السبت ٢٥ / فبراير / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » الإمام الخمينيِ قدوة »

الفصل الثاني: الإمام قدوة

12 مايو 2012 | في الفئة: الإمام الخمينيِ قدوة | لا توجد تعليقات | الزیارات: 74

تمهيد

 

 

 

للتعريف بالخط والمنهج طريقتان: طريقة تستهدف طرح مضمون الخط الفكري، أو السياسي، بالكشف عن مفاهيمه وأفكاره وطروحاته.

 

 

 

وطريقة أخرى تنتخب رموز الخط المعبِّرين عنه، والمتبنِّين له؛ ومن خلال الحديث عنهم، وعن خصوصيات حياتهم، ومواقفهم الشخصية والسياسة والاجتماعية تتبين معالم الخط والمنهج.

 

 

 

وهذا الكتاب اختير فيه الطريق الثاني إيماناً بأن أوسع قطاع من الجمهور يتفاعل مع الرموز الحية للخط، وينشدّ إليها، ويتفاعل معها أكثر مما يتفاعل مع المفاهيم المجردة، باعتبار أن البطل والرمز المجسِّد للفكرة ـ والحي بالخصوص ـ أكثر قدرة على التأثير في الأمة، وفي صناعة مفاهيمها وقيمها السلوكية والفكرية.

 

 

 

وتركيزنا على البطل الذي يعبر عن الخط لا الخط الذي أوجد البطل، مرده ـ بالإضافة إلى ما أشرنا إليه سابقاً ـ أن في الخط اجتهادات وتصورات عدة، لا يمكن أن نخرجها عن الخط باعتبار إسلاميتها، مما يجعلنا نركز على الرمز والبطل الذي يمثل الخط للتعريف بالخط الذي نؤمن به من مجموع الاجتهادات والطروحات الموجودة في الدائرة الإسلامية ـ وفي هذا الظرف بالشكل الأمثل والأفضل ـ ألا وهو إمام الأمة (قدس سره) وخطه المبارك.

 

 

 

  القدوة ودورها في عملية البناء

 

 

 

 عندما يتحدث الإنسان عن القدوة الصالحة وأثرها الروحي والاجتماعي، ويكون أمامه نموذج صالح لهذه القدوة، وهو الإمام الخميني (قدس سره)، يشعر بالحرج والرهبة، حيث لا يكون الإنسان أمام تجربة طرح المفاهيم والأفكار فحسب، وإنما يكون أمام معالجة تأثير هذه الأفكار والمفاهيم في النفس والإنسانية، من خلال مدى تجسيدها في الواقع المعاش لهذا الإنسان، وأهمية هذا التجسيد، الذي يعتبر من أشد القضايا تعقيداً، وأكثرها عناءً في حياة الإنسان، لأن هذا التجسيد هو الذي يمثل الجهاد الأكبر في الحياة الإنسانية (جهاد النفس):

 

 

 

{قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها}. (الشمس: 9 ـ 10).

 

 

 

{والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}. (العصر: 1 ـ 3).

 

 

 

ويمثل بالتالي القيمة الحقيقية للإنسان عند الله سبحانه، التي كرمه بها على سائر مخلوقاته.

 

 

 

{ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلاً}. (الإسراء: 70).

 

 

 

{إن أكرمكم عند الله أتقاكم}. (الحجرات: 13).

 

 

 

ولذا سوف أكتفي ـ في هذا المقال ـ بطرح بعض الملاحظات حول القدوة ودورها، ثم بعض مواضع القدوة في سلوك إمام الأمة (قدس سره)، وملاحظات وجيزة لاحظتها عن قرب في شخصية الإمام، باعتبار أن الإمام (قدس سره) أفضل قدوة نعيشها في هذه الأيام.

 

 

 

منهج القرآن في التغيير الاجتماعي

 

 

 

لقد اتبع القرآن الكريم، والإسلام العظيم، في عملية التغيير التي مورست  في المجتمع؛ منهجين أساسين:

 

 

 

أحدهما: منهج مخاطبة العقل، والتنبيه على مختلف الظواهر، القائمة في عالم التكوين، سواء فيما يتعلق بالظواهر السماوية والأرضية، أو التي تختص بالنفس الإنسانية، أو السنن التي تتحكم في تاريخ الإنسان ومسيرته التكاملية، التي يمكن للعقل الإنساني أن يدركها ويفهمها، وذلك من أجل أن يرسم للإنسان الطريق الصحيح المستقيم نحو الكمال والسمو.

 

 

 

فقد اعتبر القرآن العقل الإنساني الدليل الذي ينبع من الذات، والمرشد الأول للإنسان في مسيرته في هذه الحياة، واعتبره أساس الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة.

 

 

 

روي عن أبي جعفر (ع) أنه قال:

 

 

 

"لما خلق الله العقل استنطقه، ثم قال له: أقبل. فأقبل، ثم قال له: أدبر. فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إليّ منك، ولا أكملتك إلا فيمن أحب؛ أما إني إياك آمر، وإياك أنهى، وإياك أعاقب، وإياك أثيب".

