلوبهم أكدر وباطنهم أظلم وما جاءهم ذلك كله إلاَّ من قبل أنهم لم يتحفظوا على سلوكهم المعنوي الإلهي ومهاجرتهم إلى الله وكان سلوكهم العلمي وارتياضهم بتصرف الشيطان والنفس وإلى الشيطان والنفس.

 

 

 

و كذلك رأينا في طلاب العلوم النقلية الشرعية أفراد أثّر فيهم العلم الأثر السيئ وزاد في المفاسد الأخلاقية لهم، والعلم الذي لابد أن يكون موجبا للفلاح والنجاة لهم صار سببا لهلاكهم ودعاهم إلى الجهل والمماراة والاستطالة.

 

 

 

وكذلك في أهل العبادة والمناسك، والمواطنين على الآداب والسنن ربما يكون أشخاص جعلت العبادة والنسك التي هي رأس مال إصلاح الأحوال والنفوس قلوبهم كدرة و مظلمة وحملتهم على العجب ورؤية النفس والكبر والتغمزّ وسوء الظن في عباد الله، وهذا كله أيضاً من عدم المواظبة على هذه المعاجين الإلهية، ومن المعلوم أن معجونا هُيئ وأعدّ بيد العفريت الخبيث وبتصرف النفس الطاغية لا يتولد منه إلاَّ الخلق الشيطاني، وحيث أن القلب يتغذى من تلك الأغذية على أي حال وتصير الأغذية صورة باطنية للنفس، فبعد أن يداوم عليها مدة يصير الإنسان وليدا من مواليد الشيطان قد تربى بيد تربيته، ونشأ ونما تحت تصرفه، فإذا أغمضت عينه الملكية وانفتحت عينه الملكوتية يرى نفسه واحدا من الشياطين، فلا نتيجة في تلك الحال سوى الخسران ولا تغني عنه الحسرات والندامات شيئا.

 

 

 

فسالك طريق الآخرة في كل مسلك من المسالك الدينية، وفي كل طريق من الطرق الإلهية

 

 

 

عليه: أولاً - أن يواظب بكمال المواظبة والدقة على حالة كطبيب رفيق ورقيب شفيق، ويفتش بالدقة عن عيوب سيره وسلوكه.

 

 

 

ثانياً - إلاَّ يغفل في خلال هذه المراقبة والتفتيش عن التعوذ بالذات المقدسة الحق جلّ وعلا في خلواته والتضرع والاستكانة إلى جنابه الأقدس ذي الجلال.

 

 

 

اللهم انك تعلم ضعفنا ومسكنتنا، وتعلم أنا لا نستطيع الهرب من هذا العدو القوي القدير الذي قد طمع في السلطة على الأنبياء العظام والكمّل من الأولياء الرفيعي المقام، فإن فقدنا بارقة لطفك ورحمتك أوقعنا هذا العدو القوي في مصارعتنا إيّاه إلى أرض الهلاك والدمار وكنّا تائهين في الظلمة والشقاوة، فأسألك بالخاصة في جنابك والمحارم في حضرتك أن تأخذ بيدنا نحن المتحيرين في وادي الضلالة، والحائرين في صحراء الغواية وان تطهّر قلوبنا من الغلّ والغش والشرك والشك، انك وليّ الهداية.

 

 

 

الفصل السادس

 

 

 

في بيان النشاط والبهجة في العبادة

 

 

 

ومن الآداب القلبية للصلاة وسائر العبادات وله نتائج حسنة بل هو موجب لفتح بعض الأبواب وكشف بعض أسرار العبادات، أن يجتهد السالك في أن تكون عبادته عن نشاط وبهجة في قلبه وفرح وانبساط في خاطره ويحترز احترازا شديداً أن يأتي بالعبادة مع الكسل وأدبار النفس، فلا يكون لها تعب وفتور لأنه إذا حمل على النفس العبادة في حين الكسل والتعب، يمكن أن تترتب عليه الآثار السيئة ومنها :

 

 

 

أن يتضجر الإنسان من العبادة ويزيد تكلفة وتعسفه، ويوجب ذلك وبالتدريج تنفر طباع النفوس منها، وهذا مضافاً إلى أنه من الممكن أن يصرف الإنسان بالكلية عن ذكر الحق، ويؤذي الروح بالنسبة إلى مقام العبودية التي هي منشأ لجميع السعادات ينتج عنه إلاَّ يحصل للعبادة بهذه الصفة نور في القلب، ولا ينفعل باطن النفس منها ولا تصير صورة العبودية   صورة باطنية للقلب، وقد ذكرنا من قبل أن المطلوب في العبادات هو صيرورة باطن النفس صورة عبودية.

 

 

 

والآن نقول: إن من أسرار العبادات والرياضيات ونتائجهما أن تكون إرادة النفس في ملك البدن نافذة وتكون دولة النفس منقهرة ومضمحلة في كبريائها وتتملك الإرادة القوى المنبثّة والجنود المنتشرة في ملك البدن وتمنعها عن العصيان والتمرد والأنانية والاستقلال وتكون القوى مسلمة لملكوت القلب وباطنه، بل تصير القوى بالتدريج فانية في الملكوت. ويجرى أمر الملكوت في الملك وينفذ فيه وتقوى إرادة النفس وتخلع اليد عن الشيطان والنفس الأمارة في المملكة وتساق جنود النفس من الإيمان إلى التسليم ومن التسليم إلى الرضا ومن الرضا إلى الفناء. وفي هذه الحالة تجد النفس رائحة من أسرار العبادة، ويحصل لها شيء من التجليات الفعلية وما ذكرنا لا يتحقق إلاَّ بأن تكون العبادة عن نشاط وبهجة ويحترز فيها من التكلف والتعسف والكسل احترازا تامّا كي تحصل للعابد حالة المحبة والعشق لذكر الحق ولمقام العبودية ويحصل له الأنس والتمكن

 

 

 

وان الأنس بالحق وبذكره من أعظم المهمات ولأهل المعرفة بها عناية شديدة وفيها المتنافسون من أصحاب السير والسلوك، وكما أن الأطباء يعتقدون بأن الطعام إذا أكل بالسرور والبهجة يكون أسرع في الهضم، كذلك يقتضي الطب الروحاني بأن الإنسان إذا تغذى بالأغذية الروحانية بالبهجة والاشتياق محترزا من الكسل والتكلف يكون ظهور آثارها في القلب وتصفية باطن القلب بها أسرع.

 

 

 

وقد أشير إلى الأدب في الكتاب الكريم الإلهي والصحيفة القويمة الربوبية حيث يقول في مقام تكذيب الكفار والمنافقين: {وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} (التوبة 54.).

 

 

 

وقد فسرت آية {لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى} (النساء 43)

 

 

 

في حديث بأن المراد من سكارى كسالى، وأشير في الروايات إلى هذا الأدب ونحن نذكر بعضا منها كي تفخر هذه الأوراق به.

 

 

 

محمد بن يعقوب (هو الشيخ الأجل قدوة الأنام وملاذ المحدثين العظام ومروّج المذهب في غيبة الإمام عليه السلام أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي الملقب ثقة الإسلام ألّف الكافي الذي هو من أجلّ الكتب الإسلامية وأعظم المصنفات الإمامة والذي لم يعمل للإمامة مثله. ألّفه في العشرين سنة ومات قدس الله سره ببغداد سنة 329 (شكط) وصلّى عليه محمد بن جعفر الحسني أبو قيراط ودفن بباب الكوفة.)

 

 

 

 بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا تكرهوا إلى أنفسكم العبادة ".

 

 

 

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " يا عليّ انّ هذا الدين متين فأوغل برفق ولا تبغّض إلى نفسك عبادة ربّك ".

 

 

 

وفي الحديث عن العسكري (1 هو الإمام الحادي عشر وسبط سيد البشر ووالد الخلف المنتظر السيد الرضيّ الزكي أبو محمد الحسن علي العسكري صلوات الله عليه وعلى آبائه الكرام وخلفه خاتم الأئمة الأعلام. ولد عليه السلام بالمدينة الطيبة يوم العاشر أو الثامن من شهر ربيع الآخر وقيل في رابعة سنة اثنتين وثلاثين ومئتين، أمّه عليه السلام حُدَيق (مصغّرا) أو سليل ويقال لها الجدّة وكانت من العارفات الصالحات قال القطب الراوندي وأمّا الحسن بن علي العسكري عليه السلام فقد كانت أخلاقه كأخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وكان رجلا أسمر حسن القامة جميل الوجه جيّد البدن حدث السّن له جلالة وهيبة وهيئة حسنة يُعظَّمه العامة والخاصة اضطرارا ويعظّمونه لفضله ويقدّمونه لعفافه وصيانة وزهده وعبادته وصلاحه وإصلاحه وكان جليلا نبيلا فاضلا كريما يحمل الأثقال ولا يتضعضع للنوائب أخلاقه خارقة العادة على طريقة واحدة. (انتهى).

 

 

 

ومناقبه أكثر من أن تحصى وقبض عليه السلام بِسُرّ من رأى يوم الجمعة ثامن شهر ربيع الأول سنة ستين ومئتين (رس) في خلافة المعتمد وهو ابن ثمان وعشرين سنة ودفن في داره في البيت الذي دفن فيه أبوه عليه السلام بِسُرّ من رأى.)

 

 

 

عليه السلام: إذا نشطت القلوب فأودعوها وإذا نفرت فودّعوها.

 

 

 

وهذا دستور جامع منه عليه السلام بأن أودعوا في القلوب في وقت نشاطها وأما في وقت نفارها فخلّوها تستريح، فلا بد في كسب المعارف والعلوم أيضاً من رعاية هذا الأدب وألا يحمل على القلوب اكتسابها مع الكراهة والنفور. (ومن الروايات التي تشير إلى هذا الأدب ما رواه الصدوق عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أفضل الناس من عشق العبادة فعانقها وأحبّها بقلبه وباشرها بجسده وتفرّغ لها فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا على عسر أم على يسر ".

 

 

 

وقال الباقر   ((* - الإمام الخامس أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب باقر علم النبيين، ولد بالمدينة يوم الاثنين ثالث صفر سنة سبع وخمسين من الهجرة وقيل غرّة رجب، أمّه أم عبد الله فاطمة بنت الحسن بن علي بن أبي طالب وهو هاشمي من هاشميين وعلوي من علويّين، سُمي أبو جعفر عليه السلام باقرا لأنه بَقَرَ العلم بقْراً أي شقّه شقا وأظهره إظهارا وقال السبط ابن جوزي سمي الباقر من كثرة سجوده بَقَرَ السجود جبهته أي فتحها ووسعها. وقال لغزارة علمه، وقال الشيخ المفيد ولم يظهر عن أحد من ولد الحسن والحسين عليهما السلام من علم الدين والآثار والسنة وعلم القرآن والسيرة وفنون الأدب ما ظهر عن أبي جعفر عليه السلام وقال ابن حجر في صواعقه في حقه عليه السلام: هو باقر العلم وجامعه وشاهر علمه ورافعه صفا قلبه وذكا علمه وعمله وطهرت نفسه وشرف خلقه وعمرت أوقاته بطاعة الله وله من الرسوخ في مقامات العارفين ما تكلّ عنه السنة الواصفين وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف لا تحملها هذه العجالة. (انتهى كلام ابن حجر). توفي أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام بالمدينة يوم الاثنين سابع ذي الحجة سنة أربع عشرة ومئة (قيد) وله سبع وخمسون سنة ودفن في البقيع.))

