الأربعاء ٢٦ / أبريل / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » الإمام الخمينيِ قدوة »

الفصل الأول: لمحة عن عبادة الإمام ومؤلفاته

12 مايو 2012 | في الفئة: الإمام الخمينيِ قدوة | لا توجد تعليقات | الزیارات: 101

  سماحة السيد أحمد الخميني

 

 

 

عبادة الإمام وعرفانه

 

 

 

ليست عبادة الإمام وارتباطه بالله من الأمور التي أستطيع وصفها، وقد اتصلت ـ قدر استطاعتي ـ بأصدقاء أبي، وسألت والدتي حول هذا الموضوع، فأجمعوا على أنّ الإمام كانت له علاقة خاصة بالله وأنه فانٍ في الله، ويتحدّث عن معشوقه (الله) بشكل يقف له شَعُر المرء، وأحياناً حين يأتيه المسؤولون أوقات المصائب والمشاكل يتكلَّم عن الله وكأنّه لا يرى أحداً غيره. إنّه يقول: (لا تخافوا فإن الله معنا)، وهو متيقّن من صحة قوله هذا، معتمداً على الله وشعاع نور الإيمان في قلوب الحاضرين، وليس من فضول القول أن يصفه أصدقاؤه بـ (العابد الزاهد)؛ فصلاته في جوف الليل ودعاؤه وبكاؤه وأنينه وقت السحر كلّها تُبكي المرء رغماً منه.

 

 

 

لقد بدأ الإمام أيام الحرب العالمية الأولى دراسة (منظومة السبزواري) واستغرق ذلك سنتين، ثم بدأ دراسة الأسفار، وبعد عدّة أيام وجد أنه يستطيع ـ لوحده ـ قراءتها وفهم مواضيعها، ولا يحتاج في ذلك إلى أستاذ، لذا شرع في دراسة الأسفار، وفي هذه الأثناء وفد المرحوم آية الله الشيخ الشاه آبادي إلى قم. ويقول الإمام بهذا الصدد:

 

 

 

"لقد التقيته (الشاه آبادي) في المدرسة الفيضيّة وسألته مسألة عرفانية، وعندما بدأ الحديث عرفت أنّه من أصحاب الخبرة في هذا المجال، فقلت له: أريد أن أدرس عندك. فقبل بذلك، بعد إصراري، ولكنه فهم أنّي أريد دراسة الفسلفة فقلت: لقد درست الفلسفة، وما أتيتك من أجل دراسة الفلسفة، بل أريد دراسة العرافان، فأبى ذلك، ولكن بعد إصراري وافق على تدريسي "شرح الفصوص".

 

 

 

فسألت الإمام: كم شخصاً كنتم؟ فأجابني:

 

 

 

"عندما كان يزداد عددنا كنّا ثلاثة، ولكن في أكثر الأوقات كنت أدرس العرفان لديه وحدي".

 

 

 

فسألته: وهل درست درساً آخر لدى الشيخ الشاه آبادي؟ فقال: "درست عنده في أيام العطل وأيام الخميس والجمعة (مفاتيح الغيب). وفي الوقت نفسه الذي كنت أدرس لديه شرح الفصوص ومفاتيح الغيب كتبت حاشية على مفاتيح الغيب".

 

 

 

فسألته: وأيّة كتب أخرى درست لدى الشيخ الشاه آبادي؟ فقال:

 

 

 

"كتاب (منازل السالكين)".

 

 

 

فقلت: وكم شخصاً كنتم؟ فأجاب:

 

 

 

"كنت لوحدي، وربما جاء شخص أو شخصان آخران أحياناً، ولكنهم كانوا يذهبون بعد حين".

 

 

 

سألت الإمام: كيف كان (الشيخ الشاه آبادي)؟ فأجاب:

 

 

 

"لقد سألته مرّة: إنّ دروسك التي تلقيها لا توجد في الكتب، فمن أين تأتي بها؟! فأجابني: هناك من يقولها. ـ يعني: أنها من عندي ـ".

 

 

 

ثم أضاف الإمام: "إنّ له حقاً كبيراً عليّ، وقد كانت له خبرة كاملة سواء في الفلسفة أو العرفان".

 

 

 

ولربّما ـ والكلام للسيد أحمد ـ لا يوجد عندنا اليوم من له إحاطة بعلم العرفان كالإمام.

 

 

 

ثم سألت الإمام: كم سنةً درست العرفان عنده؟ فأجاب:

 

 

 

"لا أتذكر بالضبط، ولكنّها استغرقت من خمس إلى ستّ سنوات، بيد أنّ الشيخ الشاه آبادي يختلف في تدريسه "شرح الفصوص" عن شرح فصوص القيصري، فقد كان يضيف عليه كثيراً من التعليق والشرح".

 

 

 

كانت هذه عبارات قالها الإمام وكتبتها بنفسي.

 

 

 

مؤلفات الإمام

 

 

 

سألت الإمام: ما هو أول كتاب كتبتم؟ فقال:

 

 

 

"أظن أن أول كتاب لي أو من الأفضل أن أقول إن أول شيء كتبته كان "الحاشية على رأس الجالوت"، وبعد ذلك كتبت شرحاً مستقلاً لهذا الحديث، وكان بعد ذلك الدراسة عند الشيخ الشاه آبادي. عندما جاء الشيخ الشاه آبادي إلى قم لم أكن متزوجاً، وبعد الزواج واصلت دراستي عنده".

