الجمعة ٢٨ / أبريل / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » المنطلق الإمام الخميني الفكر والثورة »

الفصل الرابع: الإمام الخميني(ره) ومشكلة التبعية

13 مايو 2012 | في الفئة: المنطلق الإمام الخميني الفكر والثورة | لا توجد تعليقات | الزیارات: 80

مصطفى الحاج علي

 

 

 

قبيل الشروع في تفاصيل البحث المقرر لهذه الصفحات نجد من الضروري الإشارة إلى ملاحظتين أساسيتين حول فكر الإمام وشخصه بغية الإمساك بالفهم الممكن لما تركه لنا من ارث فكري وجهادي: أولى هاتين الملاحظتين تتعلق بالمائز النوعي الذي امتاز به الإمام، وهو قدرته على اصطناع لغة عرفانية إسلامية أصيلة تتجاوز حالات الوجد الصوفي المنعزل والفردي إلى مقام الجمع بين الوحدة والكثرة في الوجود. بكلام أوضح، استطاع الإمام، وعلى نحو فذّ وفريد في تاريخ العرفان الإسلامي الأصيل، أن يمزج بين روحية العرفان ومشاكل وقضايا الناس والمجتمع. والحقيقة، أن هذه القدرة لدى الإمام ما كانت لتكون لولا ذوبانه المطلق في الإسلام فكراً وممارسة وتاريخاً ونصاً وروحاً وشهادة وغيباً. فتعلقه المطلق بعالم الغيب على ما فيه من جلال وجمال لم يدفعه إلى الاندكاك الفنائي في ذلك العالم والغياب عن عالم الشهادة، بل كان التلاحم والدمج بين الاثنين ينساب برفق وعذوبة في كل كلمة يتفوه بها حتى في المسائل التي تبدو وكأن لا صلة لها مع ذلك العالم كالمسائل السياسية والاقتصادية. فرؤيته لله في كل شيء جعلت كل شيء عنده وليد هذه الرؤية. ومن الواضح أن هذه الملاحظة تجعلنا وجهاً لوجه أمام حاجز من الصعب تجاوزه لدى التصدي لفكر الإمام وشخصه وجهاده بالقراءة أو التحليل؛ هذا الحاجز يتمثل بحاجة كل من يريد التصدي لمثل هذه الشخصية قراءة وتحليلاً إلى القدرة على تمثل تلك الروحية، لكن هيهات لمن هو مثلنا، وعلى حد تعبير الإمام نفسه، الذي لم يأت بعد "من طي العدم إلى الوجود"([1]) أن يفي حق هذا الرائد الحق من رواد "قافلة الوجود" الحق.

 

 

 

وثانية هاتين الملاحظتين تلك التي يمكن استفادتها من جوهر الملاحظة الأولى؛ إن الإمام لم يكن رجل فلسة أو فقه أو عرفان أو أدب أو أخلاق أو سياسة وحكم.. بل كان رجل الإسلام، وبهذا الاعتبار فقد كان رجلاً بمستوى الوجود الإنساني ينبسط مع مداه الرحب وينبض مع كل خلجة من خلجاته، وبهذا الاعتبار فقد كانت اهتماماته لا تقف عند حد محدود أو نعت منعوت، بل كانت تتمثل كل القضايا والمشاكل والمسائل التي تواجه الإنسان المظلوم والمستضعف والمقهور لتصوغ منها رأياً ثاقباً وموقفاً متماسكاً. ففكر الإمام نسيج مفرد من العضوية والانتظام والشمولية والتماسك، بحيث قلّما نجد له نداءً أو خطاباً أو وصية لم يضمنها رأياً أو موقفاً من مجمل المسائل التي تتحدى عالم المستضعفين والمقهورين. ومن هنا، فإن أي معالجة لأي ناحية من نواحي فكر الإمام لا تصيب مرادها ما لم يؤخذ موقعها في منظومة منطقه ومنهجه ومفاهيمه بعين الاعتبار.

