الأحد ٢٦ / فبراير / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » الجهاد الأكبر »

ضيافة الله

19 يونيو 2013 | في الفئة: الجهاد الأكبر | لا توجد تعليقات | الزیارات: 103

ضيافة الله

طبقاً لما ورد في الخطبة المنسوبة إلى الرسول الأعظم(ص) فإن جميع عباد الله هم في شهر رمضان ضيوف الله تبارك وتعالى: {أيها الناس إنه قد أقبل إليكم شهر الله وقد دعيتم فيه إلى ضيافة الله}([1]).

فما عليكم في هذه الأيام التي تفصلنا عن شهر الله إلا أن تفكِّروا وأن تصلحوا أنفسكم وتتوجَّهوا إلى خالقكم. استغفروا الله من زلاَّتكم إذا كنتم ولا سمح الله قد ارتكبتم ذنباً فتوبوا إليه. إياكم أن تصدر منكم غيبة أو تهمة أو نميمة أو أي ذنب في هذا الشهر لأنكم بذلك تسيئون آداب الضيافة وقد تُدنِّسون أنفسكم بالمعاصي وأنتم ضيوف الله سبحانه.

لقد دُعيتم إلى الضيافة فهيِّئوا أنفسكم لهذه الضيافة العظيمة تحلُّوا بالآداب الصورية والظاهرية على الأقل([2]). ليس معنى الصوم الإمساك عن الطعام والشراب، إن الواجب أيضاً هو الاجتناب عن المعاصي، وهذا من الآداب الأولية للصوم التي تقال للمبتدئين في تهذيب نفوسهم، أمَّا رجال الله الذين يريدون أن يلغوا معدن العظمة فإن لهم آداباً غير هذه.

فالتزموا على الأقل بهذه الآداب الأولية وكما تمسكون عن الطعام والشراب فامسكوا عن المعاصي، واحفظوا ألسنتكم عن الغيبة والتهمة والأقوال السيئة، أخرجوا من قلوبكم الحسد والحقد وكل الصفات القبيحة الأخرى.

حصلوا إذا استطعتم الانقطاع إلى الله، وخلَّصوا أعمالكم من الرياء، واضربوا بعرض الجدار كل توجّهاتكم نحو شياطين الإنس والجِن.

لكننا ـ على ما يبدو ـ لسنا أهلاً للوصول إلى هذا المستوى الإيماني الراقي، والحصول على هذه السعادة الكبرى، فحاولوا ـ على الأقل ـ أن لا يكون صومكم مقترناً باقتراف الذنوب، وإلا فإن صومكم ـ وإن كان صحيحاً ـ ليس مقبولاً ولا يُرفع إلى الله، لأن ارتفاع الأعمال إلى الله وقبولها لديه ـ تبارك وتعالى ـ تختلف كثيراً عن صحتها الشرعية.

إذا انقضى شهر رمضان ولم تجدوا أيِّ تغيير في سلوككم عما قبل شهر الصوم، فاعلموا أنكم لم تقوموا بالصوم المطلوب منكم، بل هذا الصوم يكون كصوم الحيوانات.

أنتم في هذا الشهر الشريف مدعوون لضيافة الله ـ تعالى ـ فإذا لم تزدد معرفتكم بالله فاعلموا أنكم لم تلبوا الدعوة كما ينبغي، ولم تقوموا بمستلزمات الضيافة ومقتضياتها.

في شهر رمضان شهر الله ينبغي أن تعلموا، أن أبواب رحمة الله لعباده مفتوحة، وأن الشياطين والمردة مغلولة، فإذا لم تستطيعوا في هذا الشهر إصلاح نفوسكم وتهذيبها ومراقبتها، وإذا لم تتمكنوا من قطع علاقاتكم المادية بالدنيا، وإذا لم تتمكنوا من سحق كل الأهواء النفسية البغيضة... فإن من الصعب جداً أن تقدروا على ذلك بعد انتهاء شهر الصيام.

