الأحد ٢٦ / فبراير / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » الأربعون حديثاً »

الحَديث الثَالِث: العُجْب

12 مايو 2012 | في الفئة: الأربعون حديثاً | لا توجد تعليقات | الزیارات: 94

بالسَّند المتّصل إلى محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه عن عليّ بن أسباط، عن أحمد بن عمر الحلال، عن عليّ بن سويد، عن أبي الحسن ـ عليه السّلام قال: «سألتُهُ عن العُجْبِ الذي يُفْسِدُ العَمَلَ، فقال: العُجْبُ درجاتٌ منها أن يُزَيَّنَ لِلْعَبْدِ سُوءٌ عَمَلِه فَيَراهُ حَسَناً فَيُعْجِبهُ وَيَحْسَبُ أنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعاً وَمِنْها أن يؤمن العبد بربه فيمن على الله عز وجل ولله عليه فيه المن» ([1]).

 

 

 

الشرح([2]):

 

 

 

العُجْب: هو عبارة حسب ما ذكره العلماء رضوان الله عليهم عن: «تعظيم العمل الصالح واستكثاره والسرور والابتهاج به، والتغنج والدلال بواسطته، واعتبار الإنسان نفسه غير مقصرٍّ وأما السرور بالعمل مع التواضع والخضوع لله تعالى وشكره على هذا التوفيق وطلب المزيد منه، فإنه ليس بعجب بل هو أمر ممدوح». ينقل المحدّث العظيم مولانا العلامة المجلسي طاب ثراه، عن المحقق الخبير والعالم الكبير الشيخ بهاء الدين العامل رضوان الله عليه([3]) أنه قال: «لا ريب في أن من عمل أعمالا صالحة من صيام الأيام، وقيام الليالي، وأمثال ذلك يحصل لنفسه ابتهاج. فإن كان من حيث كونها عطية من الله له، ونعمة منه تعلى عليه، وكان مع ذلك خائفاً من نقصها شفيقاً من زوالها، طالباً من الله الازدياد منها، لم يكن ذلك الابتهاج عُجباً. وإن كان من حيث كونها صفته وقائمة به ومضافة إليه، فاستعظمها وركن إليها ورأي نفسه خارجا عن حدّ التقصير، وصار كأنّه يمن على الله سبحانه بسببها فذلك هو العُجْب».

 

 

 

أقول، وأنا الفقير: إن تفسير العُجب بالصورة التي ذكروها صحيح، ولكن يجب اعتبار العمل أعم من العمل الباطني والظاهري، القلبي والشكلي، وكذلك أعم من العمل القبيح والعمل الحسن. وذلك لأن العُجب مثلما يدخل على أعمال الجوارح، يدخل أيضا على أعمال الجوانح فيفس دها، وكما أن صاحب الفضيلة الحسنة يعجب بخصالة، كذلك يكون ذو العمل الشنيع أيضا، أي أنه يعجب بخصلة، كما صرّح بهذا، الحديث الشريف خصهما بالذكر لأنهما خافيان عن نظر أغلب الناس. وسيأتي ذكرهما إن شاء الله.

 

 

 

ويجب أن تعلم أيضاً أن السرور الخالي من العُجب والذي اعتبروه من الصفات الممدوحة إنما يلاحظ بحسب نوعه، كما سيأتي بيانه في فصل من الفصول اللاحقة.

 

 

 

واعلم أن للعُجب، كما وردت الإشارة إليه في الحديث الشريف، درجات: الدرجة الأولى: العُجْب بالإيمان والمعارف الحقّة، ويقابله العجب بالكفر والشرك والعقائد الباطلة.

 

 

 

الدرجة الثانية: العُجب بالملكات الفاضلة والصفات الحميدة ويقابله العجب بسيئات الأخلاق وباطل الملكات.

 

 

 

الدرجة الثالثة: العُجب بالأعمال الصالحة والأفعال الحسنة ويقابلها العجب بالأعمال القبيحة والأفعال السيئة.

 

 

 

وهناك درجات أخرى غير ولكنه ليست في هذا المقام. ونحن إن شاء الله سنشير ضمن فصول لاحقة، إلى تلك الدرجات ومنشئها وما يمكن أن يكون علاجا لها. وبه نستعين.

 

 

 

فصل: في مراتب العجب

 

 

 

اعلم([4]) أن لكل واحدة من الدرجات الآنفة الذكر من العجب مراتب يكون بعض هذه المراتب واضحة وبيِّنة ويمكن للإنسان الإطلاع عليها بأقل تنبه والتفاوت. وبعضها الآخر دقيق وخفيّ للغاية بحيث لا يمكن للإنسان أن يدركها ما لم يفتش ويدقّق بصورة صحيحة. كما أن بعض مراتبها أشدّ وأصعب وأكثر تدميراً من بعضها الآخر.

 

 

 

المرتبة الأولى:

 

 

 

وهي أشدّ المراتب وأهلكها، حيث تحصل في الإنسان بسبب شدة العُجْب حالة يمنّ معها في قلبه بإيمانه أو خصاله الحميدة الأخرى على ولي نعمته ومالك الملوك، فيتخيل أن الساحة الإلهية قد اتسعت بسبب إيمانه، أو أن دين الله قد أكتسب رونقاً بذلك أو أنه بترويجه للشريعة أو بإرشاده وهدايته أو بأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أو بإقامته الحدود، أو بمحرابه ومنبره، قد أضفى على دين الله بهاءً جديداً، أو أنه بحضوره جماعة المسلمين، أو بإقامة مجالس التعزية لأبي عبدالله عليه السلام قد أضفى على الدين جلالا، لذلك يمنّ على الله وعلى سيد المظلومين وعلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وإن لم يظهر لأحد هذا المعنى، إلاّ أنه يمنّ في قلبه. ومن هنا ومن هذا الباب بالذات تنشأ المنّة على عباد الله في الأمور الدينية، كأن يمنّ على الضعفاء والفقراء بإعطائهم الصدقات الواجبة والمستحبة ومساعدتهم، وأحيانا تكون هذه المنّة خافية حتى على الإنسان نفسه (وقد تقدم في الحديث الثاني شرح عدم إمكان امتنان الإنسان على الله، وإنا يمنّ الله على الناس جميعا).