 

 

 

عليه السلام: " إلاَّ إنّ لكلّ عبادة شرة ثم تصير إلى فترة، فمن صارت شرة عبادته إلى سُنَّتي فقد اهتدى ومن خالف سنّتي فقد ضلّ وكان عمله في النار، أما إني أصلّي وأصوم وأفطر وأضحك وأبكي فمن رغب عن منهاجي وسُنَّتي فليس مني ".)

 

 

 

ويستفاد من هذه الأحاديث وأحاديث أُخَر أدب آخر وهو أيضاً من المهمات في باب الرياضة وهو أدب الرعاية.

 

 

 

وكيفيته أن يراعي السالك في أي مرتبة هو فيها في الأعم من الرياضات والمجاهدات العلمية أو النفسانية أو العمليّة حاله ويتعامل مع نفسه بالرفق والمداراة ولا يحمّلها أزيد من طاقته وحاله، ورعاية هذا الأدب بالنسبة إلى الشباب وحديثي العهد من المهمات فإنه إذا لم يعامل الشباب أنفسهم بالرفق والمداراة ولم يؤدّوا الحظوظ الطبيعية إلى أنفسهم بمقدار حاجتها من الطرق المحللة يوشك أن يوقعوا في خطر عظيم لا يتيسر لهم جبره، وهو أن النفس ربما تصير بسبب الضغط عليها وكفها عن مشتهياتها بأكثر من العادة مطلقة للعنان في شهواتها ويخرج زمام الاختيار من يد صاحبها، واقتضاءات الطبيعة إذا تراكمت ونار الشهوة الحارّة إذا وقعت تحت ضغط الرياضة خارجة عن الحد لاشتعلت لا محالة وأحرقت جميع المملكة، وإذا صار سالك مطلق العنان أو زاهد بلا اختيار فإنه يقع في مهلكة لا يرى وجه النجاة أبداً ولا يعود إلى طريق السعادة والفلاح وقتا ما، فعلى السالك أن يتملك نفسه في أيام سلوكه كطبيب حاذق ويعاملها على حسب اقتضاءات الأحوال وأيام السلوك ولا يمنع نفسه الطبيعة في أيام اشتعال نار الشهوة وغرور الشباب من حظوظها بالكلية. وعليه أن يخمد نار الشهوة بالطرق المشروعة فإن في إطفاء الشهوة بطريق الأمر الإلهي إعانة كاملة على سلوك طريق الحق فلينكح وليتزوج فإنه من السنن الكبيرة الإلهية ومضافا إلى أنه مبدأ البقاء للنوع الإنساني فإنه له دوراً واسعا أيضاً في سلوك طريق الآخرة. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله " من تزوّج فقد أحرز نصف دينه " وفي حديث آخر: " من أحب أن يلقى الله مطهَّراً فليلقه بزوجة ".

 

 

 

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال " وأكثر أهل النار العزّاب ".

 

 

 

وعن عليّ عليه السلام قال " إن جماعة من الصحابة كانوا حرّموا على أنفسهم النساء والإفطار بالنهار والنوم بالليل فأخبرت أم سلمه رسول الله فخرج إلى أصحابه فقال :

 

 

 

(أترغبون عن النساء ؟ إني آتي النساء، وآكل بالنهار، وأنام بالليل، فمن رغب عن سنّتي فليس مني. وأنزل الله {لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} (سورة المائدة/ 87، 88).

 

 

 

وبالجملة يلزم لسالك طريق الآخرة رعاية أحوال إدبار النفس وإقبالها، فكما أنه لا يجوز له الكف عن الحظوظ مطلقا فإنه منشأ لمفاسد عظيمة لا ينبغي له أن يزعج نفسه في العبادات والرياضات العملية وألا يجعلها تحت الضغط خصوصاً في أيام الشباب وابتداء السلوك فإنه أيضاً يكون منشأ لانزعاج النفس ونفورها وربما ينصرف الإنسان به عن ذكر الحق. والإشارة إلى هذا المعنى في أحاديث كثيرة، ففي الكافي الشريف:

 

 

 

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " اجتهدت في العبادة وأنا شابّ فقال لي أبي يا بنيّ دون ما أراك تصنع فإن الله عزّ وجلّ إذا أحبّ عبدا رضي منه باليسير ".

 

 

 

وعن أبي جعفر قال: قال رسول الله " إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ولا تكرهوا عبادة الله إلى عباد الله فتكونوا كالراكب المنبتّ الذي لا سفرا قطع ولا ظهرا أبقى ".

 

 

 

وفي حديث آخر " ولا تبغّض إلى نفسك عبادة الله ".

 

 

 

وبالجملة الميزان في باب المراعاة أن يكون الإنسان ملتفتا إلى أحوال النفس ويسلك معها بنسبة قوتها وضعفها فإذا كانت النفس قوية في العبادات والرياضات وتقدر على المقاومة، فليجدّ ويسعى في العبادة. وأما الذين طووا أيام عنفوان الشباب، وانطفأت نائرة الشهوات شيئا ما لديهم فالمناسب لهم أن يجدّوا في الرياضات النفسانية أكثر ويدخلوا في السلوك والرياضة بخطوة رجولية فكلما عوّدوا النفس على الرياضات فتح لهم باب آخر إلى أن تغلب النفس القوى الطبيعية وتصير القوى الطبيعية مسخّرة تحت كبرياء النفس.

 

 

 

وما ورد فيها من المدح للذين يجتهدون في العبادة والرياضة، وما ورد في عبادات أئمة الهدى عليهم السلام، من جهة وما ورد من هذه الأحاديث الشريفة المادحة للاقتصاد في العبادة من جهة أخرى مبنيّ على اختلاف أهل السلوك ودرجات النفوس وأحوالها، والميزان الكلّي هو نشاط النفس وقوَّتها أو نفور النفس وضعفها.

 

 

 

الفصل السابع

 

 

 

في بيان التفهيم

 

 

 

ومن الآداب القلبية في العبادات - وخصوصا العبادات الذكرية - التفهيم، وكيفيته :

 

 

 

إن الإنسان يعدّ قلبه في أول الأمر كطفل ما انفتح لسانه وهو يريد أن يعلّمه كلاّ من الأذكار والأوراد والحقائق وأسرار العبادات بكمال الدقة والسعي و يفهّم القلب الحقيقة التي أدركها في أيّ مرتبة هو فيها فإذا لم يكن من أهل فهم معاني القرآن والأذكار وليس له نصيب من أسرار العبادات فيفهّم القلب المعنى الإجمالي وهو أن القرآن كلام إلهي والأذكار مذكرات بالحق تعالى والعبادات والطاعة إطاعة لأمر الربّ ويفهم القلب هذه المعاني الإجمالية. وإن كان أهلا لفهم المعاني الصورية للقرآن والأذكار فيفهّم القلب المعاني الصورية من الوعد والوعيد والأمر والنهي ومن علم المبدأ والمعاد بالمقدار الذي أدركه.

 

 

 

وان كشفت له حقيقة من حقائق المعارف أو كشف له سرّ من أسرار العبادات فيعلّم القلب ذاك المكشوف بجدّ واجتهاد (الظاهر أن مراد الإمام دام ظله من الكشف، هو الكشف العلمي، وإلا، فالكشف الحقيقي لا يكون إلاَّ للقلب، ولا يبقى بعده مجال للتفهيم. فتدبر.)، ونتيجة هذا التفهيم هو أنه بعد المواظبة بمدة ينفتح لسان القلب ويكون القلب ذاكراً ومتذكرا. ففي أول الأمر كان القلب متعلما واللسان كان معلّما والقلب كان ذاكرا بذكر اللسان وتابعا له في الذكر، وأما بعدما انفتح لسان القلب فيكون الأمر معكوسا فيكون القلب ذاكرا أوّلا ويتبعه اللسان في الذكر والحركة.

 

 

 

بل ربما يتفق أن الإنسان في حالة النوم يكون لسانه ذاكرا تبعا للذكر القلبي لأنّ الذكر القلبي لا يختصّ بحال اليقظة فإذا كان القلب متذكرا يكون اللسان التابع له أيضاً ذاكرا ويسري الذكر من ملكوت القلب إلى الظاهر {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} (الإسراء 84).

 

 

 

وبالجملة ففي أول الأمر لابد أن يلاحظ الإنسان هذا الأدب: أي التفهيم حتى ينفتح لسان القلب الذي هو المطلوب الحقيقي وعلامة انفتاح لسان القلب أن يرتفع تعب الذكر ومشقته ويحصل النشاط والفرح ويرتفع الملل والألم كشأن الإنسان إذا أراد أن يعلّم الطفل الذي لم يشرع في التكلّم، فما دام الطفل لم يتعلم التكلّم فإن المعلم يكون في تعب وملالة فإذا انفتح لسان الطفل وأدّى الكلمة التي علّمها له ارتفعت ملالة المعلم. ويؤدي المعلم الكلمة تبعا لأداء الطفل من دون ألم وتعب.

 

 

 

فالقلب أيضاً في أول الأمر طفل ما انفتح لسانه بالكلام ولابدّ له من التعليم وأن تلقّن له الأذكار والأوراد فإذا انفتح لسان القلب يكون تابعا له وترتفع مشقة الذكر وتعب التعليم وملالة الذكر، وهذا الأدب بالنسبة إلى المبتدئين ضروري.

 

 

 

وليعلم أن من أسرار تكرار الأذكار والأدعية ودوام الذكر والعبادة انفتاح لسان القلب فيكون ذاكراً وداعياً وعابداً وما دام لم يلاحظ الأدب المذكور لا ينفتح لسان القلب، وقد أشير إلى هذا المعنى في الأحاديث الشريفة كما في الكافي الشريف عن الصادق عليه السلام أن عليّاً عليه السلام قال في ضمن بيان بعض آداب القراءة: " ولكن اقرعوا به قلوبكم القاسية ولا يكن همّ أحدكم لآخر السورة ". وفيه أيضاً أن أبا عبد الله الصادق عليه السلام قال لأبي أسامة: " يا أبا أسامة أوعوا قلوبكم ذكر الله واحذروا النكت ".

 

 

 

وقد كان أولياء الله يلاحظون هذا الأدب حتى الكمّل منهم كما في الحديث أن مولانا جعفر بن محمد الصادق عليه السلام كان في صلاته فغشي عليه فلمّا أفاق سئل عن سببه فقال: مازلت أردد هذه الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته. (والرواية على ما ذكرها العارف الفقيه جمال العارفين السيد بن طاووس   ((*- ابن طاووس يطلق غالباً على رضي الدين أبي القاسم على بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني الحسيني السيد الأجل الأورع الأزهد قدوة العرفين الذي ما اتفقت كلمة الأصحاب على اختلاف مشاربهم وطريقتهم على صدور الكرامات عن أحد ممّن تقدمه أو تأخّر عنه غيره. قال العلامة في إجازته الكبيرة: وكان رضي الدين علي صاحب كرامات حكى لي بعضها وروى لي والدي رحمة الله عليه البعض الآخر (انتهى).

