الخميس ٣٠ / مارس / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » في ظلال الشمس »

الفصل الثامن: الاطلاع الدقيق

15 يونيو 2013 | في الفئة: في ظلال الشمس | لا توجد تعليقات | الزیارات: 83

استفاد الإمام من جميع الطرق والوسائل التي تؤدي به للإطلاع على الأوضاع والمجريات في داخل البلاد وخارجها بشكل يؤمن له معرفة أهم المسائل في الحدود المتاحة. ولم يعتمد في الوصول إلى ذلك على قناة خبرية واحدة بل أكثر تعدد القنوات والمصادر المختلفة السرية منها غير السرية، الداخلية والخارجية، الصديق والعدو. ويضاف إلى ذلك تلك المعلومات التي يحصل عليها من خلال اللقاءات الخاصة والرسائل المفتوحة التي توجه من قبل كلّ الأطراف على الساحة الداخلية حتى أولئك المعادين للثورة، كما أن جميع النشرات السرية جداً لمؤسسات وأجهزة الدولة تعتبر مصدراً مهماً له، ونذكر في هذا المجال أن النشرة الخاصة لوكالة أنباء الجمهورية الإسلامية كانت تقدم لسماحته يومياً، وبما أن يوم الجمعة عطلة رسمية نضطر حينها إلى تقديم النشرة في اليوم التالي مما جعل الإمام يلفت انتباهنا بضرورة عدم تأخيرها عن الموعد المحدد حينها اتصلنا بوكالة الأنباء، وتقرر إرسالها يومياً وصرنا نقدمها لسماحته في الوقت المناسب كبقية الجرائد الصباحية والمسائية، ومن بين النشرات التي كانت مصدر اهتمام الإمام، تلك التي كانت تصدر كلّ عدم أيام مرة وتحتوي على أهم المقالات وتحليلات الجرائد والمجلات الأجنبية المترجمة، وكذلك كانت هذه النشرة تتأخر أحياناً عدة أيام، فيسأل الإمام عن سبب تأخيرها إضافة إلى ذلك استماع الإمام الدائم لأخبار مذياع وتلفاز الجمهورية الإسلامية والإذاعات الأجنبية المختلفة، حيث رصد أوقات نشرات الأخبار والبرامج الخاصة بها بدقة متناهية، لدرجة أن أي تغيير يحصل في أوقات البث أو تردد الموجات، كان أول من يذكر به.

وفي أحد الأيام استدعاني الإمام لأمر يتعلق بهذا الشأن حيث لم يتمكن من التقاط موجة معينة اتصلت مباشرة بالمسؤولين عن أحدى المؤسسات الإذاعية وسألت مسؤول البث هناك ولم يكن ملتفتاً لهذا التغيير رغم اختصاصه ومسؤوليته عن ذلك، وبعد متابعته الموضوع اتصل بنا وقال: إن البث على تلك الموجة قد تقدم ساعة، أعلمت الإمام بذلك، ولكن بعد دقائق من الوقت المحدد استدعاني الإمام مجدداً وأخبرني بعدم التقاطه البث ثانية فقلت: لعل المسؤول اشتبه بالقول قد يكون بعد نصف ساعة من الوقت الذي حدده لنا، أشار علي بالجلوس وقال لي: أجلس هنا حتى يحين...؟» وانصرف هو لتلاوة القرآن الكريم، جلست ووضعت الساعة أمامي وأنا انتظر الموعد، أراقب نضارة نور جماله الجميل، فوجئت به يرفع رأسه عالياً ويقول: صارت الساعة... ونصف؟؟

لم تكن توجد أمامه ساعة ولم يخرج شيئاً من جيبه، بل كما قلت كان مستغرقاً في قراءة القرآن، فنظرت في ساعتي. فكانت كما أشار الإمام بالدقة والضبط. فوراً فتحت المذياع ولكن دون جدوى فقلت. حتماً أن هناك اشتباهاً آخر في الموضوع فاستأذنت من سماحته وتابعت الموضوع فعلمت أن التغيير قد طرأ أيضاً على موجة البث إضافة إلى تغيير الوقت، وفي صباح اليوم التالي عرضت المسألة على سماحته ومن ثم نظمت له مكان الموجة أيضاً...

الاستفادة من وسائل إعلام العدو العامة

إن تقيد الإمام المنظم والدقيق في برامج استماعه لنشرات الأخبار وبعض التحاليل من الإذاعات الأجنبية لم يكن فقط لأجل الاطلاع على المجريات الداخلية والخارجية للبلاد بل المسألة أهم من ذلك بكثير وهي معرفة واكتشاف أهم مميزات شخصية الإمام السياسية التي تعتبر منهجا مهماً لكل السياسيين المسلمين المستقلين وقبل البدء بإجراء الملاحظة المهمة في الموضوع تجدر الإشارة إلى المقدمات التالية:

1ـ إن الإمام الذي قضى عمره كغيره من فقهاء وفلاسفة الإسلام بالتعلم والتعليم والتحقيق في هذه المسائل يعتبر عنواناً لمتخصص عال المقام في العلوم الإسلامية المختلفة ولكنه في نفس الوقت لم يغفل أيضاً عن اهتمامه الجدي في المسائل السياسية الإيرانية والعالمية، إلاّ أنه لم يكن سياسياً محترفاً كالذي قضى عمره بتخصص في دراسة المسائل السياسية أو أن تتلمذ عند السياسيين المتخصصين ولم يحصل على دبلوم في فرع العلوم السياسية الذي يفرض عليه الغوص في التحقيق والمطالعة والبحث في أهم المسائل السياسية.

2ـ إحدى أهم الوسائل السياسية، المعلومات الدقيقة والواسعة عن مجريات الواقع وأوضاع الأعداء وتعاطي السياسيين الذين يتحكمون بمصير العالم وتحصيلهم المعلومات من خلال الشبكات الأمنية وأوكار الجاسوسية المنتشرة في أنحاء العالم والتي تعتبر حصيلة جهود وتجربة عشرات بل مئات الأشخاص ومئات السنين من العمل في ميدان جمع الأخبار والمعلومات كما يستفيدون ويسخرون التقدم العلمي الحاصل على صعيد أجهزة الكمبيوتر الحديثة لتقوية مواقعهم ونفوذهم ولولا ذلك لما استطاعوا الاحتفاظ بأي موقع في أي بلد من بلدان العالم، هذا في الوقت الذي يمكن فيه القول أن نظام الجمهورية الإسلامية الذي ولد جديداً فاقد لمثل هذه التشكيلات وعلى فرض إيجاده في السنوات الأولى لانتصار الثورة المباركة فهر لا يساوي شيئاً إذا قسناه مع المنظمات الأمنية الأخرى كالسي آي أي.