 

 

 

المرتبة الثانية:

 

 

 

وهي التي يتدلل فيها الإنسان ويتغنج بواسطة العُجب على الله تعالى وهذه غير المنّة، ولو أن البعض لم يفرّق بينهما.

 

 

 

أن صاحب هذا المقام يرى نفسه محبوبا لله تعالى، ويرى نفسه في سلك المقرَّبين والسابقين، وإذا جيء باسم وليّ من أولياء الله أو جرى حديث عن المحبوبين والمُحبين أو السالك المجذوب، اعتقد في قلبه أنه من أولئك. وقد يبدي التواضع رياء وهو خلاف ذلك، أو أنه لكي يثبت ذلك المقام لنفسه ينفيه

 

 

 

عن نفسه بصورة تستلزم الإثبات.

 

 

 

وإذا ما ابتلاه الله تعالى ببلاء، راح يعلن أن «البَلاءَ لِلْوَلاءِ».

 

 

 

إن مدعي الإرشاد من العرفاء والمتصوفة وأهل السلوك والرياضة أقرب إلى هذا الخطر من سائر الناس.

 

 

 

المرتبة الثالثة:

 

 

 

أن يرى العبد نفسه وبواسطة الإيمان أو الملكات أو الأعمال، دائنا لله وأنه بذلك يكون مستحقا للث واب، ويرى واجباً على الله أن يجعله عزيزاً في هذا العالم، ومن أصحاب المقامات في الآخرة، ويرى نفسه مؤمناً تقياً وطاهراً، وكلما جاء ذكر المؤمنين بالغيب، قال في نفسه: «حتى لو عاملني الله بالعدل، فإني أستحق الثواب والأجر» بل يتعدى بعضهم حدود القبح والوقاحة ويصرّح بهذا الكلام. وإذا ما أصابه بلاء وصادفه ما لا يرغب، فإنه يعترض على الله في قلبه، ويتعجب من أفعال الله العادل، حيث يبتلي المؤمن الطاهر، ويرزق المنافق، ويغضب في باطنه على الله تبارك وتعالى وتقديراته، ولكنه يظهر الرضا في الظاهر، ويصبُّ غضبه على ولي نعمته، ويظهر الرضا بالقضاء أمام الخلق. وعندما يسمع أن الله يبتلي المؤمنين في هذه الدنيا، يسلّي نفسه بذلك في قلبه، ولا يدري بأن المنافقين المبتلين كثيرون أيضاً وليس كل مُبْتَلٍ مؤمناً.

 

 

 

المرتبة الرابعة:

 

 

 

هي أن يرى الإنسان نفسه مُتميزاً عن ائر الناس وأفضل منهم بالإيمان، وعن المؤمنين بكمال الإيمان، وبالأوصاف الحسنة عن غير المتصفين بها، وبالعمل بالواجب وترك المحرَّم عمّا يقابل ذلك، كما أنّه يرى في عمل المستحبات والتزام الجمعة والجماعات والمناسك الأخرى وترك المكروهات يرى نفسه أكمل من عامة الناس، وأن له امتيازاً عليهم، فيثق بنفسه وبأعماله، ويرى سائر الخلق زبداً ناقصين، وينظر إلى سائر الناس بعين الاحتقار، ويطعن بقلبه أو بلسانه في عباد الله ويعيبهم، ويبعد كل شخص بصورة مّا عن ساحة رحمة الله، ويجعل الرحمة خالصة له ولأمثاله.

 

 

 

ومثل هذا الإنسان يصل إلى درجة بحيث يناقش كل عمل صالح يراه من الناس، ويخدشه بقلبه على نحو ما، ويرى أعماله خالصة من ذلك الاعتراض والنقاش ولا يرى الأعمال الحسنة من الناس شيئاً ولكن إذا صدرت هذه الأعمال نفسها عنه يراها عظيمة. إنه يعرف جيدا عيوب الناس وهو غ افل عن عيوبه.

 

 

 

هذه علامات العُجْب، وإن كان الإنسان نفسه قد يكون غافلاً عنها، وللعُجب درجات أخرى، لم أذكر بعضها، وأكون غافلاً عن بعضها الأخر حتماً.

 

 

 

فصل: إن أهل الفساد يُعجبون بفسادهم

 

 

 

يصل أهل الكفر والنفاق والمشركون والملحدون وذوو الأخلاق القبيحة، والملكات الخبيثة وأهل المعصية والعصيان، أحياناً إلى درجة الإعجاب بغرورهم وزندقتهم تلك، أو بسيئات أخلاقهم وموبقات أعمالهم، ويسرّون بها، ويرون بها أنفسهم من ذوي الأرواح الحرة، الخارجة عن التقليد وغير المعقّدة بالأوهام والخرافات، ويرون أنفسهم أولي شهامة ورجولة، ويتصورون أن الإيمان بالله من الأوهام، وأن التعبد بالشرائع من ضعف العقل وصغره، ويرون أن الأخلاق الحسنة والملكات الفاضلة، هي من ضعف النفس والمسكنة، ويحسبون أن الأعمال الحسنة والمناسك والعبادات هي من ضعف الإدراك ونقصان الإحساس، ويرون أن أنفسهم ستحق المدح والثناء، بسبب الروح الحرة التي لا تعتقد بالخرافات ولا تبالي بالشرائع. لقد تأصلت في قلوبهم الخصال القبيحة والسيئة وأصبحوا يأنسون بها، وبها امتلأت أعينهم وآذانهم فرأونا حسنة، وتصوروها كمالاً مثلما وردت الإشارة إلى ذلك في هذا الحديث الشريف حيث قال: «العُجْبُ دَرَجَاتٌ، مِنْهَا أنْ يُزَيّنَ لِلْعَبْدِ سُوءُ عَمَلِهِ فَيَراهُ حَسَنَاً فَيُعْجِبُهُ وَيَحْسَبُ أنَهُ يُحْسِنُ صَنْعَاً» وهذه إشارة إلى قول الله تعالى {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا...} ([5]). وكما يقول {وَيَحْسَبُ أَنَهُ يُحْسِنُ صَنْعاً} يشير إلى قول الله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا}([6]). تلك المجموعة من الناس الذين هم في الواقع جهلة ويحسبون أنفسهم علماء، أولئك هم أكثر الناس مسكنة وأسوأ الخلائق حظّاً، أولئك يعجز أطباء النفوس عن علاجهم ولا تؤثر فيهم الدعوة والنصيحة، بل قد تعطي أحياناً نتيجة عكسية. أولئك لا يعون الدليل بل يسدّون أسماعهم عن هداية الأنبياء عليهم السلام وبرهان الحكماء ومواعظ العلماء.