 

 

 

قال المحدث النوري في المستدرك، ويظهر في مواضع من كتبه خصوصا (كشف المحجة) :

 

 

 

" أن باب لقائه الإمام الحجة عليه السلام كان مفتوحا ". وقال رحمه الله :" وكان رحمة الله من عظماء المعظِّمين لشعائر الله تعالى لا يذكر في أحد تصانيفه الاسم المبارك " الله " إلاَّ يعقبه بقوله جلّ جلاله ". توفي رحمه الله يوم الاثنين خامس ذي العقدة سنة 664 (خسد))) - في كتابه (فلاح السائل): فقد روي " إن مولانا جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام كان يتلو القرآن في صلاة فغشي عليه فلما أفاق سئل ما الذي أوجب ما انتهت حالتك إليه ؟ فقال عليه السلام (ما معناه): ما زلت أكرر آيات القرآن حتى بلغت إلى حال كأنني سمعتها مشافهة ممّن أنزلها على المكاشفة والعيان فلم تقم القوة البشرية بمكاشفة الجلالة الإلهية ". ثم يقول العرف المذكور: وإياك يا من لا تعرف حقيقة ذلك أن تستبعده أو يجعل لك الشيطان في تجويز الذي رويناه عندك شكا بل كن مصدقا، أما سمعت الله يقول " فلمّا تجلى ربّه للجبل جعله دكّاً وخرّ موسى صعقاً " (الأعراف 143) (انتهى))

 

 

 

وروي عن أبي ذرّ رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة يردّد قوله تعالى: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.(المائدة 118).

 

 

 

وبالجملة فحقيقة الذكر والتذكر هي الذكر القلبي. أما الذكر اللساني فهو بدونه ذكر بلا لبّ وساقط عن درجة الاعتبار بالمرة، كما أشير إلى ذلك في الأحاديث الشريفة غير مرة فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله أنه قال لأبي ذرّ: يا أبا ذرّ ركعتان مقتصدتان في تفكر، خير من قيام ليلة والقلب لاه (ساه) ".

 

 

 

وروي عنه صلى الله علية وآله أيضاً " أن الله سبحانه لا ينظر إلى صوركم بل ينظر إلى قلوبكم ". وسيأتي في أحاديث حضور القلب أنه يقبل من الصلاة بقدر ما أقبل، وكلما كان القلب غافلا فبمقدار الغفلة كانت الصلاة غير مقبولة، وما لم يلاحظ الأدب المذكور لا يحصل الذكر القلبي ولا يخرج القلب من السهو والغفلة، وفي الحديث أن الصادق عليه السلام قال: فاجعل قلبك للسانك لا تحركه إلاَّ بإشارة القلب. ولا يتحقق كون القلب قبلة ولا يتحقق تبعية اللسان وسائر الأعضاء له إلاَّ بملاحظة هذا الأدب، وان اتفق في مورد حصول الأمور المذكورة بدون هذا الأدب فهو من النوادر ولا يجوز للإنسان أن يغترّ به.

 

 

 

الفصل الثامن

 

 

 

في بيان حضور القلب

 

 

 

من الآداب القلبية حضور القلب الذي يمكن أن يكون كثير من الآداب مقدمة له والعبادة بدونه ليس لها روح وهو بنفسه مفتاح قفل الكمالات وباب أبواب السعادات وقلّ ما ذكر في الأحاديث الشريفة شيء بهذه المثابة، وقلّ ما اهتمّ بشيء من الآداب كهذا الأدب، ونحن وان ذكرنا في رسالة سر الصلاة، وهكذا في كتاب الأربعين قدرا مستوفى منه وبيّنا درجاته ومراتبه ولكن نذكر في هذا المقام أيضاً شيئا منه تتميما للفائدة وتحرزا عن الإحالة فنقول :

 

 

 

كما ذكرنا سابقا بأن العبادات والمناسك والأذكار والأوراد إنما تنتج نتيجة كاملة إذا صارت صورة باطنية للقلب وتخمّر باطن ذات الإنسان بها ويتصور قلب الإنسان بصورة العبودية ويخرج عن الهوى والعصيان، وذكرنا أيضاً أن من أسرار العبادات وفوائدها أن تتقوى إرادة النفس وتتغلب النفس على الطبيعة وتكون القوى الطبيعية مسخّرة تحت قدرة النفس وسلطنتها وتكون الإرادة الملكوتية نافذة في ملك البدن بحيث تكون القوى بالنسبة إلى النفس كملائكة الله بالنسبة إلى الحق تعالى {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} (التحريم - 6) {وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}(الأنبياء - 27).

 

 

 

ونقول الآن: إن من أسرار العبادات وفوائدها المهمة التي تكون بقية الفوائد مقدمة لها. أن تكون مملكة البدن بجميعها، ظاهرها وباطنها، مسخّرة تحت إرادة الله ومتحركة بتحريك الله تعالى وتكون القوى الملكوتية والملكية للنفس من جنود الله وتكون كلها كملائكة الله بالنسبة إلى الحق تعالى، وهذه من المراتب النازلة لفناء القوى والإرادات في إرادة الحق ويترتب على هذا بالتدريج النتائج العظيمة ويكون الإنسان الطبيعي إلهيا وتكون النفس مرتاضة بعبادة الله وتنهزم جنود إبليس بالمرة وتنقرض ويكون القلب مع قواه مسلّما للحق ويبرز الإسلام ببعض مراتبه الباطنية في القلب وتكون نتيجة هذا التسليم لإرادة الحق في الآخرة أن الحق تعالى ينفذ إرادة صاحب هذا القلب في العوالم الغيبية ويجعله مثلا أعلى لنفسه تعالى، فكما أنه تعالى وتقدس يوجد كل ما أراد بمجرد الإرادة يجعل إرادة هذا العبد أيضاً كذلك كما رواه بعض أهل المعرفة عن النبي صلى اله عليه وآله في وصف أهل الجنة (ما معناه) أنه يأتيهم ملك فيستأذن للدخول عليهم وبعد الاستئذان يدخل فيبلّغ السلام من الله تعالى عليهم ويعطيهم رسالة مكتوباً فيها (يخاطب الإنسان الذي هو مخاطب به) من الحي القيوم الذي لا يموت إلى الحي القيوم الذي لا يموت أما بعد فإنني أقول للشيء كن فيكون وقد جعلتك تقول للشيء كن فيكون، فقال صلى الله عليه وآله: فلا يقول أحد من أهل الجنة للشيء كن إلاَّ ويكون. (قال الشيخ الأكبر في باب الواحد والستين وثلاثمئة من الفتوحات وورد في الخبر في أهل الجنة أن الملك يأتي إليهم فيقول لهم بعد أن يستأذن عليهم في الدخول فإذا دخل ناولهم كتابا من عند الله بعد أن يسلّم عليهم من الله وإذا في الكتاب لكلّ إنسان يخاطب به: من الحّي القيوم الذي لا يموت إلى الحّي القيوم الذي لا يموت. أما بعد: فإني أقول للشيء كن فيكون وقد جعلتك... وقال أيضاً في السؤال السابع والأربعين ومئة من الباب ثلاثة وسبعين من الفتوحات، بعد أن نقل القول الشريف بسم الله من العبد بمنزلة كن من الحق قال: اليوم تقول للشيء كن فيكون فقال صلى الله عليه وآله وسلم فلا يقول أحد من أهل الجنة لشيء كن إلاَّ ويكون. وقال الشيخ في الفصّ الاسحاقي من فصوص الحِكَم: العارف يخلق بهمته ما يكون له وجود من خارج محل الهمّة ولكن لا تزال الهمّة تحفظه.

 

 

 

تبصرة: الخبر المذكور لو كان صحيحا فليس من مختصات أهل المرتبة العالية من الجنة لان من أهل من يتلقّى السلام والكلام والمقام من الله سبحانه بدون واسطة كما أشير إلى ذلك في بعض الأحاديث والمتناولون الكتاب من الله في هذا الخبر بواسطة الملك فهذا المقام عام لجميع أهل الجنة ومن المقامات العامة، ولذلك قال فلا يقول أحد من أهل الجنة بشيء كن إلاَّ ويكون. فافهم).

 

 

 

وهذه هي السلطنة الإلهية التي أعطي العبد إياها لأجل تركه إرادة نفسه وتركه سلطنة الهوى النفسانية وتركه إطاعة إبليس وجنوده، ولا تحصل كل من هذه النتائج المذكورة إلاَّ بالحضور الكامل للقلب، وإذا كان القلب في وقت العبادة غافلا وساهيا لا تكون عبادته حقيقية بل تشبيه اللهو واللعب ولا يكون لمثل هذه العبادة أثر في النفس البتة ولا تتجاوز العبادة من الصورة والظاهر إلى الباطن والملكوت كما أشير إلى ذلك في الأحاديث، ولا تكون القوى النفسانية بمثل تلك العبادة مسلمة للنفس ولا تظهر سلطنة النفس لها، كذلك القوى الظاهرية والباطنية لا تكون مستسلمة لإرادة الله ولا تنقهر المملكة تحت كبرياء الحق كما هو واضح جدا، ولذا ترون أنه بعد مضيّ أربعين أو خمسين سنة لا يحصل أثر في أنفسنا بل تزداد يوما فيوما ظلمة القلب وتعصيّ القوى ويزيد اشتياقنا إلى الطبيعة وإطاعتنا الأهواء النفسانية والوساوس الشيطانية آنا فآناً وليس هذا كله إلاَّ من جهة أن عبادتنا قشور بلا لبّ وفاقدة للشرائط الباطنية والآداب القلبية، ولولا هذه الجهة ففي حين أننا نرى أن كتاب الله سبحانه قد نصّ على أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهذا النهي ليس صوريا البتة بل لا بد أن يزهر مصباح في القلب ويضيء نور في الباطن يهدي الإنسان إلى عالم الغيب، ويوجد زاجر إلهي ينهى الإنسان عن العصيان والتمرد، وها نحن أولاء نحسب لأنفسنا في زمرة المصلين وقد مضت علينا سنون ونحن مشتغلون بهذه العبادة العظيمة ومع ذلك لا نرى في أنفسنا هذا النور ولا نجد في باطننا هذا الزاجر والمانع فالويل لنا يوم نعطى صور أعمالنا وصحيفة أفعالنا في ذلك العالم بأيدينا ويقال {كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} (الإسراء - 14) وانظر هل تليق تلك العبادات بالقبول من جنابه، وهل هذه الصلاة مع هذه الصورة المشوّهة الظلمانية مقرّبة لك إلى بساط الحضرة الكبريائية ؟ وهل ينبغي لك أن تسلك مع هذه الأمانة الإلهية ووصية الأنبياء هذا السلوك، وهل يجوز أن تسمح للشيطان الرجيم الذي هو عدو الله أن يتدخل فيها بيده الخائنة ؟ ولماذا صارت الصلاة التي هي معراج المؤمن وقربان كل تقيّ مبعدة لكم عن الساحة المقدسة ومهجرة لكم عن جناب القرب الإلهي ؟ فهل لنا في ذلك اليوم سوى الحسرة والندامة والشقاوة والخجلة والانفعال نصيب ؟ يا لها من حسرة وندامة ليس لها في هذا العالم شبيه، ويا لها من خجلة وانفعال لا نقدر أن نتصور لها نظيرا، فإن الحسرات في هذا العالم مهما بلغت ممزوجة بآلاف من الرجاء، وكذلك الخجلات في هذه النشأة سريعة الزوال وهذا بخلاف ذلك العالم فإنه يوم بروز الحسرة والندامة كما قال تعالى {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ} (مريم - 39)  فالأمر المنقضي لا يجبر والعمر التالف لا يستعاد فوا حسرتاه على ما فرطت في جنب الله

 

 

 

فيا أيها العزيز: اليوم يوم الإمهال والعمل وقد جاء الأنبياء وأتوا بالكتب ودعوا بدعوات مع هذه التشريفات ومع تحملهم الآلام والشدائد كي يوقظونا من نوم الغفلة وينبهونا من سكر الطبيعة ويوصلونا إلى عالم النور ونشأة البهجة والسرور وإلى الحياة الأبدية والنعم السرمدية واللذائذ الدائمة وينجونا من الهلاك والشقاوة والنار والظلمة والحسرة والندامة وكل ذلك لأجل أنفسنا ومن دون أن تعود عليهم - سلام الله عليهم - نتيجة ومن دون أن تكون لتلك الذوات المقدسة حاجة بإيماننا وأعمالنا، ومع ذلك ما أثّرت فينا دعوتهم وقد أخذ الشيطان بمسامع قلوبنا وتسلط على باطننا وظاهرنا بحيث لم يؤثر فينا شيء من مواعظهم أيّ أثر بل لم يصل إلى سمع قلوبنا شيء من الآيات والأخبار وما تجاوز ظاهر السمع الحيواني.

