الأربعاء ٢٦ / أبريل / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » الجهاد الأكبر »

مرحلة العلم والإيمان

19 يونيو 2013 | في الفئة: الجهاد الأكبر | لا توجد تعليقات | الزیارات: 90

مرحلة العلم والإيمان

 تارة نرى الإنسان يعلم بهذه الحقائق.. ولكنه لا يؤمن بها.. إن منه يتولى غسل الميت، لا يخاف من الميت لأنه متيقن أنه لا قدرة له على إيذائه وتعذيبه ،.. ذلك أن الميت قبل موته وحين كانت الروح ما تزال في بدنه كان عاجزاً عن الإيذاء، فكيف به الآن وقد أصبح جثة هامدة لا حراك فيها.

 إن الذين يخافون من الموتى هم الذين يعلمون بهذه الحقيقة ولكنهم غير مؤمنين بها، والأمر في المجال الإيماني كذلك، إنك ترى قسماً من الناس هكذا، إنهم عالمون بالله ويوم الحساب ولكنهم غير متيقنين.. إن القلب لا علم له أبداً بما أدركه العقل. إنهم يعلمون بأن الدليل يقودهم إلى الإيمان بالله والمعاد يوم القيامة ولكن هذا البرهان العقلي يمكن أن يكون هو نفسه حجاباً على قلوبهم يمنع نور الإيمان من أن يسطع عليها ولا ينقذهم من ذلك إلا الله سبحانه، واله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، الإنسان الذي يكون الله هو وليه ويخرجه من الظلمات سوف لن يرتكب الذنوب.. لن يغتاب، ولن يتهم، ولن يحقد على أخيه المؤمن أو يحسده، وسوف يشعر بالنور يملأ قلبه فلا يعود يقيم وزناً للدنيا وما فيها.. ويصبح كما ورد عن الإمام أمير المؤمنين×، ليس مستعداً لارتكاب أدنى ظلم، ولو كان مقابل ذلك كل الدنيا، وكل ما فيها. فأمير المؤمنين× يقول: «والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت».

 إن البعض منكم يتجاوزون كل شيء..يغتابون عظماء الإسلام وإذا كان الآخرون يغتابون بقال المحلة.. فهؤلاء يغتابون علماء الإسلام وينسبون إليهم العظائم يهينونهم ويتجرؤون عليهم، ذلك لأن الإيمان لم يترسخ في النفوس..ولم يؤمنوا بجزاء أعمالهم، بل وليست العصمة غير الإيمان الكامل.

 ليست معنى الأنبياء والأولياء أن يأخذ جبريل× بأيديهم فيرشدهم إلى ما ينبغي فعله، أو ينبغي تركه. (طبعاً لو أن جبرائيل أخذ بيد الشمر على هذا النحو لما ارتكب محرماً أبداً)، بل العصمة وليدة الإيمان، فإذا آمن الإنسان بالله تعالى ورآه بعين القلب كما يرى الشمس ببصره فإنه من غير الممكن أن يرتكب أي ذنب.

 أرأيت كيف أنك على مرأى ومسمع من شخص مسلم قوي تجتنب القيام بما يسوؤه، إن الإنسان الذي يعتقد ويتيقن أنه على مرأى من الله سبحانه ومسمع منه.. وأنه حاضر بين يديه تعالى باستمرار.. سوف يخاف أن يقوم بما لا يرضاه الله سبحانه، إن المعصومين^ بعد أن خلقوا من طينة طاهرة وبعد بذل الجهد واكتساب الملكات الخلقية الفاضلة أصبحوا يرون أنفسهم في محضر الله سبحانه الذي يعلم كل شيء ويحيط بكل شيء.. أنهم^ مؤمنون بمعنى لا إله إلا الله، ولذلك فهم على يقين من أن كل شيء وكل شخص باعتبار أنه فان فسوف لن يتمكن من التأثير على مصائرهم ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ ([1]) إذا تيقن الإنسان وآمن أن كل العوالم الظاهرة والباطنة هي في محضر الله، وأنه سبحانه حاضر في كل مكان وناظر...، عندها يستحل صدور أي ذنب منه، وحصول أية معصية.

إن الإنسان ليمتنع عن ارتكاب الذنب لوجود طفل مميز. انه يمتنع عن كشف عورته أمامه، فكيف يا ترى يكشف عوراته بحضور الله سبحانه دون أي تورع أو خجل. السبب في ذلك هو الإيمان بوجود الطفل، ولذلك يجتنب هذا الإنسان الذنب أمامه. وعدم الإيمان بوجود الله وحضوره ـ رغم العلم بذلك ـ لأنه لو كان مؤمناً بحضور الله لاجتنب  المعاصي، وتورع عن ارتكاب المحرمات. إن كثرة المعاصي واسواد القلب يحول دون الإيمان بحضور الله واطلاعه على الأفعال.. بل يحول دون احتمال هذا فضلاً عن الإيمان به. لأن الإنسان لو كان يحتمل ـ ولا أقول يتيقن ـ صحة هذه الاخبارات التي وردت في القرآن الكريم، وصحة هذا الوعد والوعيد لأعاد النظر في سلوكه ولما ظل مرخياً العنان لنفسه دونما حياء أو خجل.

 

إنكم إذا احتملتم أن في طريق تريدون قطعة حيواناً مفترساً يمكن أن يهجم عليكم، أو قاطع طريق يمكن أن يعترض طريقكم، سوف تجتنبون ذلك الطريق حتماً، أنكم تقفون وتبحثون وتحققون، هل صحيح أن في قطع هذا الطريق تعرضاً لهذا الخطر أم لا؟.

 

فهل من الممكن أن يحتمل إنسان وجود جهنم.. والخلود في نارها، بكل صفاتها المذكورة في القرآن الكريم، ومع ذلك يصدر منه ما لا يرضي الله سبحانه؟!! هل من الممكن أن تصدر المعصية من شخص معتقد بحضور الله ومراقبته للعباد، ومعتقد أنه باستمرار تحت هذه المراقبة. مستحيل انه سيجازي على أعماله ويحاسب عليها ويعاقب، وإلا فكل كلمة يقولها، وكل خطوة يخطوها وكل عمل يرتكبه، فإنه يضبط ويسجل وأنه ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ يراقبونه ويثبتون كل أعماله وأقوله:

 هل من الممكن أن يكون إنسان يعتقد بهذا أو يحتمله لا يتورع عن معصية الله؟

 إن الطامة الكبرى ليست عدم تيقن هذه الحقائق الإيمانية التي مرّ ذكرها..، بل عدم احتمالها، وذلك أن ما يستفاد من سلوك البعض وطريقتهم في الحياة أنهم لا يحتملون وجود عالم ما وراء الطبيعة لأن مجرد الاحتمال كافٍ في أن يقلع الإنسان عن كثير من الأمور الشائنة.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) القصص: 88.

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

التعليقات مغلقة.

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©