الجمعة ٢٤ / مارس / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » المنطلق الإمام الخميني الفكر والثورة »

الفصل الثالث: الإمام الخميني (ره) والنظام الدولي

13 مايو 2012 | في الفئة: المنطلق الإمام الخميني الفكر والثورة | لا توجد تعليقات | الزیارات: 109

محمد عبد الجبار

 

 

 

مقدمة

 

 

 

اعترف أني كتبت هذه المقدمة بعد الانتهاء من كتابة الجسم الأساسي لهذه المقالة، وذلك لأنني وجدت من الضروري أن اعترف، ومن ثم اعتذر، أن هذه المقالة ليست وافية وكافية لبيان ابعاد نظرة (الخطاب الخميني) ـ وهو خطاب متحرك وسريع وغزير ـ إلى مسألة (النظام الدولي). ويعود ذلك إلى سببين، لنعتبر الأول منهما سبباً ذاتياً، وهو أن الزمن المحدد لإنجاز المقالة كان اقصر بكثير ممّا تتطلبه الدراسة لسعة موضوعها وتنوعه. أما السبب الثاني، وهو السبب الموضوعي، وهو ما واجهه، على ما اعتقد، كل الأخوة الذين تولوا الكتابة في موضوعات محور هذا العدد، وأعني به عدم اكتمال جمع تراث الإمام الخميني (رض) من خطب وتصريحات ومقابلات ونداءات وكتابات. لقد فوجئنا جميعاً بان (المجموعات) التي يفترض أنها تضم بين دفتيها تراث الإمام قليلة ونادرة، بل ان الأمر اكثر من ذلك، وبكلمات قليلة ومباشرة، لنقل: لا توجد عملياً مجموعة كاملة لتراث الإمام، وعلى الأقل السياسي منه، على غزارته! وحالياً توجد باللغة العربية مجموعة مؤلفة من أربعة أجزاء باسم (مختارات من أقوال الإمام الخميني)، تضم بعض خطب الإمام في الفترة من 3 مارس 1979، إلى شباط عام 1982 (الموافق للتاسع من ربيع الثاني عام 1402هـ)، وهي، مع ذلك، غير متوفرة بأجزائها الأربعة. وقد علمنا من الأخ المستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية الايرانية في لبنان أن هناك مجموعة تضم خطب الإمام، المرتبة على أساس موضوعي، ويبلغ عدد أجزائها حوالي 25جزءاً، ولكنها لا تغطي السنوات الأخيرة من عمر الإمام من جهة، وغير مترجمة إلى اللغة العربية من جهة ثانية. إذن، فالأمر الملح الآن، ونحن في قمة المواجهة الثقافية والسياسية مع الاستكبار العالمي، هو أن يتم جمع تراث الإمام، ويرتب ضمن منهجية مدروسة تعين الباحثين والمؤمنين على دراسة خط الإمام والإحاطة به.

 

 

 

وإزاء هذا الواقع، أي قلة النصوص المتوفرة بالقياس إلى سعة الموضوع، كان أمامنا أحد خيارين: إما ترك الكتابة في الموضوع أساساً، أو الكتابة بالمتيسر. وبعد تأمل، تم اختيار الطريق الثاني، على قاعدة ما لا يدرك كله لا يترك جله. وهكذا كان، ولهذا فان حركة البحث والدراسة عن نظرية الإمام وخطه ومواقفه وممارساته فيما يتعلق بمسألة النظام الدولي تدور في إطار هذا الحجم المحدود من النصوص المتوفرة، الأمر الذي قد، أو ربما بدون قد، يؤثر على بنية الدراسة ومضمونها وأفكارها واستنتاجها.

 

 

 

ثانياً ـ صلة الإمام بالنظام الدولي

 

 

 

لا نستبعد أن يتساءل البعض: ما هي صلة الإمام الخميني بمسألة النظام الدولي؟ ولماذا نفترض أن الإمام معني بهذه المسألة؟.

 

 

 

وقد يكون طرح هذا السؤال غريباً بعد كل هذا (الإرباك الثوري) الذي احدثه الإمام لبنية النظام الدولي ولآليات اشتغاله إلى الدرجة التي اعتبر فيها المراقبون الدوليون أن سنوات حكم الإمام هي (عشر سنوات هزت العالم).

 

 

 

وقد تكون خلفية مثل هذا السؤال كامنة في الوهم القديم القاضي بفصل الدين عن السياسة؛ هذا الوهم الذي عمل الغزو الثقافي الاستكباري على زرعه في عالمنا الإسلامي لإقصاء الإسلام لأنه دين، عن الواقع لأنه سياسة! ضمن مخطط معروف ومشهور، ولا داعي للحديث عنه.

 

 

 

ومن الطبيعي، لسنا في مقام الرد على هذا الوهم أو مناقشته، لأن لذلك مجالاً آخر، أو ربما لم يعد هناك ضرورة للدخول في مثل هذه المساجلات والمجادلات بعد أن دخل الإسلام ورجاله في قلب السياسات المحلية والإقليمية والعالمية.

 

 

 

وربما تكون خلفية مثل هذا السؤال كامنة في وهم آخر، مرتبط بالوهم الأول، وهو عزل علماء الدين عن السياسة، وهذا ما سعى الاستعماريون وعملاؤهم إلى تحقيقه وفرضه في عالمنا الإسلامي، كما فعلوا بأغلب علماء الدين في العراق بعد فشل ثورة العشرين الشهيرة عام1920.

 

 

 

ولسنا على أي حال في مقام مناقشة مثل هذه الخلفيات، لكن طرح السؤال يبقى مقبولاً ومشروعاً، خاصة إذا انطلق من خلفية أخرى ذات طابع (ايجابي)؛ فالسؤال يستهدف معرفة الخلفية التي كان الإمام الخميني نفسه ينطلق منها في تعاطيه مع المسألة الدولية، أو للنظام الدولي.

 

 

 

وكما في الأمور الأخرى، كفانا الإمام مؤونة البحث عن فهمه للعلاقة بينه وبين النظام الدولي، فقد كتب الإمام بتاريخ 22شباط 1989، متحدثاً عن صفات وخصائص (المجتهد الجامع للشرائط) يقول:

 

 

 

"يجب أن يكون المجتهد محيطاً بأمور زمانه، وليس مقبولاً للناس والشباب وحتى العوام أن يقول مرجعهم ومجتهدهم أنا لا أعطي رأياً في المسائل السياسية. إن معرفة طريقة مواجهة حيل وتزويرات الثقافة المسيطرة على العالم، وامتلاك البصيرة والرؤية الاقتصادية، والاطلاع على كيفية التعامل مع الاقتصاد المتحكم بالعالم، ومعرفة السياسات وحتى السياسيين، وتعليماتهم التي يملونها، وإدراك ظروف ونقاط القوة والضعف في قطبي الرأسمالية والشيوعية التي ترسم في الحقيقة استراتيجية السلطة في العالم، كل أولئك من خصائص المجتهد الجامع للشرائط.

 

 

 

يجب أن يتحلى المجتهد بالبراعة والذكاء والفراسة لقيادة المجتمع الإسلامي الكبير، وحتى غير الإسلامي..).

 

 

 

وبرأينا، فان هذا النص البالغ الوضوح، يقدم الإجابة الواضحة عن السؤال المتقدم.. إن الإمام الخميني، بحكم كونه فقيهاً مجتهداً، يرى أن تكليفه الشرعي هو (التصدي) لأمور الناس وقيادتهم على أساس الإسلام، فانه يرى من مقدمات تحقيق هذا الواجب والقيام به، هو الاحاطة (بأمور زمانه) ومن هنا نشأت العلاقة بين الإمام الخميني والنظام الدولي. فالإمام الخميني كان يرى أن عليه أن يعرف العالم من حوله وطريقة عمله وآليات تأثيره على بلاد المسلمين وأسلوب مواجهته وتشخيص نقاط ضعفه وقوته، من اجل أن يتمكن من إنجاز دوره الثوري في إنهاض الأمة وتغييرها وإسقاط الوضع الظالم الذي يجثم بظلمه الثقيل على صدر العالم كله.

 

 

 

ولذا، فليس دخول الإمام الخميني إلى النظام الدولي، بالمعرفة والمتابعة والاطلاع، ثم بالعمل والممارسة والسياسة والثورة، ليس ذلك دخولاً مفتعلاً، ولا طارئاً، وإنما هو امتداد وتجسيد طبيعي لرؤية الإمام الخميني لدور العالم الفقيه في المجتمع والدولة والعالم، وهي ذاتها الرؤية التي يقدمها الإسلام المحمدي الأصيل، الذي استوعبه الإمام، علماً وعملاً، فقهاً والتزاماً، عرفاناً وجهاداً، ونذر حياته الشريفة من أجل رفع رايته، وإعلاء كلمته، وتحقيق سيادته وسموه وانتصاره. وكان له ما أراد، وقد تحلى بالإرادة الحديدية الصلبة التي لا تلين، والإيمان الصادق العميق، فأقام الجمهورية الإسلامية، بعون الله وإذنه ونصره.

 

 

 

ولعله من المفيد أن نتساءل عن كيفية وعي الإمام الخميني للعالم من حوله.

 

 

 

نعود قليلاً إلى الوراء.. وُلد الإمام الخميني عام 1902. وإذا افترضنا انه بدأ يعي الأحداث السياسية، المحلية والاقليمية والعالمية، ابتداءً من بلوغه الخامسة عشرة من عمره، وهو سن التكليف الشرعي، فستكون سنة 1917 هي سنة بدء تكون صورة العالم في وعي الإمام الخميني. وهذه سنة مميزة على المستوى المحلي ـالايراني، وعلى المستوى الاقليمي ـ الإسلامي، وعلى المستوى العالمي.

 

 

 

لنبدأ من المستوى العالمي، من الاطار العام للصورة. كان العالم في تلك السنة منهمكاً فيما ستكون السنة الأخيرة من الحرب العالمية الأولى، التي كانت شرارتها الأولى قد اندلعت في 28حزيران 1914، حين اغتيل ولي عهد الامبراطورية النمساوية ـ الهنغارية الارشيدوق فرديناند في مدينة سيراجيفو الصربية، والتي سوف تنتهي في 11تشرين الثاني عام1918.

 

 

 

وعام1917 شهد حدثاً دولياً بالغ الأهمية، وهو قيام الثورة البلشفية في روسيا وقيام الاتحاد السوفياتي، الجار الشمالي الكبير لايران، والذي سيكون له دور كبير في صياغة النظام الدولي بوضعه الحالي.