 

 

 

والآن، وبعد هاتين الملاحظتين، فإن النقطة المركزية التي سنتصدى لها في هذه العجالة هي مسألة التبعية بكل تجلياتها عند الإمام. ومن المعروف أن مشكلة التبعية هي مشكلة المستضعفين والبلدان المقهورة في كل مكان وتحديداً منذ عام 1945، أي منذ برزت إلى الوجود قوتان عظيمان شكلتا مركزي استقطاب على كافة الصعد والمستويات، هما الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي. فاتفاقية "يالطا" التي وقعت في المرحلة الختامية للحرب العالمية من عام 1945، أرست نظاماً عالمياً جديداً بقيد الهيمنة، وهو ما عرف بنظام الاستقطاب الدولي من قبل مركزين رئيسيين: الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. هذا النظام الذي جعل العالم مناطق نفوذ وهيمنة مقسمة بين هذين المركزين. ومع هذا التقسيم وازدياد حدة التنافس والصراع الدولي على مناطق النفوذ "الاستراتيجية"، والتي منها المناطق الإسلامية على نحو مخصوص، أخذت تبرز مشكلة التبعية كإحدى المشاكل الرئيسة، إن لم نقل المشكلة الأم لباقي المشاكل، التي مُني بها عالم المستضعفين والمقهورين في كل مكان؛ فقد أدت مشكلة التبعية إلى تصدع البناء الحضاري والتاريخي للشعوب، كما أدت إلى فقدان الهوية والشعور بالانتماء الأصيل، كما أدت إلى التخلف والتقهقر إلى الوراء، فضلاً عن السلسلة الطويلة من الحروب الداخلية والخارجية المهلكة للحرث والنسل، كما افقدت الشعوب القدرة على الابداع والاندفاع إلى الأمام في حياة حرة وكريمة.

 

 

 

وقد أدرك الإمام بعمق خطر استمرارية الشعور بالتبعية والرزحان تحت وطأتها، لذا كان أول شعار مركزي لثورته هو "لا شرقية ولا غربية". وقد يتبادر إلى الذهن أن هذا الشعار ليس بجديد وأنه مستوحى من سياسة عدم الانحياز التي سقطت مع وفاة مؤسسيها الكبار من أمثال نهرو في الهند وعبد الناصر في مصر وتيتو في يوغسلافيا، وهي سياسة حاولت أن توحي بالوقوف خارج فلك التجاذب الدولي المشار إليه آنفاً، لكنها، وكما أثبت التاريخ المعاصر، لم تفلح لأكثر من سبب. صحيح أن هذا الشعار يدعو إلى عدم الانحياز للشرق أو للغرب، وبالتالي، للخروج من دائرة الاستقطاب الدولي، بيد أنه يدعو أيضاً إلى الاختيار، كما يدعو للخروج على النظام الدولي السائد. بكلام أوضح، أن الإمام برفعه لهذا الشعار لم يستخدم مفردات سبق استخدامها، انما استوحى الشعار من القرآن الكريم، ومن احدى آياته المباركة، وبالتحديد الآية (35) من سورة النور، حيث وردت على الشكل التالي: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم}. فعدم الانحياز هنا ليس مجرد موقف سلبي، وانما هو اختيار وانتماء في نفس الوقت انتماء إلى تلك الشجرة المباركة إلى تلك الزيتونة التي {يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار}. بل ان محض هذا الانتماء هو الذي يشكل المضمون الفعلي للموقف من عدم الانحياز، كما يشكل المحدد المسبق لهذا الموقف. فللشعار أصالة لا محالة، وأصالته تشكل جوهر عملية اعادة تشكيل الوعي بكل مستوياته ومفرداته ومفاهيمه ومصاديقه؛ فالادراك ـ ادراك الذات ـ لدى الأمة والأفراد وفق هذا الشعار، لا يتم من خلال الآخر، وليس وفق ما يشتهي الآخرون وما تملي مصالحهم، بل يبدأ من الذات لنفسها ومن تاريخها وحضارتها وتراثها ومن خلال تجديد انتمائها التاريخي والحضاري والثقافي لمبادئها ومعتقدها. وبهذه الخطوة الأولى تبدأ عملية الانسحاب من دائرة الإنسان الدمية إلى دائرة الإنسان الفاعل والحر، ومن دائرة التمزق والتشتت والتناحر، إلى دائرة الوحدة والانسجام والوئام. إن هذا الشعار ـ المبدأ ـ هو على حد تعبير الإمام بمثابة "هجرة إلى الله تعالى ورسوله الأعظم (ص)" وهو "اعلان الحب والوفاء تجاه الحق والإعراب عن السخط والبراءة تجاه الباطل أبداً؛ فاخلاص عشق الموحدين لا يثبت إلا بتجلي النفرة من المشركين والمنافقين تجلياً كاملاً"([2]). ويذهب الإمام أكثر من ذلك ليؤكد أن جوهر مبدأ "لا شرقية ولا غربية" إنما يقوم على كونه نوعاً من "تجديد لميثاق الكفاح، وتمرين لتنظيم صفوف المجاهدين من أجل مواصلة الصراع ضد الكفر والشرك والوثنية. ولا ينحصر أيضاً بالشعار، إذ هو بداية الإعلان عن ميثاق الكفاح وتعبئة جنود الله أمام جنود إبليس واتباع ابليس، وهو يعتبر من الأصول الأولية للتوحيد"([3]). هذا المبدأ ونداء البراءة الذي كان الإمام يحض عليه دائماً في موسم الحج بمثابة الشيء الواحد، بل إن الثاني يشرح عملياً ويوضح المراد من الأول. ومما جاء في أحد النداءات: "نداؤنا اليوم بالبراءة من المشركين والكافرين إنما هو صرخة ألم من ظلم الظالمين، وصرخة أمة ضاق صدرها مما عانته من اعتداءات الشرق والغرب وعلى رأسهم أميركا وأذنابها، وسلبت أوطانها وثرواتها"([4]).

