الخميس ٣٠ / مارس / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » الإمام الخمينيِ قدوة »

الفصل الثالث: رباطة الجأش والسماحة عند الإمام

12 مايو 2012 | في الفئة: الإمام الخمينيِ قدوة | لا توجد تعليقات | الزیارات: 78

سماحة الشيخ فرقاني

 

 

 

 سماحة الإمام من سماحة الإسلام

 

 

 

اعتاد الإمام أن يذهب لإلقاء الدرس في الساعة العاشرة والربع من صباح كل يوم، وكنت أتبعه مسرعاً، لكي أكون بمعيّته، وكنت أخرج ـ أحياناً ـ بعده، لأنه كان يذهب بمفرده إلى حلقة الدرس، ولم يكن يخبرني ـ أغلب الأحيان ـ عندما كان يخرج.

 

 

 

وفي أحد الأيام، وبينما كنت مسرعاً للحاق بالإمام وجدت شيخاً كهلاً من أهالي مازندران، كان معروفاً بحقده وعدائه، وغالباً ما كان يحرض الطلبة على عدم الحضور في درس الإمام، شاهدته يقبّل باب منزل الإمام، وينحني فيقبل العتبة! فلم استسغ ذلك منه وأبديت استغرابي من فعله، فالتفت إليَّ قائلاً: "الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله". فقلت ما الذي حدث؟! فلم يجبني، ولكنه سألني: هل تذهب إلى الدرس؟ وهل يأتي الإمام إلى المسجد؟ فأجبته: نعم. قال لي: سأرافقك إلى المسجد.

 

 

 

عجبت من أمر الرجل، فإنه لم يك يحضر الدرس مطلقاً، ولم يكن يدع ابنه يقترب إلى الإمام لتقبيل يده، وخرج الإمام، وانسحب الرجل متوارياً عن نظرنا من زقاق جانبي ـ لشدة خجله ـ، وذهبت مع الإمام إلى المسجد. وكنت قد نسيت كتاب الدرس فاضطررت إلى أن أجلس عند المنبر وعلى مقربة من باب المسجد.

 

 

 

وجاء الشيخ المازندراني، فجلس إلى جانبي، وقال لي: إنك تعلم بتأثير بطانة السوء عليّ، وقد سمعت الكثير من المغرضين يقولون: إن الإمام يقرأ الصحف والجرائد، وأضاف الشيخ قائلاً: في إحدى الليالي رأيت في عالم الأحلام أني في حرم أمير المؤمنين (ع)، ورأيت مجموعة من الأشخاص ذوي مهابة وجلال، وقد جلسوا مصطفين متقاربين. كانوا اثني عشر، وقيل لي أن الثاني عشر المهدي (عج) الذي كان يسطع منه النور في غاية الحسن والجمال، كان يجلس في آخر الصف. وبعد ذلك شاهدت العلماء من السلف الماضي بدأوا يخرجون من مقبرة المقدس الأردبيلي واحداً إثر واحد، وحدّقت بهم لعلي أتعّرف أحداً منهم، إلى أن جاء دور أحدهم فعرفته واسمه الشيخ شلال، وكان شيخاً عربياً، ولقد فرحت وأردت مقابلته، ورمت أن أتحرك فلم أستطع، وكأن رجليّ قد التصقتا بالأرض، وعندما كان العلماء يقدمون احتراماتهم لهؤلاء الجالسين يستقبلهم الإمام أمير المؤمنين (ع) مع واحد أو اثنين منهم من على جانبيه، ويكون الباقون منهم مشغولين في حديث دائر فيما بينهم. وفي بعض الأحيان يقوم سبعة أو ثمانية منهم لاستقبال الوافدين عليهم من أولئك العلماء.

