الأربعاء ٢٦ / أبريل / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » أهل البيت عليهم السلام »

الفصل الأول: مقام أهل البيت عليه السلام

27 يونيو 2013 | في الفئة: أهل البيت عليهم السلام | لا توجد تعليقات | الزیارات: 195

الفصل الأول: مقام أهل البيت عليه السلام

مقام لا ينال أو يعرف:

حيث يكون الحديث عن مقام آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم تغدو المعاني صعبة الإدراك بعيدة المنال، كيف لا وهذا أمير المؤمنين عليه السلام يقول: "فمن ذا ينال معرفتنا، أو بيان درجتنا، أو يشهد كرامتنا، أو يدرك منزلتنا؟ حارت الألباب والعقول، وتاهت الأفهام فيما أقول، تصاغرت العظماء، وتقاصرت العلماء، وكلّت الشعراء، وخرست البلغاء، وألكنت الخطباء، وعجزت الفصحاء، وتواضعت الأرض والسماء عن وصف شأن الأولياء،... جلّ مقام آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن وصف الواصفين، ونعت الناعتين، وأن يقاس بهم أحد من العالمين"1.

لذلك عبّر الإمام قدس سره في أكثر من موضع أثناء أبحاثه العرفانية والأخلاقية عن العجز وعدم القدرة لدى أي إنسان للإحاطة بحقيقتهم لمعرفة منزلتهم عليه السلام والوقوف على أسرارهم إلا أنفسهم عليهم السلام.

يقول قدس سره: "إن مقام هؤلاء الأولياء عليهم السلام أسمى وأرفع من أن تنال آمال أهل المعرفة أطراف كبرياء جلالهم وجمالهم، وأن تبلغ خطوات معرفة أهل القلوب ذروة كمالهم2 ... إن لأهل بيت العصمة والطهارة صلوات الله عليهم مقاماً روحانياً شامخاً، في السير المعنوي إلى الله، يفوق قدرة استيعاب الإنسان حتى من الناحية العلمية، وأسمى من عقول ذوي العقول وأعظم من شهود أصحاب العرفان"3.

ولم يقف أحد على حقائقهم وأسرارهم صلوات الله عليهم إلا أنفسهم عليهم السلام، معتبراً "أن أرقى ما يصل إليه الذي يصف نبذة من مقام الولاية لهم4 هو كوصف الخفّاش الشمس المضيئة للعالم" 5.

مع هذا كلّه، فما هو المقام الذي تحدّث عنه قدس سره معرباً من خلاله عن صميم نظرته الإلهية لهم وكاشفاً النقاب عن أمور جهلها الكثيرون من أهل الزمان.

 

بالإمكان إيجازها على الشكل التالي:

 

1ـ ظاهرهم الولاية وباطنهم النبوة:

فقد جاء في مقدمة شرحه لدعاء السحر ما هو صريح في هذا المعنى لا يقبل التأويل، حيث قال قدس سره:

"مفتاح الدائرة ومختمها، ومؤخر السلسلة ومقدمها، محمد صلى الله عليه وآله وسلم المصطفين من الله، الذين بهم فتح الله وبمعرفتهم عرف الله، الأسباب المتصلة بين سماء الإلهية وأراضي الخلقية، الظاهر فيهم الولاية، والباطن فيهم النبوة والرسالة، الهادين بالهداية التكوينية سراً والتشريعية جهراً، الآيات التامات، الأنوار الباهرات" 6

 

2ـ عندهم روح القدس:

أثناء حديثه عن نورانيتهم عليهم السلام التي يفتقر إدراكها من الإنسان إلى نورانية باطنية، ينتهي قدس سره إلى شرح مقام روح القدس الذي هو عبارة عن المكانة والقدرة والإحاطة التي لم يصل إليها أقرب المقربين من ملائكة الله تعالى كجبرائيل عليه السلام.

يقول قدس سره: "إن لهم مقاماً شامخاً من الروحانية يدعي بـ(روح القدس)، من خلاله يتمتعون بالاحاطة القيّومية لجميع الكائنات حتى ذراتها الصغيرة جداً، ولا توجد فيها الغفلة والنوم والسهولة والنسيان وكافة الحوادث والتغيرات والنقائص الملكية، بل تكون من عالم الغيب المجرد، والجبروت الأعظم.. إن تلك الروح المجرّدة الكاملة، أعظم من جبرائيل وميكائيل عليهما السلام رغم أنهم أعظم القاطنين في مقام قرب الجبروت"7.