 

 

 

وأكد القرآن دور ذوي العقول والألباب، ومنهج التدبّر والتفكير، في الوصول إلى الحقيقة.

 

 

 

والآخر: مخاطبة الوجدان الذي أودعه في فطرته، وهو تلك الإحساسات الفطرية التي يتجه إليها الإنسان، ويرى فيها موازين الكمال والنقصان، والسمو والسقوط، والتي يشعر الإنسان ـ دائماً ـ تجاهها بجاذب الحب والبغض، أو المدح والذم، أو الحسن والقبح؛ فالإنسان يميل إلى العدل والإحسان، والإيثار والشجاعة، ويحب هذه الصفات، ويبغض الظلم والإساءة، والاستئثار والجبن، وينفر منها.

 

 

 

ومن أجل أن يوجه القرآن الكريم والإسلام العظيم الإنسان نحو مراتب الكمال، ويبعداه عن التردي والنقصان، يؤكدان هذه المعاني الفطرية السامية، ويبينان له مصاديقها ومعالمها وحدودها لئلاّ تختلط عليه الأفراد والصور، ويبعدانه عن مواضع السقوط والتردي، ويشخصان له مواردها وأفرادها.

 

 

 

وهذا يمثل العنصر الثاني في الهداية الذاتية للإنسان، والذي رسم معالمه القرآن الكريم، اعتماداً على وجود هذا الميل والاتجاه في المعرفة في داخل الإنسان.

 

 

 

عوامل مؤثرة على إرادة الإنسان

 

 

 

وإلى جانب ذلك كله، جبل الله الإنسان على غرائز ورغبات، وزين له الشهوات:

 

 

 

{زُيّن للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب}. (آل عمران: 14).

 

 

 

بحيث أصبحت هذه الأشياء وغيرها عوامل مؤثرة على إرادة الإنسان ومسيرته، لأنها تمثل في هذا الإنسان حاجاته المادية والمعنوية. والطاقة المحركة في داخل الإنسان، التي تدفعه نحو التكامل الدنيوي والاخروي، إذا كانت ضمن الحدود التي رسمتها الشريعة، ولكنها ـ في نفس الوقت ـ تمثل خطراً على مسيرة الإنسان، عندما تتجاوز الحدود التي وضعها الله لهذه الحاجات، حيث تجذبه أو تدفعه نحو السقوط في الهاوية، وتشده نحو الأرض، وتكبله بالقيود والأغلال عندما يتحول إلى أسيرها، شأنها في ذلك شأن المحروقات، التي يحتاجها المحرك، ولكنها قد تتحول إلى عامل مدمر للمحرك نفسه، عندما تتجاوز الحدود المقررة للاستفادة منها.

 

 

 

هذه العوامل التي يسميها القرآن بالهوى، إذا تحولت إلى إله يتبعه الإنسان، ويسلس له قياده، أصبحت شيئاً مدمراً لحياته:

 

 

 

{واتلُ عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه…}. (الأعراف:175ـ176).

 

 

 

{أفمن كان على بيّنة من ربه كمن زُين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم}.(محمد:14).

 

 

 

{أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضلّه الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون}. (الجاثية:23).

 

 

 

وبذلك ازدادت مسيرة الإنسان تعقيداً ومعاناة، حيث وجد ـ إلى جانب ذلك الميل الفطري نحو الكمال ـ هذا العامل الغريزي، المؤثر في الإنسان من خلال الإحساس بالحاجات من جانب، والطغيان في الانسياق مع هذا الميل والهوى، الدافع له نحو الهاوية، وأصبح على الإنسان أن يوفّق بين هذين العاملين؛ الميل الفطري والحاجة الغريزية، ويتبيّن مواضع أقدامه، في مسيرته الطويلة، حتى يحقق الكمال.

 

 

 

وقد اهتم القرآن الكريم والإسلام العظيم برسم معالم المسيرة أمام الإنسان وهدايته نحو أهدافها، وبعث الله الأنبياء والرسل لتحقيق هذه الهداية:

 

 

 

{هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}. (الجمعة: 2).

 

 

 

{كان الناس أمةً واحدةً فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه…}. (البقرة: 213)

 

 

 

فلسفة القدوة في منهج التغيير الاجتماعي

 

 

 

ولكن بالرغم من ذلك تبقى أمام الإنسان مجموعة من المشاكل الدقيقة، كانت بحاجة إلى التوضيح والإبانة، حتى يكمل مسيرته. وإزاء هذه المشاكل، تبرز (القدوة) و(الأسوة) كأحد العوامل المهمة في تحقيق هذا الهدف، وحل هذه المشكلات:

 

 

 

فالمشكلة الاولى عقلية؛ إذ قد يكون المفهوم الذي يريد أن يقدمه الإسلام واضحاً، ولكن الموقف الذي ينسجم مع المفهوم قد يعتريه شيء من الغموض، بحيث يكون بحاجة إلى التشخيص والوضوح، من خلال ممارسة عملية خارجية تشخصه وتبينه، وهنا يأتي دور القدوة الصالحة، التي تجسد الموقف الصحيح، الذي يتناسب مع الظروف والشروط الموضوعية، والمنسجم مع المفهوم الإسلامي:

 

 

 

{أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يأتِكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسّتهم البأساء والضراء وزُلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب}. (البقرة: 214).