 

 

 

وتتسارع الأحداث الاقليمية بسرعة لتسفر عن انهيار "الدولة الإسلامية" العثمانية، الثمرة الأكبر للحرب العالمية الأولى من جهة، ولتصاعد حدة الصراعات الدولية على أرض إيران بين الدول "الكبرى" آنذاك وخاصة روسيا وبريطانيا والمانيا، الأمر الذي "حمل إليها الخراب وإلى شعبها الشقاء خلال نصف قرن أو يزيد"([1]).

 

 

 

في 21 شباط سنة 1921، شهد الإمام الخميني، وهو في التاسعة عشرة من عمره، بداية نشوء الأسرة البهلوية التي ستحكم إيران لغاية 11 شباط 1979، والتي سيكون الإمام الخميني عدوها الألد وخصمها العنيد، والذي لم يهادنها حتى اسقطها؛ ففي فجر ذلك اليوم دخل رضا خان، وكان قائداً لحامية تبريز، طهران، على رأس 2500 جندي من قواتها، وسيطر على العاصمة، وتمكن من السيطرة على الحكم، في أول انقلاب عسكري في تاريخ إيران الحديث، وأخذ رضا خان يواصل تعزيز نفوذه، حتى استطاع حمل الجميعة التأسيسية الإيرانية في 15/12/1925 على اعلانه ملكاً باسم رضا شاه بهلوي.

 

 

 

ويشهد الإمام الخميني كل تطورات العالم في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، إلى أن قامت الحرب العالمية الثانية، رسمياً، بتاريخ 3 أيلول من عام 1939، لتنتهي بعد 6 سنوات، في 2 أيلول 1945 باستسلام اليابان. ولكن إيران في فترة الحرب العالمية الثانية شهدت حدثاً "دراماتيكياً"، فقد كانت الرياح الساخنة للنظام الدولي المنهار جزئياً آنذاك تهب بشدة عليها. فقد دخلت قوات الحلفاء في 25/8/1941 الأراضي الايرانية، وضغط الانجليز على رضا شاه ـ المتهم بالانحياز إلى المانيا ـ حتى تنازل عن العرش إلى ولي عهده محمد رضا، ليكون رحيل شاه وصعود شاه لعبة يمارسها "النظام الدولي" بكل صلافة ساحقاً بذلك حتى العظم مفاهيم الاستقلال والحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها. لقد كان الإمام قد بلغ التاسعة والثلاثين من عمره آنذاك، ولم يكن بحاجة إلى دليل، أكثر من هذا، على حقيقة النظام الدولي من جهة، وعلى حقيقة نظام الشاه من جهة ثانية.

 

 

 

وظل الإمام الخميني يراقب الأحداث من حوله، ويتابع حركة النظام الدولي وأثرها في داخل ايران، حتى وصل في عام 1963 ـ وقد صار رجلاً كبيراً له من العمر 61 عاماً ـ إلى منعطف أساسي في حضوره السياسي. وفي 3/6/1963 ألقى خطابه الشهير في المدرسة الفيضية الذي كان بمثابة "البيان الأول" لثورة الإمام الخميني الأولى، والتي اعتبرها هو نفسه، القاعدة الأساسية لثورة شباط 1979، والتي أسقطت نظام الشاه، أخيراً.

 

 

 

ما نريد قوله من وراء هذا الاستعراض التاريخي هو أن الإمام الخميني عاصر نشوء النظام الدولي الحالي سنة بسنة، وخطوة خطوة، معاصرة من يعرف دوره في وعي العالم وتغييره، ويشعر بمسؤوليته ازاء وطنه الصغير (إيران) والكبير (العالم الإسلامي)، وشعبه الإيراني، وأمته المسلمة. لقد نشأ النظام الدولي تحت نظر الإمام الخميني، بل أن الأمرين كانا متلازمين: تشكل النظام الدولي، ونمو شخصية الإمام الخميني السياسية. ولهذا نستطيع أن نقول أن معرفة الإمام الخميني بالنظام الدولي لم تكن معرفة خبر ورواية، وإنما معرفة ممارسة ودراية. وهذا أمر بالغ الأهمية في معرفة قيمة رؤية الإمام الخميني للنظام الدولي ومصداقية أحكامه عليه.

 

 

 

النظام الدولي

 

 

 

نشعر بالحاجة المنهجية، ونحن بصدد الحديث عن رؤية الإمام الخميني للنظام الدولي وموقفه منه، أن نضع القارئ في أجواء هذا المصطلح؛ ذلك أن مصطلح "النظام الدولي" المترجم عن الانجليزية International or global system يعتبر مصطلحاً جديداً في الأدب السياسي المعاصر، إلا أنه اليوم من المصطلحات والمفاهيم الأساسية في علم العلاقات الدولية، وتعج المكتبة السياسية الدولية المعاصرة بالعديد من الدراسات حوله قدمها علماء كبار أمثال: آرون، وبولدنغ، وهوفمان، وكابلان، ومودولسكي، وروزكرانس، وسنجر، ووالتز، وغيرهم.

 

 

 

وقد توصل الأدب السياسي، كما يقول د. عبد المنعم سعيد([2]) إلى صياغة تكوينات مفهوم النظام الدولي في نهاية الخمسينات والستينان من هذا القرن. ويكاد يكون تعريف موريس ايست وزملائه للنظام الدولي مقبولاً إذ يقول بأنه يمثل: "أنماط التفاعلات والعلاقات بين القواعد السياسية ذات الطبيعة الأرضية (أي الدول) التي تتواجد خلال وقت واحد".

 

 

 

إلاّ أن علماء السياسة الدولية يقدمون فهماً أكثر تعقيداً من مجرد التفاعلات بين الدول القومية وحكوماتها حول الظواهر السياسية والأمنية، حيث يدخل هؤلاء فواعل أخرى إلى منظومة التفاعل التي تشكل النظام. ويؤكد هؤلاء العلماء، مثل: كوهين وناي، على الدور الذي تلعبه الفواعل عابرة الحكومات وتلك العابرة للقوميات، مثل الشركات المتعددة (أو المتعدية) الجنسيات، والمؤسسات، والاتحادات الدولية، والمنظمات الدولية الوظيفية.

 

 

 

ويركز علماء آخرون مثل بيرتون وكانتوري وشبيغل وبايندر على نظم اقليمية فرعية أو تابعة، حيث بينوا مواصفاتها الخاصة وتفاعلاتها الذاتية التي يمكن فصلها عن تلك العالمية.

 

 

 

وبناء على هذا التطور أمكن التمييز حسب جميل مطر وعلي الدين هلال([3])، بين ثلاثة مستويات لدراسة الوضع الدولي، وهي:

 

 

 

1 ـ مستوى النظام الدولي، ويقصد به أنماط التفاعلات الدولية على مستوى القمة بين الدول الكبرى ـ وخصوصاً بين الدولتين العظميين ـ والتي يترتب على نوعية العلاقات فيما بينها تحديد مناخ العلاقات الدولية في العالم كله. وتتردد في هذا الصدد مصطلحات مثل القطبية الثنائية، توازن القوى، تعدد الأقطاب، وغيرها.

 

 

 

2 ـ مستوى النظام الاقليمي التابع أو الفرعي، Regional or subordinate system ويقصد به التفاعلات الدولية التي تتم في منطقة ما، تحدد ـ عادة ـ على مستوى جغرافي.

 

 

 

3 ـ مستوى الفواعل غير الدولية، وهي بشكل أساسي فرعان: المنظمات الدولية، والشركات الدولية متعددة الجنسيات([4]).

 

 

 

الإمام الخميني والنظام الدولي

 

 

 

كيف يرى الإمام الخميني العالم؟

 

 

 

من نصوص الإمام الكثيرة، يمكن أن نقول ان الإمام الخميني يرى العالم ينقسم إلى عالمين: عالم المستكبرين، وعالم المستضعفين. وهو التصور الأساس للعالم عند الإمام. وهو يختلف عن الصورة التقليدية التي تقسم العالم إلى ثلاث دوائر، وهي: المعسكر الرأسمالي (العالم الأول) والمعسكر الاشتراكي (العالم الثاني) والعالم الثالث. كما تختلف هذه النظرة عن نظرة ماوتسي تونغ التي تقسم العالم إلى ثلاث دوائر هي: العالم الأول الذي يضم الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية، والعالم الثاني الذي يضم الدول المتطورة الصناعية أي أوربا الغربية وكندا واليابان، وأخيراً العالم الثالث الذي يضم الدول الأخرى في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.

 

 

 

الدول في العالم المعاصر هي إما مستكبرة أو مستضعفة. وهذا التقسيم بنظر الإمام من فعل الدول المستكبرة ذاتها؛ فهو لا يعبر عن حالة "طبيعية" في العالم، وإنما هي حالة مفروضة، فرضتها هذه الدول المستكبرة، فقسمت العالم عملياً إلى قسمين: عالم الاستكبار، وعالم الاستضعاف.

 

 

 

وإذا كان الإمام قد طرح هذه الرؤية في وقت مبكر، فإنه قد صاغها بصيغتها المحكمة في أحد نصوصه المتأخرة والمهمة، ذلك هو خطابه الذي وجهه إلى المسلمين في 5 ذي الحجة سنة 1408هـ. يقول الإمام (رض):

 

 

 

"الواقع أن دول الاستكبار الشرقية والغربية وبخاصة أميركا وروسيا قد قسَّمت العالم عملياً إلى قسمين: قسم حر وقسم حجر سياسي. ففي القسم الحر من العالم، هناك الدول الكبرى التي لا تعترف بأي مدى، أو حَد، أو قانون، وتعتبر الاعتداء على مصالح الآخرين، واستعمار الشعوب واستثمارها واستعبادها أمراً ضرورياً ومبرراً ومنطقياً، ومنطبقاً على جميع المبادئ والموازين الدولية، والموضوعية من قبلها هي.

 

 

 

أما في قسم الحَجْر السياسي، الذي تحاصر وتسجن فيه للأسف معظم شعوب العالم الضعيفة وبخاصة المسلمين منها، فلا وجود اطلاقاً لحق الحياة وإبداء الرأي.

 

 

 

إن القوانين والمقررات والأنظمة جميعها هي القوانين المفروضة والمنسجمة مع أهواء النظم العملية والمؤمّنة لمصالح المستكبرين.