 

 

 

وبالجملة أيها القارئ المحترم الذي تطالع هذه الأوراق لا تكن ككاتبها خاليا من جميع الأنوار وصفر اليد عن جميع الأعمال الصالحة ومبتلىً بالأهواء النفسانية وارحم أنت نفسك واكتسب من عمرك نتيجة وانظر بالدّقة في حال الأنبياء والأولياء الكمّل وارم الرغبات الكاذبة والوعود الشيطانية ولا تغترّ بغرور الشيطان ولا تنخدع بخدع النفس الأمّارة فإن تدليسات الشيطان والنفس دقيقة وإنما ليعمّيان على الإنسان كل أمر باطل فيراه بصورة الحق ويغران الإنسان حينما يأمل التوبة في آخر العمر وينتهيان بالإنسان إلى الشقاوة. ومع أن التوبة في آخر العمر وعند تراكم ظلمات المعاصي وكثرة مظالم العباد وكثرة حقوق الله أمر صعب ومشكل للغاية. فاليوم مع أن الإرادة في الإنسان قوية والقوى الحيوانية على حالها وشجرة العصيان بعد لم تكبر وسلطنة الشيطان في النفس لم تستحكم والنفس جديدة العهد بالملكوت وقريبة الأفق إلى فطرة الله وشرائط حصول التوبة وقبولها سهلة فهما لا يدعان الإنسان يقوم بالتوبة ويخلع جذور هذه الشجرة الواهنة ويقضي على هذه السلطنة غير المستقلة ويعدانه بالتوبة في أيام الشيب التي تكون الإرادة فيها ضعيفة والقوى نحيفة والأشجار المختلفة للمعاصي ذات جذور عميقة وقوية وسلطنة إبليس في الظاهر والباطن مستقلة ومستقرة وألفة الإنسان للطبيعة شديدة والبعد عن الملكوت أزيد ونور الفطرة خافتا وشرائط التوبة صعبة وشديدة وليس هذا إلاَّ الغرور والافتتان.

 

 

 

وحيناً آخر يبعدان الإنسان بوعد شفاعة الشافعين عليهم السلام عن ساحة قدسهم ويجعلانه عن شفاعتهم مهجورا، فإن الانغمار في المعاصي يجعل القلب بالتدريج مظلما ومنكوسا ويجرّ أمر الإنسان إلى سوء العاقبة، وانّ طمع الشيطان في أن يسرق إيمان الإنسان وإنما يجعل الدخول في المعاصي مقدمة لها حتى يصل إلى النتيجة المطلوبة. فهذا الإنسان إن كان طمعه في شفاعة الشافعين فلا بدّ له أن يسعى ويجتهد في هذا العالم في الحفاظ على الرابطة بينه وبين الشافعين وأن يتفكر في حال شفعاء يوم الحشر كيف كان حالهم في العبادة والرياضة، ولو فرضنا أنكم ترتحلون من هذه الدنيا مع الإيمان بالله ولكن إذا كانت أثقال الذنوب والمظالم كثيرة يمكن إلاَّ يشفع فيكم في أنواع الذنوب في البرزخ والقبر، وكما نقل عن الصادق عليه السلام من أن البرزخ على عهدتكم وعذاب البرزخ لا يقاس بعذاب هذه الدنيا وطول مدة البرزخ لا يعلمه إلاَّ الله ولعله يطول ملايين من السنين.

 

 

 

ويمكن أن يكون في القيامة أيضاً بعد مدة طويلة في أنواع العذاب التي لا تطاق، إنكم لا تنالون الشفاعة، كما أن هذا المعنى وارد في الأحاديث أيضاً، فهذا الغرور من الشيطان يمسك الإنسان عن العمل الصالح و يخرجه من الدنيا، إما بلا إيمان أو مع أثقال ذنوب كثيرة ويبتليه بالشقاوة والخسران.

 

 

 

وربما يعد الشيطان الإنسان بالرحمة الواسعة لأرحم الراحمين، وبنفس هذا الوعد يقطع الشيطان يد الإنسان عن ذيل الرحمة. وهذا الإنسان غافل عن أن بعث الرسل وإرسال الكتب وإنزال الملائكة والوحي والإلهام على الأنبياء والهداية إلى طريق الحق كل ذلك من شؤون الرحمة لأرحم الراحمين، وقد اتسعت الرحمة الواسعة لجميع العالم ونحن على جانب عين الحياة نهلك من الظمأ، هذا القرآن هو أكبر رحمة الله فان كنت تطمع في رحمة أرحم الراحمين فتأمل رحمته الواسعة واستفد من هذه الرحمة فانه قد فتح طريق الوصول إلى السعادة وبيّن طريق الهداية من الضلالة، وأنت تلقي نفسك في الهلاك وتنحرف عن الطريق المستقيمة. فليس في الرحمة إذن أي نقصان، ولو كان من الممكن أن يُري الله الإنسان طريق الخير والسعادة في طور آخر لكان سبحانه أراه إيّاه بمقتضى رحمته، ولو كان من الممكن أن يوصل الإنسان إلى السعادة إكراها لكان الأنبياء يوصلونه بالإكراه، لكن هيهات، إن طريق الآخرة طريق لا يمكن أن يسعى فيها إلاَّ بقدم الاختيار، وان السعادة لا تحصل بالجبر، وان الفضيلة والعمل الصالح بلا اختيار ليسا فضيلة ولا عملا صالحا، ولعل هذا معنى الآية الشريفة {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}(البقرة - 256).

 

 

 

نعم ما يمكن أن يعمل فيه الإكراه والإجبار هو صورة الدين الإلهية لا حقيقته، وان الأنبياء عليهم السلام كانوا مأمورين أن يفرضوا على الناس صورة الدين ما أمكنهم، وبأي نحو ممكن حتى صورة العالم صورة العدل الإلهي، ولكنهم بالنسبة إلى الباطن فليس لهم إلاَّ مجرّد الإرشاد حتى يمشي الناس في هذه الطريق بأنفسهم وينالوا السعادة باختيارهم. وبالجملة، هذا الوعد بالرحمة الواسعة لأرحم الراحمين هو أيضاً من غرور الشيطان ليقطع يد الإنسان عن الرحمة بطمع الرحمة.

 

 

 

الفصل التاسع

 

 

 

أحاديث في الترغيب في حضور القلب

 

 

 

في ذكر قليل من أحاديث أهل البيت العصمة والطهارة سلام الله عليهم في الترغيب في حضور القلب، ونحن نكتفي هنا بذكر بعضها :

 

 

 

 فعن الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله: " اعبد الله كأنك تراه، وان لم تكن تراه فإنه يراك"، يستفاد من هذا الحديث مرتبتان من مراتب حضور القلب، الأولى: أن السالك يكون مشاهدا جمال الجميل في تجليات حضرة المحبوب على نحو تكون جميع مسامع قلبه مسدودة عن سائر الموجودات، وتكون بصيرته مفتوحة لجمال ذي الجلال الطاهر ولا يشاهد غيره، وبالجملة يكون مشغولا بالحاضر وغافلا عن المحضر والحضور. والمرتبة الثانية التي هي دون تلك المرتبة أن يرى السالك نفسه حاضرا في محضرة ويلاحظ أدب الحضور والمحضر. فالرسول الأكرم كأنه يقول إن كنت تستطيع أن تكون من أهل المقام الأول وتأتي بعبادة الله على ذلك النحو فافعل وإلا فلا تغفل عن أنك في المحضر الربوبي. ولمحضر الحق تعالى أدب تكون الغفلة عنه لا محالة بعدا عن مقام العبودية، وإلى هذا أشير في الحديث الذي رواه أبو حمزة الثمالي (الثمالي هو أبو حمزة ثابت بن دينار الثقة الجليل صاحب الدعاء المعروف في أسحار شهر رمضان. كان من زهّاد أهل الكوفة ومشايخها وكان عربيّا أزديّا، روى عن الفضل بن شإذان قال: سمعت الثقة يقول: سمعت الرضا عليه السلام يقول: أبو حمزة الثمالي في زمانه كسلمان الفارسي وذلك أنه خدم أربعة منّا علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمّد وبرهة من عصر موسى بن جعفر عليهم السلام. انتهى. (كش) عن علي بن أبي حمزة في خبر قال: قال الصادق عليه السلام لأبي بصير: إذا رجعت إلى أبي حمزة الثمالي فأقرئه منّى السلام وأعلمه انه يموت في شهر كذا في يوم كذا. قال أبو بصير: جعلت فداك والله لقد كان فيه أنس، وكان لكم شيعة. قال: صدقت ما عندنا خير لكم. قلت: شيعتكم معكم ؟ قال: إن هو خاف الله وراقب نبيّه وتوقى الذنوب فإذا هو فعل كان معنا في درجتنا. قال علّي: فرجعنا تلك السنة فلما لبث أبو حمزة إلاَّ يسيرا حتّى توفّي رحمه الله. مات في سنة خمسين ومئة (قن).) رضي الله عنه، قال: " رأيت علّي بن الحسين عليه السلام يصلي فسقط رداؤه عن منكبه فلم يسوّه حتى فرغ من صلاته، قال: فسألته عن ذلك، فقال: ويحك أتدري بين يديّ من كنت ؟ ".

 

 

 

وفي حديث أيضاً عن الرسول صلى الله عليه وآله " إنّ الرجلين من أمتي يقومان إلى الصلاة وركوعهما وسجودهما واحد وان ما بين صلاتهما ما بين السماء والأرض " وقال النبي صلى الله عليه وآله: " أما يخاف الذي يحول وجهة في الصلاة أن يحول الله وجهه إلى حمار ". وقال صلى الله عليه وآله: " من صلّى ركعتين لم يحدّث فيهما نفسه بشيء من الدنيا غفر الله له ذنوبه " وعنه صلى الله عليه وآله " إن من الصلاة لما يقبل نصفها وثلثها وربعها وخمسها إلى العشر وإن منها لما تلفّ كما يلفّ الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها " وان " مالك في صلاتك إلاَّ ما أقبلت عليه بقلبك ". وعن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إذا قام العبد المؤمن في صلاته نظر الله إليه، أو قال أقبل الله عليه حتى ينصرف وأظلّته الرحمة من فوق رأسه إلى أفق السماء والملائكة تحفّه من حوله إلى أفق السماء ووكل الله به ملكا قائما على رأسه يقول أيها المصلّي لو تعلم من ينظر إليك ومن تناجي ما التقتّ ولا زلت من موضعك أبدا ".