3ـ إن الإمام في مهد الثورة الإسلامية ولسنوات بعد الانتصار غيّر جميع الموازين الحاكمة للإستكبار العالمي وخاصة أمريكا الشيطان الأكبر المجهزة بأقوى الشبكات الأمنية العالمية وعلى الرغم من أن سماحته ليس سياسياً محترفاً ولا يملك أمثال تلك الوسائل المتقدمة، لقد صنع معجرة عجيبة في تاريخ السياسة وتمكن في هذه الفترة من الاحتفاظ بزمام المبادرة ويجعل أمريكا وكل العالم الاستكباري في حالة ردة الفعل، وهم لم يقدروا على ثني الإمام عن مواقفه ورغم كلّ مساعيهم الخبيثة استطاع الإمام من خلال الأساليب التي اعتمدها وصعب عليهم إدراكها وتصورها أن يسقط هيبة الإستكبار الفارغة وعلى رأسه الشيطان الأكبر أمريكا ويضعها ومن معها في طريق مسدود وأمام أصعب المواقف والمنعطفات المهلكة وإذا أخذنا بعين الاعتبار والتفتنا بعمق وبحثنا بدقة مجريات الواقع المذكور الذي يظهر بوضوح إحدى تجليات شخصية الإمام العظيمة حيث بات في اعتقادي أن أساسها كسائر الخصوصيات الأخرى التي يجب ربطها بالامدادات الغيبية المتصلة بالنورانية المعنوية والروحانية الإلهية، وإيمان وفراسة الإمام، أما في الأسباب والعلل الظاهرية، فالإمام قد استفاد من الأخبار وتحليل بعض الإذاعات الأجنبية وكذلك من مطالعة بعض النشرات التي تحتوي المقالات والافتتاحيات للمطبوعات الغربية المعروفة والمترجمة للوصول إلى أهدافه وفهم وإدراك رؤية العدو والاطلاع على أساليبه البشعة والتي تعتبر من أسهل وأقصر السبل:

إن الإمام أخذ بعين الاعتبار الثوابت الأربعة التالية:

1ـ إن هؤلاء أعداء الإسلام والثورة والجمهورية الإسلامية.

2ـ إن مصالح هؤلاء دائماً في مقابل مصالح الإسلام الأصيل.

3ـ وسائلهم الإعلامية العامة يستخدمونها كوسائل لتنفيذ سياستهم الاستكبارية.

4ـ إن سياسة هؤلاء إنما هي نتيجة التخطيط والسعي الجماعي للمنظمات الأمنية والجاسوسية نعم، فبالإلتفات إلى هذه  النقاط وصل الإمام إلى هذه النتيجة عبر الإطلاع على مواقف وتوجهات الأعداء من خلال وسائل إعلامهم العامة وبالإضافة إلى اختلافهم في التوجهات فيما بينهم وبالنظر إلى سعيهم الواسع والحثيث والميزانية الضخمة التي تصرف لحفظ منافعهم ومصالحهم اكتشف الإمام بسهولة إمكانية الاستفادة من ذلك لصالح الإسلام الأصيل والمسلمين وأكد الإمام ذلك في كلامه الذي أثاره في أكثر من مورد أيضاً بخصوص هذا الميزان. وكنموذج على ذلك، تصميم الإمام عندما قرر السفر من باريس إلى إيران ونموذج آخر في العبارات التالية:

«في اليوم الذي تثني فيه أمريكا علينا، يجب أن نعقد مجالس العزاء، وفي اليوم الذي يثني فيه كارتر وريغن علينا يجب أن نسلم بوجود مشكلة فينا. هؤلاء يجب أن يوجهوا إلينا عبارات الشتم. ونحن يجب علينا أن نكمل الطريق بقوة 24/10/1983م.

واخيراً، لم يقع الإمام إطلاقاً، في أي ظرف من الظروف تحت تأثير الدعايات الإيجابية والسلبية لوسائلهم الاعلامية العامة بل صار أشد صلابة وأكثر قوة حتى آخر عمره في مقابل هؤلاء الطواغيت وتبليغاتهم وكان يؤكد ويوصي أتباعه وسالكي طريقه بالصمود في سلوك هذا الطريق بوجه العملاء وأتباعهم وخاصة سياسيّهم وصانعي القرار.

الهدوء واطمئنان الخاطر

في إحدى الحقبات الزمنية التي قام فيها العدو بالقصف العنيف، وبشكل مستمر على جزيرة خرج  ومنابع النفط، ذهبت مع بعض الإصدقاء في مكتب الإمام إلى الجزيرة المذكورة، وعندما وصلنا المكان في نفس الوقت الذي اعتاد به العدو على شن الغارات. طلب منا بعض الأخوة البقاء في مكان الإستراحة بعض الوقت حفاظاً علينا على أن نقوم بالزيارة بعد انتهاء القصف بيد أننا لم نوافق على هذا الرأي، وذهبنا مباشرة لتفقد ومراقبة التأسيسات النفطية. وبينما نحن وقوف نشاهد المحطة النفطية العائمة حتى بدأت طائرات العدو من طراز ميغ 29 بالقصف، وسرعان ما أفرغت حمولتها البالغة 18 صاروخاً زنة كلّ واحد منها 500 كلغ على مختلف أنحاء الجزيرة، وقد وقع البعض منها في الماء والآخر توزع في اتجاهات مختلفة من أنحاء الجزيرة دون أن تتعرض محطة النفط لأي صاروخ يذكر. وحدث اتفاقاً سقوط أحد الصواريخ في داخل المبنى الذي كان من المقرر أن نحتمي ونلتجئ به للحفاظ على أنفسنا من الخطر الداهم، وعلى كلّ فقد قمنا بمراقبة الوضع عن قرب وعدنا بعدها إلى مكان انطلاقنا وكان ذلك في ليلة الجمعة المباركة وفي صباح اليوم التالي بعد استماع الإمام لموجز أخبار الساعة الثامنة على عادته التي دأب عليها، وفي مكان جلوسه المعتاد، رويت على مسمعه قصة  ذهابنا إلى جزيرة خرج، وقدمت له تقريراً شاملاً عن الوضع هناك إضافة إلى رسالة المسؤولين التي صرحت بحتمية توقف تصدير النفط إذا استمر الوضع عما عليه ليوم أو يومين آخرين. أضف إلى ذلك القلق الناشئ بسبب المشاكل العملة الصعبة التي كانت قائمة وتأزمت في تلك الظروف الحساسة من الحرب، وبعد استماع الإمام بدقة لعرض الأوضاع القائمة، بدأ دعاءه باطمئنان وهدوء مطلقين وغير قابلين للتصور والوصف، ودليل هدوئه من غير أدنى شك إيمانه واتصاله بالله. ومع مرور الزمن اتضح لنا أن استمرار تصدير النفط إلى الخارج حتى نهاية الحرب رغم كلّ الجهود التي بذلها العدو، أكدت للجميع أن الإمام كان الأكثر اطلاعاً وإحاطة بالنسبة إلى الوضع الحالي، وآفاق المستقبل من أولئك الأشخاص الذي كانوا يباشرون عملهم هناك رغم عدم وجوده بينهم.