 

 

 

والمؤسف أن معظم متولي السلطات التنفيذية في هذا القسم هم الحكام المفروضون أو اتباع النهج الاستكباري العام، الذين يعدون حتى صرخة الألم من داخل جدران هذه السجون والسلاسل جريمة لا تغتفر، فمنافع ناهبي الشعوب تمنع على أي كان حتى التلفظ بأي كلمة يشتم منها إضعافهم أو تعكير صفو راحة نومهم".

 

 

 

ويمكن تلخيص وجهة نظر الإمام التي يعبر عنها هذا النص كما يلي:

 

 

 

إن الحرية على مستوى السلوك السياسي الدولي حكر على الدول المستكبرة، وهي، بهذا المعنى، تؤلف "العالم الحر" في مصطلح الإمام، فالعالم الحر، هو ليس العالم الرأسمالي، كما في الأدبيات الغربية، في مقابل العالم غير الحر، أي العالم الاشتراكي. إنما "العالم الحر" يضم كل الدول الكبرى صاحبة الحرية "المطلقة" في التصرف والسلوك الدوليين، في مقابل عالم "الحجر السياسي" الذي يضم الدول والشعوب المستضعفة التي لا تملك من حرية السلوك السياسي الدولي شيئاً. فهي مستعبدة ومحكومة لإرادة ومصالح الدول النافذة في العالم الحر.

 

 

 

ولا نبعد عن الصواب إذا قلنا إن الإمام كان يضع أمام عينيه الدول الكبرى الخمس، بشكل أساسي، وهو يتحدث عن "العالم الحر"، أي الولايات المتحدة، والاتحاد السوفياتي، وبريطانيا، وفرنسا، والصين. وجميع هذه الدول أعضاء دائمة في مجلس الأمن الدولي، حيث "السلطة الدستورية" الأعلى في العالم، وتتمتع بحق "الفيتو"، أي الاعتراض والنقض على قرارات المجلس. وحق النقض يعني إن هذه الدول تملك "الحرية المطلقة" إزاء قرارات مجلس الأمن، بل تملك حرية تقيد حق الآخرين أيضاً. فالدول الأخرى الأعضاء في مجلس الأمن بحاجة إلى ضمان موافقة أو سكوت الدول الكبرى الخمس، مجتمعة، من أجل اصدار أي قرار عن مجلس الأمن. إن ما يسمى بالإرادة الدولية رهن، إذن، بإرادة الدول الخمس الكبرى. وليس العكس.

 

 

 

ومن الطبيعي أن نتوقع أن هذه الدول المستكبرة تنطلق في قراراتها وأفعالها السياسية، بما في ذلك مصادرة الإدارة الدولية وحرية الدول الأخرى، من "مصالحها الخاصة". وهذه المصالح هي التي تشكل القانون "الدولي" العام الذي تستند إليه. ولاشك أن الإمام كان يتذكر مصطلح "المصالح الحيوية" الذي ابتكره الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، وهو يضع مبدأه الشهير، الذي عرف باسم "مبدأ كارتر" والقاضي باعطاء الحق للولايات المتحدة الأميركية بالتدخل العسكري في مناطق الشعوب المستضعفة، بما في ذلك منطقة الخليج، لحماية ما أسماه كارتر: "المصالح الحيوية" للأمة الأميركية.

 

 

 

وعلى هذا الأساس، فإن الدول المستكبرة تعتبر "استعمار الشعوب واستثمارها واستبعادها أمراً ضرورياً ومنطقياً ومنطبقاً على جميع المبادئ والموازين الدولية".

 

 

 

ومن جهة أخرى فإن القوانين الدولية، أو ما يسمى بالقانون الدولي، هو من وضع هذه الدول المستكبرة نفسها. ومن الطبيعي أنها وضعته فيما يحقق مصالحها ويضمن سيطرتها وسلطتها وهيمنتها على باقي العالم، أي الشعوب المستضعفة. والمقصود بالقانون الدولي "مجموعة القواعد القانونية التي تحكم الدول وغيرها من الشخصيات الدولية في علاقاتها المتبادلة"([5]).

 

 

 

والمعروف أن معاهدة وستفاليا الموقعة في عام 1648 تعد نقطة الانطلاق في تاريخ القانون الدولي بالنسبة لوضعه الراهن، فقد اختتمت بها حرب الثلاثين سنة التي قامت بين الدول الأوروبية، آنذاك.

 

 

 

وبديهي القول، أن القانون الدولي الراهن، باعتباره قانوناً وضعياً، يرعى بشكل رئيسي مصالح الدول التي قامت بوضعه وتطويره وتطبيقه. ومن هنا فإن مفهوم العدل طبقاً للقانون الوضعي مفهوم نسبي؛ فالعدل هو ما ينسجم مع مصالح واضع أو واضعي القانون. والمساواة هي حالة تسري، فقط، على العلاقة بين واضعي القانون.

 

 

 

ومما يزيد في سوداوية الصورة الراهنة للنظام الدولي المعاصر، أن حكام الدول المنتمية إلى العالم المستضعف هم إما "حكام مفروضون" بالقوة على شعوب هذا العالم، أو هم "أتباع" بحكم العقيدة والاقتناع والانتماء للنهج الاستكباري العام. وهذا بعض الضوء على طبيعة العلاقة بين العالم المستكبر والعالم المستضعف، وهي علاقة التبعية، التي يؤكد عليها الإمام الخميني كثيراً، وسنتعرض لها بعد قليل.

 

 

 

ظالمون قليلون .. ومظلومون كثيرون

 

 

 

إن التقويم العام للنظام الدولي الراهن يتلخص في كونه نظاماً ظالماً، تنقسم فيه الدول إلى قسمين: دولة ظالمة، ودول (أو بالأحرى شعوب) مظلومة.

 

 

 

وفي مؤتمره الصحفي الذي عقده بتاريخ 28 شباط 1979 تساءل الإمام الخميني: "هل عدد المظلومين في العالم أكثر من عدد الظالمين؟"، ويجيب بنفسه عن هذا السؤال قائلاً: "فإذا تأملتم تلاحظون أن الأكثرية القاطعة مع المظلومين في العالم. الظالمون المجهزون بالأجهزة الشيطانية عددهم قليل، والمظلومون عددهم كثير جداً".

 

 

 

وهذه معادلة مجحفة بلاشك. إنها تعبير عن منطق الظالمين، منطق الاستكبار الذي قام ببناء النظام الدولي القائم. وفي مقابل هذا المنطق، يبرز "منطق المحرومين الذين يشكلون الأغلبية القصوى للعالم". والعبارة للإمام الخميني في مؤتمره الصحفي الذي أشرنا إليه قبل قليل. ويشرح الإمام الخميني "منطق المحرومين" في نفس المؤتمر الصحفي حيث يقول:

 

 

 

"إن منطق المحرومين (...) لابدّ أن يكون حراً مستقلاً وأن تصرف خيراته لنفسه. هذا هو منطق المحرومين".

 

 

 

وهذا المنطق يناقض منطق الظالمين، المنطق السائد في العالم المعاصر:

 

 

 

"أما منطق الظالمين ـ والكلام للإمام الخميني ـ فهو أن ينهبوا هذه المنطقة. الظالمون الكبار لا يعتبروننا بشراً، ولا يحسبون المظلومين ـ في أي مكان كانوا حتى في أوطانهم ـ لا يحسبونهم بشراً. وعندما يدّعون حقوق الإنسان فإن قصدهم حقوق الظالمين. حقوق البشر تعني أن يحق لهم سرقة نفطنا دون أن يدفعوا شيئاً! حقوق البشر تعني أن تكون جميع الشعوب تحت سيطرتهم دون قيد أو شرط! هذا هو منطق الأقلية الظالمة".

 

 

 

حتى المنظمات الدولية، وإن بدت تجمعات لدول متساوية في الصلاحيات والسلطات، إلا أنها في الحقيقة امتداد لحالة الظلم التي تطبع العلاقات الدولية بصبغتها العامة، وقد أشار الإمام الخميني إلى هذه الحقيقة المرة في كثير من خطبه، وخاصة أثناء أزمة الرهائن الأميركيين في السفارة الأميركية في طهران، التي قام الطلبة المسلمون السائرون على خط الإمام بالسيطرة عليها، وفي أثناء الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت من 22/9/1980، حتى 18/7/1988 فقد تجاهلت منظمة الأمم المتحدة، بما في ذلك مجلس الأمن الدولي معاناة الجمهورية الإسلامية؛ بل وراح بعض المنظمات الدولية يهاجم النظام الإسلامي الجديد، تحت ذريعة الدفاع عن حقوق الإنسان، بسبب قيام الحكومة الثورية بإعدام بعض رموز النظام القديم ورجالاته.

 

 

 

في 17/12/1979، تحدّث الإمام الخميني عن هذه المسألة قائلاً:

 

 

 

"إنهم يملكون حق "الفيتو"، فحيثما رأى الكبار أن قانوناً ما يعارض مصالحهم فانهم يستفيدون من حق الفيتو لرفضه. نحن لا نملك حقاً سوى تحمل المصائب دون أن نتفوه بكلمة"!

 

 

 

وفي 19/11/1401، قال الإمام الخميني:

 

 

 

"إن أمثال منظمة حقوق الإنسان والهيئات الأخرى المشابهة تعمل اليوم لاستخدام العالم من أجل مصالح القوى الكبرى المستبدة، وجر الأنظمة الإلهية وعلى رأسها النظام الإسلامي نحو الاستضعاف".

 

 

 

وفي 20/12/1401 تساءل الإمام الخميني: "لماذا لا تظهر هذه المنظمات الدولية الفاسدة كلمة اعتراض على هذه المفاسد (التي تقوم بها أميركا)، ولكنها ترفع ضجيجها إذا اعدم في إيران مجرم مارس الإجرام طول حياته كهويدا ونصيري"؟

 

 

 

ولم يكن الإمام الخميني يجانب الصواب. فإن المنظمات الدولية، وخاصة الأمم المتحدة، لا تستطيع الخروج من أسر الدول الكبرى، وبخاصة الولايات المتحدة، التي تستطيع أن تمارس الكثير من الضغوط لكي توجه سياسات هذه المنظمة الدولية وقراراتها بالشكل الذي يخدم "مصالحها الحيوية". واليوم تستطيع قوى الاستكبار أن تدفع المنظمة الدولية إلى اتخاذ قرارات، أو منع اتخاذ قرارات، متى ما شاءت ذلك. وتستطيع الدول الكبرى التوصل إلى تحقيق هذا عبر ثلاث ركائز أساسية هي:

 

 

 

أولاً: حق الفيتو الذي تملكه في مجلس الأمن، الذي يشكل أعلى سلطة قانونية في التنظيم الدولي القائم.