 

 

 

فالمسلمون الذين واجهوا فكرة اقتران النصر بالمحنة والابتلاء بالبأساء والضراء والصبر عليهما كانوا بحاجة إلى القدوة والأسوة العملية في التاريخ، فجاء هذا التوجيه القرآني لذلك من خلال هذه الآية وأمثالها وبيان مصاديقه في قصص الأنبياء لتجسيد هذا الموقف.

 

 

 

وقد ورد عن عبد الملك بن عمرو أنه قال: قال لي أبو عبد الله (ع) ـ يعني الصادق ـ:

 

 

 

"يا عبدالملك، ما لي أراك تخرج إلى هذه المواضع التي يخرج إليها أهل بلادك؟ قال: قلت وأين؟ قال (ع): جدة وعبادان والمصيصة وقزوين. فقلت: انتظاراً لأمركم والإقتداء بكم. فقال (ع): إي والله، لو كان خيراً ما سبقونا إليه. قال: قلت له: فإن الزيدية يقولون بيننا وبين جعفر خلاف، إلا أنه لا يرى الجهاد. فقال (ع): أنا لا أراه! بلى والله، إني لأراه، ولكني أكره أن أدع علمي إلى جهلهم".

 

 

 

والمشكلة الثانية روحية ونفسية؛ فالإنسان قد يملك الوضوح الكامل في الطريق ومعالمه، ولكنه يشعر بالضعف والعجز، في كثير من الأحوال، ويتلكأ، ويسقط في الطريق نتيجة لذلك، لولا العناية الإلهية. ومن هنا، فهو يحتاج إلى من يشق الطريق أمامه، ليكتسب الشجاعة اللازمة، والمعنويات العالية، في اقتحامه هذا الطريق الشائك؛ ويأتي هنا دور القدوة الصالحة التي تشق الطريق، وتفتح السبيل أمام كل أولئك الضعفاء على اختلاف مراتبهم:

 

 

 

{قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا بُرَآءُ منكم وممّا تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده إلاّ قول إبراهيم لأبيه لأستغفرنّ لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير}. (الممتحنة:4).

 

 

 

والثالثة: ان الحقيقة قد تشتبه بالادعاء، والواقع بالرغبة، والفعل بالقول، فيصبح الادعاء مورداً للشك باعتبار قلّة التجربة، أو عدم الاطلاع على كل الظروف المحيطة بالادعاء وأبعادها، بحيث يتخوف الإنسان من الخديعة، أو التضليل والتغرير. ويأتي دور القدوة التي تقرن القول بالعمل، وتجسد الادعاء، وتصدق الحقيقة.. وبذلك يصبح القول المقرون بالعمل أكثر تأثيراً في النفس، لما فيه من دلالة على قناعة حقيقية وإيمان حقيقي من قبل الآخرين، لأن القناعة والإيمان يكون لهما تأثير في نفوس الآخرين، لما فيهما من الدلالة على صدق التجربة، وصحة الادعاء، والاستعداد للمواساة، وتحمل الأعباء والمشاكل: {يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون * إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص}. (الصف: 2 ـ 4).

 

 

 

{ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً * من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً}. (الأحزاب: 22 ـ 23).

 

 

 

{الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}. (آل عمران: 173).

 

 

 

الرابعة: ان المفهوم المطروح للمثال قد يتهم بأنه مفهوم مثالي ولا يمكن تحقيقه عملياً، وهو مجرد طموح نحو الكمال، وتخيّل لدرجات السمو، باعتبار اتجاه الإنسان إلى الخيال والطموح. ويأتي دور القدوة من أجل أن يؤكد واقعية المفهوم، والقدرة على تطبيقه وتجسيده عملياً:

 

 

 

{إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين * ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون}. (القصص: 4 ـ 6).

 

 

 

ولعل أروع النصوص التي تشير إلى هذه الأبعاد في دور القدوة ما جاء عن علي (ع) في نهج البلاغة. (راجع نهج البلاغة: الخطبة 160، تصنيف د. صبحي الصالح).

 

 

 

وبالاضافة إلى كل ذلك، يمكن أن يكون للقدوة دور مهم في إيجاد القناعة واليقين بقضايا كثيرة لا يمكن الإقناع بها إلاّ من خلال القدوة الصالحة، حيث إن القناعة وحسن الظن بهذه القدوة، من خلال السلوك المتكامل يفرضان قياساً طبيعياً وروحياً للمساواة بين تلك الممارسات الحسنة والسلوك الجيد الذي يلتزمه هذا الإنسان (القدوة) من جهة، وبقية الممارسات الأخرى التي يقوم بها، بحيث ينتهي الأمر إلى سريان الالتزام والإيمان إلى تلك الممارسات الأخرى.