 

 

 

وعليه فتجب الاستعاذة بالله من شرّ النفس ومكائدها التي تجر الإنسان من المعصية إلى الكفر ومنه إلى العُجْب به. إن النفس والشيطان، بتهوينها بعض المعاصي، يلقيان بالإنسان في المعصية، وبعد تأصيلها في قلبه وتحقيرها في عينه يبتلى الإنسان بمعصية أخرى أكبر قليلاً من الأولى، ومع التكرار تسقط المعصية الثانية من النظر وتبدو صغيرة وهيِّن في عين الإنسان، فيبتلى بما هو أعظم. وهكذا يسير الإنسان نحو الهاوية خطوة فخطوة، وشيئا فشيئا فتصغر كبائر المعاصي في عينه إلى أن تسقط جميع المعاصي في نظرة، فيستهين بالشريعة والقانون الإلهي، ويؤول عمله إلى الكفر والزندقة والإعجاب بهما. وقد يأتي الحديث عن ذلك فيما يأتي.

 

 

 

فصل: في بيان أن حيل الشيطان دقيقة

 

 

 

وعلى غرار ما يتدرج عمل أولي العُجب بالمعاصي من مرتبة إلى أخرى حتى يصل إلى الكفر والزندقة، كذلك يتطور العجب بالطاعات من العجب في الدرجة الناقصة إلى الدرجة الكاملة، فتصبح مكائد النفس والشيطان في القلب على أساس تخطيط ودراسة. إن الشيطان لا يمكن أبدا أن يعهد إليكم، أنتم المتقون الخائفون من الله، مهمة قتل النفس أو الزنا، أو أن يقترح على الشخص الذي يتمتع بالشرف وطهارة النفس، السرقة أو قطع الطريق، فلا يمكن أن يقول لك منذ البداية بأن مُنَّ على الله ب هذه الأعمال أو ضع نفسك في زمرة المحبوبين والمحبين والمقرّبين من

 

 

 

الحضرة الإلهية. وإنما يبدأ الأمر بالخطوة الأولى ثم يشق طريقه في قلوبكم، فيدفعكم نحو الحرص الشديد على التزام المستحبات والأذكار والأوراد. وفي غضون ذلك يزين أمامكم بما يناسب حالكم، عملا واحدا من أهل المعصية، ويوحي لكم بأنكم بحكم الشرع والعقل أفضل من هذا الشخص، وأن أعمالكم موجبة لنجاتكم، وأنكم بحمد الله طاهرون بعيدون عن المعاصي ومبرءون منها، فيتحصل من هذه الإيحاءات نتيجتين: الأولى: هي سوء الظن بعباد الله، والأخرى: العُجب بالنفس. وكلاهما من المهلكات ومن معين المفاسد.

 

 

 

قولوا للشيطان والنفس: قد تكون لهذا الشخص المبتلي بالمعصية، حسنات، أو أعمال أخرى فيشمله الله تعالى بها بوافر رحمته، ويجعل نور تلك الحسنات والأعمال مناراً يهديه فيؤول عمله إلى حسن العاقبة. ولعل الله قد ابتلى هذا لشخص بالمعصية لكي لا يبتلى بالعُجب، الذي يعدّ أسوأ من المعصية. مثلما ورد في الحديث الشريف المنقول في الكافي، عن أبي عبدالله، قال: «إِنَّ اللهَ عَلِمَ أن الذنب خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ العُجبِ ولولا ذلكَ ما ابْتَلى مؤمِناً بِذَنْبٍ أَبداً» ([7]) ولعل عملي أنا يؤول إلى سوء العاقبة بسبب سوء الظن هذا. وكان شيخنا الجليل العارف الكامل الشاه آبادي «روحي فداه» يقول:

 

 

 

«لا تعيبوا على أحد، حتى في قلوبكم، وإن كان كافرا، فلعل نور فطرته يهديه، ويقودكم تقبيحكم ولومكم هذا إلى سوء العاقبة إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير التعبير القلبي» بل كان يقول: «لا تلعنوا الكفار الذين لا يعلم بأنهم رحلوا عن هذا العالم وهم حال في حال الكفر، فلعلهم اهتدوا في أثناء الرحيل فتصبح روحانيتهم مانعا لرقيكم». وعلى أي حال، فإن النفس والشيطان، يدخلانكم في المرحلة الأولى من العُجب وقليلا قليلا ينقلانكم من هذه المرحلة إلى مرحلة أخرى، ومن هذه الدرجة إلى درجة أكبر إلى أن يصلا بالإنسان في النهاية إلى المقام الذي يمنُّ فيه على ولي نعمته ومالك الملوك، بإيمانه أو أعماله ويصل عمله إلى أسفل الدرجات.

 

 

 

فصل: في مفاسد العُجْب

 

 

 

اعلم أن العجب بنفسه من المهلكات والموبقات ومما يحبط إيمان الإنسان وأعماله ويفسدها، كما يجيب الإمام عليه السلام الراوي عندما يسأله في هذا الحديث الشريف عن العُجْب الذي يفسد العمل فيحدد عليه السلام أن درجة منه هي العجب في الإيمان. وقد سمعت في الحديث السابق أن العجب أشد من الذنب في حضرة الله تعالى. ولهذا قد يبتلي الله سبحانه المؤمن بالمعصية لكي يصبح آمنا من العجب. وكذلك الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يعتبر العجب من المهلكات.