 

3ـ شركاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مقامه:

يقول قدس سره: "يستفاد من الأحاديث الشريفة أنهم صلوات الله عليهم يشاركون الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في مقام الروحانية، وأن أنوارهم المطهرة كانت تسبّح وتقدس للذات المتعال قبل خلق العالم"8.

جاء في الحديث عن المفضّل أنه قال: "قلت لأبي عبد الله عليه السلام: كيف كنتم حيث كنتم في الأظلة؟ فقال: يا مفضل، كنا عند ربنا، ليس عنده أحد غيرنا في ظلة خضراء، نسبحه ونقدسه ونهلله ونمجده، وما من ملك مقرب ولا ذي روح غيرنا حتى بدا له في خلق الأشياء فخلق ما شاء من الملائكة وغيرهم ثم أنهى علم ذلك إلينا" 9.

ويقول قدس سره: "وهم عليهم السلام من جهة الولاية متحدون، أولنا محمد أوسطنا محمد آخرنا محمد كلنا نور واحد" 10.

 

لديهم الاسم الأعظم:

 

يقول قدس سره: "إن الأحاديث المنقولة في طينة أبدانهم وخلق أرواحهم ونفوسهم وفيما منحوا من الاسم الأعظم والعلوم الغيبية الإلهية من علوم الأنبياء والملائكة، ومما هو أعظم مما لا يخطر على بال أحد"11.

ويؤكد على ثبوت ذلك لهم عليهم السلام في موضع آخر من كلامه أثناء الحديث عن الاسم الأعظم في مقام الألوهية وتجلّيه ضمن شرح دعاء السحر، قائلاً: "لا يتجلى هذا الاسم بحسب الحقيقة تاماً إلا لنفسه12 ولمن ارتضى13 من عباده وهو مظهره التام، أي صورة الحقيقة الإنسانية التي هي صورة جميع العوالم وهي مربوب هذا الاسم، وليس في النوع الإنساني أحد يتجلى له هذا الاسم على ما هو عليه إلا الحقيقة المحمدية صلى الله عليه وأوليائه الذين يتحدون معه في الروحانية، وذلك هو الغيب الذي استثنى منه من ارتضى من عباده. وفي رواية الكافي: والله لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ممن ارتضى من عباده"14.

مقاماتهم عليهم السلام من أصول المذهب:

هناك أمران يشدّد الإمام قدس سره على معرفتها والتمسك بهما حول رؤيته لأهل بيت العصمة عليه السلام بحيث ان إنكارهما يؤدي إلى خللٍ عقيدي والانحراف عن الأصول أو الضروريات التي تؤدي إلى الانخراط في زمرة الضالين عن طريق الهداية والاستقامة والثبات:

الأمر الأول: أنه لا يصل أحد إلى المراتب المعنوي التي وصل إليها أئمتنا الأبرار صلوات الله عليهم، حيث لا يمكن ذلك لأي كان سواء كان نبياً مرسلاً (باستثناء خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم) أو ملكاً مقرباً، ويعتبر قدس سره أن هذا الأمر من ضروريّات المذهب.

يقول قدس سره: "وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وبموجب ما لدينا من الروايات والأحاديث فإن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام كانوا قبل هذا العالم أنواراً فجعلهم بعرشه محدقين وجعل لهم من المنزلة والزلفى ما لا يعلمه إلا الله، وقد قال جبرائيل عليه السلام كما ورد في روايات المعراج: "لو دنوت أنملة لاحترقت"، وقد ورد عنهم عليهم السلام: "إن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل"15.

الأمر الثاني: أن هذه المقامات بأجمعها ثابتة لسيدة نساء العالمين صلوات الله عليها. فمن يعتقد خلاف ذلك يعتبره الإمام قدس سره خارجاً عن مذهب الحق. يقول قدس سره: "كما أن هذه المقامات المعنوية ثابتة للزهراء عليها السلام مع أنها ليست بحاكم ولا خليفة ولا قاض، فهذه المقامات شيء آخر غير وظيفة الحكومة"، ولذا عندما نقول أن الزهراء عليها السلام ليست بقاضي ولا خليفة، فهذا لا يعني أنها مثلي ومثلكم، أو أنها لا تمتاز عنا معنوياً16. إن فاطمة عليها السلام إنسان بكل ما للكلمة من معنى. لو كانت رجلاً لكانت مكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم17. وإضافة إلى ضرورة هذه المكانات لها فهي صلوات الله عليها على وجه خاص كان لها ما لم يكن لغيرها. فيجدر بنا أن نتعرف على قراءة الإمام قدس سره لمقامها المعنوي، نجوم كالفراشة حول مصباح النور الأبدي الذي لا يطفأ.

