الجمعة ٢٤ / مارس / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » المنطلق الإمام الخميني الفكر والثورة »

الفصل الأول: عاشوراء الحسين(عليه الصلاة والسلام) وثورة الإمام الخميني(ره)

13 مايو 2012 | في الفئة: المنطلق الإمام الخميني الفكر والثورة | لا توجد تعليقات | الزیارات: 88

رئيس تحرير مجلة المنطلق

 

شكلت تجربة أمير المؤمنين علي ن أبي طالب (ع) في السلطة عقب خلافة عثمان بن عفان اختباراً قياسياً لأطروحة النص التي عمل علي (ع) على تطبيقها بكامل ملامحها وامتداداتها، والأطروحة المشار إليها تعني تحكيم النص في حياة المسلمين والاجتهاد بمقتضى مداليله. وهي بذلك تخالف أطروحة أخرى كانت قد بدأت بالتشكل بعيد وفاة الرسول محمد (ص) وهي اطروحة الاجتهاد، والتي تعني جواز تحكيم الرأي على النص وتجاوزه إذا وجد المجتهد ما يبرر ذلك. وكان أمير المؤمنين (ع) قد سعى لضبط، بل للجم، أطروحة الاجتهاد ما أمكن وهو خارج السلطة في العهود التي سبقته والحد من تطبيقاتها وبالتالي تنافرها مع النص، وقد نجح إلى حد ما في ابقائها محصورة في بعض الموارد، ورصيده في عملية الضبط كان نفس خصوصيته وموقعه بين المسلمين، فضلاً عن علمه الزاخر الذي لا يجرؤ أحد على حجته، إلا أن استلامه للسلطة افقده مباشرة دوره السابق ـ المراقب والضابط من الخارج لحركة تطبيق النص ـ ووضع اطروحته التي أشرنا إليها، في ميدان التطبيق العملي، والتي كان يتطلب منها، اختزال مدة ربع قرن من عمر المسلين وتجربتهم في ظل اطروحة الاجتهاد، وإعادة وصل حياة المسلمين في عهد الإمام علي (ع) بحياتهم في عهد الرسول محمد (ص).

 

بمعنى آخر، كانت تجربة تطبيق اطروحة النص تعني ايقاف العمل بكل الأحكام والتشريعات المستجدة التي عملت بها الأمة بأمر من الخلفاء، لأنها برأي أمير المؤمنين مخالفة للسنة الشريفة. لكن تحدي أطروحة الاجتهاد كانت تقف دونه عقبات ومحاذير كثيرة كان علي (ع) يدرك حجم مخاطرها ولهذا الأمر كان (ع) يحرص على عدم التصدي مباشرة للسلطة بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان، غير أن إصرار الثوار حينذاك حال دون استمرار رفضه للخلافة الذي اعتبره الإمام حجة عليه يوم القيامة: "أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة؛ لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها".

 

لقد ساهمت حالات الخروج المتتالية على الإمام في بلبلة الرأي العام وافقاده الرؤية السليمة للأمور والتالي انعكاس الضوابط الشرعية إلى حدّ جعله يميل بسواده الأعظم إلى معسكر الخصوم.. لقد حملت كل معركة من معارك خصوم الإمام من الناكثين والقاسطين والمارقين، الرأي العام خطوة بالاتجاه المعاكس، إلى حد جعل الإمام يشعر بضغط الأحداث عليه بعد النهروان وهجمات معاوية المتتالية عليه.

 

ولم يغير استشهاد أمير المؤمنين من واقع ضياع الأمة شيئاً، فالناس بقيت منبهرة بأطروحة الاجتهاد التي كان يلوح بها معاوية بن أبي سفيان، والتي كانت تعني عند الناس إعادة وصل حياتهم بتجربة الخلفاء الذين سبقوا أمير المؤمنين علي (ع)، وقد أكدت تجربة الإمام الحسن (ع) القصيرة تلك الحقيقة، حيث نجح معاوية وبسهولة في اختراق بنية جيش الإمام واستمالة قطاعات واسعة ومختلفة منه، وبالتالي اسقاطه من دون مواجهة تذكر! واقدام الإمام الحسن (ع) على توقيع صلح مع معاوية، لم يكن في الواقع سوى موقف أملته ظروف قاهرة جداً حتمت عليه أن يقدم السيئ على الأسوأ دون أن يشكل ذلك تراجعاً عن الأطروحة الأصيلة ولا مصالحة بين الأطروحتين لصعوبة تطابقهما، بل لاستحالة ذلك.