 

 

 

وسألته: كما أعرف أنك كتبت في السابعة والعشرين من عمرك كتاب (مصباح الهداية) وهو كتاب عرفاني، وفي التاسعة والعشرين كتبت شرحاً لدعاء السحر، ويقول بعضهم إنك لم تكن متزوجاً حين ألفت كتاب "الأربعون حديثاً" الذي تخصّ سبعة أحاديث منه المسائل العقلية، وثلاثة وثلاثون الأخلاقيات.

 

 

 

قال: "لا أتذكر بالضبط، ولكن في تصوري أني كتبت حاشية رأس الجالوت وشرحه أولاً، ثم أضاف: ولكن يمكن أن يكون الأمر كما تقول".

 

 

 

فسكت لأن المشاكل لم تكن تسمح بالكلام أكثر، ولكني أعتقد أن أول كتب الإمام كتاب "مصباح الهداية" وثانيها "شرح دعاء السحر" والثالث كتاب "الأربعون حديثاً"، وكتاب "رأس الجالوت" كان بعد وفاة المرحوم الشيخ الشاه آبادي. ومن المؤكد أنه دوّن بعد زواج الإمام، ولأن زواج الإمام كان في الثامنة والعشرين من عمره، والمؤكد أن الإمام قد ألف كتاباً في السابعة والعشرين فأي كتاب كان؟ لا أحد يعرف ذلك.

 

 

 

أما "حاشية فصوص الحكم" و"الحاشية على مفتاح الغيب" فمن المؤكد أنه كتبهما بعد الدراسة عند الشيخ الشاه آبادي، و"أسرار الصلاة" أو "معراج السالكين" كتبه بعد الدراسة عند المرحوم الحاج ميرزا جواد الملكي التبريزي، الذي كان يدرس الأخلاق في المدرسة الفيضية، وسمعت أن المرحوم ميرزا جواد الملكي كان يلقي دروساً حول هذا الموضوع، ولكنها لم تخص (سر الصلاة). وقد كتب الإمام "رسالة الطلب والإرادة" حين كان يدرس الأصول.

 

 

 

أما "كشف الأسرار" فله قصة مستقلة، ويقول الإمام بهذا الصدد: "كان الحاج الشيخ مهدي القمي من علماء قم، وكان له ولد انحرف واعوج فألف كتاباً سماه "أسرار ألف سنة" أهان فيه الإسلام إلى حدٍّ ما، ولا أتذكر تماماً في أي مجال كان، ولكني كتبت رداً على ذلك الكتاب، وأسميته "كشف الأسرار"، حيث كان كشفاً لـ"أسرار ألف سنة" الذي كتبه ذلك الرجل".

 

 

 

وأضاف الإمام: "كنت ألقي الدروس، وحين رأيت كتاب "أسرار ألف سنة" قررت أن أكتب ردّاً عليه، فعطلت دروسي شهراً أو شهرين وكتبت هذا الكتاب".

 

 

 

فقلت له: هل تبدو غاضباً في هذا الكتاب؟ أجاب: "لم تكن أنت موجوداً في ذلك الحين لترى أية إهانات كانت قد وجهت للإسلام"!

 

 

 

مؤلف آخر من تأليفات الإمام هو "حديث جنود العقل والجهل"، وهو حديث في كتاب "الكافي" للكليني، ذكر فيه ـ كما أظنّ ـ سبعين من (جنود) العقل وسبعين من (جنود) الجهل، شرحها الإمام جميعاً.

 

 

 

"آداب الصلاة" تأليف آخر للإمام يشرح فيه ما يجب عمله عند الصلاة، ثم يتطرق لسور الحمد والتوحيد والقدر، وهو كتاب عرفاني كسائر كتب الإمام التي هي إما عرفانية أو ذات نكهة عرفانية قوية جداً.

 

 

 

ومن مؤلفات الإمام "الرسائل" حيث لم يطلق عليها الإمام هذا الاسم، ولكنها إذ تشمل على قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) والاستصحاب والتعادل والتراجيح والاجتهاد والتقليد والتقية، فقد سميت بهذا الاسم، وهي في مجلدين.

 

 

 

ومن تأليفاته الأخرى كتاب "تحرير الوسيلة" الذي يعتبر دورة فقهية مع مسائل مستحدثة طرحها الإمام، وقد بدأ بهذا الكتاب في تركيا وأتمه في النجف حيث كتب الإمام ـ في هذا الكتاب ـ حواشيه على نص كتاب (وسيلة النجاة) لآية الله السيد أبو الحسن الاصفهاني وأضاف إليه مسائل كثيرة. ولهذا الكتاب قصة، وهي أنه لما طبع في النجف كان قد كتب عليه (تأليف زعيم الحوزة العلمية في النجف) فاعترض الإمام على ذلك بشدة، وأمر بإرجاع جميع النسخ إلى المطبعة ومحو هذه العبارة، مع أن كتب المراجع تُنشر مع هذه الألقاب، وهو أمر عادي تجاه شخص كالإمام، ولكن سماحته يتأثر من هذه الأمور، ولا يمكن توقع غير هذا من قائد الثورة الإسلامية.

 

 

 

وقد طُبع هذا الكتاب لحدِّ الآن مرات ومرات وطُبعت أيضاً عدة شروح كتبها الرجال العظام عليه. وحين طُبع هذا الكتاب طُبع بأسماء مختلفة مثل (كتاب الفقه) أو (الوسيلة تأليف آية الله الأصفهاني).

 

 

 

تأليف آخر من تأليفات الإمام، كتاب "البيع" الذي يحوي دروس الإمام، التي ألقاها ـ طوال مدة خمسة عشر عاماً ـ في النجف، والذي طبع في خمسة مجلدات، طبع المجلد الخامس منها في إيران بعد الثورة.