إذن فاغتنموا الفرصة، وأحسنوا الاستفادة من هذه الأجواء الإيمانية الرحيمة والعظيمة. هيِّئوا أنفسكم لذلك وحاذروا أن يعبِّئكم الشيطان ويشحنكم قبل حلول شهر رمضان فإذا بكم في هذا الشهر مع أن الشياطين مغلولة تقومون بأقبح الأفعال وأشنعها وبشكل تلقائي دونما دفع منها أو تحريك.

إن الإنسان ليصل نتيجة كثرة الذنوب والمعاصي إلى مرحلة لا يعود معها يحتاج إلى وسوسة الشيطان، بل هو لشدة ما تسيطر الظلمة والجهل على قلبه تصبح صبغة الشيطان تصبغ سلوكه وتطبع تصرفاته لأن صبغة الشيطان مقابل >صبغة الله< ومن يتجرد من هذه يبتلي بتلك، والتجرد من صيغة الله يتم باتَّباع هوى النفس. عليكم أن تقرَّروا مراقبة أنفسكم في هذا الشهر على الأقل. وعليكم أن تجتنبوا الأقوال والأفعال التي لا يرضى بها الله سبحانه وتعالى.

الآن وفي هذا المجلس عاهدوا الله سبحانه، وأحكموا معه العهد على أن لا تغتابوا ولا تتهموا ولا تجرحوا شعور أحد بكلامكم، في هذا الشهر سيطروا على ألسنتكم وعيونكم وأيديكم وآذانكم وتحكَّموا بها. راقبوا أعمالكم وأقوالكم... فلعل هذا القرار وهذا التصميم يكون سبباً لاستحقاقكم عناية الله سبحانه ورحمته ولطفه. وتكون النتيجة بعد انقضاء شهر رمضان وإطلاق الشياطين من الأغلال، إنكم أصبحتم من الصالحين ولا يعود الشيطان يستطيع الاحتيال عليكم والوسوسة لكم؛ إني أكرّر هذه النقطة وأؤكد عليها: صمموا أن تراقبوا جوارحكم في هذا الشهر المبارك، وكونوا حذرين دائماً وملتفتين إلى أن العمل الذي تريدون أن تعملوه، والقول الذي تريدون أن تقولوه، الشيء الذي تريدون سماعه، ما هو حكمه الشرعي؟.

هذه آداب الصوم الأولية، فتحلُّوا بها على الأقل. إذا رأيتم شخصاً يريد أن يغتاب فحولوا بينه وبين ذلك، وقولوا له: نحن تعهَّدنا أن نجتنب المحرمات في هذا الشهر، وإذا لم تستطيعوا منعه من الاغتياب فاتركوا الجلسة، لأن المسلمين ينبغي أن يؤمنوا جانبكم، ومن لا يأمن المسلمون يده ولسانه وعينه فليس في الحقيقة بمسلم، إنّما هو مسلم ظاهراً ليس إلا كمن يقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله.. دون أن يلتزم بمدلولها. قال الصادق(ع) قال رسول الله(ص): ألا أُنبئكم لم سميَ المؤمن مؤمناً؟ لإيمان الناس على أنفسهم وأموالهم، ألا أُنبئكم مَن المسلم؟ المسلم من سَلِمَ الناس من يده ولسانه([3]).

فإذا أردتم إهانة أحد من المسلمين ـ لا سمح الله ـ وغِيبَته وجرح كرامته، فاعلموا أنكم في رحاب الله سبحانه، وعلى مائدته، واعلموا أنكم ضيوفه تعالى، وأنكم بمحضره تسيئون الأدب إلى عباده.

إن إهانة عبيد الله، إهانة لله. إن الناس هم عباد الله خصوصاً إذا كانوا على صراط الإيمان والعلم والتقوى. لا تستصغروا هذه الذنوب البسيطة فإن عاقبتها خطيرة لأن الإنسان الذي يمارس الذنوب تكون عاقبته عند الموت أن يكذب الله وينكر آياته. قال تعالى: {ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون}.