 

 

 

وفي أمالي الصوق، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «مَنْ دَخَلَهُ العُجْب هَلَكَ» ([8]) وصورة هذا السرو ـ الحاصل من العجب ـ في البرزخ وما بعد الموت، تكون موحشة ومرعبة جدا، ولا نظير لها في الهول. وأوضح ما يشير إلى ذلك قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في وصيته لأمير المؤمنين عليه السلام: «ولا وَحْدَةَ أَوْحَشَ من العُجْبِ» ([9]). سأل موسى ين عمران على نبينا وآله وعليه السلام الشيطان: «أَخْبَرْنِي بِالْذَّنْبِ الَّذي إِذَا ارتَكَبَهُ ابنُ آدَمِ إِسْتَحْوَذتَ عَلَيه، قال: إِذا أَعْجَبَتْهُ نَفْسُه، واسْتكْثَر عَمَلَهُ، وَصَغُر فِي عَيْنِه ذَنْبُه» ([10]). وقال: قال الله تعالى لداود عليه السلام: «يا داودَ بَشِّرِ المُذْنِبينَ وأُنْذِرِ الصِّدّيقِينَ» قال: يا ربّ كَيْفَ أُبَشِّر المُذْنِبينَ وأُنْذِر الصِّدِّيقين؟ قال: «يا داود بَشِّر المُذْنبينَ أَنِي أَقْبَلُ التّوْبَةَ وأَعْفُو عَنِ الذَّنب. وأُنْذِرِ الصِّدِّيقينَ أَلاّ يُعْجِبُوا بِأَعْمالِهِمْ، فَإِنهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَنْصِبُهِ لِلْحِسابِ إِلاّ هَلَكَ» ([11]) أعوذ بالله تعالى من المناقشة في الحساب التي تهلك الصديقين ومن هو أعظم منهم.

 

 

 

ينقل الشيخ الصدوق في الخصال مسندا إلى الإمام الصادق أن الشيطان يقول: «إذا ظَفَرْتُ بِابنِ آدَمَ فِي ثَلاثٍ فَلا يُهِمّنِي عَمَلَهُ بَعْدَ ذلِكَ لأنَّه لَنْ يُقْبَلَ مِنهُ: إِذا اسْتَكْثَرَ عَمَلَهُ، وَنَسِيَ ذَنْبَهُ، وَتَسَرَّبَ إِلَيهِ العُجْبُ» !([12]).

 

 

 

يضاف على ما سمعت من مفاسد العجب، نه شجرة خبيثة، نتاجها الكثير من الكبائر والموبقات. فعندما يتأصل العجب في القلب، يجرّ عمل الإنسان إلى الكفر والشرك وإلى ما هو أعظم من ذلك.

 

 

 

ومن مفاسده استصغار المعاصي. بل إن ذا العجب لا ينهض لإصلاح نفسه ويظن أن نفسه زكية طاهرة، فلا يخطر على باله أبدا أن يطهرها من المعاصي، لأن ستار الإعجاب بالنفس وحجابه الغليظ يحول بينه وبين أن يرى معايب نفسه. وهذه مصيبة، إذ أنها تحجز الإنسان عن جميع الكمالات، وتبتليه بأنواع النواقص، وتؤدي بعمل الإنسان إلى الهلاك الأبدي، ويعجز أطباء النفوس عن علاجه...

 

 

 

ومن مفاسده الأخرى أنها تجعل الإنسان يعتمد على نفسه في أعماله، وهذا ما يصبح سببا في أن يحسب الإنسان الجاهل المسكين نفسه في غنى عن الحق تعالى، ولا يرى عليه فضل الحق تعالى، ويرى ـ بحسب عقله الصغير ـ أن الحق تعالى ملزم بأن يعطيه الأجر والثواب، ويتوهم أنه حتى لو عومل بالعدل أيض ا لاستحق الثواب، وسيأتي فيما بعد ذكر هذا الأمر إن شاء الله.

 

 

 

ومن مفاسد العجب الأخرى، أن ينظر الإنسان باحتقار إلى عباد الله، ويحسب أعمال الناس لا شيء وإن كانت أفضل من أعماله، فتكو ن هذه النظرة وسيلة لهلاك الإنسان أيضاً، وشوكة في طريق خلاصه ونجاته.

 

 

 

ومن مفاسده الأخرى، أنه يدفع الإنسان إلى الرياء، لأن الإنسان بصورة عامة إذا استصغر أعماله ـ وجدها لا شيء ـ ووجد أخلاقه فاسدة، وإيمانه لا يستحق الذكر، وعندما لا يكون معجبا بنفسه ولا بصفاته ولا بأعماله، بل وجد نفسه وجميع ما يصدر عنها سيئاً وقبيحاً، لا يطرحها ولا يتظاهر بها، فإن البضاعة الفاسدة تكون سيئة وغير صالحة للعرض. ولكنه إذا رأى نفسه كاملا وأعماله جيدة، فإنه يندفع إلى التظاهر والرياء، ويعرض نفسه على الناس.

 

 

 

يجب اعتبار مفاسد الرياء المذكورة في الحديث الثاني من مفاسد العجب أيضا.

 

 

 

وهناك مفسدة أخرى هي أن ذه الرذيلة تؤدي إلى رذيلة الكبر المهلكة، وتبعث على ابتلاء الإنسان بمعصية التكبر ـ وسيأتي إن شاء الله ذكر الحديث عنها فيما بعد ـ.