 

 

 

وقال الصادق عليه السلام: " لا تجتمع الرغبة والرهبة في قلب إلاَّ وجبت له الجنة فإذا صلّيت فأقبل بقلبك إلى الله عزّ وجلّ فإنه ليس من عبد يقبل بقلبه على الله عزّ وجلّ في صلاته ودعائه إلاَّ أقبل الله عليه بقلوب المؤمنين وأيّده مع مودّتهم إيّاه بالجنة ". وعن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: " إن مالك في صلاتك إلاَّ ما أقبلت عليه فيهما فإن أوهمها كلها أو غفل عن آدابها لفت فضرب بها وجه صاحبها ". وعن أبي جعفر عليه السلام قال: " إن العبد ليرفع له من صلاته نصفها أو ثلثها أو ربعها أو خمسها فما يرفع منها له إلاَّ ما أقبل عليه منها بقلبه وإنما أمرنا بالنافلة ليتمّ لهم بها ما نقصوا من الفريضة ".

 

 

 

وعن الصادق عليه السلام " إذا أحرمت في الصلاة فأقبل إليها لأنك إن أقبلت أقبل الله إليك وإن أعرضت أعرض الله عنك فربّما لا يرفع من الصلاة إلاَّ ثلثها أو ربعها أو سدسها بقدر ما أقبل المصلّي إليها وان الله لا يعطي الغافل شيئا ".(أقول: نقلت الحديث الصادقي عن الترجمة للأستاذ دام ظله).

 

 

 

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " يا أبا ذر ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساه (لاه) " والأحاديث في هذا الباب كثيرة وهذا المقدار كاف لأرباب القلوب اليقظة وأصحاب الاعتبار. (قال المحدث الجليل الفيض الكاشاني.. إن قيل: المستفاد من هذه الآيات والأخبار أن الصلاة من يغفل عما يقول فيها ويفعل، ليست مقبولة إلاَّ بقدر ما أقبل عليه منها. والفقهاء لم يشترطوا إلاَّ حضور القلب عند التكبير والتوجّه عنده. فكيف التوفيق، وأيضا فإن المصلّي في صلاته ودعائه مناج ربّه كما هو معلوم. وقد ورد في الخبر أيضا، ولا شكّ أن الكلام مع الغفلة ليس بمناجاة، والكلام إعراب عما في الضمير ولا يصحّ الإعراب عمّا في الضمير إلاَّ بحضور القلب فأي سؤال في قوله إهدنا الصراط المستقيم إذا كان القلب غافلا ولا شك أن المقصود من القراءة والأذكار، الحمد والثناء والتضرع والدّعاء. والمخاطب هو الله تعالى وقلب العبد بحجاب الغفلة محجوب عنه فلا يراه ولا يشاهده بل هو غافل عن المخاطب ولسانه يتحرك بحكم العادة. فما أبعد هذا عن المقصود بالصلاة التي شرّعت لتصقيل القلب وتجديد ذكر الله ورسوخ عقد الإيمان بها هذا حكم القراءة والذكر، وأما الركوع والسجود فالمقصود التعظيم بهما قطعا. والتعظيم كيف يجتمع مع الغفلة ؟ وإذا خرج عن كونه تعظيما لم يبق إلاَّ مجرّد حركة الظهر والرأس وليس فيه من المشقة ما يقصد الامتحان به ثم يجعل عماد الدين والفاصل بين الكفر والإسلام ويقدّم على ساير العبادات ويجب القتل بسبب تركه على الخصوص.

 

 

 

فاعلم أن بين القبول والإجزاء فرقا، فإن القبول من العبادة ما يترتب عليه الثواب في الآخرة وتقرّب إلى الله زلفى، والأجزاء ما يسقط التكليف عن العبد وان يثب عليه، والناس مختلفون في تحمّل التكلف، فالتكليف إنما هو بقدر حوصلة الخلق وقابليتهم في سعتهم وقصورهم، فلا يمكن أن يشترط عليهم جميعا إحضار القلب في جميع الصلاة فإن ذلك يعجز عنه كل البشر إلاَّ الأقلين، وكذا لم يكن اشتراط الاستيعاب للضرورة فلا مردّ له إلاَّ أن يشترط منه ما يطلق الاسم ولو في اللحظة الواحدة وأولي الخطاب به لحظة التكبير والتوجّه فاقتصر على التكليف بذلك، ونحن مع ذلك نرجو أن لا يكون حال الغافل في جميع صلاته مثل حال التارك بالكلية فإنه على الجملة أقدم على الفعل ظاهرا وأحضر للقلب لحظة، وكيف لا والذي صلى مع الحديث ناسيا، صلاته باطلة عند الله ولكن له أجر ما بحسب فعله وعلى قدر تصوّره وعذره، وقد ذكرنا في باب العقائد في الفرق بين العلم الباطن والظاهر أن قصور الخلق أحد الأسباب المانعة عن التصريح بكل ما ينكشف من أسرار الشرع.

 

 

 

وحاصل الكلام أن حضور القلب هو روح الصلاة وان أقل ما يبقى به الروح الحضور عند التكبير، فالنقصان منه هلاك وبقدر الزيادة عليه يبسط الروح في أجزاء الصلاة، وكم من حيّ لا حراك به قريب من الميت. فصلاة الغافل في جميعها إلاَّ عند التكبير حيّ لا حراك به.

 

 

 

وقال أيضا: اعلم أن المعاني الباطنة التي بها يتم حياة الصلاة بجمعها ست جمل وهي: حضور القلب والتفهّم والتعظيم والهيبة والرجاء والحياء. فالأول حضور القلب، ونعني به أن يفرغ القلب عن غير ما هو ملابس له ومتكلم به، فيكون العلم بالفعل والقول مقرونا بهما ولا يكون الفكر جاريا في غيرهما، ومهما انصرف الفكر عن غير ما هو فيه وكان في قلبه ذكر لما هو فيه ولم يكن فيه غفلة عنه فقد حصل حضور القلب ثم التفهّم لمعنى الكلام وهو أمر وراء حضور القلب، فربما يكون القلب حاضرا مع اللفظ ولا يكون حاضرا مع معنى اللفظ، فاشتمال القلب على العلم بمعنى اللفظ هو الذي أردنا بالتفهّم، وهذا مقام يتفاوت فيه الناس إذ ليس يشترك الناس في تفهّم المعاني للقرآن والتسبيحات، وكم من معان لطيفة يفهمها المصلي في أثناء الصلاة ولم يكن قد خطر بقلبه قبل ذلك، ومن هذا الوجه كانت الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر فإنها تفهم أمورا، تلك الأمور من الفحشاء والمنكر لا محالة.

 

 

 

ثم التعظيم وهو أمر وراء حضور القلب والفهم، إذ الرجل، ربما يخاطب غيره بكلام هو حاضر القلب فيه ومتفهم لمعناه ولا يكون معظما له.

 

 

 

ثم الهيبة: وهي زائدة على التعظيم، إذ هي عبارة عن خوف منشؤه التعظيم لان من لا يخاف لا يسمى مهابة، بل الهيبة خوف مصدره الإجلال.

 

 

 

ثم الرجاء: فالعبد ينبغي أن يكون راجيا بصلاته ثواب الله كما أنه خائف بتقصيره عقاب الله.

 

 

 

ثم الحياء: ومبدؤه استشعار تقصير وتوهّم ذنب، ولنذكر أسباب هذه المعاني الستة :

 

 

 

فاعلم أن حضور القلب سببه الهمّه، فان قلبك تابع لهمّك فلا يحضر إلاَّ فيما يهمّك، ومهما أهمّك أمر حضر القلب شاء أم أبى فهو مجبول عليه ومسخّر فيه، والقلب إذا لم يحضر في الصلاة لم يكن متعطلا بل كان حاضرا فيما الهمّة مصروفة إليه من أمور الدنيا، فلا حيلة ولا علاج لإحضار القلب إلاَّ بصرف الهمة إلى الصلاة، والهمّة لا ينصرف إليها ما لم يتبيّن أن الغرض المطلوب منوط بها وذلك هو الإيمان والتصديق بأن الآخرة خير وأبقى وان الصلاة وسيلة إليه، فإذا أضيف هذا إلى حقيقة العلم بحقارة الدنيا ومهانتها حصل من مجموعها حضور القلب في الصلاة.

 

 

 

وأما التفهم فسببه بعد حضور القلب إدمان الفكر وصرف الذهن إلى إدراك المعنى، وعلاجه ما هو إحضار القلب مع الإقبال على الفكر والتشمّر لرفع الخواطر الشاغلة، وعلاج دفع الخواطر الشاغلة قطع موادها أعني النزوع عن تلك الأسباب التي تتحدث الخواطر إليها، وما لم تنقطع تلك المواد لا تنصرف عنها الخواطر، فمن أحب شيئا أكثر ذكره فذكر المحبوب يهجم على القلب بالضرورة، ولذلك ترى من أحب غير الله لا تصفو صلاته عن الخواطر.

 

 

 

وأما التعظيم فهي حالة للقلب تتولد بين معرفتين، أحدهما معرفة جلالة الله وعظمته وهي من أصول الإيمان، فإن من لا يعتقد عظمته لا تذعن النفس لتعظيمه.

 

 

 

الثانية: معرفة حقارة النفس وخسّتها وكونها عبدا مسخّرا مربوبا حتى يتولد من المعرفتين: الاستكانة والانكسار والخشوع لله، فيعبر عنه بالتعظيم، وما لم يمتزج معرفة حقارة النفس بمعرفة جلال الربّ لا ينتظم حالة التعظيم والخشوع، فإن المستغني عن غيره، الآمن على نفسه يجوز أن يعرف من غيره صفات العظمة ولا يكون الخشوع والتعظيم حاله لأن القرينة الأخرى وهي معرفة حقارة النفس وحاجيها لم تقترن بها.

 

 

 

وأما الهيبة والخوف فحالة للنفس يتولد من المعرفة بقدرة الله وسطوته ونفوذ مشيئته فيه مع قلة المبالاة به وانه لو أهلك الأولين والآخرين لم تنقص من ملكه ذرة، هذا مع مطالعة ما يجري على الأنبياء والأولياء من المصائب وأنواع البلاء مع القدرة على الدفع.

 

 

 

وبالجملة، كلما زاد العلم بالله زادت الخشية والهيبة.