لماذا أصبحت نحيفاً؟

توجهت في سنة 1970م من النجف الأشرف بالبولمن إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج كنت أثناءها أسير مرض الوسواس الذي تفاقم شدته عليّ في الحج. أثناء قيامي بالأعمال والمناسك الواجبة التي أديتها عدة مرات بيد أنني لم استطع أن أطرد من نفسي ذاك المرض الذي لازمني، ولم تحل المشكلة عندي بالرغم من عشرات الأسئلة التي أرسلتها بواسطة الرسائل ومساعدة بعض الفضلاء، رجعت بعدها إلى النجف وقمت بزيارة لحضرة الإمام، ومع الالتفات إلى أن الإمام نادراً ما ينظر إلى وجوه الأفراد، لم يدخل في اعتقادي انه يتدخل بخصوصيات الأشخاص. ولكن عند وصولي وبعد رد السلام كلمني بلهجة يبدو فيها الانزعاج الممزوج باللطف والمحبة وقال: لماذا أصبحت نحيفاً. هل أنت مريض؟

وبعد شكره على اهتمامه، أجبته: كلا، لست مريضاً، ولكن..؟

ومن ثم شرعت بطرح الأسئلة التي كنت قد دونتها، أجابني على السؤال الأول وما أن هممت بذكر السؤال الثاني حتى التفت بأنني أشكو من مرض الوسواس لم يفسح لي المجال حينها لأنهي السؤال الثاني حتى بادرني بالجواب: عملك صحيح، ثم عرضت عليه أن لدي عدة أسئلة فأجابني «حجك صحيح واترك هذه الأسئلة جانباً».

لا تعتنوا بشككم

نهار الخميس 5/7/87م أطلعت الإمام بنبأ سفري إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج نيابة، ونظراً لحالة الوسواس التي عانيت منها سابقاً وما لاقيته من صعوبات، ومشقة، وأدت بي إلى تكرار أعمال الحج عدة مرات والتشكيك في صحة النية أيضاً، والآن، قد حققت جميع الشروط المطلوبة لأداء فريضة الحج، والحالة المذكورة ما زالت قائمة ونظراً للعسر والحرج فهل استطيع تأخير هذه الفريضة؟

 أجاب الإمام: لا ينبغي أن تكون هكذا، لا تعتني بشكك حتى ولو قطعت بشيء لا ينبغي أن ترتب أثراً عليه، وبما أنك من أهل العلم والفضل والمعرفة لا ينبغي أن تكون هكذا وهنا تبسم وأكمل كلامه «وإن كان بعض العلماء الكبار وسواسيين»!!

فهل يمكنك أن تصلي صلاة من غير نيّة؟!

في الأساس يستحيل القيام بعمل ما دون نية.

.. حكم الله لأجل الله..

بتاريخ 10/7/87 وبعد إتمام جميع الأعمال اليومية عرضت على الإمام مسألة تتعلق بالخمس وهي التالية: حسبت رأس سنتي، ودفعت المال المتوجب علي، ولكن أطلب من سماحتكم براءة ذمتي احتياطاً فتفضل:

«أنت بريء الذمة» بعد ذلك عرضت على الإمام مبلغاً من المال، بعضه من مال الخمس والبعض الآخر غير مخمس وقسم منه من أرباح السنة التي لم يخرج خمسها وقلت له هذا هدية، فتفضل قائلاً: لا خمس في الهدايا، وأكملت كلامي أني أقدم هذه الأموال لجنابكم على أن تبذلوا لي للذهاب إلى الحج، أخذهم الإمام وفي الوقت الذي بذل لي أرجع لي المبلغ وتفضل قائلاً:

عليك الخلاص من هذا الوسواس لأن فيه دمار حياتك، وهذه الأعمال التي تقوم با مخالفة للشرع، ولأحكام الله وتعتقد بأنها لله!!!؟

دعاء السفر...

نهار الثلاثاء الواقع في 26/10/87م وبعد إتمام الأعمال قدمنا إلى حضرة الإمام أنا وجانب السيد رسولي وأبلغناه باستعدادنا للسفر إلى مكة في اليوم الفلاني وحين هممت بتقبيل يديه ووداعه فوجئت بمشهدٍ لم يخطر ببالي أبداً، فبدل أن يمد الإمام يديه لأقبلهما قدم وجهه المبارك لأعانقه أخذتني الرجفة من شدة الشوق لذاته المباركة والتصق وجهي بوجهه النوراني وشرع بقراءة الآية المباركة:

﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ ﴿فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ وأنا أقبل يديه المباركتين دعا لي بالتوفيق وتفقد أحوالي بمحبة ممزوجة بالحزم وقال لي: لا تحتط في أداء مناسك وأعمال الحج، والجميل في ذلك أن هذه العبارة كانت بمثابة أمر تكويني بقي صداها يرن في أذني طيلة سفري وأثناء أداء المناسك الحج، وما كان مستحيلاً صار حقيقة وواقعاً وتخلصت بشكل نهائي من مرض الوسواس.

تقرير مجزرة مكة

بعد قدومي من الحج، التقيت بالسيد رسولي وأخبرني أن الإمام قد سأل عنك عدة مرات وأثناء الوقت المخصص للزيارة، صعدنا الدرج حيث الإمام جالساً في غرفته ونظر إلي من وراء الزجاج وتبسم بوجه مسرور وفرح قال: تقبل الله الأعمال وأكمل، متى كان القدوم؟

قلت: بالأمس.

سألني: إن شاء الله صحتك جيدة ولم يلحق بك أذى، أجبته باختصار وبدأنا عملنا، وبعد إتمام الأعمال، وإنهاء اللقاءات المخصصة لتقبيل يدي الإمام، تشرفت بخدمته ثانية وبلغته سلام الشيخ كروبي ووصايا الكثير من مسلمي الدول الأخرى الذين أصروا عليّ لأني أحمل الجنسية الإيرانية أن أقبل يديك الشريفتين نيابة عنهم، ولقد فعلت ذلك، وبعدها حدثته عن مجزرة مكة وصورت له المشهد الذي تم فيه قتل الحجاج والسلاح الذي استعمل هناك وتعرض الشيخ كروبي للضرب والإهانة، وهنا توقف وسألني عن وضعه الأمني. فأخبرته بأنه في عهدة الشرطة السعودية، ولكن أثناء المجزرة تخلى عنه رجال الأمن الموكلين بحمايته، فسعى الناس للمحافظة عليه ولكن تعرضوا جميعهم للضرب وسأل: هل كان إطلاق النار غزيراً، فرويت له كلّ ما رأيته ثم حدثته عن اللقاء الذي تم مع مجموعة من الفلسطينيين المقيمين في الأرض المحتلة جاؤوا إلى مقر البعثة الإيرانية للاستنكار وإبراز المواساة فاغتنمت هذه الفرصة وهيأت الأجواء المناسبة وخاطبت أحاسيسهم المتأججة والمتعاطفة مع الثورة وبدأت بشرح مواقف الثورة الإسلامية إزاء مشاكل العالم الإسلامي وخصوصاً مسألة فلسطين أججت في أعماقهم الحماس للمشاركة بفعالية أكبر في الجهاد والثورة ضد العدو الصهيوني والشيء الملفت والعجيب أن كلامهم كان يفوق الشيء المتصور في الواقع، فبعد السؤال عن أحوالهم، رأيت الدموع تنهمر من مآقيهم لشدة التأثر والحزن، للأحداث الأليمة ورووا مشاهداتهم الحزينة لمجزرة مكة، وقساوة قلوب السعوديين اليهود كيف داسوا أجساد النساء الشهيدات الطاهرة وبقروا بطونهن وسرقوا أموالهن وحليهن بشكل همجي ووحشي، فضلاً عن الجراحات التي أوجدوها في أجسادهن، وتكلموا عن مظلومية الشعب الإيراني وقالوا: نحن حتى الآن كما نعتقد بأنه لا يوجد إنسان في الدنيا قد ظلم أكثر منا نحن الشعب الفلسطيني، لكن الآن أدركنا هنا أنكم تعانون من ظلم أشد وأكبر وأعداؤكم أشد من الجميع قساوة و... إلى هنا، لم أر شيئاً غير عادي، فما من إنسان مسلم وعاقل شاهد هذه المجزرة الوحشية إلاّ وأصدر حكماً على مدى الإجرام الذي أرتكب بحق الحجاج.