 

غير أن صلح الإمام الحسن (ع) مع معاوية لم ينقل الإمام إلى دور الضابط من خارج السلطة، وبعبارة أخرى لم يسترد بخطوته هذه نفس موقع الإمام علي (ع) قبيل استلامه للسلطة، لا بسبب رفضه للموقع وإنما لتعذر العودة إليه بعد أن أدى اعراض قطاعات واسعة من الرأي العام واستشهاد الإمام علي (ع) إلى خسارة هذا الموقع، إضافة إلى تغاير ظرفي معاوية والخلفاء الثلاثة. فالأول بات يشعر بعد علي (ع) وصلح الحسن (ع) أنه في موقع المنتصر وبالتالي ليس k بمقدور أحد مراقبته وضبطه، فهو الشرعية بكل معانيها وأبعادها! وكل من يعارضه يعتبر خارجاً عليه وعليها بالضرورة.

 

هذا المأزق الذي ابتليت به أطروحة النص انتقل بعد استشهاد الإمام الحسن (ع) إلى الإمام الحسين (ع)، الذي وضعه موقعه ومأزق الأطروحة في انعدام مؤثريتها بالتوجيه والضبط من خارج السلطة، إلى تبني أحد خيارين بعد أن آلت الأمور في عهد يزيد إلى أسوأ ما يمكن تصوره من انحراف:

 

أ ـ خيار السكوت والاذعان للواقع المتردي مع ما يمكن أن تؤول إليه الشرعية بعد تمادي الأمويين في تطبيقهم لأطروحة الاجتهاد، والتي أقل ما يمكن احتماله في ذلك انفصام الأحكام السلطانية عن روح الشريعة وبالتالي غلبة وطغيان نهج العمل بالرأي مع كل مآسيه ومخاطره.

 

فيزيد بن معاوية بنظر الإمام الحسين (ع) أحد إفرازات اطروحة الاجتهاد، وسلوكه السياسي والديني والعملي لن يكون بأفضل من الأصل الذي انتجه، وإنما سيشكل أشد أنواع التردي والسقوط في مهاوي الانحراف والخروج عن النص وبالتالي تجربة الرسول محمد (ص).

 

ب ـ خيار المواجهة المباشرة، غير أن هذا الخيار يفترض أن يؤتي ثماره الطيبة لا أن يكون مجرد عمل جهادي آني ينتفي أثره ومفاعيله لحظة الاستشهاد، فحياة الحسين (ع) مكرسة بالأساس لحمل الأمانة وأطروحة النص ـ المحمدي الأصيل ـ وتعميمها، وبالتالي تكريسها كأطروحة حاكمة في ضمير ولا وعي المسلمين قبل السلطة؛ وليس من السهل التخلي عن تلك الحياة إن لم يكن انتهاؤها يؤدي المراد منها في حال وجودها. ولهذا عقد الحسين (ع) العزم على إعادة نفث الروح في اطروحة النص التي جهد الأمويون و"الهمج" من الناس الذين تابعوهم بسذاجتهم المعهودة، من أجل طمسها وانهائها بالكامل لاتاحة الفرصة لأطروحة الاجتهاد فقط لكي تؤدي دورها في حاكمية المجتمع.

 

والمهمة العظيمة والخطيرة التي أراد الإمام انجازها تتطلب في الدرجة الأولى معطيات من واقع الحياة السياسية والدينية تساعده على انجازها، إلى جانب تحضيرات من قبل الإمام (ع) ترفع بالمواجهة إلى مستوى خطورة المرحلة، وتساهم بمؤثرية أدائها في رفع قيمة الفعل وحرارته بحيث يتغلب على درجة البرودة في حركة أطروحة النص، وتعمل بنفس تلك الحرارة على اذابة كل ما علق بالأطروحة من أوهام وافتراءات وأكاذيب حالت كلها دون تواصل الأمة معها.