 

 

 

ثانياً: الضغط المالي الكبير الذي تمارسه، كونها تتحمل جزءاً كبيراً من تمويل المنظمات الدولية.

 

 

 

ثالثاً: قدرتها على التأثير على قرارات الدول "الصغيرة" الأعضاء في المنظمات الدولية، والتي يدور أغلبها في أفلاك الدول المستكبرة.

 

 

 

وهذه، بطبيعة الحال، ثغرة كبيرة في التنظيم الدولي الحالي، الذي تعود جذوره إلى القرن التاسع عشر، واتخذ صيغته الراهنة، بعد الحرب العالمية الثانية، رغم أن اكاديميي "التنظيم الدولي" ومنظريه يؤكدون أنه من "الظواهر المميزة للعلاقات الدولية في القرن العشرين". ويشير إسماعيل صبري مقلد إلى "أن هذه التنظيمات قد أصبحت ركيزة اساسية وحيوية من ركائز التعامل الدولي" مبيناً أن "هناك ثلاثة اغراض رئيسية يقوم التنظيم الدولي على تحقيقها وهي: "السلام والرخاء والنظام"([6])، ولكننا نجد اليوم من الصعوبة بمكان الاعتقاد بان التنظيم الدولي استطاع أن يحقق أيّاً من هذه الأغراض وبصورة عادلة، إن لم يكن هو السبب في كثير من حالات المعاناة التي تعرضت لها الشعوب المستضعفة باسم "القانون الدولي". افلم يكن "نظام الانتداب" من مبتدعات عصبة الأمم، التي كان قد وضع ميثاقها في مؤتمر باريس عام 1919؟ أوليس نظام الانتداب إلاّ "صيغة معدلة لأدوات السيطرة الاستعمارية التقليدية" أو لم يكن نظام الانتداب سوى تبرير شكلي زائف امكن من خلاله لبعض الدول الاستعمارية الكبرى في المجتمع الدولي أن تدير الممتلكات السابقة لحسابها وفي خدمة مصالحها، تحت اسم "عصبة الأمم". بل ألم يكن قيام الكيان الصهيوني في فلسطين، واكتسابه الشرعية الدولية، من ثمرات التنظيم الدولي الراهن؟!

 

 

 

مصالح المسلمين في النظام الدولي القائم

 

 

 

واعتبر الإمام الخميني أن موازين القوى والمعادلات السياسية في النظام الدولي الراهن لا تؤدي إلى حفظ وضمان المصالح العليا والحقيقية للمسلمين وللعالم الإسلامي، لأنها موضوعة بالأساس لحفظ مصالح الدول المستكبرة بالدرجة الأولى، والتي يندرج في إطارها فرض الهيمنة الاستكبارية على العالم المستضعف، ومن ضمنه العالم الإسلامي.

 

 

 

هذه هي الفكرة الأساسية التي يدور حولها تصور الإمام الخميني لأوضاع العالم الإسلامي الراهنة والمتردية، باعتبارها نتاج النظام الدولي القائم. وقد تحدث الإمام كثيراً عن هذه المسألة؛ ففي رسالته الموجهة إلى الأمة بتاريخ 5 ذي الحجة 1408هـ، قال الإمام:

 

 

 

"ويجب أن يعلم المسلمون، انه مادام ميزان القوى في العالم لم يمل إلى صالحهم فان مصالح الأجانب ستقدم دائماً على مصالحهم، وسيفتعل الشيطان الأكبر أو الروس كل يوم حادثه بحجة الحفاظ على مصالحهما.

 

 

 

إذا لم يحل المسلمون مشكلاتهم مع ناهبي الشعوب بصورة جدية، وإذا لم يوصلوا أنفسهم إلى حدود القوة العظمى في العالم، فهل سيكونون حقاً في أمان"؟

 

 

 

وكان الإمام يذكّر المسلمين بهذه الحقيقة المرة بصورة مستمرة، نظراً لأهميتها في تشكيل الوعي السياسي للمسلمين.

 

 

 

ففي بيانه الذي أصدره في 29/9/1979م، قال الإمام: "إن القوى الكبرى الشرقية والغربية تنهب جميع ثرواتنا المادية والمعنوية، وقد جعلونا في حالة فقر وحاجة، سواء من الناحية السياسية أم الاقتصادية، أم الثقافية" وأكّد: "ان الدول الأفريقية المسلمة تئن اليوم تحت وطأة أميركا وبقية الأجانب وعملائها"، وأضاف: "إن العالم الإسلامي اليوم أسير بيد أميركا".

 

 

 

وفي 17تشرين الثاني عام 1980م أشار الإمام إلى أن ما يعانيه المسلمون من مشاكل إنما هو بسبب قوى الاستكبار العالمي، وقال: "إن جميع مشاكل المسلمين تنبع من القوى الأجنبية، فأولئك الذين يريدون الانتفاع من الدول الإسلامية واستغلال ثرواتها، يريدون أن تكون البلاد الإسلامية تحت نير سلطتهم".

 

 

 

وفي 28/12/1980، قال الإمام مذكراً بمخططات الدول الأجنبية الكبرى ضد مصالح المسلمين: "منذ سنوات طوال والقوى الكبرى تخطط لفرض السيطرة على المسلمين ونهب أموالهم والإغارة على ذخائرهم وثرواتهم".

 

 

 

وكان الإمام الخميني قد تحدث عن مخططات المستكبرين أثناء محاضراته حول "الحكومة الإسلامية"، التي ألقاها في النجف الأشرف، حيث قال في إحدى هذه المحاضرات:

 

 

 

"وقد وجد المستعمرون في العالم الإسلامي ضالتهم المنشودة؛ وبغية الوصول إلى مطامعهم الاستعمارية، سعوا في إيجاد ظروف ملائمة تنتهي بالإسلام إلى العدم، ولم يكونوا يقصدون إلى تنصير المسلمين بعد إخراجهم من الإسلام، فهم لا يؤمنون بأي منهما، بل أرادوا السيطرة والنفوذ، لأنهم ادركوا دائماً وفي اثناء الحروب الصليبية أن أكبر ما يمنعهم من نيل مآربهم ويضع خططهم السياسية على شفا جرفٍ هارٍ، هو الإسلام".

 

 

 

ولسنا بحاجة، كما اعتقد، إلى البرهنة على صحة تقويم الإمام الخميني لعلاقة الاستكبار العالمي بالعالم الإسلامي، تلك العلاقة القائمة على أساس الظلم والاستغلال والتبعية، لأن هذه المسألة أصبحت من الوضوح بدرجة تحتاج معها إلى مزيد بيان وايضاح، ويكفي في هذا الصدد الرجوع إلى بعض الدراسات المنشورة مثل كتاب: "النهب الامبريالي للعالم الإسلامي" تأليف الأخ ضياء الموسوي، وكتاب: "الغرب ضد العالم الإسلامي" تأليف الأكاديمي السوفياتي "بونداريفسكي"، وغير ذلك من الكتب.

 

 

 

الحكومات العالمية

 

 

 

ويعتبر الإمام الخميني الحكومات القائمة في اغلب بلدان العالم الإسلامي من مظاهر الشرور الاستكبارية، لأنها حكومات من صنع القوى الكبرى، تجسد الاستقلال الحقيقي للعالم الإسلامي، بل هي أدوات لخدمة المصالح العليا للدول المستكبرة.

 

 

 

يقول الإمام الخميني في خطاب بتاريخ 9/4/1981:

 

 

 

"ومع الأسف، ان انحراف اكثر الدول الإسلامية قد تسبب في أن تظل هذه الأمة تحت ضغط القوى الشيطانية الكبرى، وأن تُساق تلك الثروة العظيمة في البلاد الإسلامية إلى الدول الكبرى".

 

 

 

"إن أياً من الحكومات المتسلطة على تلك البلدان ( الإسلامية) لم ولن تفكر بحرية واستقلال ورفاهية شعوبها، بل ان غالبيتها شبه المطلقة؛ إمّا بادرت بنفسها لممارسة الظلم والقمع لشعوبها، وكل ما فعلته كان من أجل مصالحها الشخصية أو الفئوية، أو من أجل رفاهية فئة المترفين والأعيان، فيما كانت الفئات المظلومة وسكنة الأكواخ محرومين من كل مواهب الحياة حتى الماء والخبز وما يُقام به الأوَد، وهؤلاء المساكين مسخرون لخدمة تلك الفئة المترفة المنغمسة في الملذات، وإما أن تكون تلك الحكومات قد نصبتها القوى الكبرى لتجند كل طاقاتها من أجل ربط البلدان والشعوب بها، وتحويل البلدان بمكائد شتى إلى أسواق للشرق والغرب، وجعل الشعوب متخلفة استهلاكية، فأمّنوا بذلك مصالحهم، ومازالت تلك الحكومات تتحرك وفق هذا المخطط".

 

 

 

التبعية:

 

 

 

وتلعب الأنظمة العميلة دوراً أساسياً ومحورياً في تكريس تبعية العالم الإسلامي (بل والعالم المستضعف كله) للعالم المستكبر، فهي حلقة الربط في هذه التبعية بين العالمين المستضعف والمستكبر.

 

 

 

و"التبعية" من الموضوعات الهامة التي تشغل حيزاً كبيراً في كتابات واهتمامات سياسيي ومفكري العالم الثالث.

 

 

 

ويرى د. اسامة الغزالي حرب أن إدراج أفكار مدرسة "التبعية" ضمن المداخل المعتمدة في دراسة الظواهر السياسية في المجتمعات المتخلفة، ومنها مجتمعات العالم الإسلامي، يعود إلى اعتقاد راسخ بأهمية العنصر الخارجي في تشكيل مجمل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية في تلك المجتمعات([7]).

 

 

 

وبرغم الكتابات والاسهامات الكثيرة حول التبعية، فانه من المعترف به عدم وجود "تعريف دقيق لمفهوم التبعية"، إلاّ أنّه يجري عادة الاكتفاء بالتمييز بين "التبعية ـ كعلاقة" و"التبعية ـ كمجموع من الأبنية". ويُقر كتاب منظري التبعية، بمن فيهم "دوسانتوس"، هذا التمييز، فيقدم تعريفين للتبعية، هما:

 

 

 

ـ "التبعية هي الموقف الذي تكون فيه اقتصاديات مجموعة معينة من الدول، مشروطة بنمو وتوسع اقتصاد آخر، تخضع له".