 

 

 

إذن، هذا المرتكز السياسي لدى الإمام ليس مجرد موقف نظري ـ سلبي وإنما هو موقف عقائدي يضرب بعيداً ليبلغ الجذر الأول للإسلام ألا وهو جذر التوحيد، وهو الجذر الذي لا يرى موقعاً وعزة وكرامة للإنسان خارج الهدف الأسمى وهو السلوك إلى الله تعالى؛ فالله هو الهدف المركزي لرحلة الإنسان في هذه الحياة، وبقدر ما يطوي من خطوات القرب منه بقدر ما ينجز من كماله الممكن، وأما خارج المسير إلى الله فلا يوجد إلا الكفر والشرك والنفاق والفسوق والعصيان. كما أن وحدة هذا الهدف هي التي تكفل للإنسان وحدته الداخلية والخارجية، وأما خارجه فلا يقع إلاّ عالم الكثرة الذي يسوده التشتت والتناحر. ومن الواضح، أن الترجمة العملية لهذا المبدأ تقتضي التخلص والخلوص من كل ما ينافيه. وبهذا الاعتبار، فإن لهذا المبدأ فاعلية سلبية نافية بالقدر الذي لديه فاعلية إيجابية ومثبتة. وبالاعتبار الأول، فهو يقتضي جهاد وكفاح كل أنواع الشرك أو ما يمكن أن يؤدي إليه في الداخل والخارج. باختصار، أن لهذا المبدأ فاعلية التحرر من كل القيود التي يمكن أن تكبل مسيرة الإنسان التوحيدية نحو الله، سواء أكانت قيوداً طبيعية أم سياسية أم اقتصادية أم ثقافية... الخ.

 

 

 

وبهذا الاعتبار، فإن هذا المبدأ لابدّ واصل إلى الاحتكاك مع القوى المنافية له من الشرك والكفر والنفاق. فنحن لو لم نسع إليها لابد هي ساعية إلينا، ولعل "حرب الخليج" أصدق دليل في هذا المجال.

