الجمعة ٢٤ / مارس / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » التوحيد والفطرة في كلام الإمام الخميني »

في التفكر في المصنوع

23 يونيو 2013 | في الفئة: التوحيد والفطرة في كلام الإمام الخميني | لا توجد تعليقات | الزیارات: 101

في التفكر في المصنوع

ومن مراتب التفكر, التفكر في روائع الصنع وإتقانه ودقائق الخلق, بما يتناسب وقدرة الإنسان من طاقة للتفكر, ونتيجة هذا التفكر هي معرفة المبدأ الكامل والصانع الحكيم, وهذا على العكس من "برهان الصديقين, إذ أن مبدأ البرهان في ذاك المقام هو الحق تعالى عزّ اسمه, ومنه يحصل العلم بالتجلّيات والمظاهر والآيات. وأما في هذا المقام فمبدأ البرهان هو "المخلوقات التي عن طريقها يتم العلم بالمبدأ والصانع", وهذا البرهان يكون للعامة من الناس الذين لا حظّ لهم من برهان الصدّيقين. ولهذا, قد ينكر الكثيرون أن يصبح التفكر في الحق مبدأ العلم به. وان يؤدي العالم بالمبدأ إلى العلم بالمخلوق.

وملخّص الكلام, أن التفكر في لطائف الصنعة ودقائقها وفي إتقان نظام الخليقة, من العلوم النافعة, من أفضل الأعمال القلبية, وخير من جميع العبادات, لأن نتيجة أشرف نتيجة , وعلى الرغم من أن النتيجة الأصلية لجميع العبادات والسرّ الحقيقي لها هو الحصول على المعرفة, فإن كشف هذا السر والحصول على تلك النتيجة ليسا متيسرين للجميع بل إن ذلك أهلاً تكون لهم في كل عبادة بذرة لمشاهدة أو لمشاهدات, وعلى أي حال أن الإطلاع على لطائف الصنعة وأسرار الخليقة بحسب الحقيقة والواقع لم يتيسر للبر, حتى الآن. إن أساس الخليقة ونظامها يكون من الدقة والاستحكام ومن الجمال والكمال في مستوى لو أن الإنسان أمعن النظر في أي كائن مهما كان حقيراً, مستخدماً كل علومه التي اكتسبها خلال قرون, لما استطاع أن يطلع على نسبة واحد بالألف, من ذلك, فكيف له أن يتمكن من إدراك النظام الكلي الجميل, ساعياً عن طريق الأفكار البشرية الجزئية الناقصة لفهم بدائعه ودقائقه. إننا سنلفت انتباهك إلى إحدى دقائق الخلق مما هو قريب بعض الشيء من الإفهام ويعدّ من المحسوسات" اقرأ الحديث المفصل عن هذا المجل".

أيها العزيز. انظر وتأمل في العلاقة التي بين هذه الشمس والأرض, وفي المسافة المعينة بين الأرض والشمس, وحركة الأرض حول نفسها وحول الشمس, تلك الحركة التي تكون على مدار محددة فيحصل منها الليل والنهار والفصول, فما أتقنه من صنع وما أكملها من حكمة؟ ولو لا هذا التنظيم, أي لو كانت الشمس أقرب أو أبعد, لما تكوّن في الأرض في الحالة الأولى من الحر وفي الحالة الثانية من البرد معدن, ونبات, وحيوان, وكذلك لو توقفت الأرض عن الحركة, على ما هي عليه من البعد عن الشمس لما كان الليل أو النهار, ولا كانت الفصول, ولما تكونت الأرض نهائياً أو القسم الأكبر منها.

ولا يقتصر على هذا أيضاً, فإن الأوج, أو أقصى نقطة للأرض عن الشمس, يقع في جهة الشمال لكيلا تزداد الحرارة فتصاب الكائنات بالضرر, وكذلك الحضيض, أو اقرب نقطة بين الشمس والأرض, يقع في جهة الجنوب, لكيلا يصاب أهل الأرض بضرر ولا يكتفي بهذا أيضاً, فالقمر المؤثر في تربية موجودات الأرض, يعاكس الأرض في سيرها, بحيث عندما تكون الشمس في شمال الأرض, يكون القمر في جنوبها, والعكس بالعكس, إذا كان هذا في الشمال, كانت تلك في الجنوب وذلك لانتفاع سكان الأرض منهما, هذه كلها من الأمور الضرورية المحسوسة, غير أن الاحاطة ببدائع النظام ودقائقه لا تكون إلا للخالق الذي يحيط علمه بكل شيء.