أما الشيء الذي أثار اهتماماً كثيراً هو تحليلهم لأصل الموضوع، وارتباط أساس الرجعية بالصهيونية ورؤيتهم العميقة للحرب المفروضة، وقد أسهبوا في الحديث بعمق عن كلّ شيء بشكل أفضل وأتم مما لو أردنا نحن شرح الموضوع، ولم يتركوا لنا مجالاً للكلام والتعقيب.

وأكملوا حديثهم: إن القائد الإلهي للثورة الإسلامية هو الأمل الوحيد لجميع المستضعفين واحرار القدس وفلسطين وإن حرب إيران والعراق هي التي سترسم مستقبل المنطقة ومستقبل جميع الشعوب المستضعفة. وإن طريق القدس تمر عبر كربلاء ومكة والمدينة واستدلوا على كلامهم ما دام صدام الكافر وآل سعود المنافقين مستلمين زمام أمور المنطقة فلن تتحرر فلسطين، لأن هؤلاء هم عوامل وأسباب بقاء إسرائيل، كما كان أسلافهم عوامل وأسباب إيجاد إسرائيل وقالوا أيضاً: إن حربكم ضد صدام ليس حرباً على صدام فقط بل هي حرب على إسرائيل والاستكبار العالمي، ونحن نرى أن انتصارنا على أعدائنا غاصبي فلسطين يتقرر في ظل انتصاركم في هذه الحرب المفروضة. وطالت الجلسة مع الأخوة الفلسطينيين إلى آخر الليل وانبلج من آفاق كلامهم النابع من القلب أحلام السحر، والفجر الصادق ونحن رأينا في المنام أن ما شاهدناه غروب يوم الجمعة الدموي ينبئ ببزوغ فجر الثورة الإسلامية العالمية وفي نهاية حديثي عن مجريات الأحداث في مكة عرضت على سماحته إلى ما قبل يوم الجمعة الدموي كان الجميع مبهورين ومتعجبين من اختياركم الآية المباركة: ﴿ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ ﴾.

التي بدأتم بها بيان الحج لهذه السنة وعندما وقعت المجزرة  الدموية تتبعنا حينها الموضوع لاكتشاف السر الخفي لهذا الاختيار وازدادت دهشتنا لذلك.

هكذا كان لسان حالي في بيان مجريات الأحداث والأوضاع، في حين كان الإمام يتتبع الأخبار الجديدة من خلال المشاهدات التي رويتها ومن خلال إصغائه التام للحديث وأسئلته التي طرحها في الأثناء وحينما أردت التحدث بأسلوب الكناية عن كرامات الإمام فيما يتعلق بالآية المباركة واختياره لها في خطابه للحجيج في تلك السنة، طأطأ رأسه تواضعاً. وألقى نظراته بحياء، وعلى ما يبدو أن هذا الحديث ليس جديداً بالنسبة إليه، وفهمت من نظراته أن هذا ليس للإخبار ولا يريد أن يتحدث فيه أو يفشى شيئاً بهذا الخصوص:

إن الذي تعلّم الأسرار الإلهية           ختم عليها وخيط فمه

وفي الختام أبلغته إنني بلطف الله وأنفاسكم الطاهرة تمكنت من أداء جميع أعمال الحج دون وسوسة فأجاب الإمام! «إسعَ بعد الآن أن تكون كذلك».

وفي اليوم التالي نقل الحاج أحمد الخميني عندما شرفني بزيارة إلى المنزل أن الإمام قال له: إن الشيخ رحيميان لديه أخبار مهمة جداً ويدل هذا على مدى أهمية أخبار مكة الحزينة في تلك الظروف، وأنه سمع ولأول مرة كلاماً ايجابياً بخصوص الفلسطينيين. وكان مسروراً جداً.

أمانة ما بعد الرحيل

كان الإمام بمناسبة وغير مناسبة يتفقد جميع الذين يعرفهم وتربطهم به علاقة، مبتدئاً بالأشخاص الذين يعملون معه وكان هذا العمل منه مفاجئاً وغير متوقع نظراً لتراكم الأعمال وكثرة المصاعب وحجم المسؤوليات الجسام، وخاصة في خضم الازمات والضغوطات النفسية وسوء الوضع الصحي الذي يعاني منه خصوصاً عندما يسأل ويتفقد أحوال الأشخاص المنسيين في المجتمع وكنموذج على ما قدمنا، فإنه قبل أيام من ارتفاع روحه الطاهرة إلى بارئها سأل عن أحد العلماء في الحوزة العلمية في قم حيث كان يعتبر أحد الخواص في أحد الأيام من الشخصيات العلمية والأخلاقية والمعنوية والعرفانية الكبيرة ولكنه من المنسيين وغير المعروفين عند عامة الناس ومن ثم أمر سماحته بإرسال مبلغ من المال إليه وتقرر أن أقوم بإيصال المبلغ المذكور له في قم ولكنني تأخرت عن القيام بهذه المهمة، وكان السبب أننا كنا في شهر رمضان المبارك ولا أريد قطع نية الإقامة في السفر. اشتد أثنائها مرض الإمام وانتقل إلى المستشفى وبعد ذلك ارتحل إلى الملكوت الأعلى ولم أكن قد أوصلت الأمانة بعد وبناءً على وصية الإمام في تحويل الأموال والحقوق الشرعية إلى مديرية الحوزة العلمية في قم انتهزت هذه الفرصة وأنهيت كلّ الحسابات وحولتها إلى شيك مصرفي وبعد أن قمت بالإجراءات اللازمة لذلك، توجهت إلى مدينة قم المقدسة. ولكني لم أوفق بوجوده هناك، وحاولت عدة مرات السؤال عنه دون جدوى حتى وفقني الله بعد عدة أشهر من التعب والتفتيش للاتصال به هاتفياً وتحدثت معه وقلت له: أنا فلان الفلاني، فشعرت بالسرور والارتياح من خلال حديثه معي نظراً للعلاقة القديمة التي تربطني به والمحبة التي يكنها لي والتي تمتد إلى أكثر من عشرين سنة وعندما أخبرته بوجود أمانة له من الإمام تصور أنه سمع خطأ وفهمت أنه لم يلتفت للموضوع، أعدت الكلام ثانية إن لك أمانة من الإمام وأعتذر منكم عن التأخير الذي حصل في إيصالها إليكم ورغم طلاقة لسانه وفصاحته قال بشيء من التكلف.