 

 

 

وأما الرجاء فسببه معرفة لطف الله وكرمه وعميم أنعامه ولطائف صنعه ومعرفة صدقه في وعده الجنة بالصلاة، فإذا حصل اليقين بوعده والمعرفة بلطفه انبعث من مجموعها الرجاء لا محالة. وأما الحياء فباستشعار التقصير في العبادة وعلمه بالعجز عن القيام بعظيم حق الله ويقوى ذلك بالمعرفة بعيوب النفس وآفاتها وقلة إخلاصها وخبث داخلها وميلها إلى الحظ العاجل في جميع أفعاله مع العلم بعظيم ما يقتضيه جلال الله، والعلم بأنه مطّلع على السريرة وخطرات القلب، وان دقّت وخفيت، وهذه المعارف إذا حصلت يقينا أنبعث منها بالضرورة تسمّى الحياء. (انتهى كلامه رفع مقامه))

 

 

 

الفصل العاشر

 

 

 

في طريق تحصيل حضور القلب

 

 

 

إذا عرفت الآن فضيلة حضور القلب وخواصّه عقلا ونقلا وفهمت الأضرار الكبيرة في تركه فلا يكفي العلم وحده بل يجعل الحجة عليك أتمّ، فشمّر عن ذيل الهمّة وكن في صدد تحصيل ما علمته وأخرج علمك إلى مرحلة العمل كي تستفيد منه وتربح فتفكر قليلا في أن قبول الصلاة شرط لقبول سائر الأعمال بحسب أحاديث أهل بيت العصمة عليهم السلام الذين هم معادن الوحي وإنّ أقوالهم وعلومهم من الوحي الإلهي والكشف المحمّدي صلى الله عليه وآله وسلم وان الصلاة إذا لم تكن مقبولة فلا ينظر إلى سائر الأعمال أصلا وإن قبول الصلاة بإقبال القلب فلو لم تكن الصلاة مشتملة عليه فهي ساقطة من درجة الاعتبار ولا تليق بمحضر الحق تعالى ولا تقبل كما علم ذلك من الأحاديث السابقة فمفتاح خزينة الأعمال وباب أبواب جميع السعادات حضور القلب فيه يفتح باب السعادة للإنسان ومن دونه تسقط جميع العبادات من درجة الاعتبار. فالآن تفكّر قليلا بنظر الاعتبار وانظر بعين البصيرة أهمية المقام وعظمة الموقف وقم بالأمر بجدّ تامّ فإن مفتاح باب السعادة وأبواب الجنة ومفتاح باب الشقاوة جهنم لفي جيبك في هذه الدنيا فتستطيع أن تفتح أبواب الجنة والسعادة لنفسك وتستطيع أن تكون على خلاف ذلك فزمام الأمر بيدك ولله الحجة البالغة قد هدى سبيل السعادة والشقاوة وأعطى التوفيقات الظاهرية والباطنية فما منه تعالى ومن أوليائه فقد تمّ وإنما الآن فرصتنا في الإقدام فإنهم الهادون إلى الطريق ونحن السائرون فيه إنهم قضوا ما عليهم على الوجه الأحسن ولم يتركوا لنا عذرا ولم يقصّروا ولو لمحة فانتبه أنت أيضاً من نومك واطْوِ طريق السعادة واستفد من عمرك وقوّتك فإن الوقت إذا انقضى وفاتك العمر الحاضر و الشباب الموجود وفقدت كنز القدرة والقوة فلا ينجبر أبدا فإن كنت الآن في عهد الشباب فلا تؤخر أمرك إلى الشيب فإن للشيب مصائب لا يعلمها إلاَّ الشيب وأنت في غفلة عنها، إن الإصلاح في حال الشيب والضعف لمن الأمور الصعبة جدا، وان كنت شايبا فلا تدع بقية العمر تفوت منك فإنك مادمت في هذا العالم فلك طريق إلى السعادة ولك منها باب مفتوح فلا سمح الله إذا أغلق هذا الباب وانسدّ هذا الطريق فيخرج زمام الاختيار من يدك ولا يبقى لك نصيب سوى الحسرة والندامة والأسف على ما مضى من أمرك.

 

 

 

فأنت أيها العزيز إن كنت تؤمن بما ذكر بما أنه قول الأنبياء عليهم السلام وهيّأت نفسك لتحصيل السعادة وسفر الآخرة وعلمت بلزوم حضور القلب الذي هو مفتاح كنز السعادة فطريق تحصيله أن ترفع أولا موانع حضور القلب وتنحّي الأشواك عن طريق السلوك بجذورها وبعد رفع الموانع تقدم على تحصيل حضور القلب.

 

 

 

أما موانع حضور القلب في العبادات فهي تشتّت الخواطر وكثرة الواردات القلبية وهذه ربما تحصل من الأمور الخارجية ومن طرق الحواس الظاهرية مثل أن يسمع في حال العبادة شيئا يتعلق الضمير به ويكون مبدأ للتخيلات والتفكرات الباطنية وتتصرف فيه الواهمة والمتصرفة فيطير الخيال من غصن إلى غصن.

 

 

 

أو أن عين الإنسان ترى شيئا ويكون منشأ تشتّت الخاطر وتصرُّف المتصرفة أو أن سائر حواس الإنسان تدرك شيئا فتحصل منه انتقالات خيالية. وطريق علاج هذه الأمور، وان كان العلماء ذكروا أن العلاج هو رفع هذه الأسباب مثل أن يصلي الإنسان في غرفة مظلمة أو مكان خال ويغضّ عينه ولا يصلي في المواضع التي تجلب النظر كما نقله الشهيد السعيد(هو الشيخ الأجل زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد بن جمال الدين بن تقي بن صالح بن مشرف العاملي الجبعي أمره في الثقة والجلالة والعلم والفضل والزهد والعبادة والورع والتحقيق والتبحّر وجميع الفضائل والكمالات أشهر من أن يذكر. ومحاسنه وأوصافه الحميدة أكثر من أن تحصر وُلِد الشيخ زين الدين ثالث عشر شوال سنة 911 (ظيا) وختم القرآن وعمره تسع سنين وقرأ على والده العربية وتوفي والده سنة 925 (ظكه) وعمره إذ ذاك أربع عشرة سنة وارتحل إلى ميس وهو أول رحلته فقرأ على الشيخ الجليل علي بن عبد العالي الميسي الشرايع والإرشاد وأكثر القواعد. وله قدّس سرّه رحلات إلى كرك و إلى جبع و إلى دمشق ثم الرجوع إلى جبع والرحلة منها إلى دمشق يريد مصر فسافر إلى مصر يوم الأحد منتصف ربيع الأول سنة 942 واتفق له في الطريق ألطاف خفية وكرامات جليّة ذكرها تلميذه ابن العودي. ودخل مصر بعد شهر من خروجه واشتغل على جماعة منهم الشيخ أبو الحسن البكري صاحب كتاب الأنوار في مولد النبي صلى الله عليه وآله، ثم ارتحل إلى الحجاز في شوال 923، ولما قضي مناسكه زار النبي صلى الله عليه وآله وقد وعده بالخير في المنام بمصر ثم ارتحل إلى بلده جبع في صفر سنة 944 وأقام بها إلى سنة 946 وتوشح ببرد الاجتهاد إلاَّ أنه بالغ في كتمان أمره إلى أن أقام ببعلبك بعد رحلات سنة 953 يدرس في المذاهب الخمسة واشتهر أمره وصار مرجع الأنام ومفتي كل فرقة بما يوافق مذهبها وصار أهل البلد كلّهم في انقياده ورجعت إليه الفضلاء من أقاصي البلاد ثم انتقل بعد خمس سنين إلى بلده، بنيّة المفارقة وأقام في بلده مشتغلا بالتدريس والتصنيف. ومصنفاته كثيرة مشهورة أولها الروض وآخرها الروضة. ألّفها في ستة أشهر وستة أيام وكان غالب الأيام يكتب كراسا ومن عجيب أمره انه كان يكتب بغمسة واحدة في الدواة عشرين أو ثلاثين سطرا وخلّف ألفَي كتاب منها مئتا كتاب كانت بخطه الشريف من مؤلفاته وغيرها مع أنه قال تلميذه الشيخ محمد بن علي بن الحسن العودي الجزيني في رسالة (بغية المريد في أحوال شيخه الشهيد): ولقد شاهدت منه سنة وردي إلى خدمته انه كان ينقل الحطب في الليل لعياله ويصلّي الصبح في المسجد ويجلس للتدريس والبحث كالبحر الزاخر ويأتي بمباحث غفل عنها الأوائل والأواخر. وذكر أنه (رحمه الله) كان يتعاطى جميع مهمّاته بقلبه وبدنه مضافا إلى مهمّات الواردين ومصالح الضيوف المتردّدين إليه مع أنه كان غالب الزمان في الخوف الموجب لإتلاف النفس والتستّر والإخفاء الذي لا يسع الإنسان أن يفكّر معه في مسألة من الضروريات البديهية. ولمّا كان في سنة 965 وهو في سن أربع وخمسين ترافع إليه رجلان فحكم لأحدهما على الأخر فذهب المحكوم عليه إلى قاضي صيدا واسمه معروف وكان الشيخ مشغولا بتأليف شرح اللمعة فأرسل القاضي إلى جبع من يطلبه وكان مقيما في كرم له مدة منفردا عن البلدة متفرّغا للتأليف، فقال بعض أهل البلد قد سافر عنا منذ مدّة فخطر ببال الشيخ ان يسافر إلى الحج. وكان قد حج مرارا لكنه قصد الاختفاء فسافر في محمل مغطّى وكتب القاضي إلى السلطان انه قد وجد ببلاد الشام رجل مبدع خارج عن المذاهب الأربعة فأرسل السلطان في طلب الشيخ فقبض عليه، وروي أنه كان في المسجد الحرام بعد فراغه من صلاة العصر وأخرجوه إلى بعض دور مكة وبقي هناك محبوسا شهرا وعشرة أيام ثم ساروا به على طريق البحر إلى القسطنطينيَّة وقتلوه بها وبقي مطروحا ثلاثة أيام ثم ألقوا جسده الشريف في البحر.

 

 

 

وفي رواية ابن العودي قتلوه في مكان من ساحل البحر وكان هناك جماعة من التركمان، فرأوا في تلك الليلة أنوار تنزل من السماء وتصعد فدفنوه هناك وبنوا عليه قبة وحُمل رأسه إلى السلطان وسعى السيد عبد الرحيم العباسي في قتل فقتله السلطان.

 

 

 

وحكي عن شيخنا البهائي (رحمه الله) قال أخبرني والدي أنه دخل في صبيحة بعض الأيام على شيخنا الشهيد المعظّم فوجده متفكّرا فسأله عن سبب تفكره فقال يا أخي أظن أن أكون ثاني الشهيدين لأني رأيت البارحة في المنام أن السيد المرتضى علم الهدى رضي الله عنه عمل ضيافة جمع فيها العلماء الإمامية بأجمعهم في بيت فلمّا دخلت عليهم قام السيد المرتضي ورحّب بي وقال لي يا فلان اجلس بجنب الشيخ الشهيد فجلست بجنبه فلما استوى بنا المجلس انتبهت. ومنامي هذا دليل ظاهر على أني أكون تالياً له في الشهادة.(انتهى).

 

 

 

قيل في تاريخ وفاته (تاريخ وفاة ذلك الأوّاه الجنة مستقرة والله) رضوان الله عليه حيث قال: " كان المتعبدون يتعبدون في بيت صغير مظلم سعته بقدر ما يمكن الصلاة فيه ليكون أجمع للهمّ " ولكن من المعلوم أن هذا لا يرفع المانع ولا يقلع المادة لان العمدة هي تصرّف الخيال فإن الخيال يعمل عمله بحصول منشأ جزئي له بل ربما يكون تصرف الخيال والواهمة في البيت المظلم والصغير وفي حال الوحدة أكثر، ويتمسكان لأجل الدعابة واللهو بمبادئ أخرى فيتوقف حينئذ قلع المادة بالكلية على إصلاح الخيال والوهم ونحن نشير بعد ذلك إليه. نعم هذا النحو من العلاج ربما لا يكون في بعض النفوس بلا تأثير وخاليا من الإعانة ولكننا بصدد العلاج القطعي ونتطلب السبب الحقيقي للقلع وهو لا يحصل بما ذكر.