 

 

 

ـ "إن التبعية تتعلق بتكثيف البناء الداخلي لمجتمع معين بحيث يُعاد تشكيله وفقاً للامكانيات البنيوية لاقتصاديات قومية محددة"([8]).

 

 

 

وإذا كانت الأدبيات السياسية، وخاصة الماركسية المحدثة منها، تعطي للتبعية طابعاً اقتصادياً، بالأساس، على المستوى المعياري والبنيوي والوظيفي، فإن الرؤية الإسلامية للأمر مختلفة، حيث تعتبر التبعية حالة شاملة في المجتمع. وقد عبر عن هذه الرؤية الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر في مقدمة الطبعة الثانية لكتاب "اقتصادنا"، حيث كتب يقول:

 

 

 

"وقد عبرت التبعية، في العالم الإسلامية لتجربة الإنسان الأوروبي الرائد للحضارة الحديثة، عن نفسها بأشكال ثلاثة زمنياً، ولاتزال هذه الأشكال الثلاثة متعاصرة في أجزاء مختلفة من العالم الإسلامي:

 

 

 

الأول: التبعية السياسية التي تمثلت في ممارسة الشعوب الأوروبية الراقية اقتصادياً حكم الشعوب المتخلفة بصورة مباشرة.

 

 

 

الثاني: التبعية الاقتصادية التي رافقت قيام كيانات حكومية مستقلة من الناحية السياسية في البلاد المتخلفة وعبرت عن نفسها في فسح المجال للاقتصاد الأوروبي، لكي يلعب على مسرح تلك البلاد بأشكال مختلفة ويستثمر موادها الأولية ويملأ فراغها برؤوس أموال أجنبية ويحتكر عدداً من مرافق الحياة الاقتصادية فيها، بحجة تمرين أبناء البلاد المتخلفين على تحمل أعباء التطوير الاقتصادي لبلادهم!

 

 

 

الثالث: التبعية في المنهج الذي مارسته تجارب عديدة في داخل العالم الإسلامي حاولت أن تستقل سياسياً وتتخلص من سيطرة الاقتصاد الأوروبي اقتصادياً، وأخذت تفكر في الاعتماد على قدرتها الذاتية في تطوير اقتصادها والتغلب على تخلفها، غير أنها لم تستطع أن تخرج عن فهمها لطبيعة المشكلة التي يجسدها تخلفها الاقتصادي عن إطار الفهم الأوروبي لها، فوجدت نفسها مدعوة لاختيار نفس المنهج الذي سلكه الإنسان الأوروبي في بنائه الشامخ لاقتصاده الحديث"([9]).

 

 

 

وقد أولى الإمام الخميني اهتماماً بالغاً بمسألة التبعية، (وقد تعمدنا أن نتوسع بعض الشيء في الحديث العام عن هذه المسألة لكي نضع القارئ الكريم في إطارها) لاعتقاده، الذي مرت بعض شواهده وأدلته، بان التبعية هي من إحدى المسببات الرئيسية لتخلف المجتمعات الإسلامية، من جهة، ولاعتقاده، من جهة ثانية، أن النهوض الحقيقي لا يتحقق إلاّ بالتحرر من التبعية وقيودها وتداعياتها.

 

 

 

فكيف كان الإمام الخميني يفهم مسألة التبعية؟ وما هو موقف منها؟

 

 

 

في مواضع متفرقة من خطاب ألقاه بتاريخ 5 أيلول 1979، قال الإمام:

 

 

 

"إن جميع مشاكلنا ومصائبنا وجميع مشاكل الشرقيين، هي إننا فقدنا أنفسنا وجلس غيرنا في مكاننا".

 

 

 

"… وعندما يذكرون الموضوعات يستشهدون بأقوال الغربيين، وهذا هو العيب، فانهم متأثرون بالغرب… انهم نسوا ألفاظهم ولغتهم…".

 

 

 

"لقد نسي الشرقيون مفاخرهم كلها ودفنوها ووضعوا الآخرين مكانها".

 

 

 

"ثقافتنا واقتصادنا كانا غربيين، ولقد نسينا أنفسنا حقاً".

 

 

 

"لقد فقدوا وفقدنا قدرتنا وقضينا على كرامتنا ووطنيتنا، فإن لم يتحرر هذا الشعب من التأثر بالغرب فإنه لن ينال استقلاله".

 

 

 

"مادامت هذه التبعية موجودة فلن تحصلوا على الاستقلال".

 

 

 

"إذا أردتم أن تكونوا مستقلين وان تعترفوا بأنكم شعب بذاته، فعليكم أن تخرجوا من تقليد الغرب؛ فمادمتم مقيدين بهذا التقليد فلا تتمنّوا الاستقلال".

 

 

 

وفي حديث له بتاريخ 2/4/1981، قال الإمام الخميني:

 

 

 

"لقد عمل الغربيون، إنجلترا في الماضي وبعدها أمريكا وبقية الدول القوية، ليطمئنوا البلدان الضعيفة بأنها عاجزة حقاً وغير قادرة على أي شيء، وذلك عن طريق الدعايات المستمرة، وعليها أن تستجدي الدول الكبرى في الشرق والغرب، في مجالات الصناعة والنظام وإدارة البلاد. إن أولئك الذين أرادوا نهب ثروات تلك البلدان الضعيفة وصلوا بعد التفكر والتخطيط إلى أن يجعلوا شعوب هذه الدول تشعر بأنها حقاً ضعيفة. إنهم أرادوا تفهيم البلدان المستضعفة حتى يعتقد الناس بأنهم عاجزون عن الصناعة، ولا يستطيعون إدارة الجيش ولا يقدرون على إدارة البلاد بأنفسهم.. ولقد أدى هذا التصوّر الذي طُبّق عن طريق دعايات المغتربين إلى تخلف وضياع هذه البلدان".

 

 

 

"هذا هو أساس المخططات التي رسمتها القوى العظمى لشعوب العالم الضعيف، وإن الكتّاب الذين كتبوا في سبيلهم والمتأثرين بالغرب التابعين لهم دافعوا بشدة عن هذا الموضوع، حتى اطمأن أهالي هذه البلدان بأنهم لا يستطيعون عمل شيء وليست لهم القدرة في إدارة أي أمر من أمور البلاد أو أمور الجيش أو الصناعة أو سائر الأمور التي تدخل ضمن مظاهر حضارة الإنسان، وعليهم أن يتبعوا الغرب والقوى العظمى ويأخذوا منهم المستشارين العسكريين ومدراء لإدارة البلاد.. إنهم يبقون إلى النهاية اتباعاً خاضعين بسب هذه العقيدة".

 

 

 

"المهم أن تتحرر أفكاركم… تتحرر من التبعية للقوى الكبرى، فإذا تحررت أفكاركم وعلمتم أننا نستطيع أن نكون صناعيين فسوف نكون كذلك. إن كانت أفكاركم وإيمانكم أننا نقدر أن نعيش مستقلين ودون التبعية للغير فسوف تقدرون على ذلك، إذا آمن الفلاحون بقدرتهم على التقدم في الزراعة وحتى نتمكن من التصدير وعدم التبعية للغير، بل الغير يحتاج إلينا، فإننا نتمكن من ذلك".

 

 

 

وفي وصيته الأخيرة، كتب الإمام:

 

 

 

"أوصي الشعب العزيز، انطلاقاً من الحرص عليه والرغبة في الخدمة، بأن عليكم باليقظة والحذر ومراقبة محترفي السياسة المرتبطين بالشرق أو الغرب، كي لا يسوقوكم بوساوسهم الشيطانية إلى تبعية هؤلاء السرّاق الدوليين..".

 

 

 

"أوصيكم بأن تنتفضوا لقطع دابر التبعيات بإرادتكم الصلبة وجهدكم الدؤوب، واعلموا أن الجنس الآري أو العربي لا يقل عن جنس شعوب أوربا وأمريكا وروسيا، وإذا اكتشف ذاته وأبعد اليأس عن نفسه ولم يتطلع إلى غير ذاته فإنه قادر على انجاز أي عمل وصنع أي شيء على المدى البعيد، وبذلك ستصلون إلى ما وصل إليه أمثال هؤلاء، شريطة التوكل على الله والاعتماد على النفس، وقطع التبعية للآخرين، وتحمل الصعاب من أجل تحقيق حياة كريمة والخلاص من تسلط الأجانب...".

 

 

 

هذا ما توفر لدينا أيام اعداد هذه المقالة، من نصوص للإمام حول مسألة التبعية؛ فماذا نفهم منها؟

 

 

 

قبل المضي في الإجابة عن هذا السؤال، ينبغي التأكيد ان لغة الإمام من الوضوح بمكان، بحيث أنها لا تحتاج إلى شرح، ومن أجل ذلك، فإننا سنحاول تكثيف أفكار الإمام حول مسألة التبعية كما يلي:

 

 

 

1 ـ إن التبعية بالأساس مسألة نفسية، وبالتالي ثقافية، قوامها فقدان الشعب التابع ثقته بنفسه من جهة، وانبهاره المطلق بالشعب المتبوع إلى درجة التقليد أو الاتباع الأعمى له، من جهة ثانية.

 

 

 

وهذا هو جوهر معنى التبعية الذي يشير إليه القرآن الكريم بقوله:

 

 

 

{ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا انتم لكنا مؤمنين * قال الذين استكبروا للذين استضغفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين * وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً} [سبأً: 31 ـ 33].

 

 

 

{إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب، وقال الذين اتَّبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا} [البقرة: 166 ـ 167].

 

 

 

فالتبعية علاقة بين طرفين: المستكبر، والمستضعف. والاستضعاف، في الأساس، موقف نفسي وفكري يسيطر على المستضعف بازاء المستكبر، يؤدي إلى خضوعه له.

 

 

 

فالتبعية، إذن، تبدأ من حالة ضعف نفسي عند الشعب المستضعف، وهذا ما سوف يؤثر لاحقاً على أسلوب معالجة الإمام الخميني لمسألة التبعية، كما سوف نرى بعد لحظات.