ولكن لِمَ ابتعدنا كل هذا البعد؟ فليفكّر المرء في خلقه هو, على قدر طاقاته وسعة علمه, أولا في الحواس الظاهرة التي صنعت وفق المدركات والمحسوسات, إذ أن لكل مجموعة من المدركات التي توجد في هذا العالم قوة مدركة بأدق ما تكون من الدقة والترتيب المحيّرين للعقول.

والأمور المعنوية, التي لا تدرك بالحواس الظاهرة, تدرك على ضوء الحواس الباطنية, دع عنك علم الروح والقوى الروحية للنفس, مما تقصر مدارك الإنسان عن فهمها واتجه بنظرك إلى علم الأبدان وتشريحها وبنائها الطبيعي وخصائص كل عضو من الأعضاء الظاهرة والباطنة, انظر ما أغرب هذا النظام وما أعجب هذا الترتيب؟ على الرغم من أن علم البشر لم يبلغ حتى الآن, ولن يبلغ حتى بعد مائة قرن إلى معرفة واحد بالألف منه, حسب الاعتراف الصريح بأفصح لسان عن جميع العلماء بعجزهم, مع أن جسم الإنسان بالنسبة إلى كائنات الأرض الأخرى لا يزيد على مجرد ذرة تافهة, وان الأرض وجميع كائناتها, لا تعدل شيئاً إزاء المنظومة الشمسية, وان كل منظومتنا الشمسية الأخرى, وان كل هذه المنظومات, الكبيرة منها والصغيرة مبنية وفق ترتيب منظّم ونظام مرتب, بحيث أن أيّ نقد لا يمكن أن يوجّه إلى أتفه ذرّة فيها, وان عقول البشر كافة عاجزة عن فهم دقيقة من دقائقها.

فهل بعد هذا التفكر يحتاج عقلك إلى دليل آخر ليذعن بأن كائناً عالماً, حكيماً لا يشبه الكائنات الأخرى هو الذي أوجد هذه الكائنات بكل حكمة ونظام وترتيب وإتقان؟

?أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ? سورة إبراهيم/10.

إن كل هذا الخلق المتقن الذي يعجز عقل الإنسان عن فهمه, لم يظهر عبثاً وتلقائياً فلتعمَ عين القلب التي لا ترى الله, ولا تشاهد جمال جميله في هذه المخلوقات وليمحق الذي يبقى في الشك والتردد بعد كل هذه الآيات والآثار؟ ولكن ما الذي يستطيع هذا الإنسان المسكين عمله بالأوهام؟

لو أنك عرضت مسبحتك وزعمت أن حبّاتها قد انتظمت تلقائياً من دون أن ينظمها منظم, لاستهزأت بك البشرية, والأدهى من ذلك انك لو أخرجت ساعتك من جيبك وزعمت نفس الزعم أيضاً بالنسبة إليها, ألا يخرجونك من زمرة العقلاء ؟ وألا يرميك كل عقلاء العالم بالجنون؟ فإذا وصف الذي يخرج من نظام هذه الساعة من قاعدة العلة والمعلول, بأنه مجنون ويحب أن يحرم من حقوق العقلاء فما الوصف المناسب الذي يجب أن يوصف به من يزعم أن نظام هذا العالم, لا بل هذا الإنسان ونظام روحه وجسمه قد ظهر تلقائياً؟ هل يجب إبقاؤه في زمرة العقلاء؟ ترى أي بله اشد من هذا؟

?قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ? سورة عبس /17.

في بيان معنى الامتحان وآثاره وكيفية نسبته إلى الحق المقدس المتعالي إعلم أن النفوس البشرية منذ ظهورها وتعلقها بالأجساد, وهبوطها إلى عالم الملك عالم المادة تكون على نحو القوّة الأهلية والقابلية تجاه جميع العلوم والمعارف والملكات الحالات الراسخة المتمركزة في الإنسان الحسنات والسيئة, بل تجاه جميع الإدراكات والفعليات الحاضرة التي هي ذات آثار تم تتدرج بعناية الحق جل جلاله نحو الفعلية شيئاً فشيئاً. فتبدوا أولاً الادراكات الضعيفة الجزئية مثل حاسة اللمس والحواس الظاهرية الأخرى الأخسّ فالأخسّ ثم تظهر ثانياً الادراكات الباطنية متجردة أيضاً, ولكن الملكات لا تزال موجودة بالقوة , فإن تتأثر بعوامل تفجر فيها الطاقات الخيرة وتركت لوحدها لانتصرت الخبائث وتحققت الملكات الفاسدة وانعطفت نحو القبائح والمساويء, لأن الدواعي الداخلية الباطنية كالشهوة والغضب وغيرها يسوقان الإنسان إلى الفجور والتعدي والظلم وبعد انقياده لها يتحوّل في فترة قصيرة إلى حيوان عجيب وشيطان غريب.