 

المقام المعنوي للزهراء عليها السلام:

يقول قدس سره: "إنني أعتبر نفسي قاصراً عن التحدث حول الصديقة سلام الله عليها، وأكتفي بذكر رواية واحدة ورد في الكافي الشريف ومنقولة بسند معتبر، وتلك الرواية هي أن الصادق عليه السلام قال: بأن فاطمة عليها السلام عاشت بعد أبيها خمسة وسبعين يوماً في هذه الدنيا واشتد عليها الحزن، وكان جبرائيل الأمين يحضر عندها ويعزّيها ويخبرها بأمور عن المستقبل.. أنا أعتبر هذه الفضيلة فوق جميع الفضائل الأخرى التي ذكرت للزهراء عليها السلام ـ رغم عظمة الفضائل الأخرى ـ وهي لمتحصل لأي إنسان آخر سوى الأنبياء عليهم السلام، وليس كل الأنبياء، بل الطبقة الأولى منهم وبعض الأولياء الذين كانوا بمنزلتهم، وبهذا التعبير أي المراودة مع جبرائيل خلال خمسة وسبعين يوماً لم تحصل لحد الآن لأي إنسان آخر، وهذه من الفضائل الخاصة بالصديقة الزهراء سلام الله عليها"18.

"إن المعنويات والتجليات الملكوتية، الإلهية، الجبروتية، المُلكية والناسوتية مجتمعة كلها في هذا الموجود (السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام)"19.

ثمّ يفصح الإمام قدس سره من خلال رؤيته الثاقبة النابعة  من عرفانه الكامل واتصاله الحقيقي بأهل البيت عليهم السلام بأن التجلي لقدرة الله عزّ وجلّ متمثلة بهم وعلى رأسهم الصديقة الطاهرة صلوات الله عليها، حيث يتفضل قائلاً: "إن ذلك البيت الصغير الذي ضمّ فاطمة عليها السلام وأولئك الخمسة الذين تربوا فيه والذين يمثّلون في الواقع التجلي لكامل قدرة الله تعالى قدموا من الخدمات ما أدهشنا وأدهشكم، بل وأدهش البشر جميعاً"20.

 

المقام المعنوي لأمير المؤمنين عليه السلام:

إن كلامه قدس سره حول مقام الإمام علي عليه السلام غير محتاج إلى شرح وتعليق، بل هو بيان فصل ومعنى جامع، قلّما بلغ إلى ما قصده العظماء من أهل العلم، والأولون من أهل الفضل ويكفيك عبارته في مطلع وصفه للأمير عليه السلام، حيث يقول قدس سره: "علي عليه السلام هو التجلي العظيم لله"21.

ثم يتوجه قدس سره إلى الكشف عن الأبعاد الوجودية لأمير المؤمنين عليه السلام، قائلاً: "هذا العظيم يمتاز بشخصية ذات أبعاد كثيرة، ومظهر لاسم الجمع الإلهي الذي يحوي جميع الأسماء والصفات، فجميع الأسماء والصفات الإلهية في ظهورها وبروزها في الدنيا وفي العالم ظهرت في هذه الشخصية بواسطة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وإن أبعاده الخفية هي أكثر من تلك الأبعاد الظاهرة، وإن نفس هذه الأبعاد التي توصل إليها البشر، ويتوصل إليها قد اجتمعت في رجل واحد، في شخصية واحدة جهات متناقضة ومتضادة.. يمتلك جميع الأوصاف وجميع الكمالات22 .. لم يكن حضرة الأمير عليه السلام من الجهة

 

المعنوية شخصاً مفرداً، بل كان كل العالم"23.