 

 

 

أما كتاب "الطهارة" فيشمل بحوث الإمام في قم حيث طبعت منه ثلاثة مجلدات.

 

 

 

أما "الحكومة الإسلامية أو ولاية الفقيه" فهو مجموعة تضم (16) درساً من دروس الإمام التي ألقاها في الحوزة العلمية في النجف، وعندما شرع الإمام في بحث ولاية الفقيه بدأ اعتراض الرجعيين في تلك الحوزة، فحركوا بعض الأشخاص لكي يترك الدرس عدد من الذين يحضرون هذه الدروس، وقد نجحوا في ذلك مع الأسف، إذ قال الإمام: إن بعضهم لم يحضر منذ بداية هذا الدرس وحتى نهايته لأنهم كانوا يعتقدون ـ حتماً ـ بأنه يجب أن يحكم الشاه وصدام وليس الإمام والمجتهد الجامع للشرائط، فكانوا يقولون: إن الحكومة ليست من شأن الفقيه! وكم لاقى منهم أصحاب الإمام الخلَّص من عذاب ومتاعب، وبدأت النزاعات فضايقوا الإمام وآذوه، ولكنه لو كان يمكن للإمام أن يعطل أعماله بسبب هذه الأمور لما انتهى به الأمر إلى النجف، ولترك الجهاد ضد الشاه ونظامه وهو في قم.

 

 

 

لقد سمع الإمام مثل هذا الكلام كثيراً، ولذلك فعندما كان أصحابه القليلون الصابرون والصامدون المخلصون ينفد صبرهم وتتعبهم الشتائم، كانوا يأتون الإمام ليستلهموا منه روحاً جديدة، فيقول لهم: عليكم بالاستمرار في عملكم ولا تنصتوا لهذه الأقوال. إنكم مسؤولون، وواجبكم العمل وفقاً لمسؤوليتكم وتحمل الصعاب والشتائم بصدر رحب، من أجل خلاص المسلمين، وعليكم أن لا تتركوا عملكم الصالح مهما قالوا لكم ومهما ضايقوكم. فلن يكون ذلك بمقدار يوم واحد من الصعاب التي تحملها الرسول، فكان أصحابنا القليلون يعالجون قلة عددهم برفع عزائمهم، ويغادرون الإمام بإرادة من حديد.

 

 

 

وكان مما فعله الرجعيون في الحوزة ـ وهم موجودون الآن ـ إلقاء كتاب الحكومة الإسلامية في آبار النجف! ذلك الكتاب الذي كان يثبت أن الحكم لرسول الله والأئمة الطاهرين والعلماء الكرام الذين يملكون شروط خلافة أئمتنا العظام. وقد انتبه أصدقاؤنا في النجف إلى أن بعض الأشخاص كانوا يأتون إلى منزل الإمام ويطلبون كتباً قائلين إنهم يريدون إرسالها إلى البصرة أو بغداد أو المدن الكبيرة في العراق، وبعد ذلك لم يكن لتلك الكتب أثر في تلك المدن، فعرفنا بعد المتابعة والمراقبة أنهم كانوا يلقون بتلك الكتب في شط الفرات!

 

 

 

أنظروا إلى اللؤم واعرفوا في أي بيئة عاش الإمام خمس عشرة سنة، وظل راسخاً كالجبل وانتصر في النهاية. والمؤلم أكثر انه كان بعض الأشخاص يسعى في أكثر المحافل والمجالس العلمية لإثبات أنه ليس للمجتهدين مثل هذا الحق، وأقسم بما تعبدون وما نعبد أنه عرف ـ فيما بعد ـ أنهم كانوا يتقاضون النقود من سافاك الشاه. قسماً بالله إنهم كانوا من عملاء الشاه، ولكن أصحاب الإمام؛ هذه الفئة القليلة، انتصروا ـ أخيراً ـ على الفئة الكبيرة المناوئة، واستطاعوا إيصال الكتب التي طبعوها ـ بعد جهد كبير ـ إلى الدول العربية، كما رأينا وسمعنا أنه عثر في منزل الشهيد خالد الإسلامبولي المصري على كتاب "الحكومة الإسلامية" للإمام.

 

 

 

وفي الوقت نفسه قام أصحاب الإمام الموجودون بالآلاف في حوزة قم العلمية بطبع هذه الكتب وتوزيعها بكل قدرتهم، وحتى إن السيد لاجوردي مدعي عام طهران (سابقاً) باع الكراسات التي تحتوي على هذه الدروس (دروس الإمام في الحكومة الإسلامية) في محلّه علناً، واعتُقل بعد ذلك.

 

 

 

لقد انتشرت هذه الكتب بسرعة البرق في جميع الحوزات العلمية والمحافل الدينية، وبذل المرحوم آية الله الرباني الشيرازي ـ أعلى الله مقامه ـ جهداً كبيراً في نشر هذا الكتاب. وما أحسن ما أدى أنصار الإمام في إيران رسالتهم مع وجود التعذيب والسجن والنفي.

 

 

 

ولقد نُظّم هذا الكتاب ـ بعد ذلك ـ وقدِّم إلى الإمام، ثم طبع بشكل ملخص. وسوف أتكلم حول محتوى هذا الكتاب و"كشف الأسرار" وسائر تأليفات الإمام.