 

 

 

وقد استخدم الرسول (ص) هذا الجانب كأسلوب للهداية؛ ومن النماذج بهذا الصدد ما روي عنه (ص) أنه قال يوماً لقريش: ما تقولون لو أخبرتكم بوجود قافلة وراء هذا الجبل. فكان جوابهم إننا نصدق ونتصرف على أساس هذا التصديق. فقال لهم إذن فإني أخبركم بأن لا إله إلا الله، وأن هذه الأصنام لا تضر ولا تنفع. وقد كان هذا الجانب مؤثراً في إقناع الكثير من الناس بالرسالة الإسلامية، أكثر من قناعتهم ببقية الأدلة والبراهين على صحة الرسالة.

 

 

 

وفي هذا المجال وردت الروايات التي تؤكد الدعوة إلى الله من خلال الالتزام والعمل؛ فقد نصح الأئمة (ع) شيعتهم أن يكونوا دعاة لهم بأعمالهم.

 

 

 

قال الإمام الصادق (ع):

 

 

 

"كونوا دعاةً للناس بغير ألسنتكم ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير، فإن ذلك داعية".

 

 

 

وقال (ع): "عليكم بتقوى الله والورع والاجتهاد وصدق الحديث وأداء الأمانة وحسن الخلق و... وكونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً".

 

 

 

كما أن اشتراط العدالة في إمام الجمعة والجماعة قد يكون انطلاقاً من مبدأ القدوة، حيث لا يبرز في إمام الجماعة إلا هذا الجانب، بخلاف العدالة في الشاهد الذي يكون الهدف منها هو الوصول إلى الحقيقة وتحقيق العدل.

 

 

 

وبذلك تصبح القدوة الصالحة دليلاً على الحقيقة قائماً بنفسه، ومنهجاً للهداية، يؤثر ـ في الوقت نفسه ـ على العقل والوجدان، ويجمع ـ إلى  جانب ذلك ـ الوضوح والشجاعة والثبات.

 

 

 

وبهذا الاستعراض القصير لبعض آثار القدوة على مسيرة الحياة التغييرية، يمكن أن نعرف أن القدوة تعبير عن أحد أفضل الأساليب التي يمكن أن يتم التخاطب بها مع العقل والوجدان معاً. ولعل هذا الدور هو أحد أهم ما يفسر به اشتراط العصمة أو العدالة ـ بدرجة عالية ـ في القيادة الإسلامية؛ حيث يمكن أن يكون لهذه القيادة المتصفة بهذه الصفة دور القدوة والهداية ـ إلى جانب دور المفاهيم والأفكار التي تطرحها الشريعة ـ في تحقيق التغيير.

 

 

 

ولأهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه القدوة في تحقيق الهداية والتغلّب على المشكلات التي يواجهها الإنسان في مسيرته التكاملية، نجد القدوة تدخل كعنصر أساس في النظرية الإسلامية في التحرك السياسي؛ فبالإضافة إلى ما ذكرناه من اشتراط العصمة أو العدالة العالية في القيادة الإسلامية، لضمان تحقيق الاستقامة والعدل في المسيرة الإسلامية، تبرز هذه القضية في جانب آخر وهو جانب الارتباط السياسي بالقيادة، حيث يجب أن تكون القيادة (علنية)، ويعلم بها الأتباع، ولو بدرجة محدودة، حيث جاء النص المتواتر بين المسلمين ان:

 

 

 

"من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية".

 

 

 

ومن هنا يمكن أن نفهم تأكيد أمير المؤمنين علي (عليه السلام) لدور القدوة وأهميتها عندما يقول:

 

 

 

"واقتدوا بهدي نبيكم فإنه أفضل الهدي، واستنّوا بسنّته فإنها أهدى السنن".

 

 

 

وكذلك كان يقول عن رسول الله (ص):

 

 

 

"ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالإقتداء به".

 

 

 

وجاءت الكلمة القيمة لإمام المتقين:

 

 

 

"ألا وإن لكل مأموم إماماً، يقتدي به ويستضيء بنور علمه، ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورعٍ واجتهاد، وعفّة وسداد".

 

 

 

وبذلك تصبح القدوة أحد المعالم الرئيسة التي تفرق بها نظرية الإمامة في العمل السياسي عن النظريات الحزبية الحديثة، بل يمكن أن نقول: إنه يوجد في القرآن الكريم ما يمكن أن يفهم منه؛ أن الإنسان ـ بسبب تركيبته النفسية أو الاجتماعية ـ يقع تحت تأثير القدوة بشكل طبيعي، بحيث يمثل ذلك اتجاهاً فطرياً في الإنسان، ولذا يحسن بالإنسان أن يستخدم عقله في اختيار القدوة، حتى لا يتعرض للانحراف، ولكي يحصل على طريق صحيح للهداية والتكامل الإنساني.