 

 

 

وهذا يعني ان احتكاك أي دولة مستكبرة بشعب مازال على ثقته العالية بنفسه، لن يؤدي بالضرورة إلى تبعية هذا الشعب لهذه الدولة، بل ان "العامل النفسي" حين يكون وضعه سليماً سيخلق "قوة مقاومة" عند الشعب الذي تعرضت له الدولة المستكبرة بالغزو السياسي، أو العسكري، أو الثقافي، أو الاقتصادي.. وهذه القوة سوف تؤدي بالتدريج إلى: إما تأثر الدولة الغازية بالشعب المغزو، كما حصل للمغول الذين اسقطوا الدولة الإسلامية العباسية وفتحوا عاصمتها بغداد عام 658هجرية، فأسلم الغزاة ولم يتأثر الشعب الذي تعرض للاحتلال، أو إلى انبثاق ارادة النهوض الحضاري عند الشعب المغزو، لينصرف إلى نفسه وبناء حضارته الجديدة، كما حصل ويحصل الآن للشعب الياباني، الذي انهزم عسكرياً أمام الولايات المتحدة الاميركية في الحرب العالمية الثانية.

 

 

 

فالأساس اذن، هو في هذه "المقاومة" التي يخلقها العامل النفسي القوي، أو في "السلبية" التي يخلقها العامل النفسي الضعيف، وهو ما يسميه الكاتب الجزائري مالك بن نبي "القابلية للاستعمار".

 

 

 

ما حصل لشعوبنا الإسلامية، حسب رؤية الإمام، هو غزو المستكبرين لها في إحدى لحظات ضعفها النفسي.. ففقدت القدرة على المقاومة، ما عدا بعض الجيوب الاستثنائية، فاستغل الاستكبار حالة "الضعف" هذه، وحولها إلى حالة "تخلف".

 

 

 

وفي إطار هذا الفهم لدور العامل النفسي يمكن أن نفهم علاقة التبعية بين "المركز" أو القلب، و "المحيط" أو التخوم، اللذين يترددان كثيراً في أدبيات مدرسة التبعية، منذ أن استعملها لأول مرة الاقتصادي الأرجنتيني "راؤول بريش" في تحليل نشره عام 1949([10]).

 

 

 

وبهذا "العامل النفسي" تفترق المدرسة الإسلامية، التي يمثلها الإمام الخميني، عن مدرسة التبعية، في تحليلها لحالة التخلف، وبالتالي التبعية، للرأسمالية العالمية، حيث ترى مدرسة التبعية، حسب نص اندريه فرانك، أن تغلغل السيطرة الرأسمالية لبلدان المراكز إلى البلاد التابعة، لم يؤدِّ إلى نمو الرأسمالية في تلك البلاد التابعة، مثلما نمت في المركز، ولكنها اتخذت شكلاً آخر وتبلورت أنماط إنتاجية رأسمالية، ولكنها متخلفة، وتابعة، ومشوهة([11]).

 

 

 

2ـ إن أساس الشعور بانعدام الثقة لدى الشعوب المستضعفة، مهما تكن المسببات الآخرى، هو من عمل الغربيين؛ فالغرب عمل عبر سنوات طوال، من الغزو الفكري، على خلق هذا الشعور السلبي، أو تنمية بذوره الأولى في حال وجودها في رحم المجتمعات الضعيفة، وعمل على استغلال حالة الضعف العام الموجودة في هذه المجتمعات من أجل إشاعة حالة عدم الثقة بالنفس في مقابل الانبهار بالغرب، والتي ستكون لاحقاً الأساس النفسي لحالة التخلف والتبعية في المجتمعات الضعيفة. وهنا، بالضبط، يأتي الموقع، أو الدور التخريبي إلى أقاليم العالم الإسلامي، فضلاً عن الدور الذي لا يقل خطورة عن ذلك، والذي مارسه الإعلام الغربي في هذا الخصوص. ومن غريب الصدف أن "التبعية الإعلامية" التي تعاني الآن منها البلدان النامية هي، ربما، من أشد أشكال التبعيات إضافة إلى كونها شديدة الوطأة، كونها "غير منظورة" بالعين المجرّدة!

 

 

 

3ـ غير أن التأكيد على "العامل النفسي" لا ينفي حقيقة أن التبعية تحولت لاحقاً إلى حالة شاملة، بل ان هذا هو المطلوب، وبالتالي، فان العامل النفسي المحاط بعوامل داخلية وظروف خارجية اخرى، انتج، في سياق المخطط الاستكباري، الأشكال المتعددة المعروفة للتبعية الصناعية، والتبعية الإعلامية، وغير ذلك.

 

 

 

4ـ وتلعب الحكومات المحلية العملية، والنُّخب الفكرية التابعة فكرياً للاستكبار، دوراً كبيراً في تكريس التبعية للاستكبار، حسب تحليل الإمام الخميني. وهو استنتاج تدعمه معطيات الواقع الملموس بدرجة مطلقة. وقد أوردنا أقوال الإمام في فقرة سابقة فلا نعيد، ولكننا نشير استطراداً إلى أن هذه النظرة تتفق مع قول مدرسة التبعية بأن "البرجوازية التابعة" ـ أي النخب العميلة الحاكمة ـ "تقوم بدور أساسي في تدعيم حلقة التبعية والتخلف"([12]). ولذلك، فإن الحكومات والنخب التابعة الحاكمة تلعب دوراً خطيراً في استمرارية التبعية وفي آلية اشتغالها، كونها توفر الأطر الرسمية والقانونية لدوران عجلة التبعية واشتغالها في داخل المجتمع التابع. وإذا تذكرنا القاعدة القائلة بأن الدولة أقوى من المجتمع في البلدان المتخلفة، استطعنا أن نتصور بشكل أوضح خطورة هذا الدور، الأمر الذي سيؤثر على "استراتيجية" التحرر من التبعية التي وضعها الإمام وتحرك على أساسها حتى حقق أهم بنودها، بفضل من الله تعالى.

 

 

 

5ـ والآن، ما هو الموقف من حالة التبعية؟ هل يتعين الإذعان إليها أم يجب التمرد عليها؟

 

 

 

كما في كل مواقفه، يبدو الإمام الخميني في هذه المسألة واضحاً وحاسماً إلى حد القطع. يجب رفض التبعية والتمرد عليها، لأنها تفتقد لأي أساس موضوعي، فليس شعبٌ أفضل من شعب، ولا تملك شعوب أوروبا واميركا وروسيا مزايا تكوينية أفضل من تلك التي يمتلكها مثلاً الشعبان الآري والعربي! وانه لأمر جدير بالملاحظة أن الكثير من احاديث الإمام الخميني عبارة عن خطاب تحريضي يدعو الشعوب التابعة إلى التمرد على حالة التبعية، والثورة على الاستكبار، ورفض ممثليه المحليين، على مستوى الحكومات أم على مستوى النخب الثقافية.

 

 

 

6ـ والخلاص من التبعية ضرورة؛ فهو ليس مجرد رغبة "وطنية" أو "قومية" تعبر عن حالة نفسية أو شعورية، بل هو ضرورة عملية لتحقيق الاستقلال والتنمية، ومن ثم تطبيق الإسلام في آن واحد. فلا يمكن تحقيق استقلال حقيقي في ظل التبعية. وفي ظلها أيضاً، يبقى الحديث عن التنمية "هواءً في شبك" لأن القوة المستكبرة المتبوعة لن تسمح للشعوب المستضعفة التابعة بأن تحقق نمواً حقيقياً. وأخيراً فان إقامة نظام إسلامي يبقى حلماً بعيد المنال ما لم تتحرر الشعوب الإسلامية من اسر التبعية للغرب أو الشرق. وفي هذا السياق ستبقى صرخة الإمام مدوية وبأفق كوني طاغٍ، وهو يخاطب الشعوب المستضعفة في وصيته قائلاً: "فانتفضوا يا مستضعفي العالم، وأيتها البلدان الإسلامية، ويا أيها المسلمون، وانتزعوا الحق بقوة.. لا ترهبوا ضجيج دعايات القوى الكبرى وعملائها، واطردوا من بلدانكم الحكام الجناة الذين يسلمون حصاد كدحكم لأعدائكم وأعداء الإسلام العزيز، وامسكوا أنتم والمؤمنون العاملون لخدمة الشعب بزمام الأمور والتفوا جميعاً حول راية الإسلام المجيدة، وانتفضوا مدافعين في مواجهة أعداء الإسلام… وتقدموا باتجاه تأسيس حكومة إسلامية في جمهوريات حرة مستقلة، وبتحقق ذلك ستكبحون جماح مستكبري العالم كافة، وسيصل المستضعفون كافة لامامة ووراثة الأرض، على أمل تحقق ذلك اليوم الذي وعد الحق تبارك وتعالى".

 

 

 

7ـ والإمام يرى أن التحرر من التبعية امر ممكن، وربما يختلف في نظريته هذه عن مقولات مدرسة التبعية التي ترى صعوبة تحقيق ذلك في ظل النظام الدولي الراهن. ولكنها غير قادرة على سلب إرادة التحرر من هذه الشعوب بصورة كاملة. والأصل في الفعل، عند الإمام، هو الإرادة. فالإرادة الحرة تصنع الفعل الحر، والإمام يتخذ من "التجربة الإسلامية في ايران" دليلاً على إمكان ذلك، حيث يقول في خطاب 2/4/1981، مخاطباً الشعب الايراني: "لقد فهمتم وأفهمتم الدول والشعوب المستضعفة خلال هذه المدة التي انقضت من ثورتكم وقيامكم أنه يمكن الوقوف أمام أمريكا المتجبرة وروسيا الطاغية. لقد ثرتم ثورة الرجال منذ سنتين ووقفتم أمامهم وقطعتم أيدي الجميع عن بلادكم، ورأيتم كيف كان ذلك أمراً ممكناً تقدورن عليه، بالرغم من أنكم لا تماثلونهم في القوة العسكرية والقوة الصناعية، ولكنكم صمدتم، وكل شعب عزم على أمر واعتقد أنه يستطيع إنجازه فانه سيحققه حتماً، فالأساس هو الثقة بالنفس".

 

 

 

8ـ وحين يكون الإمام بصدد تحديد بداية الطريق للسير الثوري من أجل التحرر من التبعية، فانه يعود إلى اصل تحليله لمسألة التبعية، أي إلى العامل النفسي، وبالتالي الإنسان نفسه. والإمام يرى "إن منشأ جميع الهزائم والانتصارات هو الإنسان نفسه. الإنسان أساس الانتصار وأساس الهزيمة". وإذن فالخطوة الأولى لفك أسر التبعية تتجسد، وتتلخص، بتحرير الإنسان نفسه من التبعية للشرق أو الغرب.. وتحرير نفس الإنسان من التبعية، يعني:

 

 

 

ـ عودة الثقة بالذات… العودة إلى الذات..