 

 

 

لقد راجعت "كشف الأسرار" مرة واحدة ووجدت فيه أموراً كرهت أن لا أذكرها. إن هذا الكتاب شوكة بوجه الظلم والعدوان واللادينية، ومع أنه كتب قبل أربعين سنة فهو يتمتع بطباعة جيدة قياساً مع الكتب والجرائد التي تعود لما قبل أربعين سنة، وإننا نقرأ في هذا الكتاب مواضيع نعلم منها أن الإمام كان ـ ومنذ ذلك الوقت ـ يفكر في إقامة الحكومة الإسلامية.

 

 

 

شكل الحكومة الإسلامية

 

 

 

جاء في الصفحة 138 من كتاب (كشف الأسرار) ما يلي:

 

 

 

"إنّ الله تعالى يشير في هذه الآية {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} إلى تشكيل الحكومة الإسلامية حتى يوم القيامة. وواضح جداً أنه لم يوجب حاكمية أحد غير هؤلاء الثلاثة، ولأنه أوجب على جميع أفراد الأمة طاعة أولي الأمر فإنه يجب البحث حول من هم أولو الأمر.

 

 

 

إن بعضهم يقول: إنهم الملكوك والأمراء! وإن الله أوجب على الناس طاع سلاطينهم وملوكهم! وها نحن نحتكم إلى العقل الذي وهبه الله لنا.

 

 

 

إن إله العالم أرسل نبي الإسلام بآلاف الأحكام السماوية، ووضع أسس حكومته على مبدئي التوحيد والعدل. هذا الإله نفسه الذي قوى أساس العدل في العالم بتضحيات المسلمين، ومنع المظالم وانتهاك العفة؛ فهل يأمر الناس بأن يطيعوا أتاتورك الذي يعرف جميع الناس ماذا فعل بأصحاب الدين وكيف ظلم الناس؟! أو يأمر بطاعة بهلوي الذي رأيتم جميعاً ماذا صنع؟! والذي لو أراد أحد أن يعد مخالفاته الصريحة لله والقرآن فإنه قد يحتاج إلى كتاب.

 

 

 

إن هذا الإله الذي وضع أسس الدين والعدل ويأمر بنفسه بهدم هذا البناء، لن يقبله العلماء إلهاً عادلاً وقاسطاً، وإن مقام الألوهية منزه عن هذه الأعمال التافهة".

 

 

 

وبعد هذا الموضوع ومواضيع كثيرة أخرى يقول في الصفحة (281):

 

 

 

"إن الحكومة الوحيدة التي يعتبرها العقل حكومة الحق ويقبلها بيسر وطمأنينة هي حكومة الله. إننا لا نقول إن الحكومة لابد أن تكون للفقيه، بل نقول إن الحكومة يجب أن تدار بالقانون الإلهي الذي فيه صلاح البلاد والعباد، وهذا لا يتحقق دون إشراف عالم الدين".

 

 

 

هذا هو كلام الإمام قبل أربعين سنة. وفي باريس وفي مقابلاته جميعاً وحينما يُسأل: ماذا تعني الجمهورية الإسلامية؟ هل تعني أن يكون العلماء في رأس النظام؟ كان يقول بشكل قاطع: "الجمهورية الإسلامية تعني الجمهورية التي تقام بالاستناد إلى آراء الناس، ولكن محتواها إسلامي مئة في المئة".

 

 

 

وقال في بعض مقابلاته: "إن الإشراف لعلماء الدين"، وقال في بعضها الآخر: "إننا لا نريد أن يكون العلماء على رأس الحكومة، كلا بل العلماء مراقبون حتى لا يحصل ما يخالف الإسلام".

 

 

 

وهنا برز سؤال يقول:

 

 

 

"لماذا ـ إذن ـ أصبح العلماء على رأس الحكومة، فرئيس الجمهورية عالم وبعض الوزراء علماء؟".     

 

 

 

وقد أجاب الإمام عن هذا السؤال:

 

 

 

"انظروا إلى الحكومة المؤقتة، حيث لم يكن فيها عالم واحد، حتى وزارة الإرشاد أعطيت لغير العالم. لقد كان هذا العمل نتيجة للتفكير الذي كان سائداً في باريس، ولكننا رأينا ـ بعد ذلك ـ أنه لم يحصل ما أراده الناس ونحن وهو؛ تطبيق الشؤون الإسلامية مئة في المئة. لقد قلنا إننا لا نعين عالم الدين على رأس الحكومة، ولكن ليس بشكل مطلق، أي حتى لو كان غير العالم لا يؤمن بالإسلام فنحن نقبله! كلا إننا حين يكون العالم وغير العالم متسايين في جميع الأنحاء نفضل غير العالم في الأعمال التنفيذية على العالم، ولكننا رأينا أن غير العلماء لا يعملون بالإسلام بتلك الدرجة المطلوبة، وفي هذه الحالة لا يجيز لنا الإسلام هذا العمل ولا الشعب المسلم في إيران. فضلاً عن ذلك، أنني كنت أقول هذا الأمر حول الحكومة وأقوله الآن حول القضاء، والذي يجب أن يكون للمجتهد العادل. أما مجلس الشورى فإن الناس هم الذين ينتخبونه، وأقول أيضاً إنه حتى في هذه الحكومة فإن وزيري الداخلية والإرشاد معممان فقط، بالإضافة إلى ذلك يجب أن لا تكون العمامة سبباً في منع تعيين شخص لأداء عمل يليق به".