 

 

 

واستناداً إلى إسلامية مبدأ "لا شرقية ولا غربية" ونداء البراءة من المشركين يمكن القول أن هذين المبدأين لا يمكن أن يقفا عند حدود إيران، بل إن اهتمامات الإمام وهمومه كما أشرنا بادئ ذي بدء تستوعب كل قضايا الإسلام والمسلمين فضلاً عن المستضعفين والمظلومين إلى أي دين انتموا، ولذا فإن الإمام سعى إلى تعميم هذا المبدأ وتصديره لكن ليس عن طريق القوة العسكرية أو الارهابية كما حاول الأعداء أن يوهموا الشعوب المقهورة ليصدوا عن دين الله، وإنما عن طريق القناعة الذاتية والإرادة الحرة لهذه الشعوب نفسها، فعندما نردد القول بتصدير الثورة إلى كل مكان لم يكن المقصود افهام الآخرين بأن الإمام ومعه الجمهورية الإسلامية "دعاة فتح وتوسع، لأننا نعتبر جميع الأقطار الإسلامية منا، ومكان كل من هذه الدول محفوظ، وكل ما نريده هو أن يحصل لهذه الدول وشعوبها ما حصل في إيران، فيقطعوا تبعيتهم للقوى الكبرى، ويرفعوا أيدي هذه القوى الكبرى عن مصادر ثرواتهم. هذا هو أملنا وهذا معنى تصدير الثورة، وهو أن تستيقظ جميع الشعوب والدول ويحرروا أنفسهم مما هم فيه، ويحرروا أنفسهم من الفقر"([5]). فالتصدير لا يتجاوز حدود التمني وتوجيه الانتباه، وأما الباقي فمطلوب من الشعوب، شعوب البلدان الإسلامية، أن تبادر إليه. فالإمام يرفض فكرة التغيير من الخارج، ويساند فكرة التغيير من الداخل، ولذا حثّ في أكثر من مناسبة على عدم انتظار أن تأتي المساعدة من الآخرين في مثل هذه القضايا، ودعا إلى أخذ المبادرة والنهوض فرادى ومثنى وثلاث. والجمهورية الإسلامية بهذا الاعتبار لا تعدو أكثر من نموذج وقدوة تدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا تسعى كالقوى الاستكبارية إلى فرض نفوذها وسيطرتها بالقوة على الآخرين. وهذا ما أكده الإمام في وصيته الأخيرة حيث جاء ما يلي: "أما وصيتي للشعوب الإسلامية فهي: أن اتخذوا حكم الجمهورية الإسلامية والشعب الإيراني المجاهد نموذجاً وقدوة لكم، وضعوا حداً بكل قوة لممارسات حكوماتكم الجائرة إن هي رفضت الانصياع لمطالب الشعوب وهي مطالب شعب إيران، فالحكومات التابعة للشرق والغرب هي علة مسكنة المسلمين؛ أشدد الوصية لكم بأن لا تصغوا لدعايات أبواق أعدء الإسلام والجمهورية الإسلامية، فهم جميعاً يسعون لعزل الإسلام، لتضمن مطامع القوى الكبرى"([6]). وفي البند (ياء) من الوصية ورد التالي: "ووصيتي إلى شعوب البلدان الإسلامية، أن لا تنتظروا أن يأتيكم أحد من الخارج ليعينكم على الوصول إلى الهدف والإسلام وتطبيق أحكامه، يجب عليكم أن تنتفضوا من أجل هذا الهدف الذي يحقق الاستقلال والحرية"([7]).

 

 

 