 

 

 

ـ القضاء على الانبهار الفكري والنفسي بالغرب أو الشرق.

 

 

 

ـ الإيمان بالقدرة الذاتية على الخلاص من التبعية، والإيمان بإمكانية ذلك.

 

 

 

وثم إقصاء الحكومات والنخب العميلة.

 

 

 

ويتحدث الإمام في مواضع كثيرة ومناسبات مختلفة عن الخطوات العملية الواجب اتخاذها بعد إقصاء الحكومات العميلة للقضاء على التبعية وتكريس الاستقلال، يخرجنا الحديث عنها عن منهجية هذه المقالة.

 

 

 

البراءة من النظام الدولي القائم

 

 

 

في السنة التاسعة للهجرة، أي بعد تسع سنوات من قيام الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة، بقيادة الرسول محمد (ص)، نزلت سورة براءة، أو التوبة([13])، التي يقول مطلعها:

 

 

 

{براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين}.

 

 

 

وفي عام 1407هـ، اصدر الإمام الخميني "بيان البراءة" أي بعد حوالي 8 سنوات من قيام النظام الإسلامي في ايران بقيادة الإمام. وقد تضمن بيان البراءة التاريخي، اعلاناً قطعياً ونهائياً ببراءة الإمام، ومعه النظام الإسلامي، من النظام الدولي القائم، جسدت الاتساق الطبيعي والموضوعي لنظرة الإمام إلى هذا النظام ودوره البشع في إلحاق الأذى بالنسبة للشعوب الإسلامية والمستضعفة كافة. ومما جاء في بيان البرءة:

 

 

 

"إن صرخة براءتنا من المشركين والكفار اليوم هي صرخة البراءة من الظلم والظالمين، وصرخة أمة ضاقت ذرعاً باعتداءات الشرق والغرب وعلى رأسها أميركا وأذنابها، وغضبت من نهب بيتها وثرواتها".

 

 

 

"إن صرخة براءتنا هي صرخة الشعب الأفغاني المظلوم، وإني لآسف لعدم استجابة الاتحاد السوفياتي لنصحي وتحذيري بشأن أفغانستان فهاجم هذا البلد الإسلامي".

 

 

 

"كذلك فإن صرخة براءتنا هي صرخة الشعوب المسلمة في أفريقيا، صرخة إخواننا وأخواتنا في الدين الذين يكتوون بسياط ظلم الظالمين العنصريين بسبب لونهم الأسود".

 

 

 

"إن صرخة براءتنا هي صرخة الشعبين اللبناني والفلسطيني وجميع الشعوب والبلدان الأخرى التي تنظر إليها القوتان العظميان الشرقية والغربية خاصة أميركا وإسرائيل بعين الطمع، وتقوم بنهب ثرواتها وفرض عملائها ومرتزقتها على شعوبها، وتهيمن على أراضيها من على بعد آلاف الكيلومترات وتحتل حدودها المائية والبرية".

 

 

 

"إن صرخة براءتنا هي صرخة جميع الذين ما عادوا يتحملون تفرعن أميركا وتواجدها السلطوي، ولا يريدون أن تخمد صرخة غضبتهم وتذمرهم، وتخنق في حناجرهم إلى الأبد، وعقدوا العزم على العيش حياة حرة كريمة والموت أحراراً وأن يكونوا هم الصرخة المدوية للأجيال".

 

 

 

"إن صرخة براءتنا هي صرخة الدفاع عن الشعوب والكرامات والنواميس، صرخة الدفاع عن الثروات والرساميل، انها الصرخة المؤلمة للشعوب التي مزقت قلوبها خناجر الكفر والنفاق".

 

 

 

"صرخة براءتنا هي صرخة الفقراء والجياع والمحرومين، الذين نهب الجشعيون والقراصنة الدوليون حصيلة كد يمينهم وعرق جبينهم، أولئك الذين امتصوا دماء الشعوب الفقيرة والفلاحين والعمال والكادحين باسم الرأسمالية والاشتراكية والشيوعية، وربطوا العصب الحيوي لاقتصاد العالم بأنفسهم وحرموا شعوبه من استيفاء أبسط حقوقها المشروعة".

 

 

 

ولن نملك بلاغة أقوى وأوضح من كلمات الإمام في بيان موقفه العام، أو هناك كلمة ابلغ في التعبير عن هذا الموقف من كلمة "البراءة". إن الإمام يرفض الاعتراف بالنظام الدولي، بمعنى الاعتراف بمشروعيته وحقانيته ومصداقيته، فهو نظام ظالم، وبالتالي غير مشروع، والدفاع عن مصالح المسلمين ومصالح المستضعفين يستدعي رفض هذا النظام والتصدي له. ويرفع الإمام مسألة صراعه السياسي والتاريخي مع النظام الدولي إلى درجة الشأن الشخصي الخاص، حين يقول، في بيان البراءة:

 

 

 

"ولتكن القدرات والقوى الكبرى وعملاؤها على ثقة بأن الخميني سيواصل طريق الجهاد ضد الكفر والظلم والشرك وعبادة الأصنام حتى لو ظل وحيداً، وسيسلب بعون الله تعالى، وبمؤازرة متطوعي العالم الإسلامي الحفاة الرازحين تحت نير، الدكتاتوريين، سيسلب النوم من أجفان السلطويين والعملاء الذين يتمادون في ممارسة الظلم والاضطهاد".

 

 

 

وإذن، فنحن بصدد دعوة صريحة، ولكن ساخنة جداً، إلى الثورة على النظام الدولي الظالم وتغييره. والإمام لم ينفك يكرر هذه الدعوة، وكأنه يسعى إلى ثورة عالمية، تقوم بها الشعوب المستضعفة، لتأسيس نظام دولي جديد. وبصدد دعوة الإمام إلى الثورة العالمية على النظام الدولي، سوف نجد أنفسنا في بحر من النصوص والكتابات والخطابات الثورية، التي ترفع نداء الثورة، ولذا فسوف نكتفي بإيراد نماذج منها خشية الاطالة (رغم اننا نعتقد أن كلام الإمام لا يُمل)!

 

 

 

ـ من نداء بتاريخ 29 رمضان 1401هـ:

 

 

 

"ينبغي للمسلمين في كل بقاع العالم أن يخلصوا انفسهم من أسر وعبودية الشياطين الكبار والقوى العظمى".

 

 

 

"انهضوا وخذوا زمام مقدراتكم بأيديكم. إلى متى تقعدون لتعيّن واشنطن وموسكو مقدراتكم؟".

 

 

 

ـ من نداء تاريخ 23/12/1979:

 

 

 

"يا مستضعفي العالم، انهضوا وتحالفوا واطردوا الظالمين من الميدان، فإن الأرض لله وورّاثها المستضعفون".

 

 

 

ـ من البيان التاريخي بتاريخ 1 ذي الحجة 1407هـ:

 

 

 

"يتحتم على جميع المسلمين والمستضعفين في العالم أن يستغلوا الفرصة المتاحة ويتكاتفوا ليحرروا أنفسهم من قيود الدول العظمى".

 

 

 

ـ من خطاب الإمام بتاريخ 5 محرم 1408هـ:

 

 

 

"أيها المسلمون في جميع اقطار العالم، لا تفكروا في الابقاء على الوضع القائم، بل فكروا في التخلص من الأسر وفي التحرر من العبودية والثورة على أعداء الإسلام".

 

 

 

"لم يبق امامنا إلاّ الجهاد، ويجب تهشيم مخالب الدول العظمى وأسنانها، وبخاصة أميركا".

 

 

 

وينبغي أن نلاحظ أن أميركا تحتل حصة الأسد من دعوة الإمام إلى الثورة؛ فأميركا هي "أم الفساد" (خطاب بتاريخ 21/2/1402هـ). والنظام الدولي هو، في التحليل الأخير، يخضع في جزء كبير منه إلى الهيمنة الأميركية، بل "إن العالم الإسلامي اليوم ـ كما قال الإمام في 29/9/79 ـ أسير بيد أميركا". ولذا نجد أن الإمام يحدد موقفه "الاستراتيجي" من أميركا في نداء تاريخ 6/6/1981، قائلاً: "يجب أن تعلم أميركا أن الشعب العزيز والخميني لن يسمحا لها بالراحة حتى القضاء التام على مصالحها، ويستمران في النضال الإلهي حتى قطع يديها".

 

 

 

وكما انطلق الإمام في دعوته إلى التحرر من أسر التبعية، فانه هنا ينطلق في دعوته إلى تغيير النظام الدولي من إيمانه بإمكانية ذلك أيضاً، حيث يقول في بيانه التاريخي بتاريخ 1 ذي الحجة 1407هـ: "إن قصور الاستكبار العالمي وقدراته العسكرية والسياسية لهي أشبه ببيت العنكبوت، سهل التمزق".

 

 

 

بل إن الإمام لا يتحدث فقط عن الامكانية؛ انه يبشر بالوقوع، يبشر ببزوغ فجر النظام الدولي الجديد، فيقول في خطابه بتاريخ 5 ذي الحجة 1408 هـ: "لقد شارف عهد القنوط واليأس في منطقة الكفر على الانتهاء وازدهرت حدائق الشعوب".

 

 

 

أهداف استراتيجية التغيير الثوري للنظام الدولي القائم:

 

 

 

في سياق أحاديثه عن ضرورة تغيير النظام الدولي الراهن، حدد الإمام أهداف عملية التغيير التي يمكن تكثيفها بما يلي:

 

 

 

أولاً: القضاء على الفساد، بمختلف أنواعه وأشكاله، في العالم:

 

 

 

وتحدث الإمام عن هذا الهدف في وقت مبكر؛ ففي تصريح بتاريخ 28/2/1979، قال: "نحن نريد أن نعرف أصل الفساد ونعرفه للعالم لكي نقضي على الفساد في العالم".

 

 

 

وفي خطاب 5 ذي الحجة 1408هـ، قال الإمام:

 

 

 

"إننا نعتزم إيباس الجذور الفاسدة للصهيونية والرأسمالية والشيوعية في العالم، لقد قررنا أن نستأصل ـ بعون الله العظيم وعنايته ـ الأنظمة القائمة على هذه القوائم الثلاث".

 

 

 

"إننا سنمنع بكل وجودنا وطاقاتنا توسع الابتزاز الأميركي وتوسع حصانة عملاء أميركا، حتى لو اقتضى الأمر منا الكفاح بالثورة".