 

 

 

قراءة في (كشف الأسرار)

 

 

 

إننا نواجه في مواضيع "كشف الأسرار" المختلفة هجمات شديدة جداً ضد حكومة رضا خان، ويجب ألاّ ننسى أن العلماء لم يكونوا يهتمون قبل أربعين سنة بهذه الأمور. وقد تطرق الإمام لهذه الأمور في زمان كان فيه كثير من العلماء يحرم التدخل في هذه الشؤون، وليس فقط في ذلك الوقت بل حتى حينما شرع الإمام في نضاله ـ أقصد عام 1342هـ.ش (1963م) ـ؛ ففي ذلك الوقت قال بعض من لا يؤمنون بالله إن الإمام ليس من العلماء ولا من حوزة قم العلمية. جاء في "كشف الأسرار":

 

 

 

"إننا نقول: إن الحكومة التي مزقت بستّين رصاصة وحربة أجساد عدة آلاف من مظلومي البلاد في معبد المسلمين الكبير، وفي جوار الإمام العادل، هي حكومة الكفر، وإعانتها تعني الكفر وأسوأ منه.

 

 

 

إننا نقول: إن الحكومة خالفت قانون البلاد، وقانون العدل، وأطلقت مجموعة من المجانين المفترسين تحت اسم الشرطة في كل مدينة وقرية، ليعتدوا على النساء المسلمات العفيفات البريئات، ويكشفوا حجابهن بقوة الحراب، ويرفسوا المحترمات، ويسقطوا أطفالهن المظلومين، ولذلك فهي حكومة ظالمة وإعانتها تعادل الكفر.

 

 

 

إننا نعتبر الحكومة الدكتاتورية ظالمة وعملاءها ضالين وجائرين، وكل من يحترمهم فلا حظّ له من الشرف والإنصاف، وتلك الجرائد التي تؤيد الأعمال الظالمة للدكتاتور الهارب فهي تساعد المبادئ الوحشية الدكتاتورية، ويجب إحراق أوراقها في الميادين".

 

 

 

وجاء في موضع آخر من كشف الأسرار:

 

 

 

"إن تلك الكلمة غير المعقولة التي ترشحت من دماغ جندي أمي "رضا خان" قد أصبحت بالية وقديمة، وإن قانون الله فقط هو الذي سوف يبقى ولا يبدل بمرور الأيام".

 

 

 

وجاء في موضع آخر:

 

 

 

"إن من قال: إنني أفضّل الجندي اللص على جميع شخصيات إيران، لا يعرف من هم العلماء والشخصيات، ومع أن شخصيات ذلك الزمن "زمان رضا خان" كانت أقبح كثيراً من جندي لص، لكنّ رضا خان لم يكن يفهم الصلاح والفساد، ولم تكن ضغوطه على العلماء من أجل الاصلاح، بل كان بصدد اقتلاعهم من الأساس".

 

 

 

وجاء في جانب آخر من "كشف الأسرار":

 

 

 

"إن العلماء اعتبروا ـ ومنذ تلك الأيام الأولى ـ تصدي رضا خان "للحكم" مخالفة لمصالح البلاد، وكانوا ـ قدر استطاعتهم ـ يفضحون الأعمال الفاسدة المخربة على رؤوس الأشهاد، وإن لم يستطيعوا فبشكل خاص وسري".

 

 

 

وفي جانب آخر من "كشف الأسرار" هاجم الإمام صحف تلك الأيام ومجلاتها قائلاً:

 

 

 

"إن الأقلام والأوراق المخربة التي كانت في ذلك الزمان تنشر أفكار رضا خان وكلماته غير المعقولة المسمومة، كانت أشد وخزاً بمئات المرات من وخز أبر الأحمديين ـ أتباع أحمد كسروي ـ.     

 

 

 

وجاء في جانب آخر من الكتاب:

 

 

 

"خلاصة القول أن هؤلاء الحكام الخونة الفاقدين للعقل والأُجَراء الكبار والصغار العابدين للشهوة والمهربين يجب أن يبدلوا حتى تتغير أوضاع البلاد، وإلا فسوف ترون أسوأ من هذه الأيام، بحيث تصبح الأيام التي تعيشونها الآن جنة بالنسبة لتلك الأيام، فهل يا ترى يمكن أن نعد بلدنا اليوم كغيره من البلدان؟! إذا اعتبرنا هذه الحياة وهذه البلاد جيدة فيجب ـ عند ذلك ـ أن نمحو كلمة "رديء" من قاموس العالم".

 

 

 

وفي آخر كتاب "كشف الأسرار" أورد الإمام آية: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة…} إلى آخرها، وأضاف:

 

 

 

"مواطنينا الأعزاء، أيها القراء الكرام، يا اخوة الإيمان، أيها الشباب المحبون لإيران، أيها الإيرانيون الطالبون للمجد، أيها المسلمون الباحثون عن العزة، أيها المتدينون الطالبون للاستقلال… هذه هي أوامر السماء، هذه هي الأوامر الإلهية، هذه هي النداءات الغيبية التي أرسلها إله العالم إليكم ـ يا أمة القرآن وأتباعه ـ من أجل حفظ استقلال البلد الإسلامي، ورفع رؤوسكم عالياً، فاقرأوها وكرروا ذلك، ودققوا فيها وطبقوها ليعود استقلالكم ومجدكم وتحتضنوا النصر والشموخ ثانية، وإلا فستسلكون طريق العدم والحياة المليئة بالذلة والهوان وتكونون لقمة للناهبين في العالم".

 

 

 

مرة أخرى أرى من الضروري التذكير بأن هذا الكتاب قد كتب قبل أربعين سنة ـ وربما أكثر من ذلك ـ والامور التي طرحها الإمام هي أهداف توصل إليها أخيراً بالسعي والهمة.