وفي مطلق الأحوال، فإن حرص الإمام على الخروج من وعلى النظام الدولي السائد، كان يبدو بوضوح لديه أنه لا يمكن انجازه بدون ضرب كل أشكال التبعية، فكان مبدأ "لا شرقية ولا غربية" أو مبدأ "التوحيد"، وبالتالي، مبدأ اعادة الإسلام إلى الحياة بكل تفاصيلها، ومن ثم استرجاع الحضور التاريخي والحضاري والثقافي للإسلام في الحياة، تشكل مجتمعه المبادئ الأم، سواء للخط السياسي الداخلي أو للخط السياسي الخارجي في اطار العلاقات مع الآخرين، وفي هذا الإطار الخارجي لابد من اشارة سريعة إلى أن الإمام لم يكن ليقف كثيراً عند العلاقات مع الدول وأجهزتها الرسمية بقدر ما كان همه مُنصَبّاً على بناء أحسن العلاقات مع الشعوب. ولذا لم يكن ليتوانى عن اتخاذ الموقف المناسب من أي دولة كانت إذا ما صدر عنها أي موقف مناوئ للإسلام والمسلمين. فضرب التبعية بكل تفاصيلها وجذورها كان يشكل جوهر جهود الإمام وجهاده. ومنذ اللحظة الأولى للثورة أظهر الإمام حساسية مفرطة اتجاه أي شعار يرفع لا يكون إسلامياً أصيلاً، رافضاً أي محاولة للشرط من خلال المزاوجة بين المفردات الإسلامية والمصطلحات الحديثة أو المعاصرة من قبيل اشتراكية إسلامية" أو "ديمقراطية إسلامية"، بل كان يصر على رفع شعار وحيد هو المطالبة بالجمهورية الإسلامية، هكذا وبدون أي اضافات أخرى. فمحاربة التبعية بدأت من الشعارات الأولى للثورة واستكملت لاحقاً في كافة المجالات. فالإمام رأى بوضوح "إن مخطط نزع البلدان المستعمرة عن هويتها، وتغريبها وتشريقها، هو من المخططات التي كان لها ـ مع الأسف ـ تأثير بالغ على البلدان وعلى بلدنا العزيز، وقد بقيت نسبة كبيرة من آثارها حتى عادت هذه البلدان لا ترى نفسها ولا ثقافتها وقوتها بشيء، وترى في القطبين القويين الغرب والشرق، العنصر الأفضل وثقافتها هي الأسمى وانهما فيلقا العالم، وصوروا التبعية لأحدهما بانها من الفرائض التي لا مناص منها! وقصة هذا المخطط مؤلمة وطويلة، والضربات التي وجهها إلينا هذا المخطط ومازال مهلكة قاصمة، والأكثر الماً هو انهما ابقيا على الشعوب المظلومة المستعبدة متخلفة في جميع الأمور، وجعلا بلدانها استهلاكية، وأوجدا في انفسنا حالة عميقة من الرهبة تجاه مظاهر تقدمهما وقواهما الشيطانية، حتى لم تعد لنا جرأة على المبادرة إلى أي ابداع، فعدنا مسلّمين لهما كل امورنا حتى مقدراتنا ومقدرات بلداننا ومنقادين لهما انقياداً تاماً"([8]). ويتضمن هذا النص اشارات لطيفة ودقيقة لمرتكزات التبعية وآثارها والتي يمكن اجمالها بالتالي:

 

 

 

أولاً: تعميق الادراك من خلال الآخر، والآخر هنا هو دولتا الاستكبار العالمي: الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. وأي إدراك لا يمر من خلال قناة الشرق أو الغرب لن يكون له أي قوام أو تشكل منتج.

 

 

 

ثانياً: تداعيات هذا الإدراك:

 

 

 

أ ـ فقدان الهوية والانتماء الأصيل.

 

 

 

ب ـ تعطيل قوى الابداع بفعل السقوط أمام هيبة ثقافة وحضارة دولتي الاستكبار، وبالتالي، الشعور بالنقص والدونية ازاءهما، فضلاً عن الشعور بالعجز.

 

 

 

ج ـ تحول البلدان المستضعفة إلى بلدان استهلاكية مما يترتب عليه خسران امكانياتها المادية وثرواتها الطبيعية وبقاؤها في حالة تخلف وفقر مدقعين.

 

 

 

ومن ثم يتوقف الإمام بدقة امام سمات دقيقة أخرى لطبيعة المشروع الاستكباري للإبقاء على حالة التخلف لدى الدول الإسلامية المستضعفة؛ يقول الإمام: "إننا عُرّضنا للحرمان من أي تقدم طوال التاريخ الحديث خاصة في القرون الأخيرة… ومراكز الدعاية لمنجزاتنا، وكذلك عامل الشعور بالنقص، كل هذه العوامل حرمتنا من أي مسعى للتقدم؛ فاستيراد البضائع من كل نوع والهاء النساء والرجال وخصوصاً الشباب بالكماليات كمواد التجميل، وباللعب الصبيانية، وجر العوائل إلى التباري في مظاهر الروح الاستهلاكية ـ وهذا الأمر بحد ذاته يحكي قصصاً محزنة ـ وجر الشباب وهم العناصر الفاعلية إلى اللهو والضياع، باشاعة مراكز البغاء والفحشاء، وعشرات من أمثال هذه المصائب التي أوجدتها مخططات مدروسة بهدف الإبقاء على تخلف تلك البلدان"([9]).