من الإمام؟

الإمام... أمانة ماذا؟ حبس أنفاسه واستغرق في البكاء الذي لم يدع مجالاً للكلام، وعندما ذهبت لزيارته بناء على الموعد الذي اتفقنا عليه وجدته ينتظرني بفارغ الصبر، دخلت إلى بيته المتواضع وجلست في غرفة الاستقبال الصغيرة جداً، وكانت الساعة تشير إلى تمام الثالثة بعد الظهر من أيام الصيف الحارة في قم، حيث لم تتمكن المروحة الصغيرة من تخفيف حرارة الطقس المرتفعة وحرارة الصداقة الملتهبة، وهو حتى الساعة لم يصدق نفسه أنني أجلس إلى جانبه حاملاً إليه أمانة من الإمام، تُسلم إليه بعد ثلاثة أشهر من رحيله، وهو لم يعلم شيئاً عن ماهيتها ونوعها فحلّ البكاء مكان السؤال عنه والاطمئنان عن صحته وبعد الانتهاء من هذه الحالة التي امتزجت فيها الدموع الصادقة بلهفة الشوق واللقاء، شرحت له بالتفصيل ما جرى، فبكى من جديد بكاءً شديداً أحسست أن هذا البكاء ليس عادياً ويستبطن شيئاً مهماً لم يفصح عنه وأخيراً تمكن شيئاً فشيئاً من الكلام، علمت أنه كان مريضاً ويقضي فصل الصيف في مشهد ولتوه وصل إلى قم ولما علم أن الإمام قد فكر به وسأل عنه وظاهراً انه لا يعلم عن وضعه شيئاٌ تأثر كثيراً وتجدد عزائه بفقد الإمام، كان لطف الإمام وإصداره الأمر بإرسال مبلغ من المال أحد طرفي القضية، والطرف الآخر كان التأخير الذي حصل إلى ما بعد رحلة الإمام وعدم وجوده في قم وأخيراً وصول الأمانة في ذلك اليوم من أواخر الشهر وفي تلك الساعة خاصة بعد أن علمت بأنه لم يكن عنده خبزاً يأكله في ذلك اليوم.

وما إصدار الإمام أوامره بالمبلغ المذكور والذي تزامن مع سلسلة من العلل والأسباب التي طرأت فيما بعد وأدت إلى إيصال الأمانة في ذلك اليوم وتلك اللحظة إلاّ هدفاً لقضاء حاجة هذا الرجل الإلهي، هذه الأمور التي لم تكن صدفة بل إن المشيئة الإلهية أرادت أن يحدث ذلك وبواسطة العبد الإلهي الإمام الخميني العظيم.

إجازة للاستخارة

أحد العلماء المجاهدين الثوريين الفلسطينيين الذين كانوا في زيارة للجمهورية الإسلامية زار مكتب الإمام على رأس وفد مرافق له، كان ذلك في وقت كانت الأيام المعدة للقاء مع الإمام معطلة فسلموني نسخة من القرآن الكريم حتى يوقع عليها الإمام، وأكد على أن أطلب له من الإمام اخذ إجازة له في الاستخارة، لم يكن هناك مشكلة في موضوع التوقيع على نسخة القرآن الكريم، أما بخصوص الإجازة فاعتذرت له وقلت إن ذلك غير ممكن سعى هذا العالم الديني الفلسطيني المجاهد أن يقول لنا بأسلوب الكناية إنكم حتى الآن لا تعرفون الإمام ولم تكتشفوا عظمته وقال: أنت بأي دليل تقول أن ذلك غير ممكن وحتى الآن لم تطرح على الإمام مثل هذه المسألة، أم أنك طرحتها وأجابك سماحته بالنفي؟ قلت: لم اسمع شيئاً من الإمام بخصوص هذه المسألة حتى الآن قال: إذا لم تعلم عن الموضوع شيئاً فرجائي أن توصل سلامي إلى الإمام وتعرض عليه المسألة والإمام نفسه يعي طلبي ويعرف ماذا يجيب وفي اليوم 4/3/82 عندما تشرفنا بخدمة الإمام وضمن انجاز الأعمال مع الإخوة تشاورنا في الأمر وكان رأيهم سلبياً وفي النهاية بعد طول تأمل وتفكير عرضت طلبه على الإمام فتفضل علينا قائلاً:

«إنه مجاز بذلك» وتعجبنا لأمر كثيراً لأننا لم نطلع على مثل هذا الموضوع من قبل.

مجلة حراس الإسلام والإمام

كان مصدّورا المجلات يرسلون بعض النسخ من مجلاتهم إلى مكتب الإمام، فنقوم بدورنا بتقديم نسخة واحدة من كل مجلة لسماحته وفي أحد الأيام بادرنا الإمام بالقول:

«لا مجال عندي لمطالعة كل هذه المجلات التي تجلبونها لي» لذ لا داعي لجلبها ... أشار إلى المجلات.

وفي أحد الأيام وجد الظرف مناسباً أن أحمل نسخة من مجلة حراس الإسلام وأقدمها للإمام ليباركها بعد أن حصلت على إذن بذلك وبهذه الطريقة، بقيت هذه المجلة تصل إلى سماحته حتى شهر نيسان سنة 1989م يعني حتى آخر عدد من المجلة والإمام على قيد الحياة، عادة كان سماحته يتصفح المجلة ويمر على العناوين والموضوعات، وبلغ اهتمام الإمام بمجلة حراس الإسلام حداً كبيراً جداً وأصبح حافزاً وباعثاً للارتياح الكبير في نفسي وسائر الأخوة العاملين في المجلة لأن أي اعوجاج أو انحراف موجود في المجلة سيلاحظ الإمام من خلال فكره الإلهي ونظرته الربانية إلى طبيعة الأمور ويذكرني به، وعلى هذا الأساس كنت أقدم له أول نسخة من هذه المجلة بمجرد صدورها من الطباعة، وأثناء زيارتنا له كان هو بدوره يتصفح المجلة ويراقب خطها وغلافها ضمن سائر أعماله، واذكر أن الإمام كان يهتم كثيراً بالغلاف الأخير الذي يحوي إطارا ملونا ذكر فيه كلام المعصومين (ع).