 

لهذا انتظر الإمام تحرك بعض من تحسس مخاطر المرحلة، ليجعل من هذا التحرك منطلقاً لخطوته المنعطف، وبالفعل شكلت رسائل الاستغاثة والدعم والتأييد الكوفية حافزاً جديداً عجلت في حركة الإمام باتجاه المواجهة. إلا أن المرسلين لم يكونوا، باستثناء نخبة منهم، بمستوى قيمة المنعطف ومداليله، ولعلهم، ولأسباب مختلفة، كانوا يريدون تسجيل حضورهم كمواطنين في عاصمة سابقة غاب بريقها بعد انتقال الثقل السياسي والمعنوي والاقتصادي إلى دمشق، وربما كانوا متأثرين عاطفياً بفعل تعبئة كتلة مخلصة من اتباع اطروحة النص، ولم تكن هذه التعبئة قد ارتقت إلى مستوى تجاوز المشاعر إلى القناعات الراسخة والإيمان العميق بالأطروحة.

 

ولذا لم يغير تراجع الكوفيين بعد مقتل رسول الإمام الحسين (ع) مسلم بن عقيل شيئاً وبقي الإمام على خياره الثاني، وهو المواجهة، لكنه حاول التعويض عن خسارة الساحة الكوفية والتحرك الشعبي المؤيد بحشد ما يمكنه من عناصر الإثارة والتحريك المطلوبة لأداء الوظيفة التاريخية المباركة، والتي يمكن اختصارها بمهمة اعادة الحياة إلى اطروحة النص التي ساهمت عوامل مختلفة في ابقائها على هامش الحياة السياسية والفكرية. ومن هنا يمكن فهم اصرار الإمام الحسين (ع) على اصطحاب أسرته وآل بيت الرسول محمد (ص) معه مع ما يحمل ذلك من احتمالات القتل الجماعي والمأساوي، وكان عدد من الأصحاب قد نصحوه بالعودة وعدم متابعة المسير، وآخرون أملوا منه اعفاء من معه، إلا أن الإمام (ع) أصرّ على موقفه، مما يكشف عن رغبة أكيدة وقناعة كانت تسيطر على فكره؛ مؤداها ضرورة بذل الدم والمهج وفي شكل مؤثر من الكبار والصغار، لأن أقل من ذلك قد لا يفي بالغرض المطلوب تحقيقه وهو أحياء أطروحة النص وبعث حركتها في الأمة.

 

وبالفعل استطاع الإمام (ع) أن يحقق غرضه بالكامل، حيث وفر كل العناصر المطلوبة لتحريك المشاعر وايقاظ الضمائر فضلاً عن احداث صدمة كبيرة تبعث الحياة في عروق المسلمين؛ فكان استشهاد الطفل الرضيع وبالصورة التي قتل فيها، والقاسم والعباس والحسين (ع)، والعطش وسبي النساء وقطع الرأس وصراخ زينب (ع) وموقفها والكلمة، كذلك الإمام المريض علي بن الحسين (ع) وابقاء الجثث في العراء، من العناصر المطلوبة، لأن واقع الانحراف وطغيانه واستكانة الناس شبه الكاملة لا يزيلها مقتل إمام أو صرخة طفل، وإنما تفترض حدوث فاجعة ونكبة ومن أناس لايزال لهم في قلوب الناس رصيد، على المستوى العاطفي في أقل تقدير، باعتبارهم من أبناء النبي (ص) وأهل بيته، ولاشك أن للنبي (ص) قدسية خاصة ليس من السهل التخفيف من قيمتها وأهميتها.

 

وسرعان ما بدأ دم الحسين وآل بيته يثمر في الأمة المنحدرة، فاستحال هذا الدم حرارة وتوهجاً قلّ نظيره، لا بل يستحيل وجود نظير له في التاريخ، وشرعت أوصال الأمة المقطعة وشرايين ابنائها المتصلبة في الحركة وبصورة فاقت المتصور، وعادت الأطروحة لتحتل مكانتها في عقول ونفوس المسلمين ويتطوع للدفاع عنها آلاف المجاهدين دون كلل أو تعب.