 

 

 

وأضاف الشيخ: وفي هذه الأثناء رأيت السيد الخميني يصل إلى الحرم، وكنت أنت خلفه، ويخلع حذاءه، ولما دخل رأيت أن هؤلاء الاثني عشر عندما رأوه قاموا إليه جميعاً، ثم عادوا إلى مجالسهم إلاّ الثاني عشر، فإنه تقدم نحوه وناداه: روح الله، فطوى السيد الخميني عباءته وأجابه: نعم سيدي، فقال له: تعال، فتوجه إليه بسرعة، وعندما وصل إلى محاذاته، رأيت أن الإمام المهدي (عج) أطول من السيد الخميني، وقد كانت أذنه تقابل فم إمام الزمان وقال له: ربع ساعة. فأجابه: على عيني.. الشيء الكذائي سأكمله.. سأكمله إن شاء الله.. واستمر حديث الإمام (عج) في إذن روح الله ـ وبسرعة فائقة ـ ربع ساعة كاملة، وبعد تمامها ابتعد عنه بمسافة متر أو مترين، ورجع للجلوس في مكانه. ورفع السيد الخميني يده كمن يرفعها للتحية، فرد الأحد عشر الجالسون على تحيته وتراجع السيد الخميني خطوات إلى الخلف دون أن يوليهم ظهره، ولم يذهب نحو الضريح.

 

 

 

ويضيف الشيخ: فقلت لِمَ لم يذهب السيد الخميني إلى الضريح للزيارة؟! فقيل لي: إن أمير المؤمنين (ع) جالس هنا فلم يذهب إلى هناك؟! وتوجه السيد بعد ذلك نحو محل وضع الأحذية (الكيشوانية) وقدمت له حذاءه، وخرج من باب الصحن مسرعاً.

 

 

 

وانتبهت من النوم وبدأت أبكي، فنهضت زوجتي فرأت أنني أبكي، ونظرت إلى الساعة فكانت تشير إلى بقاء ساعة واحدة عن موعد أذان الفجر، فرجعت إلى نفسي أوبّخها وأتمتم معها: يا رب تجاوز عن تقصيري وإسرافي، فأنا من الآن مؤمن بمنزلة هذا السيد الجليل. ولكنّي ـ لحد الآن ـ لست مرتاحاً، وأول عمل قمت به هو ذلك الذي شاهدته من تقبيلي باب دار الإمام وعتبتها، ولم يشاهد ذلك سواك، وقررت أن أنشر فضائل هذا الرجل العظيم.

 

 

 

والخلاصة إن قصتي هي كما رويتها لك، ولي رجاء منك أن تعرض قضيتي على الإمام حسب استطاعتك ليسامحني ويعفو عني.

 

 

 

وعند خروجنا من المسجد أخبرت الإمام بما دار بيننا، فقال الإمام: لقد عفوت عنه وسامحته عن كل بادرة منه. وجاءني الشيخ بعد ذلك يعدو وعيناه تذرفان الدموع يستجلي ما آلت إليه النتيجة، فأخبرته بأن الإمام سامحك عن أي عمل قمت به ضده، فوقع ساجداً لله شكراً، وأصبح بعد ذلك يحضر مجالس الإمام، وشمله الإمام بنظرة خاصة.

 

 

 

الدقة في الموعد وتفقد الآخرين في أشد الظروف

 

 

 

في الليلة التي توفي في صبيحتها الحاج السيد مصطفى الخميني، التقيت أحد السادة الوعاظ، من الذين كانوا يقصدون الإمام عند وجوده في الحرم المقدس لطلب أو استشارة، جاءني هذا الواعظ وقال: لي مطلب لدى الإمام؛ فهل أعرضه عليه أو لا؟ فقلت له: وما المانع من ذلك؟ ويظهر أن الواعظ المذكور كان يحذر من أن يكون هذا قد يؤدي إلى إرهاق كاهل الإمام مما يسبب له الإزعاج وعدم الراحة ـ كما كان يعتقد ـ لقلة الموارد المالية الواصلة إليه من إيران، وسيتسبب ذلك في إرباك وضعه المالي، ولذلك فقد جاء يسألني قبل أن يعرض طلبه على الإمام. وطلبت إليه إيضاح طبيعة الأمر، فقال: إن هناك رجلاً عاجزاً يدعى (الشوشتري) كان قد أصيب بالشلل منذ سنتين أو ثلاث سنوات، وهو رجل قارئ للقرآن، حسن التدين، أب لخمسة أو ستة أولاد صغار، وقد رجاني أن أذكره عند الإمام لغرض مساعدته، مما ألمّ به من مرض وفاقة. وفعلاً فقد عرض الواعظ الأمر على سماحة الإمام فقال له: "أخبر السيد فرقاني لكي يذكّرني غداً بذلك". ثم عاد لي وأخبرني بالنتيجة.