 

 

 

تنشأ من هذه الرذيلة مفاسد أخرى أيضا بصورة مباشرة وغير مباشرة وشرح ذلك يوجب التفصيل. فليعلم المعجب أن هذه الرذيلة هي بذرة رذائل أخرى، ومنشأ لأمور بشكل كل واحد منها سببا للهلاك الأيدي والخلود في العذاب. فإذا عرف هذه المفاسد بصورة صحيحة ولاحظها بدقة، ورجع إلى الأخبار والآثار الواردة بشأنها عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت ذلك القائد صلوات الله عليهم أجمعين، فمن المحتم أن يعتبر الإنسان نفسه ملزما بالنهوض لإصلاح النفس، وتطهيرها من هذه الرذيلة واستئصال جذورها من باطن النفس، لئلا ينتقل لا سمح الله إلى العالم الآخر وهو بهذه الصفة، وإنه حينما يغمض عينيه المادية الملكوتية، ويشرق عليه سلطان البرزخ والقيامة، يرى أن حال أهل كبائر المعاصي أفضل من حاله حيث غمرهم الله برحمته الواسعة بسبب ندمهم أو بسبب ما كان لديهم من رجاء بفضل الله تعالى. وأما هذا المسكين الذي رأى نفسه مستقلا، وحسبها في باطن ذاته غنية عن فضل الله، فيرى بأن الله تعالى حاسبه لذلك حسابا عسيرا، وأخضعه لميزان العدل كما أراد، وأفهمه بأنه لم يقم بأية عبادة لله تعالى، وأن جميع عباداته أبعدته عن الساحة المقدسة، وأن كل أعماله وإيمانه باطل وتافه. بل وأن تلك الأعمال والعبادات نفسها هي سبب الهلاك وبذرة العذاب الأليم ورأس مال الخلود في الجحيم. الويل لمن يعامله الباري تعالى بعدله، فإذا ما عومل الناس مثل هذا التعامل ما نجا أحد من الأولين والآخرين. إن مناجاة صفوة الله ـ من الأنبياء والأئمة المعصومين صلوات الله عليهم ـ مشحونة بالاعتراف بالتقصير والعجز عن القيام بالعبودية. وعندما يعلن رسول الله محمد صلى الله عليه

 

 

 

وآله وسلم أفضل الكائنات وأقربها إلى الله قائلا: «مَا عَرَفناكَ حقَّ معْرِفَتِكَ وما عَبَدْناكَ حقَّ عِبادَتِكَ» فماذا سيكون حال سائر الناس؟.. نعم إنهم العارفون بعظمة الله تعالى، العالمون بحقيقة نسبة «الممكن» إلى «الواجب» إنهم يعلمون، أنهم لو قضوا جميع أعمارهم في الدنيا بالعبادة والطاعة والتحميد والتسبيح، لما أدّوا شكر نعم الله، فكيف يمكن أداء حق الثناء على ذاته وصفاته المقدسة؟، إنهم يعلمون أن ليس لموجود شيء. فالحياة والقدرة والعلم والقوة وسائر الكمالات الأخرى هي ملك لكماله تعالى، و«الممكن» فقير، بل فقر محض يستطل بظله تعالى، وليس بمستقل بذاته. أيّ كمالٍ يملكه «الممكن» بنفسه لكي يتظاهر بالكمال؟، وأية قدرة يمتلكها لكي يتاجر بها؟ أولئك العارفون بالله وبجماله وجلاله شاهدوا شهود عيان نقصهم وعجزهم وشاهدوا كمال «الواجب» تعالى، وإنما نحن المساكين الذين قد ران حجاب الجهل والغفلة والعجب والمعاصي على قلوبنا وقوالبنا وغشى أبصارنا وأسماعنا وعقولنا وكافة قوانا المدركة بحيث أخذنا نستعرض عضلاتنا في مقابل قدرة الله القاهرة، ونعتقد أن لنا استقلالاً وشيئية بذواتنا.

 

 

 

أيها «الممكن» المسكين الجاهل بنفسك وبعلاقتك بالله!، أيها «الممكن» السيّئ الحظ الغافل عن واجباتك إزاء مالك الملوك! إن هذا الجهل هو سبب جميع ما يلحقك من سوء التوفيق، وهو الذي ابتلانا بجميع هذه الظلمات والمكدّرات. أن الفساد قد ينشأ من الأساس، وأن تلوّث الماء قد يكون من المعين. إن عيون معارفنا عمياء، وقلوبنا ميته، وهذا سبب جميع المصائب ولكننا مع كل ذلك لسنا حتى بصدد إصلاح أنفسنا!.

 

 

 

اللهم تفضل علينا بتوفيق التوبة، وعرفنا أنت بواجباتنا، وتفضل علينا بنصيب من أنوار معارفك التي ملأت بها قلوب العرفاء والأولياء، أظهر لنا إحاطة قدرتك وسلطتك، وعرفنا بنواقصنا. فهّمْنا نحن الماكين الغافلين الذين ننسب جميع المحامد إلى الخلق فَهّمنا معنى «الحمدُ لله رّبِّ العالَمِينَ» عرّف قلوبنا بأن ليست هناك محمدة من مخلوق. أظهر لنا حقيقة {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ...}([13]). أدخل كلمة التوحيد إلى قلوبنا القاسية الكدرة، نحن أهل الحجاب والظلمة، وأهل الشرك والنفاق، نحن الأنانيون، عبّاد النفس، المعجبون بها، أخرج من قلوبنا حب النفس وحب الدنيا، واجعلنا عشّاقاً لله وعبّاداً لك {إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِير}.

 

 

 

فصل: في بيان أن حُبّ النفس أساس العُجْب

 

 

 

اعلم أن رذيلة العُجب تنشأ من حب النفس، لأن الإنسان مفطور على حب الذات، فيكون أساس جميع الأخطاء والمعاصي الإنسانية والرذائل الأخلاقية، حب النفس. ولهذا فإن الإنسان يرى أعماله الصغيرة كبيرة، وبذلك يرى نفسه من الصالحين ومن خاصة الله ويرى نفسه مستحقاً للثناء ومستوجباً للمدح على تلك الأعمال الحقيرة التافهة. بل ويحدث أحياناً أن تلوح لنظرة قبائح أعماله حسنة وإذا ما رأى من غيره أعمالا أفضل وأعظم من أعماله فلا يعيرها أهمية، ويصف أعمال الناس الصالحة بالقبح، وأعماله السيئة القبيحة بالحسنة. يسيء الظن بخلق الله ولكنه يحسن الظن بنفسه، وبسبب حبه لنفسه يرى بعمله الصغير الممزوج بآلاف القذارات المبعدة عن الله، أن الله مدين له وأنه يستوجب منه الرحمة.