 

أما فيما يتعلق بسائر التقارير الموجودة في داخلها، فكان يحملها معه إلى غرفته لبحثها ومطالعتها، وفي إحدى المرات حصل لديّ تأخير عن إيصال أحد الأعداد لعدة أيام، فذكرني الحاج أحمد الخميني بان الإمام سأل عن العدد الجديد للمجلة وقال: «لم يجلبوا العدد الجديد» فاعتذرت له من ثم أوصلته إلى يد الإمام وما ينبغي ذكره في المقام أنه كان مندرج في هذا العدد القسم الثالث أو الرابع عن حياة الإمام بلسان آية الله «بسنديدة» وينقل الحاج أحمد الخميني: أن الإمام كان يظهر إعجابه من قدرة الحفظ لآية الله بسنديده والملاحظات الكثيرة والدقيقة والظريفة التي أوردها رغم مرور الزمن عليها وتجاوزه التسعين سنة.

وبالالتفات إلى الموضوع المذكور أعلاه انتبهت أولاً: إلى أن الإمام قد طالع هذا الجزء عن حياته وتتبعه بدقة، وثانياً إن عدم إبداء ملاحظات على ما قرأه كاشف عن صحة المسائل المذكورة. والمورد الآخر في الفترة التي طرح فيها مسألة مؤامرة كتاب الآيات الشيطانية والكاتب المرتد سلمان رشدي. كانت مجلة حراس الإسلام توجه الانتقادات الشديدة والتعاطي غير المناسب لبعض الوزارات في مقابل هذه المؤامرة التي حبكتها بريطانيا، وعلى اثر ذلك كان الوزير المحترم يشتكي عليّ عند الإمام، ومنذ ذلك اليوم والشكاوي تمر، ومرت الأيام وتلتها الأسابيع ولم يبرز الإمام أي ردة فعل فيما يتعلق بتلك الانتقادات وتلك الشكاوى على الرغم من إني أتشرف بخدمته يوميا، كان هذا نموذجاً للجمع بين المحافظة الشديدة على مسؤولي النظام الإسلامي والسماح بالانتقادات البناءة في مورد أعمالهم من خلال المجلات المؤيدة للثورة والنظام.

احذفوا كلمة العيد

في أواسط شهر آذار 1983م كتب متن من قبل المكتب كجواب وشكر لجميع الشخصيات الذين راسلوا برقيات ورسائل تبريك بمناسبة عيد النوروز والأول من نيسان[1] يوم الله، عرضنا المتن على الإمام ليصححه وبعد قراءته قال الإمام: «احذفوا كلمة العيد».

يوم النوروز

دأب الإمام على الحضور في الساعة الثامنة صباحاً من كل يوم وأثناء استماعه لموجز الأخبار طرق سمعي دق الجرس الخاص الموجود إلى جانبه. بعد سماعي صوت الجرس وبأقل من دقيقة واحدة، كنت حاضرا في خدمته وعادة ادخل عليه ولم يكن قد انتهى من بعد من سماع موجز الأخبار، وبعد الانتهاء من سماع الموجز يطفئ الراديو ويدخل عليه الطبيب الخاص لمراقبة ضغط الدم وبعد خروجه نبدأ عملنا.

«يوم 29 اسفند 1361هـ.ش تفضل قائلاً».

صباح الغد سأحضر بين الساعة التاسعة والتاسعة والربع، وكان الإمام يطلعنا على أي تأخير في المواقيت والمواعيد المحددة والمحسوبة بدقة وانتظام حتى لا يحصل أدنى أو فوضى في العمل.

على كل حال، نحن في يوم النوروز، دخلت غرفة الإمام الساعة التاسعة وعدة دقائق، لم يكن قد حضر الإمام بعد، ولكن بمقتضى الموعد المحدد لم تشر الساعة بعد إلى التاسعة والربع حتى شرف سماحته بنشاط أكثر من الأيام الأخرى وهو يرتدي عباءة جديدة ومبتسم الثغر دخل علينا وكان مجموع الحاضرين خمسة أشخاص مع الدكتور، وكرر كلامه عدة مرات قائلاً «عيد مبارك» بعد ذلك وضع في يده عدد من قطع النقود «ريال» فقام الحاضرون وبعد تقبيل يده الشريفة اخذ كل منا عدداً من القطع وتكرر هذا البرنامج في عيد النوروز في سنوات أخرى.

حلّ التنظيم

في أوائل شهر آب سنة 1983م بعد كلام الإمام الذي تهجم فيه على «تنظيم الحجتية» دون تسميتهم في خطابه أرسلت رسالة من قبل هذا التنظيم يتحدث مضمونها عن قرار اتخذوه بتعليق نشاطاتهم وإلغاء جلساتهم فعرضت ذلك على الإمام وقبل قراءة متن الرسالة إن تنظيم الحجتية أعلن عن حل نفسه، وبعد أن قرأ متن الرسالة رأى أنهم قد استخدموا عبارة «تعليق» تبسم الإمام وتفضل قائلاً: «تعليق النشاط غير حل التنظيم»، هذا لا فائدة منه، إذا كانوا يفكرون ويعتقدون وأشار إلى ما ذكره في خطابه بالنسبة لهم، أن لا اثر لهذا العمل، هؤلاء فاسدون يفعلون ما يريدون ظناً منهم أنهم سيبقون سالمين، وقبل ذلك ظنوا...!!

طبعت أوراقاًً نقدية جديدة عليها صورة المرحوم آية الله مدرسي، وقد احضروا عدة رزم من هذه الوراق لعرضها على الإمام حتى يباركها وما أن وقعت عيناه عليها تفضل قائلاً والانبساط بادٍ عليه:

«هؤلاء هم ألؤلئك أنفسهم؟؟».

كان الإمام على اطلاع بموضوع طباعة أوراق نقدية جديدة، وكانت قد طرحت مرة في مجلسة الملاحظة الخاصة بالأوراق النقدية، واخذ السيد رسولي واحدة منها وناولها لحضرة الإمام، وأراد أن يوضح له فأجاب قائلاً:

أعلم بذلك، وبعد ذلك وضع نظارته ونظر إلى الأوراق النقدية بدقة ومن ثم باركهم جميعاً.

الاهتمام بنتائج الانتخابات

كان الإمام بعد استماع لموجز أخبار الساعة الثامنة صباحاً، يدق الجرس الخاص بنا فنحضر سريعاً، أما في يومي 16و17 نيسان 1984م حيث كانت تذاع نتائج الانتخابات العامة لمجلس الشورى الإسلامي، وفي هذين اليومين فقط وبشكل استثنائي تأخر الإمام عن موعده المحدد وخاصة في اليوم الذي أعلن فيه النتائج النهائية وأسماء الفائزين وما هذا التأخير الاستثنائي إلا تأكيداً على اهتمام سماحته بموضوع انتخابات ممثلي الشعب الذين فازوا بالانتخابات.