 

 

 

واتجه الإمام لزيارة الحرم المقدس، ولدى وصوله باب الصحن التفت إليّ وناداني قائلاً: "غداً وفي الساعة التاسعة صباحاً ذكّرني بموضوع هذا الرجل المريض". وكان لديّ دفتر صغير للملاحظات دونت فيه ما طلبه الإمام لئلاّ أنسى، ولأني إذا نسيت فإن الإمام لن ينسى ويقوم هو بتنفيذ ما طلب.

 

 

 

كنت أخرج من البيت ـ يومياً ـ في الساعة الثامنة صباحاً، ولكني خرجت في ذلك اليوم في الساعة السابعة والنصف، قبل موعدي الذي اعتدته، وما أن وقع نظري على الشارع حتى أبصرت تجمعات غير اعتيادية. كانت أمواج زاخرة من العمائم البيض قد ملأت الزقاق… ورجعت إلى نفسي أفكر فيما حدث… واعتراني هزة شديدة.. لأنهم كانوا متجمعين أمام منزل الإمام.. فماذا يعني هذا؟! وتقدم نحوي شيخ فاجأني بقول: هل ستأخذون جنازة الحاج السيد مطفى إلى كربلاء؟

 

 

 

فصعقت لهول النبأ، ولم تعد رجلاي قادرتين على الثبات فغمغمت قائلاً: ربّما إلى كربلاء، فأنا لا علم لي بذلك. واخترقت هذه الجموع الباكية الحزينة، ووصلت الباب فوجدت السيد أحمد الخميني قد اتكأ على الباب المغلق؛ حاسر الرأس يقوم آناً ويجلس اخرى بصورة لا إرادية، وهو يبكي ويندب أخاه الشهيد بهدوء وتحفظ، ثم اتجه إلى مجاميع الطلاب وطلب إليهم أن يهدأوا لكي لا يفاجأ الإمام بهذه الفاجعة فتؤثر عليه صحيّاً، ولكنه لم يدر أن "المؤمن كالجبل الراسخ لا تحركه العواصف"، وهذا هو الخميني في رباطة جأشه.

 

 

 

وحرص السيد أحمد أن يجتمع وبعض الأخوة مع الإمام، ومن خلال الحديث الدائر في حضرته يمكن التلميح إلى تلك الحادثة المحزنة تدريجياً، للتخفيف من وقعها المؤلم على الإمام. وتم ذلك، وفي أثناء الحديث الدائر فيما بينهم وفق ما وضعوه من أسئلة واستفسارات حول مرض الشهيد المرحوم، لم يتمالك السيد أحمد نفسه فانفجر باكياً، وحاول السيطرة على عواطفه الجياشة فلم يستطع، فالتفت الإمام إليه قائلاً: ما بك يا أحمد هل مات مصطفى؟! إن أهل السماوات يموتون، وأهل الأرض لا يبقون، وكلهم يفنون.. واتجه سماحته نحو الآخرين، وقال لهم: أيها السادة! إذهبوا إلى إنجاز ما ينتظركم من أعمال. وانسحبنا إلى باحة الدار، وسرعان ما انتشر الخبر، وانتقل الإمام إلى صحن الدار، وقصده كل العلماء العرب وجموع غفيرة لتقديم التعازي إليه، وكان العلماء العرب يلقون كلمات التعزية واحداً تلو الآخر.