 

 

 

فلنفكر الآن قليلا في أعمالنا الصالحة ولنحكِّم العقل قليلا في الأفعال العبادية الصادرة عنّا، ولننظر إليها بعين الإنصاف، لنرى هل أننا نستحق بها المدح والثناء والثواب والرحمة، أو أننا جديرون باللوم والعتاب والغضب والنقمة؟ وإذا ما أحرقنا الله بسبب هذه الأعمال، التي نراها حسنة، بنار القهر والغضب ألا يكون ذلك عدلاً؟...

 

 

 

إني أحكّمكم في هذا السؤال الذي أطرحه، أريد منكم الجواب عليه بإنصاف ـ بعد إعمال الفكر والتأمل ـ. والسؤال هو أنه إذا أخبركم الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله وسلم، وهو الصادق المصدق، إنكم إذا عبدتم الله طوال عمركم وأطعتم أوامره وتركتم شهوات النفس ورغباتها، أو تركتم عبادته وعملتم على خلاف توجيهاته سبحانه وتعالى وعلى أساس رغبات النفس وشهواتها طيلة حياتكم، إذا أخبركم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنكم سيّان ـ في كلتا الحالتين ـ لن تختلف درجاتكم في الآخرة إنكم على كل حال الناجون وستذهبون إلى الجنة وتأمنون من العذاب، فلا فرق ـ حسب الفرض ـ بين أن تصلوا أو تزنوا، ولكن مع ذلك يكون رضا الله تعالى في عبادته والثناء عليه وحمده، والابتعاد عن الشهوات والرغبات النفسانية في هذا العالم، مع عدم الإثابة على الطاعة. فهل كنتم تصبحون من أهل المعصية أو من أهل العبادة؟ هل كنتم تتركون الشهوات وتحرمون على أنفسكم اللذات النفسانية من أجل رضا الله تعالى والرغبة فيه، أو لا؟ هل كنتم باقين من المتوسلين إليه تعالى بالمستحبات والجمعة والجماعات؟ أو كنتم تغرقون في الشهوات وتلازمون اللهو واللعب والملاهي وغير ذلك؟ أجيبوا بإنصاف ودون تظاهر ورياء. إنني أعلن عن نفسي وعمن هو على شاكلتي بأنّا كنّا نصبح من أهل المعصية ونترك الطاعات ونعمل بالشهوات النفسانية.

 

 

 

وبعد ما تقدم نستنتج أن جميع أعمالنا هي من أجل اللذات النفسانية ومن أجل الاهتمام بالبطن والفرج. إننا عُبّاد للبطن وعُبّاد للشهوة، ونترك لذة صغيرة، للذة أعظم وإن وجهة أنظارنا وقبلة آمالنا هي فتح بساط الشهوة. إن الصلاة التي هي معراج القرب إلى الله نؤديها قربة لنساء الجنة ولا علاقة لها بالقرب إلى الله، ولا علاقة لها بطاعة الأمر، وهي بعيدة آلاف الفراسخ عن رضا الله.

 

 

 

أيها المسكين الغافل عن المعارف الإلهية، يا من لا تهم سوى إرادة شهوتك وغضبك، أنت المتوسل بالأذكار والأوراد والمستحبات والواجبات، والتارك للمكروهات والمحرّمات والمتخلق بالأخلاق الحسنة، والمتجنب لسيئات الأخلاق، ضع أعمالك أمام عين الإنصاف، أتقوم بها لأجل الوصول إلى الشهوات النفسانية والجلوس على سرر مطعّمة بالزبرجد، ومعانقة الضحوكات والدعوبات في الجنة، ارتداء الحرير والإستبرق، والسكنى في القصور الفارهة الجميلة، والوصول إلى الأماني النفسية؟ أفينبغي أن تمن بهذه الأعمال على الله وهي جميعا لأجل النفس ومن أجل عبادتها، وتعدّها عبادة لله؟ هل يختلف حالكم عن ذلك الأجير الذي ينجز عملا من أجل الأجر، ثم يقول: إنني أنجزت ذلك العمل لأجل صاحب العمل فحسب؟ أفلا تكذبوه؟

 

 

 

ألستم كاذبين حينما تقولون: إننا نصلّي تقرباً إلى الله تعالى؟ ألأجل التقرب

 

 

 

إلى الله هذه الصلاة أو لأجل التقرب لنساء الجنة وإشباع الشهوة؟ أقولها صراحة، إن جميع عباداتنا هذه لهي من كبائر الذنوب عند العرفاء بالله وأولياء الله.

 

 

 

أيها المسكين! أنت في حضرة الله جلّ جلاله، وفي محضر الملائكة المقربين، تعمل خلاف رضا الله تعالى، والعبادة التي هي معراج القرب من الله، تؤديها لأجل النفس الأمّارة بالسوء ولأجل الشيطان، وعندها لا تستحي أن تكذب في العبادة عدة أكاذيب في حضرة الربّ والملائكة المقربين وتفتري عدة افتراءات، وتمنّ وتعجب وتتدلل أيضا، ولا تخجل بعد كل ذلك! بماذا تختلف عبادتي هذه وعبادتك عن معصية أهل العصيان، وأشدها الرياء؟ فالرياء شرك وقبحه ناشئ من أنك لم تؤد العبادة لأجل الله. جميع عباداتنا شرك محض ولا أثر فيها للخلوص والإخلاص، بل حتى أن رضا الله لا يشترك في الدافع إلى إنجاز هذه العبادة فهي لأجل الشهوات وإعمار البطن والفرج فحسب.