 

وشق نهر الدم الذي فجر الإمام الحسين وآل بيته (ع) معينه الأول طريقه، وأخذت الروافد تغذيه على امتداد التاريخ الإسلامي، فكان التوابون أول من رفدوا بدم يمتاز بحرقة ولوعة الندم على التقصير، وتابعهم المختار الثقفي، وزيد بن علي بن الحسين، ويحي بن زيد، وإبراهيم بن عبد الله بن الحسن، ومحمد بن عبد الله صاحب النفس الزكية، وحسين بن علي صاحب فخ.. وغيرهم الذين أحالوا نعيم الأمويين والعباسيين الدنيوي المزيف إلى جحيم. وهكذا أصبحت كربلاء مناسبة دائمة لتذكير اتباع أطروحة الاجتهاد بضرورة العودة إلى ينابيع النص والسنة الشريفة، كما أنها أصبحت أمانة في أعناق أتباع أطروحة النص يتوجب عليهم حفظ مكتسباتها والإبقاء على حرارة الدم الذي سال في عاشوراء الحسين (ع). من هنا يمكن تفسير مختلف أساليب التحرك التي ابتكرت بعيد كربلاء؛ فالأئمة عليهم السلام بدءاً بالإمام زين العابدين (ع) ومروراً بمحمد بن علي الباقر (ع) وجعفر بن محمد الصادق (ع) حتى الإمام العسكري (ع) تبنوا مسلكاً واحداً عنوانه "بلورة اطروحة النص وحفظه"، والذي يعني بالتالي الإمساك بمكسب كربلاء الأول "إحياء أطروحة النص" واحاطته بالعناية الفائقة والاستفادة من حرارة نصرته عند اتباعه وترجمة تلك الحرارة إلى وعي حقيقي لتلك الأطروحة، فكانت جامعة آل البيت (ع) التي جهدت لحفظ تراث الرسول (ص) وآل البيت عبر بث الرواة والفقهاء والمحدثين في كل مكان، وعبر تكثير عدد هؤلاء أيضاً، ولهذا حرص الأئمة (ع) على ابقاء تلك الوظيفة كسمة ثابتة في عملهم، من دون أن يسمحوا للسلطان بامتلاك مبررات التصفية الجسدية والمحاصرة، لكنهم لم ينسوا الجانب الآخر من عمل اتباع الأطروحة، وهو الابقاء على روح الثورة متأججة في صدور المؤمنين بأطروحة النص، فكانوا يدعمون في الخفاء الثورات والانتفاضات من دون أن يشعروا الحكام بوجود هذا الدعم. مع ذلك لم يأمن الحكام جانب الأئمة (ع) فكانوا يلاحقونهم ويترصدونهم باستمرار حتى قيل إنه لم يمض منهم أحد إلا وكان قتيلاً.. وقد تطور الحكام في محاصرة الأئمة (ع) في نهايات العصر العباسي الأول عندما ابتكروا اسلوب الإقامة الجبرية بعناوين خادعة كما حصل مع الأئمة الأربعة الرضا والجواد والهادي والعسكري عليهم السلام.

 

إذاً جهد الأئمة ومؤيدو الأطروحة في حماية مكتسبات دماء الحسين (ع) وآل بيته ولم يتوانوا أبداً عن التذكير بقيمة ذلك الدم من خلال الفكر والثورة والاحتفالات السنوية والدائمة بالذكرى، وسبب الحرص على بقائها ـ المكتسبات ـ أنها لا يمكن تكرارها في التاريخ لخصوصيتها من جهة ولوقعها ومؤثريتها من جهة أخرى.