 

 

 

ولعل الكلمة المعروفة للإمام علي (ع): "ألا وإن لكل مأموم إماماً يقتدي به، ويستضيء بنور علمه.." تشير إلى هذا الاتجاه الفطري في الإنسان من ناحية، وأهمية القدوة وضرورتها من ناحية أخرى. وسوف يأتي مزيد من التوضيح لهذه الفكرة قريباً.

 

 

 

تأكيد القرآن لدور القدوة

 

 

 

ولذلك نجد القرآن الكريم يؤكد دور القدوة والتأسي في النهج الذي التزمه في التغيير؛ وقد نهج القرآن لذلك خطين رئيسين:

 

 

 

الأول: الخط الذي يؤكد دور الإقتداء والتأسي، ويأمر بهما بشكل مباشر؛ حيث ورد في مجموعة من الآيات التأكيد أو الإشارة إلى ذلك مثل قوله تعالى:

 

 

 

{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً}. (الأحزاب: 21).

 

 

 

{أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}. (الأنعام: 90).

 

 

 

{قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا بُرَآءُ منكم وممّا تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده إلاّ قول إبراهيم لأبيه لأستغفرنّ لك وما املك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير}. (الممتحنة:4).

 

 

 

{فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم…}. (الاحقاف:35).

 

 

 

الثاني: القصص والأمثال التي ضربها القرآن الكريم، سواء في تاريخ الأنبياء أو الأمم الماضية، أو في تاريخ الأمة الإسلامية، وسيرة النبي (ص) والصادقين من أصحابه، حيث كان الهدف منها الاعتبار والإقتداء والتأسي، من خلال استنباط القوانين والسنن التاريخية، كما هو واضح من خلال بيان أهداف هذه القصص:

 

 

 

{لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب}. (يوسف: 111).

 

 

 

{وكلاًّ نقصّ عليك من أن أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين}. (هود: 120).

 

 

 

{أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يأتِكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسّتهم البأساء والضراء وزُلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب}. (البقرة: 214).

 

 

 

{وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت ربّ ابنِ لي عندك بيتاً في الجنة ونجّني من فرعون وعمله ونجّني من القوم الظالمين * ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين}. (التحريم: 11 ـ 12).

 

 

 

{الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}. (آل عمران: 173).

 

 

 

{إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون}. (النور: 51).

 

 

 

{ولمّا رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلاّ إيماناً وتسليماً}. (الأحزاب: 22).

 

 

 

وفي الحديث عن أبي عبد الله الصادق (ع):

 

 

 

"خير ما يخلفه الرجل بعده ثلاثة:

 

 

 

ولد بارّ يستغفر له،

 

 

 

وسنّة خيرٍ يقتدى به فيها،

 

 

 

وصدقة تجري من بعده".

 

 

 

وعن الصادق (ع) أيضاً:

 

 

 

"ولا طريق للأكياس من المؤمنين أسلم من الإقتداء، لأنه المنهج الأوضح، والمقصد الأصح؛ قال الله تعالى لأعزّ خلقه محمد (ص): {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}؛ فلو كان لدين الله مسلك أقوم من الإقتداء لندب إليه أولياءه وأنبياءه.

 

 

 

القدوة الصالحة والقدوة الفاسدة

 

 

 

وكما أن القدوة الصالحة تمثل عنصراً أساساً في عملية بناء المجتمع الصالح، كذلك نجد القدوة قد تتخذ بعداً تخريبيّاً للمجتمع، عندما تكون العناصر التي يقتدي بها الأفراد في المجتمع عناصر فاسدة، وبالتالي تؤثر فيهم تأثيراً معكوساً، بحيث يتحولون إلى مجرد أتباع مسلوبي الإرادة والعقل والضمير، تؤثر فيهم القوة والهيمنة المادية لهذه العناصر.

 

 

 

وهذا التأثير قد يعكس اتجاهاً فطرياً، وحالة طبيعية يحس بها الإنسان وهو الاتجاه للاقتداء واتباع الأشخاص المتميزين في المجتمع، ويجسد الدور الخاص للقدوة في التأثير الاجتماعي.

 

 

 

ولذلك نجد القرآن الكريم يشير إلى بعض هذه النماذج الفاسدة والمؤثرة، ويحذر منها، ويذكر النهاية السوداء التي تنتظر أولئك الأتباع في المستقبل:

 

 

 

{ومن الناس من يتّخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعاً وأن الله شديد العذاب * إذ تبرّأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب * وقال الذين اتَّبعوا لو أن لنا كرّةً فنتبرّأ منهم كما تبرّؤوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار}. (البقرة: 165 ـ 167).

 

 

 

{وبرزوا لله جميعاً فقال الضعفاء للذين استكبروا إنّا كنّا لكم تبعاً فهل أنتم مُغنون عنّا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص}. (إبراهيم: 21).