 

 

 

وفي هذه الأثناء تذكرت موعد الساعة التاسعة الذي طلب الإمام إليّ أن أذكره به، وبقيت حائراً، كيف سيتسني لي تنفيذ ذلك في مثل هذا الظرف الحرج؟! وسكتّ على مضض. وفي لحظة من اللحظات وجدت الإمام ينظر إلي شزراً، مما جعلني أعود إلى نفسي أسألها: ماذا عسى أن يكون في قيافتي غير منظم؟! ماذا حصل؟! وكان ـ دائماً ـ يتكلّم معي بالنظرات. فتقدمت نحوه فقال لي هامساً: ألم يكن من المقرر أن تذكّرني في الساعة التاسعة بطلب الشيخ الواعظ، والآن الساعة تشير إلى التاسعة وعشر دقائق. وعظم الأمر عليّ وبينت بأن واقع الحال قد حال بيني وبين أداء هذا الواجب.

 

 

 

وأشار إليّ فتبعته إلى الغرفة، وسلّمني مظروفاً فيه مبلغ من المال، ختمه هو بنفسه دون علم أحد، وطلب إلي إيصاله فوراً إلى الشيخ الشوشتري بعد إبلاغه تحياته، والاستفسار عن أحواله. وحسبت أن في الوقت متسعاً، وأن الإمام لن يذهب إلى المسجد ذلك اليوم للدرس وإقامة الصلاة، وأن الوضع لا يسمح لي بمغادرة المكان لكثرة الوافدين على الإمام لتقديم التعازي إليه، وبعد خمسة دقائق فاجأني الإمام بقوله: ألم تذهب حتى الآن؟! فأجبت: سأذهب حالاً.

 

 

 

وذهبت إلى منزل الشوشتري فطرقت الباب مستأذناً، وفتحت الباب امرأة مستفسرة: من الطارق؟ فقلت: مبعوث من السيد الخميني إلى الشيخ الشوشتري يستفسر عن حالته، وما أن سمعت المسكينة ذلك حتى تأثرت كثيراً، وانطلقت بالعويل والبكاء.. ودخلت الدار فسلمت على الشيخ المسجى في فراش المرض وقلت له: إن الإمام الخميني أرسلني إليك يستفسر عن حالك، وسلمته المظروف، فما كان منه إلا أن أظهر الحزن الشديد والأسف العظيم، وصاح وناح، ولم أفهم شيئاً مما كان يقول، فأوضحت زوجته قوله وترجمت لي كلماته، التي تضمنت تعبيره عن شكره وإعجابه لموقف الإمام في تفقده وصلته له، بالرغم من إصابته بهذه المصيبة الفادحة.. فيالله هذا القلب الكبير! ورفع يديه داعياً الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يحفظ الإمام، ويمنحه العمر المديد، وسجد لله شكراً بالرغم من شلل أغلب أعضاء جسمه.

 

 

 

وحينما عدت إلى بيت الإمام بادرني بسؤاله: هل ذهبت إليه؟ فقلت: نعم. وبعد أن انفض الناس، وارتفع صوت الأذان لصلاة الظهر، أسبغ الإمام وضوءه، وأخبرني بأنه سيتوجه إلى المسجد لصلاة الجماعة.. فعجبت! وأرسلت من يخبر القيم في المسجد بأن يهيّئ المكان للصلاة وحسب المعتاد. وعندما علم الناس بقدوم الإمام إلى المسجد لأداء الصلاة تجمهروا واحتشدوا، وكان يوماً مشهوداً، اختلطت الصلاة والدعوات فيه بالنحيب والبكاء، واعترى الناس العجب، وبدت ملامح الدهشة على وجوه الحاضرين، وهم يقولون: "الخميني لا يبكي لفقده ولده أبداً" وانعقد مجلس التعزية بعد أداء الإمام الفريضة، فبكى الناس عند ذكر مصائب أهل البيت (سلام الله عليهم أجمعين) بكاءً مرّاً، وعبروا عن عمق تأثرهم بهذه المصيبة.

 

 

 

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©