 

 

 

أيها العزيز، إن الصلاة التي تكون لأجل المرأة، سواء أكانت في الدنيا أم في الجة، لا تكون لله، الصلاة التي تكون من أجل الحصول على أمال الدنيا أو آمال الآخرة، لا علاقة لها بالله فلماذا إذاً تتدلل إلى هذا الحد، وتنظر إلى عباد الله بعين الاحتقار، وتحسب نفسك من خواص الله تعالى؟ أيها المسكين! أنت بهذه الصلاة مستحق للعذاب ومستوجب لسلسلة طولها سبعون ذراعا. فلماذا إذاً تحسب نفسك دائناً لله، وتهيأ لنفسك بهذا التدلل والعُجْب عذابا آخر؟ أعمل الأعمال التي أُمرت بها، واعلم أنها ليست لأجل الله، واعلم أن الله يدخلك الجنة بتفضله وترحمه، وأن الله تعالى خفف عن عباده لضعفهم بالتجاوز عن نوع من الشرك وأسدل عليه بغفرانه ورحمته حجاب ستره، فحاذر أن يتمزق هذا الحجاب وليبق حجاب غفران الله على هذه السيئات التي أسميناها عبادة. فإذا حدث لا سمح الله أن انطوت صفحتك هذه ورحلت من هذه الدنيا وجاءت صفحة العدل فإن عفونة عبادتنا عندئذ لن تقل عن عفونة المعاصي وال موبقات التي يرتكبها أهل المعصية. وقد أشرنا فيما مضى إلى حديث ينقله ثقة الإسلام الكليني في كتاب (الكافي) بسنده إلى الإمام الصادق عليه السلام، وهنا ننقل قسماً من هذا الحديث بنصه تبركاً وتيمناً: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال الله عزّ وجلّ لداود عليه السلام: {يا داودُ بَشِّر المُذْنِبينَ وَأَنْذِرِ الصِّدِّيقينَ. قال: كَيْفَ أُبَشِّرُ المُذْنِبينَ وَأُنْذِرُ الصِّدِّيقينَ؟ قال يا داوُدُ بَشِّرِ المُذْنِبينَ أنّي أَقْبَلُ التَّوْبَةَ وَأَعْفُو عَنِ الذَّنْب وَأَنْذِرِ الصِّدّيقينَ أَنْ لا يُعْجِبُوا بِأَعْمالِهِم فَإِنّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَنْصِبُهُ لِلْحِسابِ إلاّ هَلَكَ}([14]). لأنه مستحق للعذاب وفق العدالة فإن ثواب عبادات العبد لا تعادل شكر واحد من نعمائه.

 

 

 

فإذا علمت الصديقين، على الرغم من أنهم مُطهَّرون من الذنب والمعصية، جميعاً هالكون في الحساب، فماذا نقول أنا وأنتم؟... هذا كله عندما تكون أعمالي وأعمالكم خالصة من الرياء الدنيوي ومن الموبقات والمحرمات وقلما يحصل لنا خلوص عمل من الرياء والنفاق.

 

 

 

وعليه إذا استدعى العمل العُجب والتدلل والتغنج، فافعل. وإذا أستدعى الخجل والتذلل والاعتراف بالتقصير فيجب عليك بعد كل عبادة أن تنوب من تلك الأكاذيب التي قلتها في حضرة الله تعالى، ومما نسبته إلى نفسك دون دليل. ألا ترى أن عليك أن تنوب من قولك وأنت تقف أمام الله قبل الدخول في الصلاة: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ}([15])، {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}([16]). فهل وجوهكم متوجهة إلى فاط ر السماوات والأرض؟ هل أنتم مسلمون وخالصون من الشرك؟ هل صلاتكم وعبادتكم وحياتكم ومماتكم لله؟ ألا يبعث على الخجل ـ بعد هذا ـ أن تقولوا في الصلاة [الحمدُ لله رَبِّ العالمين]؟ فهل حقا تقرّون بأن المحامد كلها لله؟، في حين أنك تقرّون بالحمد لعبادة، بل ولأعدائه؟، أليس قولكم [ربّ العالمين] يكون كذبا لأنكم تقرون في الوقت نفسه بالربوبية لغيره تعالى في هذا العالم، أفلا يحتاج ذلك إلى التوبة والخجل؟. وحينما تقول {إيّاك نَعْبُدُ وإيّاك نَسْتَعينُ} فهل تراك تعبد الله أم تعبد بطنك وفرجك؟ هل أنت تطلب الله أو الحور العين؟ هل تطلب العون من الله فقط؟ إن الشيء الذي لا يأخذ بعين الاعتبار في الأعمال هو الله، وأنت إذا ذهبت إلى زيارة بيت الله، فهل أن مقصدك ومقصودك هو الله، وأن مطلبك ومطلوبك هو صاحب البيت؟ وهل قلبك مترنم بقول الشاعر:

 

 

 

وما حُبُّ الديار شغفنَ قَلبي *** ولن حُبُّ من سكنَ الديارا

 

 

 

أباحثٌ أنت عن الله؟ أتطلب آثار جمال الله وجلاله؟ ألأجل سيد المظلومين تقيم العزاء؟ ألأجله عليه السلام تلطم على رأسك وصدرك أم لأجل الوصول إلى آمالك وأمانيك؟ أهي بطنك التي تدفعك لإقامة مجالس العزاء، وشهوة الظهور هي التي تدفعك للذهاب إلى صلاة الجماعة، وهوى النفس هو الذي يجرك للمناسك والعبادة؟.

 

 

 

فيا أيها الأخ، كن حذرا تجاه مكائد النفس والشيطان، وأعلم أنه لن يدعك أيها المسكين بأن تؤدي عملا واحدا بإخلاص، وحتى هذه الأعمال غير الخالصة التي تقبّلها الله تعالى منك بفضله، لا يدعك ـ الشيطان ـ أن تصل بها إلى الهدف فيعمل عملاً تحبط به أعمالك كلها، وتخسر حتى هذا النفع بسبب هذا العجب والتدلل في غير موقعه. وبغض النظر عن بُعد الوصول إلى الله ورضاه، فإنك لن تصل إلى الجنة ولا إلى الحور العين، بل تخلد في العذاب وتعذب بنار الغضب كذلك.