 

 

 

ثانياً: تحرير العالم الإسلامي وتوسيع النفوذ السياسي للإسلام:

 

 

 

لقد شغل العالم الإسلامي، كله، ومظلومية شعوبه، وخضوعه لهيمنة الدول الكبرى، حيزاً كبيراً جداً من اهتمام الإمام وجهاده. وكان الإمام ينظر إلى العالم الإسلامي كوحدة حضارية سياسية وتاريخية وجغرافية وبشرية واحدة، وقد جعل من أهداف الثورة الإسلامية العمل على تحرير العالم الإسلامي من سيطرة المستكبرين، والانطلاق من عالم إسلامي متحرر، إلى توسيع النفوذ السياسي في كل مناطق العالم.

 

 

 

وفي هذا الصدد قال الإمام في خطاب 5 ذي الحجة 1408هـ:

 

 

 

"إننا مع اعلاننا البراءة من المشركين، كنا ومانزال مصممين على تحرير الطاقات المكبوتة للعالم الإسلامي".

 

 

 

"إننا كنا وما نزال نسعى لتوسيع نفوذ الإسلام في العالم".

 

 

 

"لقد قررنا (...) أن نشيع في عالم الاستكبار نظام اسلام رسول الله (ص) وستشهد الشعوب الأسيرة ذلك عاجلاً أم آجلاً".

 

 

 

إن مجموع كلمات الإمام حول هذه المسألة تسمح بالاعتقاد أن الإمام الخميني كان يفكر، فضلاً عن تغيير العالم بأكمله، بإقامة نظام دولي اقليمي يشمل العالم الإسلامي كله، وربما تكون إيران مركزه، لكي يكون بإمكان المسملين مقارعة النظام الدولي الاستكباري. فقد كان الإمام يتحدث عن تحول المسلمين إلى "أمة لا تقهر وبنيان مرصوص، لا تستطيع معه القوى العظمى الشرقية والغربية الوقوف بوجهها" (البيان التاريخي في الأول من ذي الحجة عام 1407هـ).

 

 

 

وقال الإمام الخميني كلمته التاريخية والقاطعة بهذا الصدد في خطاب 5 ذي الحجة 1408هـ:

 

 

 

"إنني اعلنها بصراحة أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تؤسس وتعمل بكل وجودها لاحياء الشخصية الإسلامية لمسلمي العالم كله، ولا ترى سبباً لأن تمتنع عن دعوة مسلمي الدنيا إلى تأييد مبدأ امتلاك السلطة في العالم".

 

 

 

وقال: "علينا بكل وجودنا أن نبذل ما في وسعنا، من أجل التعاون مع شعوب العالم وحل مشكلات المسلمين وقضاياهم، والدفاع عن المكافحين والجائعين والمحرومين، وان نعد هذا الهدف من مبادئ سياستنا الخارجية".

 

 

 

"إننا نعلن أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي إلى الأبد حامية المسلمين الأحرار في العالم وملجأهم، وأن دولة إيران ـ بصفتها قلعة عسكرية منيعة ـ ستؤمن لجنود الإسلام احتياجاتهم، وستعرفهم بالأسس المعتقدية والتربوية للإسلام، وكذلك بمبادئ الكفاح وأساليبه ضد أنظمة الكفر والشرك".

 

 

 

واعتقد أن هذه المسألة، أي مسألة "النظام الاقليمي الإسلامي" في الفكر السياسي للإمام الخميني بحاجة إلى بحث أوسع وأعمق، لأهميتها الخاصة، الأمر الذي ينوء بحمله هذا المقال.

 

 

 

ثالثاً: إقامة العلاقات الدولية، أو النظام الدولي الجديد، على أساس العدل والمساواة ورفض الظلم:

 

 

 

حدد الإمام الخميني هدفاً آخر لاستراتيجية التغيير الثوري للنظام الدولي القائم، وهو إقامة العلاقات الدولية، التي هي التعبير الأكثر شمولية عن آلية اشتغال النظام الدولي، على أساس العدل والمساواة ورفض الظلم. ويستند الإمام في هذا ـ كما في غيره ـ إلى الإسلام الذي "لا يظلم أحداً ولا يقبل الظلم" (خطاب بتاريخ 19/5/1979).

 

 

 

وقد شرح الإمام هذا المفهوم من حديث بتاريخ 17/12/1979، قال فيه:

 

 

 

"وأما العلاقات فيجب أن تكون متقابلة، وأما العلاقات التي على أساس الظلم والاعتداء فاننا في غنى عنها".

 

 

 

"لا تكون العلاقات على أساس أن يجلس شخص في القصر الأبيض ويأمرني بأن أعيش في الكوخ أو أن يكون هو الحاكم، وأكون أنا المحكوم"!

 

 

 

وفي الذكرى الثانية لانتصار الثورة الإسلامية، أي في شهر شباط 1981، قال الإمام:

 

 

 

"إن الأمة الإسلامية تعتنق مبدأ يمكن تلخيصه في كلمتين: لا تَظلِمون ولا تُظلَمون".

 

 

 

ويحرص الإمام الخميني على تأكيد حقيقة أساسية مفادها أن تغيير النظام الدولي القائم، الظالم، وتحقيق الأهداف المحددة للجهاد الإسلامي على الصعيد العالمي، ومن ثم اقامة النظام الجديد، العادل، يتطلب ثمناً باهظاً على الإسلاميين الرساليين والدولة الإسلامية دفعه؛ لأن تحقيق الأهداف الكبيرة لا يتم بدون مقابل، والمقابل المقصود هو التضحيات التي يتعين على الإسلاميين تقديمها.

 

 

 

يقول الإمام الخميني (البيان التاريخي): "لقد أدركنا تماماً أن علينا دفع الثمن باهظاً من أجل تحقيق الهدف الإسلامي الكبير، وأن نقدم ضحايا أعزاء من أجل ذلك الهدف الإلهي".

 

 

 

ويؤكد: "ليعلم الشعب الإيراني الشريف وجميع مسلمي وأحرار العام بأننا لو أردنا الوقوف على أقدامنا من دون الاعتماد على قوى اليسار واليمين فان علينا دفع ثمن باهظ من أجل الحرية والاستقلال".

 

 

 

السلوك السياسي على الصعيد الدولي

 

 

 

بناءً على هذه النظرات المبدئية المنبثقة من الأسس الإسلامية أو المنسجمة معها، صاغ الإمام، إما عبر التنظير البحت، أو من خلال الممارسة العملية، خطَّ السلوك السياسي للدولة الإسلامية، والإسلاميين عموماً، على الصعيد الدولي، ويمكن تلخيص قواعد هذا السلوك بما يلي:

 

 

 

1 ـ إن الرفض المبدئي للنظام الدولي القائم لا يعني رفض التعامل السياسي مع مقرراته المختلفة، بالشروط وضمن المبادئ التي يضعها الطرف الإسلامي. إلا أن مبدأ التعامل يتحرك من المنع إلى الجواز، بناءً على المصلحة الإسلامية العليا التي يراها القائد الأعلى للدولة الإسلامية.

 

 

 

وقد قدّم الإمام الخميني مثلاً عملياً على هذه المسألة، وهي قضية رفض ومن ثم قبول القرار الدولي رقم 598، القاضي بايقاف الحرب العراقية الإيرانية. فقد فسر الإمام قبوله بالقرار القول:

 

 

 

"وافقت على القرار الدولي وعلى وقف النار، وأرى ذلك في المرحلة الحاضرة في مصلحة الثورة والجيش". (خطاب 5 ذي الحجة 1408هـ).

 

 

 

2 ـ لمبدأ الأساس والقاعدة العامة التي يتحرك فيها الطرف الإسلامي على الصعيد الدولي هي: "لا شرقية ولا غربية". وقد شرح الإمام هذا المبدأ عدة مرات، فقد قال في 11/7/79:

 

 

 

"لا شرقية ولا غربية" ـ معنى ذلك أننا لا نسمح لأحد بالتدخل في شؤون إيران".

 

 

 

وقال في بيانه التاريخي (1 ذو الحجة 1407هـ).

 

 

 

"إن شعارنا اللاشرقية واللاغربية هو شعار الثورة المبدئي في عالم الجياع والمستضعفين، والذي يجسد السياسة الحقيقية والنمط الحقيقي لعدم انحياز الدول الإسلامية، والدول التي ستقبل في المستقبل القريب، وبعون الله، الإسلام كرسالة منقذة للبشرية".

 

 

 

3 ـ كما وضع الإمام عدداً من المبادئ الحاكمة للسلوك السياسي للطرف الدولي الإسلامي، منها:

 

 

 

ـ "إن الأمة الإسلامية تعتنق مبدأ يمكن تلخيصه في كلمتين: لا تَظلِمون ولا تُظلَمون".

 

 

 

ـ "ولا نريد الاعتداء على أي بلد طبقاً لما أمرنا به الإسلام ولا نريد الاعتداء على أحد، ولا ينبغي لنا ذلك".

 

 

 

ـ "نحترم الاتفاقيات".

 

 

 

والحمد لله رب العالمين

 

 

 

____________________________________

 

 

 

 ([1])  طلال مجذوب، "إيران"، ص281.

 

 

 

([2])  اقرأ: "العرب ومستقبل النظام الدولي".

 

 

 

([3])  اقرأ: "النظام الاقليمي العربي".

 

 

 

([4])  كنا قد نشرنا هذا المقطع، ضمن مقالة بعنوان: "النظام الدولي القائم وخيارات الإسلاميين" في جريدة السفير بتاريخ 4/7/1988.

 

 

 

([5])  د. محمد عزيزي شكري، "المدخل إلى القانون الدولي العام"، ص3.

 

 

 

([6])  د. اسماعيل صبري مقلد؛ "العلاقات السياسية الدولية"، ص669 ـ 670.

 

 

 

([7])  د. اسامة الغزالي حرب؛ "الأحزاب السياسية في العالم الثالث"، ص63.

 

 

 

([8])  المصدر السابق، ص65 ـ 66.

 

 

 

([9])  الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر؛ "اقتصادنا"، ص9.

 

 

 

([10])  د. اسامة الغزالي حرب، مصدر سابق، ص64.

 

 

 

([11])  المصدر السابق، ص67.

 

 

 

([12])  المصدر السابق، ص68.

 

 

 

([13])  السيد محمد حسين الطباطبائي، "الميزان في تفسير القرآن"، الجزء 9، ص161.

 

 

 

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©