 

 

 

ولذلك يصنف القرآن الكريم الأئمة الذين يقودون المجتمع، ويمثلون العناصر المؤثرة فيه إلى قسمين:

 

 

 

ـ أئمة يهدون إلى الجنة والحق وأمر الله.

 

 

 

ـ أئمة يهدون إلى النار والضلال والفساد.

 

 

 

{وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}. (السجدة:24)

 

 

 

{وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا يُنصرون * وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين}. (القصص: 41 ـ 42).

 

 

 

وقد ورد عن أمير المؤمنين عليٍّ (ع):

 

 

 

"إن أبغض الخلائق إلى الله رجلان: رجل وكله الله إلى نفسه، فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة، ودعاء ضلالة، فهو فتنة لمن افتتن به، ضالّ عن هدي من كان قبله، مضلّ لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته".

 

 

 

وورد عنه أيضاً:

 

 

 

"ومالي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها، لا قتصّون أثر نبيٍّ، ولا يقتدون بعمل وصيٍّ".

 

 

 

وأمر الله ـ سبحانه ـ باتباع الهداة إليه، لأنهم يدعون إلى الحق والصلاح، وكذلك استخدام العقل في القدوة والاتباع، كما يستخدم العقل في كل القضايا التي ترتبط بالحاجات والرغبات والغرائز الإنسانية:

 

 

 

{قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يُتّبع أمّن لا يـِهدّي إلا أن  يُهدى فما لكم كيف تحكمون}.(يونس:35).

 

 

 

وبهذه الطريقة يضع القرآن الكريم الموازين ـ التي يجب أن يؤخذ بها ـ مقياساً في القدوة الصالحة التي لابد للإنسان من أن يربط مصيره بها، وأهم هذه الموازين هو الدعوة إلى الحق، والعقيدة الصالحة، والتقوى، والصبر، والثبات على الطريق المستقيم، والسير في طريق الكمال الإنساني، والابتعاد عن مزالق الهوى والعجب والظلم والاستكبار، بحيث يكون هذا الامتياز قائماً على أساس الجانب المعنوي والتكاملي في الإنسان، حيث نجد هذه المواصفات مبثوثة في القرآن الكريم. كما أننا نلاحظ أن قوى الكفر والضلال تحاول أن تطرح في المجتمع العناصر الفاسدة كقدوة للناس، وتحيطهم بهالة من الإعجاب والثناء والشهرة؛ الأمر الذي يؤدي إلى الإقتداء بهم، والتأسي بسلوكهم الفاسد، وأعمالهم القبيحة.

 

 

 

ونجد أن الأسس والموازين في القدوة الفاسدة هي: الامتياز في المال والجاه والقوة، والجمال المادي، وتجسيد اللذة والمتعة الشخصية والجسمية، والسعي للإكثار منها.

 

 

 

تأثير الحب والموقع الاجتماعي للقدوة الصالحة

 

 

 

وتزداد القدوة أهمية في التأثير والفاعلية عندما يمتاز الشخص القدوة بميزتين رئيستين:

 

 

 

الأولى: رابطة الحب والودّ مع الناس، حيث ينتقل العمل الصالح الذي يمارسه القدوة إلى هؤلاء الناس ليس من خلال عقولهم فحسب، وإنما يأخذ طريقه إلى قلوبهم ووجدانهم، من خلال هذه العاطفة المؤثرة والمحركة لإرادة الإنسان، وينتقل هذا الحب من شخص القدوة وصفاته إلى كل تصرفاته وأعماله. وبذلك تزداد مسؤولية الإنسان القدوة تجاه أعماله وأقواله، عندما يكون محاطاً بهذا اللون من الحب والود بين الناس، وتصبح مسؤولية الالتزام السلوكي على درجة عالية كلما كان للقدوة موقع خاص في نفوس الناس.

 

 

 

الثانية: الموقع الاجتماعي، كأن يكون الإنسان القدوة زعيماً في المجتمع، أو وليّاً لأمر المسلمين، أو مرجعاً دينياً عاماً، حيث يكون هذا الموقع الاجتماعي عاملاً طبيعياً في التأثير والاتّباع، حسب القاعدة المعروفة (الناس على دين ملوكهم"، لأن موقع القدوة والقوة والاحترام يكون له تأثير في نفوس الكثير من العامة الذين يشعرون بالضعف تجاه المواقع الاجتماعية الكبيرة، ومن هنا جاء التأكيد بالالتزام السلوكي الخاص لنساء النبي (ص) ـ مثلاً ـ على مسؤولية الالتزام العالي:

 

 

 

{يا نساء النبي لستنَّ كأحدٍ من النساء…}. (الأحزاب: 32)

 

 

 

كما نجد أن الفقهاء يشترطون في القائد والمرجع درجة عالية من العدالة، تختلف عن العدالة التي يشترطونها في إمام الجماعة أو الشاهد، لطبيعة الموقع الاجتماعي الذي يحتلّه هذا القائد أو المرجع، ولطبيعة المسؤوليات العظام التي يتحملها.