 

 

 

من البين أن الإمام في هذا النص يجمل اعتبارات كثيرة تواجه دول العالم الثالث قاطبة كمشاكل حادة تعترض نموها وتقدمها، منها:

 

 

 

أ ـ سيادة مظاهر الروح الاستهلاكية من السعي وراء الكماليات وسواها، في الوقت الذي تعاني منه هذه الشعوب، شعوب بلدان العالم الثالث، من فقدان المقومات الرئيسية للحياة الكريمة، وهذا ما يدخلها مع مفارقة حساسة وتناقض داخلي مع انفسها، من شأنه أن يحفظها بعيداً عن المسار الصحيح للنهوض.

 

 

 

ب ـ الإشارة إلى ضعف المناعة الأخلاقية لدى هذه الدول بفعل مظاهر اللهو والمجون؛ ضعف المناعة هذا الذي من شأن أن يطيح بالشعور بالمسؤولية، وبالتالي، يفقد المجتمع إحدى المرتكزات الذاتية الأساسية للصحة النفسية السليمة للفرد والمجتمع، والتي تلعب دوراً مميزاً في عملية النهوض والتقدم.

 

 

 

وفي مطلق الأحوال، فان الفرد يخضع ومعه المجتمع، لإعادة تشكيل منظومة قيمه ومبادئه بشكل مباشر، وبشكل غير مباشر، بغية تحقيق الانسجام مع مصالح وأهداف الدول المستكبرة، ومن دون أن يشعر هؤلاء بالحالة المرضية التي هم فيها.

 

 

 

استناداً لهذا الإدراك من قبل الإمام، ولكي لا يبقى هناك ثمة تبعية على الصعيد الاقتصادي، أوصى قائلاً: "وأوصيكم بأن تنتفضوا لقطع دابر التبعيات بإرادتكم الصلبة وجهدكم الدؤوب، واعلموا أن الجنس الآري أو العربي لا يقل عن جنس شعوب أوربا وأمريكا وروسيا، وإذا اكتشف ذاته وأبعد اليأس عن نفسه ولم يتطلع إلى غير ذاته فانه قادر على انجاز أي عمل وصنع أي شيء على المدى البعيد، وبذلك ستصلون إلى ما وصل إليه امثال هؤلاء، شريطة التوكل على الله تعالى والاعتماد على النفس وقطع التبعية للآخرين وتحمل الصعب من أجل تحقيق حياة كريمة، والخلاص من تسلط الآجنبي. وينبغي على الحكومات والمسؤولين في الحاضر والمستقبل أن يكرموا خبراءهم ويشجعوهم على العمل بالدعم المادي والمعنوي، ويمنعوا استيراد البضائع المدمرة الموجِدة للروح الاستهلاكية ويكتفوا مع ما عندهم، لكي يتمكنوا بأنفسهم من صنع كل شيء واطلب من الشبان الفتية والفتيات أن لا يبيعوا الاستقلال والحرية والقيم الإنسانية بما يعرضه عليهم الغرب وعملاؤه الخونة من زخرفة الدنيا وتحلل وانغماس في مراكز الفحشاء والبغاء ولو كلفكم ذلك تحمل الأذى والألم. فالغرب وعملاؤه.. لا يريدان لكم سوى الضياع والغفلة عن مصير بلدكم لينهبا ثرواتكم ويجرّاكم إلى ذل التبعية والأسر الاستعماري وتحويل شعبكم وبلدكم إلى سوق استهلاكية. وهم بما يعرضونه عليكم بأمثاله إنما يريدون الإبقاء عليكم متخلفين وأنصاف وحوش كما يصطلحون"([10])!