غير مبدوءة بذكر الله

صباح يوم الأحد بتاريخ 10/3/1985م قدمت للإمام مجموعة من التقارير والنشرات، وكما جرت العادة ننشغل نحن بإنجاز الأعمال الموكولة إلينا وينصرف الإمام أثناءها لقراءة ومطالعة هذه التقارير وبينما هو مستغرق بمطالعة إحدى النشرات التي تصدر عن إحدى المؤسسات الإعلامية والتبليغية تفضل قائلاً:

«قولوا لهم شيئاً من قبيل...؟ لماذا لا يبدءون نشرتهم ببسم الله؟».

هذا نموذج عن نظر الإمام الثاقب ودقته من جميع النواحي مؤكداً بذلك على ضرورة مراعاة الآداب الإسلامية والاهتمام بها إلى هذا المستوى.

الاهتمام الخاص بالمجاهدين في لبنان

كان لحزب الله والمقاومة الإسلامية في لبنان مكانة خاصة عند الإمام وهو الذي حمل لواء الدفاع عن الشيعة والمسلمين في لبنان، وفي أكثر من مناسبة عامة هادفاً من ذلك تأكيد اهتمامه ودعمه الكامل لكل المجاهدين في لبنان الذين أبقوا حدود جنوبه مفتوحة في صراع مع العدو الصهيوني بينما تنعم باقي الحدود مع العدو بهدوء الذل والعار والموت، فلبنان الوحيد الذي يخوض مواجهة مع العدو من خلال حدوده الجنوبية بقدرات وسواعد مجاهدي المقاومة الإسلامية الذين استطاعوا من تجاوز الخطوط الحمراء المرسومة، وتمكنوا من سلب امن الأعداء الصهاينة وتحطيم آمالهم الطامحة، وأحلامهم التوسعية وقضوا على مشاريع أمريكا وربيبتها إسرائيل في المنطقة من جراء ضرباتهم المهلكة التي نزلت عليهم وما زالت.

الإجازات الشرعية الاستثنائية

في إحدى الفترات الزمنية لم يعد يسمح الإمام إلا بصرف الثلث من الحقوق والوجوه الشرعية والحسبية. ولكنه استثنى من هذا القرار علماء لبنان الذين كانوا يحصلون على الإجازات في صرف الحقوق من خلال رابطهم حجة الإسلام السيد عيسى الطباطبائي وأبقى لهم حق التصرف بالثلثين على أن يرسل الثلث الباقي إلى مكتب الإمام في طهران لأخذ إيصال القبض بذلك، وهذا الثلث الذي كان يرسل كان يعاد ثانية إلى لبنان بناءً على إجازة من الإمام نفسه ويودع في بيت مال المسلمين الذي انشأ في لبنان من خلال المساعدات الخيرية بهدف إعانة الفقراء والمعوزين والمحتاجين، وفي الواقع أن الإمام كان يعيد كل الأموال الشرعية التي تصله من لبنان ثانية مما ساهم هذا العمل في تقوية الوضع الاقتصادي للحالة الإسلامية وكان له الدور المهم على المستوى المعنوي للمسلمين في لبنان.

شباب حزب الله حجة على العلماء

الملاحظة الأخرى المهمة التي تدل على مكانة حزب الله الخاصة عند الإمام أنه بعد انتصار الثورة الإسلامية كان موقف الإمام حازماً وصارماً بخصوص عدم ذكر أي تنظيم سياسي أو حزبي على لسانه، بينما نراه في بيان الثورة الذي صدر بالمناسبة، لم يكف بدعوة الناس والشعوب الإسلامية وحسب بل يؤكد على علماء الإسلام، إعتبار شباب حزب الله في لبنان حجة عليهم ونموذج يجب الاقتداء به وفي هذا المقام اقطع بأنه لا يمكن أن يكون بمثل هذا التصريح والصراحة في الكلام الحكيم للإمام دون دليل قاطع ومهم عند الإمام وهادفاً من خلاله.

آخر لقاء وآخر يوم

نموذج آخر يعبر عن مدى الحب الخاص الذي يكنه لشباب المقاومة الإسلامية نشعر به من خلال تحديد مواعيد اللقاءات مع الإمام لم نطلب منه لقاءً سواء كان لقيادة حزب الله أو لعوائل الشهداء أو أشخاص عاديين إلا ويوافق على الموعد وهو منفرج الأسارير ومسرور الخاطر، مطمئن البال وآخر حادثة حصلت قبل رحيله كانت ملفته للنظر وأثارت فينا الدهشة.

قبل آخر يوم من انتقال الإمام إلى المستشفى، كان آخر يوم للقائه معه الناس وتقبيل يديه المباركتين، وكما جرت العادة، أخذت حصتي من البطاقات التي تسمح بدخول الشخص إلى مجلس الإمام لتقبيل يديه، ووزعتها على أصحابها في اليوم الذي سبق الموعد وقبل الساعة الثامنة صباحاً بعدة دقائق حضرت امرأة عجوز إلى المكتب وبعد التعريف باسمها تبين أنها لبنانية ووالدة شهيد كان قد قام بعملية استشهادية تمكن من خلالها من قتل وجرح مئات الجنود الصهاينة في لبنان.

عندها أخذت بطاقة من احد الأخوة الذين كنت قد أعطيته إياها وأعطيتها لوالدة الشهيد، ومباشرة وفقت بالدخول للقاء الإمام وتقبيل يديه المباركتين وفي الأثناء عرفتها أنها والدة شهيد استشهد في لبنان، فانبسطت أسارير وجهه، وارتسمت على محياه علامات البهجة والسرور وبدأ يسأل عنها وعن أحوالها ويتفقدها بلطف ومحبة ودعا لها لعدة لحظات بشكل استثنائي.

الفن، وفن الإمام

يعتبر الإمام الخميني فناناً بكل ما للكلمة من معنى، ملماً بأنواع الفنون وشؤونها المختلفة هذا الفن الذي استوحاه من فطرته الطاهرة والمتعالية، ونماه وغذاه بالتعليم والتربية الإسلامية ليصاغ في أجمل القوالب ويثمر محتوى ومضموناً إلهياً كان الفن يتجسد في كلماته، ومؤلفاته وخطه جنباً إلى جنب مع العمل في ترويج ونشر مفاهيم الوحي للمجتمع الإسلامي والإنساني، حيث يتطلب الحديث حول كل خطاب أو مقال فصلا مستقلاً، وفي هذا المقام أذكر بعض النماذج التي أتذكرها لسماحته عن حبه للفن وعلاقته به.

ألست أصفهانياً؟!

عندما قرر الإمام في النجف الشرف إرسال الكثير من كتاباته إلى المطبعة ليتم طبعها وبما أن المكلفين بالطباعة لا يعرفون الخط الفارسي المكسر، طلبوا مني أن استنسخ هذه الكتابات، وبعد أن قمت بالمطلوب وعرضته على سماحته رفع رأسه إلى الأعلى وهو يتبسم وتفضل علي بلطف ممازحاً: «ألست أصفهانيا؟!» كنت متيقناً انه يعلم بأنني أصفهاني ونظراً للهجة السؤال التفت إلى أنه ليس جاداً بسؤاله لذا طأطأت رأسي خجلاً إلى الأسفل وأكمل الإمام كلامه: «أفضل الخطوط هي تلك الموجودة عند الأتراك في إيران وفي سائر أنحاء العالم، وفي تركيا. تقدم العثمانيون على الجميع في فن الخط». وبهذا النحو كان الإمام يتكلم بلهجة تموج بالعشق والمحبة ليبين لي ملاحظة ساعدت في تشجيعي وترغيبي على تحسين خطي. وفي جماران أيضاً، كنت أقوم بكل افتخار باستنساخ أو تحسين بعض الكتابات.