 

 

 

ولعل هذا هو السبب الرئيس في احتلال الكثير من الملوك والمترفين والطغاة لموقع القدوة في المجتمع، بالرغم من تفاهة شخصياتهم أحياناً، وفسادهم وظلمهم وارتكابهم الكثير من الأعمال المشينة المنفرة لأفراد المجتمع أحياناً أخرى، كما أشير إلى ذلك في بعض الآيات السابقة.

 

 

 

ولذلك عندما يصبح هذا الزعيم إنساناً صالحاً سوف يكون ذا تأثير بالغ في الأمة، وتزداد أهمية القدوة فيه، بالإضافة إلى بعد آخر في هذا الموقع الاجتماعي، عندما يكون قدوة صالحة، وهو ما يعبر عنه بـ "الكمال الإنساني".. وحيث إن الموقع الاجتماعي يمثل أسلوباً من أساليب الاختبار والامتحان، فإن الزعامة والولاية تتحول إلى معاناة قاسية على مستوى النفس والإرادة، واختبار للإرادة العالية والصبر على تحمل المشاكل والضبط للهوى والحذر والاحتياط من الانزلاق في مزالق الهوى أو التردي في هاوية الشهوات؛ الأمر الذي يعني ضرب أروع الأمثلة في جهاد النفس للقدرة الصالحة.

 

 

 

وتزداد هذه الأهمية عندما تعيش القدوة بين هؤلاء الناس فعلاً؛ حيث يمكنهم أن يدركوا كل الظروف التي أحاطت بالسلوك والمسيرة، ويصبح التجسيد حقيقة قائمة دون أن تتحول القدوة إلى مجرد موقف تأريخي لا تتحسس الناس ظروفه.

 

 

 

ولهذه الأهمية التي تتمتع بها القدوة الصالحة في عملية التغيير الاجتماعي والبناء الذاتي لأفراد المجتمع، نجد أعداء الإسلام والحق يحاولون دائماً ـ عندما يعجزون عن محاربة الأفكار والمفاهيم والعقائد في الرسالات الإلهية، والأعمال الإصلاحية، التي يقوم بها الأنبياء والأوصياء، والعلماء والصالحون ـ محاربة القدوة الصالحة في المجتمع (وهي النبي أو الوصي أو الإنسان الصالح، الذين يتحملون هذه المسؤوليات) وتشويه صورتها، لأنهم يدركون أن هدم القدوة الصالحة سوف يؤدي ـ بالتالي ـ إلى الضياع والتيه في مسيرة التغيير والبناء، بعد أن تفقد المسيرة ربانها المجسد ـ ولو بدرجة معقولة ـ لمفاهيمها ومعالمها واقعياً وخارجياً.

 

 

 

وقد أشرنا إلى مجموعة من هذه الأساليب التي يتبعها أعداء الإسلام إسقاط القدوة في بعض محاضراتنا، ولكن قد نذكر بعضها عندما نتحدث عن مواضع القدوة في شخصية الإمام. ومن هنا يصبح تدوين مسيرة الصالحين ـ وخصوصاً البارزين منهم ـ ونشر تفاصيل حياتهم وسلوكهم عملاً تبليغياً رائعاً، وخدمة إسلامية صادقة، لأن ذلك يوسع من دائرة تأثير القدوة باتساع دائرة الاطلاع على مواطن الإقتداء فيها.

 

 

 

  مواضع القدوة في شخصية الإمام (قدس سره)

 

 

 

في البداية، أود أن أشير إلى خصوصيتين مهمتين، في شخصية الإمام، لهما أهمية خاصة في قضية التأسي بالقدوة، بالإضافة إلى خصوصياته الكمالية والسلوكية التي ترتبط بالعلم، والتقوى، والشجاعة، وحسن التدبير، والاهتمام بإبلاغ الحجة إلى كل الأوساط. ثم أشير ـ بعد ذلك ـ إلى بعض النقاط السلوكية في مسيرته الجهادية، بالمقدار الذي يسمح به هذا البحث.

 

 

 

علماً بأن بيان مواضع القدوة في شخصية الإمام يحتاج إلى بحث كبير وواسع، لما لهذه الشخصية من ابعاد اجتماعية وسياسية وعلمية وسلوكية حافلة بالأبحاث والمواقف والمتغيرات، كما أنها عاصرت فترات زمنية حرجة وصعبة.

 

 

 

روح الله بين رعية الله

 

 

 

الأولى: إن إمام الأمة (قدس سره) جمع بين صفتين متضادتين ـ عادة ـ في مجال التنفيذ والعمل:

 

 

 

أ ـ صفة الاحتفاظ بالسلوك العالي المتميز، والطهارة والنزاهة العملية، والاحتياط والابتعاد عن مواطن الشبهات، وكما يفرضه موقعه الديني كمرجع للمسلمين يرتبطون به، لأنه يمثل حلقة الوصل بينهم وبين الله في بيان الأحكام والمواقف العملية لهم.