 

 

 

وربما يكون تشتت الخاطر والمانع عن حضور القلب من الأمور الباطنية وعمدة المنشأ له على نحو كلّي أمران إليهما ترجع عمدة الأمور الأخر.

 

 

 

الأول: إن طائر الخيال هو بنفسه فرّار يتعلق دائما كطائر من غصن إلى غصن ويطير من إفريز إلى إفريز وهذا ليس مرتبطا   بحب الدنيا والتوجه بأمور دنيّة ومال دنيوي بل كون الخيال فرّارا مصيبة يبتلي بها الناس حتى التاركين للدنيا. وتحصيل سكون الخاطر وطمأنينة النفس وتوقف الخيال من الأمور المهمة التي بإصلاحها يحصل العلاج القطعي، ونحن نشير إليه بعد ذلك.

 

 

 

الأمر الثاني الموجب لتشتّت الخاطر هو حب الدنيا وتعلق الخاطر بالحيثيات الدنيوية التي هي رأس الخطايا وأم الأمراض الباطنية، وهذا التعلّق هو شوك طريق أهل السلوك ومنبع المصيبات، وما دام القلب متعلقا به، ومنغمرا في حب الدنيا فالطريق لإصلاح القلوب مسدود، وباب جميع السعادات في وجه الإنسان مغلق ونحن نشير إلى رفع هذين المنشأين العظيمين والمانعين القويين ضمن فصلين إن شاء الله.

 

 

 

الفصل الحادي عشر

 

 

 

في بيان الدواء النافع في علاج كون الخيال فرار

 

 

 

الذي يحصل منه حضور القلب أيضا

 

 

 

فاعلم أن كلا من القوى الظاهرية والباطنية من النفس قابل للتربية والتعليم بارتياض مخصوص، فعين الإنسان مثلا لا تقدر أن تنظر إلى نقطة معيّنة أو إلى نور شديد كنور عين الشمس مدة طويلة من دون أن تغمض ولكن إذا ربّاها كبعض أصحاب الرياضات الباطلة لمقاصدهم فيمكن أن تنظر إلى عين الشمس ساعات مديدة من دون أن تغمض عينه أو يجد فيها تعبا، وكذلك يمكن له أن ينظر إلى نقطة معيّنة ساعات من دون أي حركة وكذلك سائر القوى حتى حبس النفس فإن في أصحاب الرياضات الباطلة أفرادا يحبسون أنفاسهم مدة زائدة عما هو متعارف عليه.

 

 

 

ومن القوى التي تقبل التربية قوة الخيال وقوة الواهمة فإنهما قبل التربية كطائر فرار ومتحرك بلا نهاية يطير من غصن إلى غصن ويتحرك من شيء إلى شيء آخر بحيث أن الإنسان إذا حاسبها دقيقة واحدة يرى أنها انتقلت مسلسلة إلى أشياء بمناسبات ضعيفة جدا وارتباطات غير متناسبة حتى ظنّ كثير من العلماء أن حفظ طائر الخيال طائعا من الأمور الخارجة عن حيّز الإمكان وملحق بالمحالات العادية، ولكن الأمر ليس كذلك ويمكن تطويعه بالرياضة والتربية وصرف الوقت بحيث يكون طائر الخيال في قبضته لا يتحرك إلاَّ بإرادته واختياره فيحبسه متى أراد في أي مقصد أو أي مطلب بحيث يكون في ذلك المقصد ساعات.

 

 

 

والطريق العمدة لهذا التطويع هو العمل على الخلاف وطريقه إن الإنسان حينما يريد أن يصلي يهيئ نفسه بأن يحفظ خياله في الصلاة ويحبسه في العمل وبمجرد أن الخيال يريد أن يفّر من يد الإنسان يسترجعه فورا ويلتفت إلى حاله في جميع حركات الصلاة وسكناتها وأذكارها وأعمالها ويفتش عن حاله ولا يدعه بحاله، وهذا في أول الأمر ربما يبدو أمرا صعباً، ولكنه بعدما عمل فيه مدة بدقة وعلاج يصير طائعا حتما ويرتاض على الإطاعة، فأنت لا تتوقع أن تتمكن في أول الأمر من حفظ طائر الخيال في جميع الصلاة فإن هذا أمر غير ممكن ومحال البتة ولعل الذين ادّعوا استحالة هذا الأمر كانوا يتوقّعون ذلك ولكن هذا الأمر لابد أن يكون بكمال التدريج والتأنّي والصبر والتأمل فيمكن أن يحبس الخيال في أول الأمر في عشر من الصلاة ويحصل حضور القلب في عشر منها وبالتدريج إذا كان الإنسان بصدده ويرى نفسه محتاجا إليه فيصل إلى نتيجة أكثر. وشيئا فشيئا يتغلّب على شيطان الوهم وطائر الخيال بحيث يكون في أكثر حال الصلاة زمام الاختيار بيده، ولا بد للإنسان إلاَّ ييأس فإن اليأس هو المنبع للوهن والضعف كله ونور الرجاء في القلب يوصل الإنسان إلى كمال سعادته، ولكن العمدة في هذا الباب هو حسّ الاحتياج الذي هو فينا قليل وان قلوبنا لم تؤمن بأن رأس المال في سعادة العالم الآخر ووسيلة العيش في الأيام غير المتناهية هو الصلاة، نحن نحسب أن الصلاة أمر مفروض علينا ونراها تكليفا وتحميلا.

 

 

 

إن حبّ الشيء يحصل من إدراك نتائجه فنحن نحب الدنيا فقد أدركنا نتيجتها وآمنت قلوبنا بها ولهذا لا نحتاج في اكتساب الدنيا إلى الدعوة والوعظ والاتعاظ.

 

 

 

وانّ الذين يظنّون أن الدعوة النبي الخاتم والرسول الهاشميّ صلى الله عليه وآله جهتين دنيوية وأخروية، ويحسبون هذا فخرا لصاحب الشريعة وكمالا لنبوّته، فهؤلاء ليس عندهم معرفة عن الدين وهم عن مقصد النبوّة ودعوتها غافلون.

 

 

 

إن الدعوة إلى الدنيا خارجة عن مقصد الأنبياء العظام بالكلّية ويكفي في الدعوة إلى الدنيا حسّ الشهوة والغضب والشيطان الباطن والظاهر ولا تحتاج إلى بعث الرسل. إن إدارة الشهوة والغضب لا تحتاج إلى القرآن والنبي، وإنما الأنبياء بعثوا لينهوا الناس عن التوجّه إلى الدنيا وإنهم ليقيّدون إطلاق الشهوة والغضب ويحدّدون موارد المنافع. والغافل يظن أنهم يدعون إلى الدنيا، إن الأنبياء يقولون إن المال لا يجوز تحصيله كيفما كان. ونار الشهوة لا يجوز إطفاؤها بأيّ نحو بل لا بدّ من إطفائها عن طريق النكاح، وهكذا تحصيل فلا بدّ يكون عن طريق التجارة والصناعة والزراعة مع أن في أصل الشهوة والغضب إطلاقا، فالأنبياء يصدّون طريق إطلاقهما لا إنهم يدعون إلى الدنيا، فروح الدعوة إلى التجارة هو التقييد والنهي عن الأكل بالباطل، وروح الدعوة إلى النكاح هي تحديد الطبيعة والنهي عن الفجور وعن إطلاق قوة الشهوة.

 

 

 

نعم إنهم عليهم السلام ليسوا مخالفين على الإطلاق، فإن المخالفة على الإطلاق مخالفة للنظام الأتمّ.

 

 

 

وبالجملة نحن لما أحسسنا الاحتياج إلى الدنيا وجدناها رأس مال للحياة ومنبعا للّذات نتوجّه إليها ونسعى في تحصيلها فإذا آمنّا بالحياة الآخرة وأحسسنا أنا محتاجون إلى العيش هناك والعبادات كلها والصلاة على الخصوص رأس مال للعيش في ذلك العالم ومنبع لسعادات تلك النشأة فلا محالة نسعى في تحصيله ولا نجد لأنفسنا في هذا السعي والاجتهاد أي تعب أو مشقة أو تكلّف، بل نكون بصدد تحصيله مع الاشتياق والشوق الكامل ونحصّل شرائط حصوله و قبوله بإقبال من أرواحنا وقلوبنا، فهذه البرودة التي فينا إنما هي من برودة أشعة الإيمان وهذا الوهن الذي نجده إنما هو من وهن أساس الإيمان ولو كانت أخبار الأنبياء والأولياء عليهم السلام وبراهين الحكماء والعرفاء عليهم الرضوان أوجدت في أنفسنا مجرد الاحتمال بالصدق لكان اللازم علينا أن نقوم بالأمر ونجتهد في تحصله بأحسن مما نحن فيه ولكن مع الآلاف من الأسف فإن الشيطان قد تسلّط على باطننا وتصرّف بمجامع قلوبنا ومسامع باطننا وهو لا يدع كلام الحق وأنبيائه وكلمات العلماء ومواعظ الكتاب الإلهي تصل إلى سمعنا، فسمعنا الآن إنما هو السمع الحيواني الدنيوي ومواعظ الحق تعالى لا تتجاوز الحد الظاهر، ولا تصل إلى الباطن، وذلك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

 

 

 

ومن الوظائف المهمة للسالك إلى الله والمجاهد في سبيل الله أن يرفع اليد بالكلية في خلال مجاهدته وسلوكه عن الاعتماد على نفسه ويكون بجبلته متوجها إلى مسبّب الأسباب وبفطرته متعلقا بمبدأ المبادئ ويتطلب من ذاته المقدسة العصمة والحفظ ويعتمد على تأييد ذاته الأقدس ويتضرع في خلواته إلى حضرته ويطلب إصلاح حاله مع كمال الجد في الطلب منه تعالى فانه لا ملجأ دون ذاته المقدسة والحمد لله.

 

 

 

الفصل الثاني عشر

 

 

 

في الإشارة إلى أن حب الدنيا منشأ لتشتت الخيال ومانع من

 

 

 

حضور القلب وفي بيان علاجه بالمقدار الميسور

 

 

 

فليعلم أن القلب بحسب فطرته إذا تعلّق بشيء وأحبه يكون ذاك المحبوب قبلة لتوجّهه وان شغله أمر ومنعه عن التفكر في حال المحبوب وجمال المطلوب فبمجرّد أن يخفّ الاشتغال ويرتفع ذلك المانع يطير القلب شطر محبوبة فورا ويتعلق بذيله، فأهل المعارف وأرباب الجذبة الإلهية إذا كانت قلوبهم قوية وصاروا متمكنين في الجذبة والحب فيشاهدون في كل مرآة جمال المحبوب وفي كل موجود كمال المطلوب ويقولون: " ما رأيت شيئا إلاَّ ورأيت الله فيه ومعه ".