وفي أحد الأيام وأنا أنسخ بعض الكتابات وردت عبارة تؤكد على كتابة المطلب بأنواع الخطوط الثلاثة: خط النسخي، خط النستعليقة، خط الثلث فقمت بذلك وبعد انتهائي من العمل عرضته على الإمام فتأمل به وغمرني بمحبته ولطفه المعهودين وتبسم قائلاً: «كلا الخطان جيدان».

لم أفهم النكتة التي أرادها الإمام من هذا الكلام علماً أن الإمام ملمّ بفن الخطوط ويعرف دقائق شؤونه كما أن الكتابة المذكورة كانت خطوطها جميلة وشبيهة لبعضها البعض ولا يوجد فرق بينها فلماذا قال سماحته «خطان» وما المقصود من ذلك؟ إن بعض الحاضرين فسر الموضوع واحتمل أن تكون وجهة نظر الإمام وقصده من «الخطين جيدين» ما يلي:

الخط الأول: هو الكتابة الجميلة لأنواع الخطوط الثلاثة.

الخط الثاني: هو الخط الفكري.

ضعوها هنا

أُرسلت إحدى اللوحات الفنية التي تصور النبي الأكرم في زمان شبابه إلى الإمام، وبقيت فترة طويلة في المكتب وكنا مترددين هل نقدمها إلى الإمام؟ وهل سيكون مسروراً أم لا؟ وتصورنا ذلك قياساً على أن أهل العرفان لا يستسيغون رسم صورة النبي أو الإمام علي والتي لا يوجد دليل على انتسابهما لهما.

وفي النهاية قررنا أن نوصلها إلى الإمام باعتبار أداء الأمانة، وعندما تشرفنا بحضوره كنت أحمل اللوحة بيدي فالتفت الإمام وأمعن في النظر إليها فقلت له إن هذه الصورة تشبه النبي الكرم (ص) ولكنه على غير عادته التي يطلب منا الاحتفاظ بها تفضل وبدون تأمل قائلاً: «ضعوها هنا».

وأشار بيده إلى مكان عال في الغرفة، فوضعتها وانصرفنا بعد أن أنهينا جميع أعمالنا اليومية وفي اليوم التالي تشرفت بزيارة وفوجئت بعدم وجود اللوحة في الغرفة ولم نعرف ولم ندري ما الذي جرى؟وبعد فترة اشتد عليه مرض القلب مجدداً وبعد مغادرته المستشفى انتقل إلى منزله وطبيعي انه بقي فترة لم يحضر إلى الغرفة التي كان تستخدم لأجل العمل واللقاءات والزيارات. لذا كانت المرة الأولى التي ندخل فيها إلى غرفة الإمام الشخصية الخاصة به لأجل انجاز بعض الأعمال وأول شيء أثار انتباهنا في الغرفة كانت تلك اللوحة التي ثبتها هناك، في النقطة المقابلة تماماً لسريره الذي يجلس عليه وبقيت هذه الصورة مكانها حتى آخر أيام حياته الشريفة. كانت هذه الصورة مورد علاقة واهتمام الإمام إلى حد أنها تعتبر عنده اختباراً لأي شخص يدعي علاقته لصاحب الزمان وكانت إحدى ثلاث موضوعات سأل عنها الإمام لأجل كشف الحقيقة.

وكان قد طرق الأسماع أيضاً أن الغزل العرفاني المعروف «... الذي نظمه الإمام كأن بتأثير هذه الصورة والسبب الأساسي لعلاقة الإمام بهذه اللوحة هي انتسابها لرسول الله (ص) ويحتمل على حسب النقل أن أصل هذه الصورة كانت قد رسمت بواسطة الراهب الذي التقي النبي الأكبر (ص) على ما يبدو خلال إحدى رحلاته إلى الشام».

واستطاع من خلال براعته الفنية أن يرسم هذه اللوحة على هذا النحو من الروعة والجمال، وتمكن من تصوير الحالة العصامية (ع) كما استطاع تجسيد الصورة شبيهة بملامح ومواصفات رسول الله التي نقلتها كتب السيرة إن أصحاب الذوق الرفيع ومحبي الفن، وعشاق الجمال يجيدون إحضار صورة المحبوب الجميل في وجدانهم.

جائزة لأحد الأطفال

وفق أحد الأصدقاء وعائلته بتقبيل يدي الإمام، وبعد انتهاء اللقاء وأثناء عودتهم من المكتب قال: هذا وليد في صف الخامس ابتدائي يريد تقديم دفتر الرسم الذي عنده ليطلعه على الإمام ولكن مسؤولين الحرس منعوه من إحضاره معه للإمام فانزعج لهذا التصرف كثيراً، فأخذت دفتر الرسم، وفي اليوم التالي وبعد أن أوضحت الأمر لسماحته قدمت له الدفتر واطلع الإمام على جميع أوراقه وكم كان سروره عظيماً عندما شاهد صورة لدبابة على غلاف الدفتر حيث كانت المبراة جنزيراً لها والكتاب برجها وقلم الرصاص سبطانتها والطفل الصغير قائدها، لاحظ الصورة وتبسم، ثم اصدر أمراً بتقديم جائزة مناسبة لهذا الطفل الصغير من باب تشجيعه وحثه على الإبداع وتقديراً لأعماله التي كانت قد أعدت من خلال إدارة التربية والتعليم في المنطقة الثالثة في طهران. وقدمنا الجائزة مرفقة برسالة عن طريق المكتب.

ليس عندي ميل

اثنان من أعضاء مكتب الإمام المعروفين أرادا ترشيح أنفسهما عن مدينة مشهد لانتخابات مجلس الخبراء، الدورة الثانية على لائحة احد الجنحة السياسية. وعرض احدهم هذا المر على الإمام فتفضل بالإجابة:

«لا أرغب في أن تترشحا للانتخابات لأنكما محسوبان عليّ، فإذا لم تنجحا وتحصلا الأصوات المطلوبة فهذا يضر بسمعتكما، وإذا نجحتما يمكن أن يقال أنكما فرضتما فرضاً، إضافة إلى أن هذا العمل فيه توهين لعلماء مشهد، والجدير ذكره أن هذين الشخصين ليسا من أهل خراسان».

ــــــــــــ

[1] يوم اختيار النظام الإسلامي في إيران الأول من نيسان يصادف الثاني عشر من شهر فروردين في السنة الإيرانية وهو اليوم الذي تم فيه الاستفتاء على الجمهورية الإسلامية وسمي آنذاك «بيوم الله».

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

التعليقات مغلقة.

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©