هذه النتيجة السيئة المدمرة لا تحصل دفعة واحدة، بل بالتدريج،... نظرة محرمة من هنا، وكلمة غيبة من هناك، وإهانة لإنسان مسلم من هنالك. هذه المعاصي كلها تغرس في قلب الإنسان فتنمو وتسيطر عليه وتحوله إلى قلب أسود مظلم، وتحول بينه وبين معرفة الله. إلى أن تكون النتيجة أن ينكر الحقائق الإيمانية ويكذب بآيات الله تعالى.

لقد ورد في بعض الروايات أن أعمالنا تعرض على رسول الله([4])، فعندما ينظر(ص) إلى أعمالكم ويراها مليئة بالأخطاء والذنوب فكم سيتألَّم فحاذروا أن تسوؤه.. إنه صلوات الله عليه عندما يرى صفحات أعمالكم مملوءة بالغيبة والتهمة والإساءة إلى المسلمين ويرى كل توجّهاتكم وهمومكم هي الدنيا والماديات ويرى قلوبكم طافحة بالبغضاء والحسد والحقد والظنون السيئة... فإنه(ص) قد يخجل من الله سبحانه ومن ملائكته المقربين، يخجل من أن أمته لا تشكر نعم الله.

إن الشخص الذي له ارتباط بك حتى إذا كان خادمك فإنه يخجلك إذا ارتكب عملاً مشيناً. فأنتم على علاقة برسول الله(ص)، أنتم بمجرد دخولكم الحوزات العلمية قد ربطتم أنفسكم بفقه الإسلام والقرآن الكريم وبالرسول الأكرم(ص). ولذا فإنكم إذا ارتكبتم عملاً قبيحاً فإن ذلك يمسه(ص) وهو يدفع الثمن ولعله ـ لا سمح الله ـ يلعنكم. فاجهدوا أن لا تسخطوا الرسول الأعظم والأئمة الأطهار عليكم.

إن قلب الإنسان كالمرآة، صافٍ ومضيء، ولكنه يتكدر ويتغبش نتيجة التكالب على الدنيا وكثرة المعاصي، فإذا استطاع الإنسان أن يؤدي الصوم على الأقل بنيَّة خالصة من الرياء (لا أقول جميع العبادات مع أنه يشترط فيها الإخلاص) وإذا تمكن أن يبقى طيلة هذا الشهر المبارك مُعرضاً عن الشهوات مجتنباً اللذائذ منقطعاً عما سوى الله وقام بعبادة الصوم هذه كما ينبغي.. فإن من الممكن أن تشمله عناية الله فيزول عن مرآة قلبه ما علق بها من الغبش وما اعتراها من الكدر وما خيَّم عليها من ظلام الذنوب. ولعل هذا يكون سبباً في أن يعرض الإنسان كلياً عن الدنيا المحرمة ولذائذها، ومع حلول ليلة القدر يكون قد أصبح أهلاً لأن تُشرق عليه أنوارها التي لا ينالها إلا الأولياء والخلَّص من المؤمنين.

إن جزاء الصوم الحقيقي الذي قال عنه تعالى: «الصوم لي وأنا أُجزي به» هو هذا، ولا شيء غيره، حتى أن جنات تجري من تحتها الأنهار ليست جزاءاً متكافئاً مع الصوم الخالص لوجهه الكريم.

أما إذا أراد الإنسان أن يكون صيامه إطباقاً للفم عن الطعام وفتحاً له على الغيبة، وعقداً للمجالس الدافئة في ليالي شهر رمضان وتمضية الوقت فيها في توجيه التهم وتوزيعها على الآخرين، وإهانة للمسلمين، ويظل هذا شأنه في كل ليلة إلى السحر، فإنه لن يجني من صومه شيئاً، بل أنه قد أساء آداب الضيافة، وأضاع حق وليّ نعمته، ووليّ النعمة ـ عزَّ أسمه ـ قد هيّأ للإنسان من قبل أن يخلقه كل وسائل الحياة والاستقرار، وهيأ له أسباب التكامل، أرسل الأنبياء لهدايته، وأنزل الكتب السماوية بهدف إيصال الإنسان إلى معدن العظمة والنور الأبهج([5])، وأعطاه القدرة والعقل والإدراك وكرمه بصنوف الكرامات..