 

 

 

هذا السلوك الذي يؤدي ـ عادة ـ بالكثير من الناس إلى العزلة، والابتعاد عن المجتمع، ومشاكله المعقدة ومواضع الانزلاق، ومواطن الشبهة والابتلاء.

 

 

 

ب ـ صفة الاهتمام بالقضايا الاجتماعية والسياسية التي تعيشها الأمة، وتفاصيل المشاكل التي تواجهها، وطرح الحلول لهذه المشاكل في ضوء الإسلام، واتخاذ المواقف السياسية والاجتماعية من أجل مواجهة كل هذه الأحداث والاستفادة منها في عملية التغيير الاجتماعي، وتربية الأمة على المواجهة، والسير بها نحو الكمال الإلهي.

 

 

 

وهذه هي الخصيصة التي يتميز بها كل القادة الرساليين، كالأنبياء السائرين على منهجهم؛ فهم في الوقت الذي يجسدون فيه الارتباط بالسماء ومعانيها السامية، لا ينفصلون عن الأرض وقضاياها؛ فهم يعيشون بين أهل الأرض بكل معاناتهم ليرسموا لهم خط السماء من خلال أقوالهم وأفعالهم.

 

 

 

وحين حاول واحد من هؤلاء الأنبياء ـ في لحظة انفعال ـ ان ينصرف عن أهل الأرض لانحرافهم وضلالهم امتحنه الله ـ سبحانه ـ بقوة وعرضه للبلاء:

 

 

 

{وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}. (الأنبياء: 87).

 

 

 

{فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم * لولا أن تداركه نعمة من ربه لنُبذ بالعراء وهو مذموم * فاجتباه ربه فجعله من الصالحين}. (القلم: 48 ـ 50).

 

 

 

فالعزلة عن المجتمع وقضاياه المصيرية، في بعض الأحيان، خوفاً على الدين والأخلاق ـ كما يصنع بعض الأشخاص ـ تشبه الفرار من الزحف في ميادين القتال! فيمسي شأن القدوة المفترض شأن الإنسان الذي لا يدخل المدرسة، ولا يطلب العلم، خوفاً من نتائج الامتحان والاختبار.. لأن المسؤولية والوظيفة الشرعية تفرضان الدخول في ميدان الصراع الاجتماعي ضد قوى الضلال والكفر وأحزاب الشيطان وأوليائه، من أجل ترسيخ دعائم الحق، وترسيم طريق الهداية حتى لو كان الإنسان في معرض الخطأ والاشتباه.

 

 

 

ولكن في الوقت نفسه، لابد للإنسان من التمسك بالأخلاق الفاضلة، والموازين الشرعية والقوانين الإسلامية، والمعاني السامية التي تجسد التقوى والعلاقة بالله سبحانه، وبذلك يتعرض الإنسان إلى الاختبار والامتحان، ويستحق الثواب والأجر، وبذلك ـ أيضاً ـ يتكامل الإنسان، ويسمو، ويلتحق بركب الأنبياء والصديقين والشهداء.

 

 

 

وهذا هو الذي يفسر لنا قانون الامتحان والفتنة والابتلاء الذي كتبه الله ـ سبحانه ـ على البشرية جمعاء.

 

 

 

ولذلك ـ أيضاً ـ شجب الإسلام الرهبانية المسيحية ووصفها بالبدعة؛ حيث إن الرهبانية في الإسلام هي جهاد النفس والزهد بالدنيا لا العزلة عنها وتجميد الوظائف الطبيعية للإنسان:

 

 

 

{ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها}. (الحديد: 27).

 

 

 

الزعيم الديني في منهج الفرد العادي

 

 

 

الثانية: إن الإمام تمكن ـ إلى حدٍّ بعيد ـ من أن يحتفظ بالسلوك الاجتماعي نفسه، الذي كان يمارسه قبل أن يصبح زعيماً مطلقاً، ومؤسساً للجمهورية الإسلامية، وفقيهاً مبسوط اليد في الأمة، سواء في المستوى الروحي، أو في مستوى العلاقات مع الجماهير، أو في أساليب الحياة المعيشية والإدارية. ولم يتجاوز ذلك إلاّ بالمقدار الذي تفرضه الأوضاع الصحية الخاصة، أو الظروف الأمنية المشدّدة، أو بعض المصالح العامة.

 

 

 

ويمكن أن يلاحظ ذلك بوضوح من خلال أحايثه أو علاقاته بالآخرين، أو منحه الفرصة ـ باستمرار ـ للقاء المجاهدين وعوائل الشهداء أو الناس العاديين بشكل عام، أو ممارساته الشخصية في المأكل والملبس والمسكن، بالرغم من ضخامة المسؤوليات التي يتحملها، والموقع السياسي الرسمي الذي يتبوّؤه، ونمو العواطف والأحاسيس

 

 

 

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©