 

ولعلّ عدم رغبة الأئمة المعصومين عليهم السلام في استلام السلطة تعود إلى مخاوف يعتد بها عندهم من مخاطر إخفاق الدولة في التصدي لحركات المعارضة التي ستحاول التصدي لأطروحة النص والتي، وبحدية عدالتها، لن يباركها ويؤيدها إلا المؤمنون بصحتها وبضرورة الالتزام بها. ومنشأ التخوف يعود إلى الاحاطة الكاملة بالظروف التي انتجت حالات الخروج المتكررة على أمير المؤمنين علي (ع) ـ الجمل، صفين، النهروان ـ والتي كان في مقدمتها تطبيع الأمة وألفتها لأطروحة الاجتهاد وعدم استعدادها للتضحية من أجل التغيير، والأمة في عهد علي (ع) كانت لاتزال قريبة العهد من الرسول (ص)، فكيف بها يعد مرور قرن أو قرنين؟! فحالها سيكون أصعب بكثير، وامكانية اثارتها ضد اطروحة الاجتهاد أو تحييدها ستكون أكبر بكثير. لهذا السبب فضل الأئمة (ع) عدم تعريض أطروحة النص لهزة أخرى في السلطة لأن ذلك سيجعلها بحاجة ماسة إلى دم جديد كدم الحسين (ع) وآل بيته، وأنّى لهم ذلك؟! من هنا كان الحرص الشديد على دم الحسين ومكتسبات ذلك الدم، حتى ظلت عاشوراء طيلة حياة الأئمة (ع) عنوان صحوة الأطروحة ويقظتها.

 

انطلاقاً مما تقدم بات بالإمكان فهم حتمية غيبة الإمام الحجة (عج) ـ في بدايات النصف الثاني من القرن الثالث الهجري ـ الغيبة الصغرى وبالتالي الغيبة الكبرى في مطلع الربع الثاني من القرن الرابع الهجري ـ 329 هـ ـ إذ ان محذور إقامة سلطة تحكمها اطروحة النص في عهود الأئمة المعصومين قبل الإمام الحجة (ع) كانت هي نفسها لاتزال قائمة في بدايات حياته، والتي كانت تحتاج إلى تحولات كبيرة على مستوى البنية الفكرية والسياسية والاجتماعية للأمة، وهذه قد تتطلب عهوداً وحقباً زمنية طويلة تكون كافية لإحداث تغييرات تزيل من أمامها كل العوائق والصعوبات التي سبق وانتصبت في عهد الإمام علي (ع) والأئمة العشرة من بعده، ولهذا كانت وظيفة المراجع الفقهاء الذين تصدوا للفتوى بعد غيبة الإمام (عج) هي نفسها وظيفة الأئمة المعصومين لتشابه الظروف وصعوبة إحداث تغييرات كبيرة في تلك العهود، الأمر الذي يفسر تقليد هؤلاء (قدس الله أسرارهم) الدقيق لأساليب الأئمة حتى في التقية، لكن بقيت عاشوراء ووقعة كربلاء ومقتل الإمام الحسين (ع) مناسبة دائمة تعيش في روح ونفوس المؤمنين بأطروحة النص، فكانت برأي هؤلاء المراجع كافية لإبقاء تلك الروح في الأطروحة التي جانب جهودهم المضنية إلى بذلوها لبلورة خط المرجعية وتطوير أصول وعلم الفقه بما يخدم أطروحة النص وعلى أساسها، وبالتحديد بدايات القرن الرابع عشر، غير أن تطورات كبيرة حصلت في القرنين الأخيرين الثالث عشر الهجري والرابع عشر الهجري، أدت إلى إحداث تحولات حادة في البنية الفكرية والسياسية للأمة، وتحديداً حين سقطت آخر دولة إسلامية، الخلافة العثمانية، ودخلت الأمة الإسلامية في عصر الغربة عن الإسلام، وبذلت جهود مضنية من قبل الغرب لطمس هوية المسلمين وملامحهم الحضارية، وقد نجح هؤلاء إلى حد بعيد، ولم تعد دائرة الصراع بين أطروحتين كما في السابق، وإنما عمل على تنحية الاثنتين معاً، لتحل محلهما الحضارة الغربية الملحدة، الأمر الذي اقتضى وحدة جهاد الأطروحتين معاً للقضاء على الحضارة الوافدة، وبالتالي اعادة الإسلام من جديد إلى الحياة، فخفت بنتيجته المعاناة المشتركة والحساسية المفرطة التي كانت متحكمة في علاقات الأطروحتين، وبات الطريق مفتوحاً للائتلاف والتعاون، فكان لابدّ من أن تنصب الجهود لتحكيم احدى الأطروحتين كخطوة ضرورية لابد منها لإعادة الاعتبار للأمة والإسلام، وهذا يعني أن الطريق باتت ممهدة لتحكيم اطروحة النص دون أدنى اعتراض من حيث المبدأ من أصحاب ودعاة الأطروحة الثانية، الأمر الذي حفز الإمام الخميني (قدس سره) للمبادرة إلى الثورة ووضع حد لجملة محاذير كانت مبررة تاريخياً وشرعياً حالت، في السابق، دون نهضة الأئمة المعصومين، بدءاً من الإمام زين العابدين (ع) حتى الإمام العسكري (ع) وبررت غيبة الإمام الحجة (عج) وكذلك صمت المراجع والفقهاء طيلة اثني عشر قرناً.