 

 

 

نظرة في كتاب الحكومة الإسلامية

 

 

 

أحدث كتاب (ولاية الفقيه أو الحكومة الإسلامية) ـ الذي يتألف من (16) درساً ـ ضجة كبيرة في النجف وإيران. وطبيعي أن الضجة التي حدثت في النجف كانت على العكس تماماً من الضجة التي حدثت في قم وإيران، فالتيار المتخلّف في النجف سعى بكل قوته وبمساعدة الأيدي العلنية والخفية لنظام الشاه لمنع انتشار فكر الإمام الثوري بكل أبعاده؛ فكانوا يمنعون ـ بالتهديد ـ الأشخاص الذين كانوا يحضرون درس الإمام من الاشتراك في الدرس، وأتلفوا الكثير من نسخ الكتاب، وكانوا يحملون بعض الأشخاص الذين لم يكونوا يدركون الأمور جيداً على أن يتصلوا بالإمام ويقولوا له: إن النجف لا تتحمل هذا النوع من الكلام. ولكن الإمام كان يتابع عمله من أجل العالم الإسلامي لا من أجل عدة جهات مؤثرة على حوزة النجف، وممن يتقوّلون بكل وقاحة، ولا يتورعون عن كل كذبة أو تهمة يرونها مفيدة لتحقيق أغراضهم. لأدع أيام النجف التي كانت بالنسبة للإمام وأصحابه أياماً مرة جداً.

 

 

 

أما في إيران، وابتداءً من قم وطهران وبعد ذلك اصفهان ومشهد والمدن الأخرى فقد انهمك اصدقاء الإمام وأنصاره باستنساخ دروسه، ووفّقوا في ذلك والحمد لله. وفي هذا الكتاب الذي يتألف من أكثر من (200) صفحة ركز سماحته أكثر على أنه "يجب البدء من الصفر". وفي بعض الصفحات جاء الموضوع بشكل يستفاد منه أنه "يجب الاعتماد على النفس ويجب الوقوف بوجه الدعايات المغرضة التي تقول: إننا لا نستطيع أن ندير حكومة".

 

 

 

وإنني لا أنوي هنا بحث هذا الكتاب، بل أذكّر بجملة من مواضعيه وأدعو القراء إلى قراءته. لقد هاجم الإمام البيروقراطية التي كانت في إيران مؤكداً أن هذه القشور والمراسم لا توجد في حكومة الإسلام، وقد وصف لنا الإمام الاستعمار، ووصف الذين يسعون في الداخل والخارج لإخضاعنا له أكثر، وذكر دور الإعلام في هذا المجال، ونقل أدلة وجوب تشكيل الحكومة من القرآن والسنة، وبحث في شكل الحكومة الإسلامية واختلافها عن سائر أشكال الحكومات، وشروط الحاكم، وكذلك شروط الحكم في عصر الغيبة، الذي يؤول إلى الفقيه، والولاية الاعتبارية والولاية التكوينية، وأن الحكومة وسيلة لتحقيق الأهداف الإلهية والإنسانية العالية، والخصال اللازمة لتحقيق هذه الأهداف، وإثبات ولاية الفقيه عن طريق النص، ثم خطة النضال من أجل تشكيل الحكومة الإسلامية، والمقاومة في النضال الطويل، وإصلاح الحوزات العلمية، ومحو آثار الاستعمار الفكرية والأخلاقية، حتى يصل إلى إصلاح المتلبسين بالقداسة وتصفية الحوزات، وأخيراً إسقاط الحكومات الجائرة.

 

 

 

يقول سماحته في الصفحة 119:

 

 

 

"علينا أن نسعى ـ بجدٍّ ـ لتشكيل الحكومة الإسلامية، ونبدأ عملنا بالنشاط الدعائي ونتقدم فيه؛ ففي كل العالم، على مر العصور، كانت الأفكار تتفاعل عند مجموعة من الأشخاص ثم يكون تصميم وتخطيط، ثم بدء العمل، ومحاولة لنشر هذه الأفكار وبثها من أجل إقناع الآخرين تدريجياً. ثم يكون لهؤلاء نفوذ داخل الحكومة يغيرها على النحو الذي تريده تلك الأفكار ويريده ذووها، أو يكون هجوم من الخارج لاقتلاع أسسها، وإحلال حكومة قائمة على هذه الأفكار محلّها.

 

 

 

والأفكار تبدأ صغيرة ثم تكبر، ثم يتجمع من حولها الناس، ثم تكتسب القوة، ثم تأخذ بيدها زمام الأمور؛ ولم تكن القوة ـ كما ترون ـ حليفة الأفكار من أول يوم. وفي هذا كله ينبغي أن تُتخذ من الشعب ـ بكل قواه ـ قاعدة رصينة يرتكز عليها ويركن إليها، مع العمل الدائب على التوعية الجماهيرية، من أجل فضح خطط الإجرام، وكشف الانحراف الموجود لدى السلطات الوقتية، ويتم تدريجياً استقطاب الجماهير، كل الجماهير، ويتم الوصول بعدها إلى الهدف.

 

 

 

أنتم اليوم لا تملكون دولة ولا جيشاً، ولكن تملكون أن تدعوا فلم يسلبكم عدوكم هذه القدرة على الدعوة والتوجيه والتبليغ. وعليكم ـ إلى جانب بيان المسائل العبادية ـ أن تبينوا للناس المسائل السياسية في الإسلام، وأحكامه الحقوقية والجنائية والاقتصادية والاجتماعية، واتخذوا من هذا محوراً لعملكم. علينا من الآن أن نسعى لوضع حجر الأساس للدول الإسلامية الشرعية، فندعو ونبث الأفكار، ونصدر تعليماتنا، ونكسب المساندين والمؤيدين لنا، ونوجد أمواجاً من التوجيه الواعي، والإرشاد المنسق للجماهير، ليحصل ردّ فعل جماعي، تكون على أثره جموع المسلمين الواعية المتمسكة بدينها على أتم الاستعداد للنهوض بأعباء تشكيل الحكومة الإسلامية".