 

 

 

إذن، للخلوص من ذل التبعية وآثارها لا بدّ:

 

 

 

أولاً: من استعادة الثقة بالذات والتخلص من اليأس.

 

 

 

ثانياً: تمرين الإرادة والنفس على الصبر وتحمل الصعاب، لأن الانتقال من حالة التخلف والاستهلاك إلى حالة التقدم والانتاج دونها مشاكل كثيرة.

 

 

 

ثالثاً: ضرورة وضع حد للروح الاستهلاكية بغية الافساح في المجال أمام مجتمع الحاجة، انطلاقاً من كون الحاجة أم الاختراع. فالحاجة زائد الثقة بالذات من شأنهما أن يحررا طاقة الابداع لدى الشعوب.

 

 

 

رابعاً: إيجاد الحافر المعنوي والمادي للابداع، وفي هذا الإطار لا بد من أن يلعب كل من الدول والمجتمع دوراً مهماً في ايجاد مثل هذه الحوافر.

 

 

 

خامساً: ضرورة التمتع بالصحة الأخلاقية المناسبة لتفجير الطاقات والجهود البناءة، وهذا ما يتطلب ايجاد الظروف الاجتماعية الملائمة فضلاً عن الاستعدادات الذاتية لدى الأفراد.

 

 

 

ولا يقف الإمام عند هذه النقاط بل يتعداها إلى مسائل أخرى رئيسة ابرزها المراكز التعليمية والتربوية من مدارس ومعاهد وجامعات وحوزات، وفي هذا الإطار، يشير الإمام إلى خطر تسلل المناهج غير الإسلامية إلى المراكز التعليمية المتنوعة معتبراً: "قضية المراكز التعليمية والتربوية من دور الحضانة إلى الجامعات هي من القضايا المصيرية المهمة (…) ليعلم الشعب المنهوب أن الجامعات كانت مصدر القسم الرئيسي من الضربات القاصمة التي وجهت إلى ايران الإسلام، خلا العقود الخمسة المنصرمة، فما كان لوطننا أن تستغله انجلترا وبعدها أمريكا وروسية لو كانت الجامعات وسائر مراكز التربية والتعليم تدار وفق مناهج إسلامية وتسير باتجاه مصالح البلد في تربية الأطفال والأحداث والشباب…"([11]). ولا يخفى ما للمراكز التعليمية والتربوية من أثر في اعداد وتوجيه الناشئين فضلاً عن تشكيل المحتوى الداخلي من فكري واخلاقي ونفسي. كما تشكل هذه المراكز المعامل الرئيسية التي يصنع فيها القادة والمسؤولون. وبالتالي، فانه مع صلاح هؤلاء يصلح الكثير من شؤون المجتمع، ومع فسادهم وانحرافهم يفسد الكثير من شؤونه أيضاً. هذا في جانب، وفي جانب آخر، فان المراكز التعليمية والتربوية التي يسودها مناهج تابعة ستخرج قادة ومسؤولين تابعين بالضرورة بأفكارهم وتوجهاتهم، وهذا من شأنه ابقاء البلاد في دوامة التبعية اطول فترة ممكنة. من هنا ضرورة توجيه الاهتمام إلى هذه المراكز وإعادة النظر في مناهجها، بحيث تسودها المناهج التي تضمن اصالة المجتمع واستقلاله وحريته. وبدلاً من أن تكون التربية ويكون التعليم لخدمة أهداف غريبة وبعيدة عن مصالح المجتمع الحقيقية، يصبح بالإمكان ايجاد مناخ تربوي وتعليمي ينسجم في أهدافه مع تطلعات المجتمع الصحيحة والتي تدفع به إلى الأمام بدلاً من إبقائه في بوتقة التخلف والتبعية. فالأهداف التربوية والتعليمية يجب أن تكون مستمدة من المثل العليا للمجتمع التي ينشد تحقيقها، والتي هي على تواصل عضوي مع تاريخه وحضارته وهويته الثقافية الأصيلة.