بهذا الفهم البعيد في أعماقه والراقي في مبادئه بما يعطي لمقام الإمامة من جامعية وإحاطة أنكرها بعض الباحثين عن الحقيقية الذين لم يصلوا إلى ضالتهم اعتماداً على نظرتهم إلى الإمام عليه السلام باتجاه واحد وهو المقام الظاهري له، وهو ما دعاهم إلى الجرأة عليه في الماضي والحاضر مع إغفالهم لمقامه الباطني ومكانته المعنوية، وجهلهم بكل المقامات التي تحدّث عنها الإمام قدس سره. فهل كانوا يفهمون عليً عليه السلام على أنه التجلي الإلهي العظيم أو أنه كل العالم يا ترى؟!

لهذا يظهر الإمام قدس سره تأسفه قائلاً: "يجب علينا أن نأسف لأن الأيدي الخائنة والحروب التي أشعلوها ومثيري الفتن لم يسمحوا لبروز الشخصية الفذة لهذا الرجل العظيم في أبعادها المختلفة24." فإذا كان الكثير من أبعاده الظاهرية خافياً عنا، فكيف بالأبعاد المعنوية التي لا ينال معرفة حقائقها أحد من العالمين كما جاء في الأحاديث الشريفة؟.

إن ما تقدم من البيان حول مقام مولى الموحدين وزوجه الصديقة الطاهرة عليها السلام كان نموذجاً للإطلالة على رؤية الإمام الخميني قدس سره لهم صلوات الله عليهم من جدهم إلى خاتمهم القائم المهدي عجل الله فرجه، وإنما كان التخصيص في الحديث عنهما عليهما السلام لأنهما الرأس في سلسلة دائرة العصمة والولاية المحمدية العلوية. كما يفهم من مجموع كلامه قدس سره بل من تصريحه ثوابت عديدة منها:

الولاية التكوينية:

يقول قدس سره: "إن للإمام عليه السلام خلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون"25.

ويقول أيضاً في حديث عن ولاية الأمير عليه السلام: "إنه عليه السلام صاحب الولاية المطلقة الكلية، والولاية باطن الخلافة... فهو عليه السلام قائم على كل نفس بما كسبت ومع كل الأشياء"26.

 

علم الكتاب:

يشير إلى ذلك في حديثه عن نزول الكتاب التكويني قائلاً: إن هذا الكتاب التكويني الإلهي وأولياءه الذين كلهم كتب سمائية نازلون من لدن حكيم عليم وحاملون للقرآن التدويني، لم يكن أحد حاملاً بظاهره وباطنه إلا هؤلاء الأولياء المرضيين كما ورد من طريقهم عليهم السلام.

عن أبي عبد الله عليه السلام: "وعندنا والله علم الكتاب كلّه"27.

 

ـــــــــــــــ

هوامش

مشارق أنوار اليقين. ص114.

2ـ الأربعون حديثاً, الإمام الخميني قدس سره ص597.

3ـ م.ن. ،ص604.

4ـ م.ن. ص605.

5ـ م.ن. ص597.

6ـ شرح دعاء السحر, الإمام الخميني قدس سره ص18ـ19.

7ـ الأربعون حديثاً. ص597.

م.ن. ص604.

9ـ الكافي, الشيخ الكليني, ج1, ص441

10ـ شرح دعاء السحر. ص64.

11ـ الأربعون حديثاً. ص604.

12ـ أي لله عزّ وجل.

13ـ أي النبي وأهل بيته عليهم السلام.

14ـ شرح دعاء السحر. ص86.

15ـ الحكومة الإسلامية (الإمام الخميني قدس سره) ص52. ط. المكتبة الإسلامية الكبرى.

16ـ الحكومة الإسلامية, ص 52

17ـ صحيفة الإمام, الإمام الخميني, ج7, ص250

18ـ منهجية الثورة, الإمام الخميني قدس سره ص120ـ121.

19ـ الكلمات القصار, ص55.

20ـ م.ن.

21ـ تفسير آية البسلمة, الإمام الخميني قدس سره ص31.

22ـ منهجية الثورة الإسلامية. ص117.

23ـ خط الإمام, كلام الإمام, ج2, ص14.

24ـ منهجية الثورة الإسلامية. ص116.

25ـ الحكومة الإسلامية، ص52.

26ـ مصباح الهداية, الإمام الخميني, ص142.

27ـ شرح دعاء السحر، ص71.

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

التعليقات مغلقة.

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©