هل صحيح أن نقابل الله العظيم الذي أنعم علينا كل هذه النعم ودعانا إلى ضيافته في هذا الشهر المبارك بمثل هذه الأعمال ؟!

هل صحيح أن نكون على مائدته تعالى.. ننعم بكل ما وفره لنا وهيأ ثم نتمرد عليه ونطغى؟ !..

لقد هيأ لنا الأسباب..، فهل صحيح أن نستعملها في معصيته مع أننا في ضيافته ؟.

أليس كفراناً للنعمة أن نجلس إلى مائدته سبحانه، ثم نتجرأ عليه بالأعمال القبيحة والتصرفات الشائنة ؟ ! ! إن الضيف يجب أن يكون على الأقل عارفاً بمقام المضيف... ومؤدباً بآداب الضيافة، وينبغي أن يكون حريصاً على أن لا يصدر منه ما ينافي الأخلاق، وينافي اللياقات. وضيف الله ينبغي أن يكون عارفاً بمقام الله العظيم ذي العزة والجلال... هذا المقام الذي كان الأنبياء والأئمة يسعون للاستزادة من معرفته والإحاطة به إحاطة كاملة، وكانوا يتمنون أن يصلوا إلى معدن العظمة هذا: >وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور فتصل إلى معدن العظمة<.

إن ضيافة الله مدخل إلى >معدن العظمة< ولقد دعا الله عباده واستضافهم ليمكنهم من بلوغ هذا المستوى العظيم، والاشتراك في هذه الدعوة، وحضور هذه الضيافة يتوقف على أن يكون العبد مستحقاً لها ولائقاً بها.

لقد دعا الله سبحانه عباده لكثير من الخيرات، وكثير من اللذائذ الروحية والمعنوية، ولكن إذا لم يكن العباد أهلاً لذلك فكيف يمكنهم الحضور إلى ساحة الحق كيف يمكن الحضور في حضرة الله تعالى الذي هو >معدن العظمة< والاشتراك في ضيافته مع كل هذه القذارات الروحية، والرذائل الأخلاقية، والمعاصي الظاهرة والباطنة؟

إن الأمر ليحتاج إلى استحقاق، وتهيؤ واستعداد، ولا يمكن إدراك هذه المعاني حين تكون الذنوب تسود الوجوه، وحين تكون القلوب ملوثة بالمعاصي ملطخة بالآثام، وقد حالت بينها وبين الحق العادل حجب الظلام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) وسائل الشيعة: ج2 ص227.

([2]) للكلام عن الآداب الحقيقية مجال آخر فإنها لا تتم إلا بالجهد والتعب.

([3]) سفينة البحار مادة إيمان ـ والحديث في الأصل بالهامش.

([4]) يلاحظ تفسير قوله تعالى: {وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون}. التوبة / 105.

وإليك بعض الروايات:

1 ـ عن أبي بصير عن أبي عبد الله(ع) قال: تعرض الأعمال على رسول الله(ص) أعمال العباد كل صباح أبرارها وفجارها فاحذروها وهو قول الله عز وجل: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله} وسكت.

2 ـ عن أبي عبد الله (ع) قال: سمعته يقول مالكم تسوؤن رسول الله (ص) فقال له رجل كيف نسوؤه فقال: ما تعلمون أن أعمالكم تعرض عليه فإذا رأى فيها معصية ساءه ذلك فلا تسوؤا رسول الله (ص) وسروه.

([5]) إشارة إلى ما ورد في المناجاة الشعبانية>المترجم<.

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

التعليقات مغلقة.

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©