 

 

 

أنت تظن أنك ب هذه الأعمال المتفسخة المتعفنة الهزيلة الممزوجة بالرياء وطلب السمعة وألف مصيبة أخرى التي تحول دون قبول العبادات كلها، تظن إنك بها تستحق الأجر مَن الحق تعالى أو أنك أصبحت بها من المحبين والمحبوبين. أيها المسكين الجاهل بأحوال! يا سيئ الحظ الذي لم يطلع على قلوب المحبين، وعلى لهب شوقها تجاه الحق سبحانه، أيها المسكين الغافل عن حرقة المخلصين ونور أعمالهم! أو تظن أن أعمالهم أيضا مثل أعمالي وأعمالك؟ أوَ تتوهم أن ميزة صلاة أمير المؤمنين عليه السلام عن صلاتنا أنه عليه السلام كان يمدّ «الضالّين» أكثر أو أن قراءته أصحّ أو أن سجوده أطول وأذكاره وأوراده أكثر؟ أو أن ميزة ذلك الرجل العظيم في أنه كان يصلّي عدة مئات من الركعات ليلياً؟ أو تظن أن مناجاة سيد الساجدين علي بن الحسين هي مثل مناجاتي ومناجاتك؟ وإنه كان

 

 

 

يتحرق ويتضرع بتلك الصورة من أجل الحور العين والكمثرىوالرمان من نعم الجنة؟.

 

 

 

أقسم به صلوات الله وسلامة عليه {وإِنَّهُ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ} لو أن المحبين كان بعضهم ظهيرا للبعض الآخر، وأرادوا أن يتفوهوا بكلمة (لا إله إلا اللهَ) مرة واحدة بمثل ما كان يقولها أمير المؤمنين عليه السلام لما استطاعوا. فكم أكون تعيساً وشقيا أن لا أكون على خطى علي عليه السلام وأنا من العار فين لمقام ولاية علي عليه السلام؟.

 

 

 

أقسم بمقام علي بن أبي طالب عليه السلام، لو أن الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين ـ عدا الرسول الخاتم الذي يكون مولى علي وغيره ـ أرادوا أن يكبروا مرة واحدة، تكبيرا على غرار ما كان يكبر علي عليه السلام، لما استطاعوا. وأما الوقوف على قلوبهم فلا يعرف أحد شيئا إلا حملة تلك القلوب وأصحابها!.

 

 

 

فيا أيها العزيز! لا تتباهى بقربك من الله ولا تبالغ في حبك له، أيها العارف، أيها الصوفي، أيها الحكيم، أيها المجاهد، أيها المرت اض، أيها الفقيه، أيها المؤمن، أيها المقدس، أيها المساكين المبتلون يا سيئي الحظ المغلوبين بمكائد النفس وهواها، أيها المساكين المبتلون بالآمال والأماني وحب النفس، كلكم مساكين، كلكم بعيدون فراسخ عن الإخلاص وعبادة الله، لا تحسنوا الظنّ بأنفسكم إلى هذا الحد، لا تتغنجوا ولا تتدللوا. اسألوا قلوبكم: هل تبحث عن الله، أم تريد ذاتها؟ هل هي موحدة وتطلب الواحد أم مشركة وتعبد أثنين؟ فماذا يعني إذاً كل هذا العُجب؟ ماذا يعني إذاً التعالي بالعمل إلى الحد؟ وهو إذا صحّت جميع أجزائه وشروطه وخلا من الرياء والشرك والعُجْب وباقي المفسدات، فهدفه الوصول إلى إشباع شهوات البطن والفرج، فما قيمته كي تنقله الملائكة؟ هذه الأعمال من القبائح والفجائع، وينبغي للإنسان أن يخجل منها ويسترها...

 

 

 

إلهي... بك نعوذ نحن المساكين من شر الشياطين والنفس الأمارة بالسوء، اللهم فاحفظنا من مكائدهم بحق محمد وآله.

 

 

 

____________________________

 

 

 

 ([1]) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب العجب، ح 3.

 

 

 

([2]) الوسائل في مقصد العبادات، باب تحريم الإعجاب بالنفس، ويقول العلامة المجلسي، " من الممكن أن يكون (أبو الحسن) المذكور في هذا الحديث الشريف هو الإمام الرضا عليه السلام لأن علي بن سويد يروي عنهما كليهما (عليهما السلام) الإمام موسى بن جعفر والإمام الرضا وإن يروي عن الكاظم عليه السلام أكثر من روايته عن الإمام الرضا عليه السلام. عفى الله عنه ".

 

 

 

([3]) نقلاً عن بحار الأنوار، المجلد 72، ص306.

 

 

 

([4]) في هذا الفصل نشرح العُجب في الخصال الحسنة، وسنشرح في بعض الفصول القادمة، العُجب بالخصال التي تقابل الصفات الحسنة. أيضا (منه عفى عنه).

 

 

 

([5]) سورة فاطر، آية: 8.

 

 

 

([6]) الكهف: 103 ـ 105.

 

 

 

([7]) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب العجب، ح 1 ص 212.

 

 

 

([8]) وسائل الشيعة، المجلد الأول، الباب 3 من أبواب مقدمة العبادات ح 18.

 

 

 

([9]) وسائل الشيعة، المجلد الأول، الباب 23 من أبواب مقدمة العبادات ح 8.

 

 

 

 ([10]) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان، باب العجب، ح 8.

 

 

 

([11]) خصال الصدوق، باب الثلاثة، ح 86.

 

 

 

([12]) خصال الصدوق، باب الثلاثة، ح 86.

 

 

 

([13]) النساء، آية: 79.

 

 

 

([14]) الكافي، المجلد الثاني، باب العجب، ح1 ص 314.

 

 

 

([15]) سورة الأنعام، الىية: 79، الآية: 162.

 

 

 

([16]) سورة الأنعام، الىية: 79، الآية: 162.

 

 

 

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©