 

وجملة المخاوف التي حالت دون ثورات سابقة، وفي مقدمتها ضرب أطروحة النص، أصبحت بحكم المنتهية، إذ ان معظم تلك المخاوف كانت ذاتية، بمعنى أنها وليد صراع الأطروحتين الإسلاميتين اللتين اقصيتا في مطلع هذا القرن عن السلطة، وبالتالي فإن الطريق باتت ممهدة لنهضة الإمام الحجة (عج) ـ والله أعلم ـ فكان لابدّ من تصدي المرجعية الرشيدة لقيادة ساحة المسلمين علّها تقوم بخطوة التحضير النفسي والعملي لظهور الإمام الحجة (عج).

 

وإخفاق الدولة الإسلامية ـ لا سمح الله ـ المحكومة بأطروحة النص، لن يكون له نفس الأثر السلبي كما كان في عهد أمير المؤمنين (ع)، وبالتالي لن يحتاج إلى حسين جديد ودم "كربلائي" آخر يعيد الروح للأطروحة، وإن كانت الأطروحة ستتأثر سلباً، وهو الذي يحفز أنصار "أطروحة النص" وكذلك "أنصار أطروحة الاجتهاد" للدفاع عن الأطروحة الحاكمة بكل ما أوتوا من قوة، لأن سقوطها سيقلل من فرص النهوض مجدداً، وهذا ما لا يرضى به أحد على الإطلاق.

 

فالإسلام عاد غريباً كما بدأ، والأطروحة التي تتقدم لإزالة عصر الغربة ستدعم نصها وخصوصيتها وستكون أصالتها وعدمها مرتبطتين بمقدرتها على التصدي السليم لمشاكل الأمة المستجدة من جهة، وحفاظها على استقلالها في مواجهة القوى الغريبة عن فكر وحضارة الأمة. ولعل ضمانة الحفاظ على مكسب الإحياء للأطروحة في العصر الحاضر هو أنه سيتحقق انجاز التمهيد والاعداد النفسي والروحي لعصر الظهور.

 

ومما تقدم يصبح بالإمكان إدراك مغزى كلمة الإمام الخميني (قدس سره) عندما قال: "إن كل ما لدينا هو من عاشوراء". فسياق المعالجة يدعم، بما لا يدع مجالاً للشك حقيقة كون عاشوراء هي الممون الروحي والتاريخي والثوري لأطروحة النص التي بقيت تسقى من دم كربلاء وروافدها طيلة قرون مديدة إلى أن هيّأ الله لها مجددها في القرن الحالي الإمام الخميني (قده) الذي أوصلها إلى السلطة بعد رعاية وعناية فائقتين.

 

والاحتفال بعاشوراء بعد الثورة يخدم بشكل مباشر خصوصية الثورة ويذكر بمضمونها التاريخي من جهة، ويحمي الثورة الكربلائية من عوارض الزمن فيما لو تعرضت الثورة الإسلامية الإيرانية ـ حالياً ـ لخطر السقوط ـ لا سمح الله ـ، حيث تبقى عاشوراء على طول الخط مؤججة لروح الثورة والمناعة من إماتة أطروحة النص حتى ظهور الإمام الحجة (عج). والحمد لله رب العالمين.

 

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©