 

 

 

وجاء في الصفحة 129 من هذا الكتاب:

 

 

 

"وعظماء الرجاء يخططون للأجيال القادمة، ولا يحزنهم أن لا يلمسوا آثار خططهم مادام المستقبل كفيلاً بإعطاء النتائج والثمرات، ولا يداخلهم اليأس حتى في ذل الأسر، وفي أغوار السجون. ومن أجل الانتصار للأهداف الكبيرة فهم يخططون في السجون لما يسعد الأجيال القادمة، وليس كل همهم أن يصلوا إلى ما يريدون. وكثير من الحركات والنهضات أخذت شكلها النهائي بعد تمهيدات قد ترجع في بعض الأحيان إلى ما قبل مئتين أو ثلاثمئة من السنين".

 

 

 

وبالكلمات التالية وهي من الصفحة 139 ـ 141 من كتاب "ولاية الفقيه" أنهي مقالي حول كتب الإمام:

 

 

 

"وذات يوم اجتمع في منزلي: المرحوم آية الله البروجردي، والمرحوم آية الله الحجة، والمرحوم آية الله الصدر، والمرحوم آية الله الخونساري، للتداول في أمر سياسي مهم. فتقدمت إليهم أن يحددوا مواقفهم من هؤلاء المتظاهرين بالقداسة البلّه وأن يعتبروهم أعداءً من الداخل، لأن هؤلاء لا يهتمون بما يجري، ويحولون بين العلماء الحقيقيين وتسلم السلطة والأخذ بزمام الأمور.

 

 

 

فهؤلاء يوجهون أكبر لطمة للإسلام، ويشكلون أكبر خطر عليه، ويبرزون الإسلام بصورة مشوهة كأقصى ما يكون التشوه. ويوجد من هؤلاء كثير في (النجف) و(قم) و(خراسان). ولهم تأثير على البسطاء والبلهاء من أمثالهم من الناس. هؤلاء يعارضون من يصرخ في الناس لإيقاظهم ممّا غطوا فيه من السبات، هؤلاء يدعون الناس إلى الكسل والتخاذل، هؤلاء يعارضون من يعارض ويقاوم نفوذ الانجليز والأمريكان.

 

 

 

علينا أولاً أن ننصح أمثال هؤلاء أن يرجعوا عن غيهم، وننبههم على الخطر المحدق بالإسلام والمسلمين، وأن نفتح أبصارهم تحت ضوء الشمس على الخطر الصهيوني والانكلو  ـ أمريكي الذي يمد الكيان الإسرائيلي بمقومات الحياة. لا تطفئوا النور وتنغمروا في أمواج الظلام كما فعل النصارى قبلكم، فقد ألهاهم البحث في التثليث والأقانيم وروح القدس والأب والابن، ولم يبق لهم شيء آخر! تيقظوا وانظروا الحقائق كما هي. تداولوا مسائل حياة اليوم والغد.

 

 

 

أتتوقعون أنتم بوضعكم هذا أن تضع الملائكة أجنحتها تحت أقدامكم إكراماً لكم؟! ألم تكن الملائكة في شغل شاغل عنكم؟! الملائكة تضع أجنحتها تحت أقدام أمير المؤمنين (عليه السلام) لسابقته وخدمته، ونشره للإسلام في الدنيا كلها. فالملائكة تخضع له، ويخضع له الناس حتى الأعداء منهم، لأنهم يخضعون للحق في قيامه وقعوده، وفي كلامه وصمته، وفي خطبه وصلواته وحروبه. ماذا تستحقون أنتم من ذلك التعظيم؟ لا شيء!

 

 

 

نحن نكلم هؤلاء المتقدسين بمثل هذا الكلام؛ فإن نفعت الذكرى فذاك ما نريد، وإلاّ كان لنا معهم حساب آخر، وموقف آخر".

 

 

 

اقرأوا وطبقوا

 

 

 

فيما يلي رسالة كتبها الإمام سنة 1363هـ ـ 1944م تبين عمقه وثباته الفكري والسياسي منذ البدء وحتى الآن:

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

"اقرأوا وطبقوا"

 

 

 

قال الله تعالى:

 

 

 

{قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى}.

 

 

 

لقد بين الله تعالى في هذا الكلام الشريف مسير البشرية، منذ المنزل الأول المظلم للطبيعة وحتى نهاية هذا المسير. وهو أفضل موعظة اختارها إله العالم من بين جميع المواعظ، واقترح على البشر هذه الكلمة الواحدة التي ينحصر فيها طريق إصلاح الدارين وهي: القيام لله الذي بلغ بإبراهيم خليل الرحمن منزل الخلّة، وأطلقه من المظاهر المختلفة لعالم الطبيعة. لقد خاض إبراهيم في علم اليقين حتى قال لا أحب الآفلين.

 

 

 

والقيام لله هو الذي سلّط موسى الكليم بعصاه على آل فرعون، ودمّر عروشهم وتيجانهم، وأوصله إلى لقاء المحبوب ومقام الصحو.