 

 

 

ولضمان التأصيل الثقافي والعملية التربوية في المجتمع لم يفت الإمام التنبيه إلى ما في "إثارة العداوة بين الجامعيين وعلماء دين" من مخططات استكبارية لئيمة داعياً "أن لا تصيب الغفلة الجيل المعاصر والأجيال الآتية وان يسعى الجامعيون والشباب الراشدون الأعزاء إلى تعزيز أواصر الود والتفاهم اكثر من ذي قبل مع العلماء وطلبة العلوم الدينية، وان لا يغفلوا عن مخططات ومؤامرات العدو الغادر…"([12]). فتعزيز الود والتفاهم بين مراكز التعليم الحديثة من جامعات ومعاهد وبين مراكز التعليم الدينية من شأنه أن يقيم ضرباً من التواصل والانسجام الفكري والروحي، كما من شأنه أن يقيم ضرباً من الحوار وتبادل المعلومات والخبرات، أو بكلام آخر، نوعاً من التبادل الثقافي، بحيث يزود كل منهما الآخر بما يحتاجه. ولا يخفى ما في التقارب والحوار بين الحوزات والجامعات من اغناء واثراء للطرفين على الصعيد الفكري والمنهجي، فضلاً عما تشكله الأولى من مراقبة مباشرة أو غير مباشرة على سير عمل الثانية، بحيث تضبط عملية اسلمة الفكر والمنهج فضلاً عن المصطلحات والمفاهيم.

 

 

 

إزاء كل ما تقدم ـ وهو غيض من فيض الإمام(قده) ـ نرى موقع التبعية بتجلياتها الرئيسية في فكر الإمام، وهو موقع اختصره بوصيته للمسؤولين عندما دعاهم إلى "أن يجتنبوا اجتناباً تاماً كل أمر تشتم منه رائحة التبعية بكافة أبعادها"، إدراكاً منه بأنها منبع "تفسخ جذور الدولة"([13])، لأنها الخروج بالدولة والمجتمع والفرد عن جادة التوحيد وشعار "لا شرقية ولا غربية" وادخالهم مجدداً في دوامة الكفر والشرك؛ فالإمام رسم التوجهات الرئيسية للتصدي لهذا الخطر، وحدد مصالحه الرئيسية أيضاً، ولا نغالي إذ نقول: إنه خارج هذا الإدراك لن نجد سوى سياسة الدوران حول الذات. ومع وفاة الإمام(قده) لا يبقى من مجال سواء إحياء الإمام في اتباع وصاياه، فنسأل الله أن نكون من هؤلاء.

 

 

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

 

 

_________________________________

 

 

 

 ([1])  لقد جاء في حرفية تعبير الإمام كما ورد في إحدى خطبه المشهورة بالخطاب التاريخي ما يلي: "أنا الغافل الذي لم آت بعد من طي العدم إلى الوجود… كيف يمكنني أن أقدم وصفاً لرواد قافلة الوجود". ولا يخفى ما في هذا التعبير من تواضع رفيع فضلاً عن المحتوى الفلسفي الدقيق الذي يختصره للموقف الإسلامي من الحياة والوجود.

 

 

 

([2])  هذا النص مختار من النداء التاريخي الذي وجهه الإمام بمناسبة الحج من عام 1407هـ ص 4ـ5 مؤسسة الفكر الإسلامي.

 

 

 

([3])  م. ن، ص7.

 

 

 

([4])  م. ن، ص9.

 

 

 

([5])  من كلمة له (قده) أمام سفراء الدول الإسلامية في طهران الذين وفدوا لتقديم التهاني بمناسبة عيد الأضحى المبارك لسنة 1400هـ الموافق 21/10/1980.

 

 

 

([6])  الفقرة ج من وصية الإمام ص 9. وفق الملحق الذي نشرته ووزعته مجلة الوحدة الإسلامية.

 

 

 

([7])  م. ن، ص114.

 

 

 

([8])  م. ن ص10، البند هاء.

 

 

 

([9])  م. ن، ص11.

 

 

 

([10])  م.ن، ص11.

 

 

 

([11])  م. ن، ص15.

 

 

 

([12])  م. ن، ص 9ـ10.

 

 

 

([13])  م. ن، ص14.

 

 

 

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©