 

 

 

وان سيدهم أن قال " لَيُغان على قلبي واني لاستغفر الله في كل يوم سبعين مرة " إنما ذلك لأجل أنّ مشاهدة جمال المحبوب في المرآة خصوصا المرائي الكدرة، كمرآة أبي جهل هي بنفسها موجبة للكدورة في قلوب الكمّل و إذا كانت قلوبهم غير قوّية ويكون الاشتغال بالكثرات مانعا عن الحضور، فبمجرد أن الاشتغال تطير قلوبهم إلى وكر القدس وتتعلق بجمال الجميل. والطالبون لغير الحق أيضا الذين هم عند أهل المعرفة كلهم طالبون للدنيا فما يكون مطلوبا لهم فهم يتوجهون إليه ويتعلّقون به فهؤلاء إن كانوا مفرطين في حب محبوبهم ويكون حب الدنيا آخذا بمجامع قلوبهم فلا ينسلبون عن التوجه إليه في وقت ويعيشون مع جمال محبوبهم على كل حال ومع كل شيء وأمّا إذا كان حبّهم للحق قليلاً فقلوبهم في وقت الفراغ ترجع إلى محبوبها وأما الذين يكون في قلوبهم حب المال والرياسة والشرف فأولئك يشاهدون مطلوبهم في المنام أيضا ويتفكرون في محبوبهم في يقظتهم، وما داموا يشتغلون بالدنيا فهم يعتنقون محبوبهم فإذا حان وقت الصلاة وحصل للقلب فراغ فانه يتعلق بمحبوبه فورا فكأنما تكبيرة الإحرام هي مفتاح دكان أو رافعة للحجاب بينه وبين محبوبه فيتنبّه وقد سلم في صلاته وما توجّه إليها أصلا وهو في جميع الصلاة كان معتنقا فكر الدنيا، فلهذا نرى أن الصلاة في مدى أربعين أو خمسين سنة ما أثرت في قلوبنا غير الظلمة والكدورة وما هو معراج قرب جناب الحق ووسيلة الأنس بذلك المقام المقدس قد صرنا مهجورين به من ساحة القرب وأبعدنا عن مقام الأنس بفراسخ، ولو كان في صلاتنا رائحة العبودية لكانت ثمرتها المتربة والتواضع لا العجب والكبر والافتخار التي يصلح كل واحد منها سببا مستقلا وموجبا منفردا لهلاك الإنسان وشقاوته.

 

 

 

وبالجملة فإن قلوبنا لما كانت مختلطة بحب الدنيا وليس لها مقصد ولا مقصود غير تعميرها فلا محالة أن هذا الحب مانع من فراغ القلب وحضوره في ذلك المحضر القدسيّ، وعلاج هذا المرض المهلك والفساد المبيد هو العلم والعمل النافعان.

 

 

 

أما العلم النافع لهذا المرض فهو التفكر في ثمراته ونتائجه والمقايسة بينها وبين مضاره ومهالكه الحاصلة منه. وكاتب هذه الأوراق قد كتب في شرح الأربعين شرحا في هذا الباب وفسّر الموضوع فيه بالمقدار الميسور، وهنا في هذا المجال أيضا نكتفي بشرح بعض أحاديث أهل بيت العصمة.

 

 

 

في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " رأس كل خطيئة حب الدنيا ". والروايات بهذا المضمون كثيرة مع اختلاف في التعبير ويكفي للإنسان اليقظان هذا الحديث الشريف، ويكفي لهذه الخطيئة العظيمة المهلكة أنها منبع لجميع الخطايا وأساس جميع المفاسد، فبقليل من التأمل يعلم أن جميع المفاسد الخلقية والعملية على التقريب من ثمرات هذه الشجرة الخبيثة فما أسّس في العالم دين كاذب ولا مذهب باطل وما اتفق في الدنيا فساد إلاَّ بواسطة هذه الموبقة العظيمة. وإنّ القتل والنهب والظلم والتعدي هي نتائج هذه الخطيئة. وان الفجور والفحشاء والسرقة وسائر الفجائع وليدة هذه الجرثومة للفساد، والإنسان الذي وقر فيه هذا الحب مجانب لجميع الفضائل المعنوية، وان الشجاعة والعفّة والسخاء والعدالة التي هي مبدأ جميع الفضائل النفسانية لا تجتمع مع حب الدنيا، وان المعارف الإلهية والتوحيد في الأسماء والصفات والأفعال والذات وتطلب الحق ورؤية الحق متضادة مع حب الدنيا وان طمأنينة النفس وسكون الخاطر واستراحة القلب التي هي روح السعادة في الدنيا لا تجتمع مع حب الدنيا وان غنى القلب والكرامة وعزّة النفس والحرية كلها من لوازم عدم الاعتناء بالدنيا، كما أن الفقر والذلّة والطمع والحرص والرقّيّة والتملّق من لوازم حب الدنيا، وان العطف والرحمة والمواصلة والمودة والمحبة متعارضة مع حب الدنيا، وان البغض والحقد والجور وقطع الرحم والنفاق وسائر الأخلاق الفاسدة وليدة أم الأمراض هذه.

 

 

 

وفي مصباح الشريعة قال الصادق علية السلام " الدنيا بمنزلة صورة رأسها الكبر وعينها الحرص وأذنها الطمع ولسانها الرياء ويدها الشهوة ورجلها العجب وقلبها الغفلة وكونها الفناء وحاصلها الزوال فمن أحبها أورثته الكبر ومن استحسنها أورثته الحرص ومن طلبها أوردته إلى الطمع ومن مدحها ألبسته الرياء ومن أرادها مكّنته من العجب ومن اطمأنّ إليها أولته الغفلة ومن أعجبته متاعها أفنته ومن جمعها وبخل بها ردّته إلى مستقرها وهي النار ".

 

 

 

وروى الديلمي (هو أبو محمد الحسن بن أبي الحسن محمد الديلمي الشيخ المحدّث الوجيه النبيه صاحب كتاب إرشاد القلوب المعروف الذي قال في مدحه السيد علي خان كما في(ضا) :

 

 

 

هذا كتاب في معانيه حسن             للديلمي أبي محمد الحسن

 

 

 

أشهى إلى المضنى العليل من الشفا    وألذّ في العينين من غمض الوسن

 

 

 

وله أيضا في مدحه :

 

 

 

إذا ضلت قلوب عن هداها            فلم تدر العقاب من الثواب

 

 

 

فأرشدها جزاك الله خيرا                        بإرشاد القلوب إلى الصواب

 

 

 

وله كتاب غرر الأخبار ودرر الآثار، وأعلام الدين في صفات المؤمنين. و الظاهر أنه كان في عصر الشهيد الأول وينقل عنه الشيخ ابن فهد في عدّة الداعي بعنوان الحسن بن أبي الحسن الديلمي قيل إن حديث الكساء المشهور الذي يعدّ من منفردات منتخب الطريحي موجود في غرر هذا الشيخ.) في إرشاد القلوب عن أمير المؤمنين عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله في ليلة المعراج ممّا خاطب الله به نبيه " يا أحمد لو صلّى العبد صلاة أهل السماء والأرض وصام صيام أهل السماء والأرض وطوى من الطعام مثل الملائكة ولبس لباس العابدين ثم أرى في قلبه من حب الدنيا ذرة أو سمعتها أو رياستها أو حيلتها أو زينتها لا يجاورني في داري ولأنزعنّ من قلبه محبّتي ولأظلمنّ قلبه حتى ينساني ولا أذيقه حلاوة محبّتي ". (أقول: ما بين القوسين لم يكن في النسخة المطبوعة وإنما نقلته من ترجمة الأستاذ دام ظلّه). والأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تسعها هذه الأوراق، فإذا علم أن حبّ الدنيا هو مبدأ ومنشأ جميع المفاسد فعلى الإنسان العاقل المعتني بسعادته أن يخلع هذه الشجرة بجذورها عن القلب.

 

 

 

وأما طريق العلاج العلمي فهي أن يعامله بالضدّ فإذا كان تعلقه بمال ومنال فانه يقطع جذورها عن القلب ببسط اليد والصدقات الواجبة والمستحبة، وان من أسرار الصدقات تقليل العلاقة بالدنيا، ولهذا يستحبّ للإنسان أن يتصدّق بالشيء الذي يحبّه ويتعلق قلبه به، كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}. (آل عمران 92).

 

 

 

وان كانت علاقته بفخر وتقدّم ورياسة واستطالة فليعمل ضدّها ويرغم النفس حتى تصير إلى الصلاح، وليعلم الإنسان أن الدنيا بمثابة أنه كلّما اتبعها أكثر وكان في صدد تحصيلها أكثر تكون علاقته بها أكثر ويكون أسفه على فقدانها أزيد، فكأنّ الإنسان دائما طالبك لشيء لا يناله فهو يظن أنه طالب للحد الفلاني من الدنيا فما دام فاقدا لذلك الحد فإنه يطلبه ويتحمل في سبيل تحصيله المشاق ويلقي بنفسه إلى المهالك، وبمجرد أن ينال ذلك الحد من الدنيا يغدو في نظره أمرا عاديا. ويرتبط عشقه وعلاقته بشيء آخر فوق ذلك الحد فيتعب نفسه له ولا تطفأ نار عشقه أبداً بل تزداد اتّقادا يوما فيوما ويشتدّ تعبه ومشقّته أكثر وليس لهذه الفطرة والجبلة توقف أبدا، وأهل المعرفة قد أثبتوا بهذه الفطرة كثيراً من المعارف بيانها خارج عن مجال هذه الأوراق، وقد أشير إلى بعض هذه المطالب في الأحاديث الشريفة كما في الكافي الشريف عن باقر العلوم عليه السلام :

 

 

 

" مثل الحريص على الدنيا مثل دودة القزّّ كلما ازدادت من القزّ على نفسها لفّا كان أبعد لها من الخروج حتى تموت غماّ ". وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: " مثل الدنيا كماء البحر كلما شربه إنسان عطشان يزيد عطشه حتى يقتله ".

 

 

 

فأنت يا طالب الحق والسالك إلى الله إذا طوّعت طائر الخيال وقيّدت شيطان الواهمة وخلعت نعليَ حبّ النساء والأولاد وسائر الشؤون واستأنست بجذوة نار العشق لفطرة الله وقلت إني آنست نارا ووجدت نفسك خاليا من موانع السير وهيّأت أسباب السفر فقم من مكانك واهجر هذا البيت المظلم للطبيعة والمعبر الضيق المظلم للدنيا واقطع سلاسل الزمان وقيوده وانج بنفسك من هذا السجن وأطر طائر القدس إلى محفل الأنس.

 

 

 

توراز كنكره عرش ميزنند صفير        ندانمت كه دراين دامكه جه افتاده 

 

 

 

(البيت للشاعر العارف الحافظ الشيرازي يقول :

 

 

 

تنادى من العرش العظيم ولا أدري     لماذا مقيم أنت في ذلك الفخ)

 

 

 

فقو عزمك وأحكم إرادتك فان أول شرط للسلوك هو العزم وبدونه لا يمكن أن يسلك طريق ولا ينال كمال، والشيخ الأجلّ شاه آبادي، روحي فداه كان يعبّر عنه بلبّ الإنسانية بل يمكن أن يقال أن، من إحدى الجهات المهمة للتقوى والتجنّب عن المشتهيات النفسانية وترك أهوائها والرياضات الشرعية والعبادات والمناسك الإلهية تقوية العزم وانقهار القوى الملكية تحت ملكوت النفس كما ذكر من قبل، ونحن نختم الآن هذه المقالة بالتحميد والتسبيح للذات المقدسة الكبريائية جلّ وعلا وبالثناء على السيد المصطفى والنبي المجتبى وآله الأطهار عليم السلام، ونستمدّ لهذا السفر الروحاني والمعراج الإيماني من تلك الذوات المقدسة.

 

 

 

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©