 

 

 

والقيام لله هو الذي جعل خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله) يتغلب ـ لوحده ـ على جميع العادات والعقائد الجاهلية، وأزال الأصنام من بيت الله، ووضع مكانها التوحيد والتقوى، وأوصل ذاته المقدسة إلى قاب قوسين أو أدنى.

 

 

 

وحب الذات وترك القيام لله أوصلانا إلى هذه الأيام السود، وسلطا أهل العالم ـ جميعاً ـ علينا، وجعلا البلاد الإسلامية تحت نفوذ الآخرين.

 

 

 

فالقيام للمصالح الشخصية هو الذي خنق روح الوحدة والأخوّة بين الشعب المسلم، والقيام للنفس هو الذي فرق أكثر من عشرة ملايين شيعي وفصلهم عن بعضهم، فأصبحوا لقمة (في أفواه) حفنة من عباد الشهوة الجالسين وراء الموائد.

 

 

 

والقيام من أجل الفرد هو الذي يسلط شخصاً مازندارانياً أمّياً على مجموعة يبلغ عددهم ملايين لكي يجعل حرثهم ونسلهم عرضة لشهواته.

 

 

 

والقيام من أجل المصلحة الشخصية هو الذي جعل حفنة من الصبيان جوّابي الشوارع يتحكمون الآن في جميع أنحاء البلاد بأموال المسلمين ونفوسهم وأعراضهم.

 

 

 

والقيام من أجل الأمّارة هو الذي سلم مدارس العلم والمعرفة إلى حفنة من الأطفال البسطاء، وجعل مراكز العلم والقرآن مراكز للفحشاء.

 

 

 

والقيام للذات هو الذي سلم موقوفات المدارس والمحافل الدينية مجاناً إلى حفنة من التائهين، ولا أحد يتنفس.

 

 

 

والقيام للنفس هو الذي رفع حجاب العفة من على رؤوس النساء المسلمات العفيفات، والآن أيضاً يسري هذا الأمر المخالف للدين والقانون في البلاد، ولا أحد يقول شيئاً ضده!

 

 

 

والقيام من أجل المصالح الشخصية جعل الصحف التي هي وسائل لنشر الفساد الخلقي تنفذ اليوم الخطط نفسها التي ترشحت من الدماغ الجاف لرضا خان ـ عديم الشرف ـ وتنشرها بين الجماهير.

 

 

 

والقيام للذات أعطى مجالاً لبعض هؤلاء النواب المهربين لكي يقولوا ما شاؤوا في البرلمان ضد الدين والعلماء، ولا أحد يتنفس!

 

 

 

فيا أيها العلماء المسلمون الربانيون،

 

 

 

أيها العلماء المتدينون،

 

 

 

أيها المتحدثون الذين تحبون الشريعة،

 

 

 

أيها المتدينون المحبون لله،

 

 

 

أيها المحبون لله الطالبون للحق،

 

 

 

أيها الطالبون للحق الشرفاء،

 

 

 

أيها الشرفاء الوطنيون،

 

 

 

أيها الوطنيون أصحاب الكرامة،

 

 

 

اقرأوا موعظة إله العالم، واسلكوا طريق الإصلاح الوحيد الذي اقترحه، واتركوا المصالح الشخصية كي تنالوا سعادة الدارين جميعها، وتتمتعوا بالحياة الشريفة فيهما.

 

 

 

"إن لله في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها".

 

 

 

اليوم يوم هب فيه النسيم الروحي الإلهي، وهو افضل يوم للقيام الإصلاحي؛ فإذا فقدتم الفرصة، ولم تقوموا لله، ولم تعيدوا المراسم الدينية، فسلّط عليكم غداً حفنة من التائهين الراكضين وراء شهواتهم، ويجعلون شريعتكم وشرفكم عرضة لأغراضهم الباطلة، وما هو عذركم اليوم أمام إله العالم؟!

 

 

 

لقد رأيتم جميعاً كتب ذلك التبريزي الطائش الذي جعل جميع شرائعكم عرضة للسباب، وتجاسر كل ذلك التجاسر في مركز التشيع على الإمام الصادق (ع) والإمام الغائب (روحي له الفداء) ولم تصدر منكم أية كلمة! فأي عذر عندكم اليوم أمام المحكمة الإلهية؟! وأي ضعف هذا وأية مسكنة هذه التي استولت عليكم؟!

 

 

 

أيها السيد المحترم الذي جمع هذه الصفحات وأبلغها علماء البلاد الخطباء، حبذا لو أوجدت كتاباً يجمع فرقتهم، ويجعلهم يسيرون معاً لتحقيق المقاصد الإسلامية!

 

 

 

حبذا لو أخذت منهم جميعاً تواقيع بحيث لو حدث تجاسر على الدين في ناحية من البلاد قاموا جميعاً من أنحاء البلاد كلها، وبقلب واحد، ونحو هدف واحد.

 

 

 

حبذا لو تعلمتم الدين قليلاً من البهائيين، الذين لو كان أحدهم يعيش في قرية فهم يرتبطون به من مراكزهم الحساسة، ولو وقع عليه اعتداء صغير لنهضوا جميعاً من أجله.

 

 

 

إنكم إذا لم تقوموا من أجل حقكم المشروع، نهض الحمقى الفاقدون للدين، وبدأوا في كل ناحية يضربون على وتر عدم التدين، ولسوف يتسلطون عليكم ـ أيها المتفرقون ـ قريباً تسلطاً يجعل أيامكم أصعب من زمان رضا خان.

 

 

 

{ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله}.

 

 

 

السيد روح الله الخميني

 

 

 

     11 من جمادى الأولى 1363هـ.ق

 

 

 

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©