ولما كانت عناية الحق تعالى ورحمته قد وسعت بني الإنسان في الأزل, جناحين يطير بهما من حضيض الجهل والنقص والقباحة والشقاء إلى أوج العلم والمعرفة والكمال والجمال والسعادة ويحرر نفسه من ضغط ضيق عالم الغيب عالم الطبيعة إلى الفضاء الرحب الملكوتي الأعلى, وهما:

المربي الباطني المتجسد في العقل والقدرة على التمييز بين الحسن والقبيح, والمربي الخارجي المتمثل في الأنبياء والأدلاء لطرق السعادة والشقاء, وكل منهما لا يؤدي دوره بدون الآخر, إذ أن العقل البشري عاجز عن معرفة طرق السعادة والشقاء واكتشاف الطريق إلى عالم الغيب ونشأة الآخرة, كما أن هداية الأنبياء, وإرشادهم لا تكون مؤثرة بدون إدراك العقل والقدرة على التمييز.

فالحق تبارك وتعالى منحنا هذين النوعين من الموجّه لكي نجعل الطاقات المكتنزة والاستعدادات الكامنة في النفوس تتحرك من القوة إلى الفعلية والظهور, وقد وهبنا الحق المتعالي هاتين النعمتين الكبيرتين لنا امتحاناً واختباراً, لأن الإنسان يتميز أفراده بعضهم عن بعض, ويتم الفصل بين السعيد والشقي والمطيع والعاصي والكامل والناقص.

كما قال ولي المؤمنين عليه السلام: "والذي بعثه بالحق لتُبَلبَلن بلبلة ولتغربلنَّ غربلةً".

وفي كتاب الكافي الشريف في باب التمحيص والامتحان عن ابن أبي يعفور عن الإمام الصادق عليه السلام: "لا بد للناس من أن يمحِّصوا ويميَّزوا ويغربلوا ويستخرج في الغربال خلق كثير".

وبإسناده عن منصور قال: قال لي أبو عبد اللهعليه السلام:"يا منصور إن هذا الأمر لا يأتيكم إلا بعد إياسٍ ولا والله حتى تميزوا ولا والله حتى تمحَّصوا ولا والله حتى يشقى من يشقى ويسعد من يسعد".

وفي حديث آخر عن أبي الحسن عليه السلام قال: "يخلصون كما يخلص الذهب".

وفي كتاب الكافي الشريف في باب الابتلاء والاختبار بسنده إلى الإمام الصادقعليه السلام قال: "ما من قبض ولا بسط إلاّ ولله مشية وقضاء وابتلاء".

وفي حديث آخر عنهعليه السلام قال: "انه ليس شيء في قبض أو بسط مما أمر الله أو نهى عنه إلا وفيه لله عز وجل ابتلاء وقضاء".

والقبض, في اللغة الإمساك والمنع والأخذ, والبسط بمعنى النشر والعطاء, فكل عطاء وتوسعة ومنع امتحان للإنسان, كما أن كل أمر ونهي وتكليف يكون للامتحان أيضاً. فإن بعث الرسل ونشر الكتب السماوية لغربلة الناس, ولفصل الأشقياء عن السعداء, أو المطيعين عن العاصين.

 ومعنى امتحان الحق المتعالي للناس واختبارهم هو الفصل الحقيقي الواقعي على صعيد الخارج للناس بعضهم عن بعض, لا العلم بالفصل, لأن علم الحق جل جلاله أزلي ومتعلق ومحيط بكل شيء قبل إيجاده.

 والحكماء قد أسهبوا الحديث في معنى الابتلاء والامتحان, ولا يتناسب نقله في هذا الكتاب, فنتيجة الاختبار بصورة مطلقة ورغم أن الأمرين المذكورين من أهم نتائجه هو فصل السعيد عن الشقي على صعيد الخارج الواقعي.

 وتتم في هذا الامتحان والتمحيص حجة الله على خلقه أيضاً, وتكون تعاسة وسعادة وهلاك وحياة كل شخص عن حُجّة وبينة, لا يبقى لأحد مجال للاعتراض, فمن سعى في طريق السعادة والحياة الأبدية, كان سعيه توفيقاً من الله وهدايةً له, لأنه سبحانه قد وفّر جميع أسباب هذا السبيل.

 ومن جدّ في طريق الشقاء ووجّه وجهه نحو الهلاك ومتابعة الهوى والشيطان مع توفر كل طرق الهداية وأسباب السعادة, فقد اختار بنفسه الهلاك والتعاسة رغم نهوض الحجة البالغة للحق تبارك وتعالى على خلاف ما ارتآه ?لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ? سورة البقرة/286

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

التعليقات مغلقة.

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©