السبت ٢٥ / فبراير / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » أهل البيت عليهم السلام »

الفصل الثاني: خلق أهل البيت عليهم السلام

27 يونيو 2013 | في الفئة: أهل البيت عليهم السلام | لا توجد تعليقات | الزیارات: 146

الفصل الثاني: خلق أهل البيت عليهم السلام

أهل البيت عليهم السلام النور الأول:

 

ما من شك أن من المحاور المهمة في هذا البحث معرفة رؤية الإمام قدس سره حول بدء خلق أهل البيت عليه السلام، وهو الموضوع الذي أولاه أهمية عالية في أكثر من موضع، وأكّد أن الإيمان بهذا الجانب هو من أصول المذهب. نذكر من ذلك ما قاله في كتابه مصباح الهداية، حيث ابتدأ بنقل حديث طويل جامع لأمّهات المقامات الشامخة في خلقهم عليه السلام، وشرع بشرحه بعد ذلك، ننقله كاملاً للتبرك والتيمن وزيادة الفائدة والبصيرة، وهو ما رواه الصدوق بإسناده عن مولانا الرضا عليه السلام عن آبائه عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما خلق الله خلقاً أفضل مني ولا أكرم عليه مني. قال علي عليه السلام: فقلت: يا رسول الله، فأنت أفضل أم جبرئيل عليه السلام؟

فقال: يا علي، إن الله تبارك وتعالى فضّل أنبيائه المرسلين على ملائكته المقرّبين، وفضلني على جميع النبيين والمرسلين، والفضل بعد لك يا علي وللأئمة من بعدك، وإن الملائكة لخدّامنا وخدام محبينا يا علي الذين يحملون العرش من حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا.

يا عليّ، لولا نحن ما خلق آدم عليه السلام ولا حوّاء ولا الجنة والنار ولا السماء والأرض، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم إلى معرفة ربنا وتسبيحه وتهليله وتقديسه?

لأن أول ما خلق الله عز وجل أرواحنا فأنطقها بتوحيده وتمجيده، ثم خلق الملائكة، فلما شاهدوا أرواحنا نوراً واحداً استعظمت أمرنا فسبحنا لتعليم الملائكة بتسبيحنا ونزهته عن صفاتنا.

فلما شاهدوا عظم شأننا هللنا لتعلم الملائكة أن لا إله إلا الله وإنا عبيد ولسنا بآلهة يجب أن نعبد معه أو دونه، فقالوا: لا إله إلا الله، فلما شاهدوا كبر محلنا كبَرنا لتعليم الملائكة أن الله تعالى أكبر من أن ينال عظم المحل إلا به، فلما شاهدوا ما جعله الله لنا من العز والقوة قلنا لا حول ولا قوة إلا بالله لتعلم الملائكة أن لا حول لنا إلا به ولا قوة إلا بالله، فلما شاهدوا ما أنعم الله به علينا وأوجبه لنا من فرض الطاعة قلنا: الحمد الله لتعلم الملائكة ما يستحق الله وما يحق لله تعالى ذكره علينا من الحمد على نعمه، فقالت الملائكة: الحمد لله فبنا اهتدوا إلى معرفة توحيد الله عز وجل وتسبيحه وتهليله وتحميده وتمجيده.

ثم إن الله تبارك وتعالى خلق آدم عليه السلام فأودعنا صلبه وأمر الملائكة بالسجود له تعظيماً لنا وإكراماً، وكان سجودهم لله عز وجل عبودية ولآدم إكراماً وطاعة لكوننا في صلبه. فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلهم أجمعون؟.

وأنه لما عرج بي إلى السماء أذّن جبرئيل عليه السلام مثنى مثنى وأقام مثنى مثنى، ثم قال لي: تقم يا محمد. فقلت له: يا جبرئيل، أتقدم عليك؟ فقال: نعم، إن الله تبارك وتعالى فضل أنبيائه على ملائكته أجمعين، وفضّلك خاصة. قال: فتقدمت، فصليت بهم ولا فخر.

فلما انتهيت به إلى حجب النور قال لي جبرائيل: تقدم يا محمد ولا تخلّف عني. فقلت: يا جبرئيل، أفي مثل هذا الموضع تفارقني؟؟ فقال: يا محمد، إن انتهاء حدي الذي وضعني الله عز وجل فيه إلى هذا المكان، فإن تجاوزته احترقت أجنحتي بتعدي حدود ربي جل جلاله، فزخ بي في النور زخة (فزج بي في النور زجة) حتى انتهيت إلى ما شاء الله من علو ملكه، فنوديت: يا محمد! فقلت: لبيك وسعديك تباركت وتعاليت، فنوديت: يا محمد! أنت عبدي وأنا ربك، فإيّاي فاعبد، وعليّ فتوكل، فإنك نوري في عبادي ورسولي على خلقي وحجتي على بريتي، لك ولمن تبعك خلقت جنتي ولمن خالفك خلقت ناري ولأوصيائك أوجبت كرامتي ولشيعتهم أوجبت ثوابي.

فقلت: يا ربّ، ومن أوصيائي؟ فقال: يا محمد، أوصياؤك المكتوبون على ساق العرش، فنظرت وأنا بين يدي ربي جلّ جلاله إلى ساق العرش، فرأيت اثني عشر نوراً في كل نور سطر أخضر عليه اسم وصي من أوصيائي أوّلهم علي بن أبي طالب وآخرهم مهدي أمتي، فقلت: يا رب، هؤلاء أوصيائي بعدي؟ فنوديت: يا محمد، هؤلاء أوليائي وأحبائي وأصفيائي وحججي بعدك على بريَتي، وهم أوصياؤك وخلفاؤك وخير خلقي بعدك، وعزتي وجلالي لأظهرن بهم ديني ولأعلين بهم كلمتي، ولأطهرن الأرض بآخرهم من أعدائي، ولأمكنه مشارق الأرض ومغاربها، ولأسخَرنَ له الرياح وأذلَلن له السحاب الصعاب، ولأرقينه في الأسباب، ولأنصرنه بجندي، ولأمدَنّه بملائكتي حتى يعلن دعوتي بجمع الخلق على توحيدي، ثم لأديمنّ ملكه ولأدوالنَ الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة1.

 

يستفاد من هذا الحديث الشريف أمور:

 

الأول: أفضلية أهل البيت عليهم السلام على جميع الأنبياء المرسلين سوى رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم والملائكة المقرّبين.

الثاني: الملائكة خدّامهم وخدّام محبيهم.

الثالث: استغفار حملة العرش للمؤمنين بولايتهم عليهم السلام.

الرابع: إنهم عليهم السلام الغاية للخلق ولأجلهم خلق آدم عليه السلام.

الخامس: السَّبق إلى معرفة الله وتسبيحه وتهليله وتقديسه.

السادس: أن أرواحهم هي الخلق الأول.

السابع: إنهم عليهم السلام نور واحد.

الثامن: إنهم عليهم السلام الواسطة في هداية الملائكة إلى معرفة التوحيد والتسبيح و...

التاسع: إن بهم عليهم السلام إظهار الدين واعلاء الكلمة.

العاشر: الوعد الإلهي بالنصر والمدد بالملائكة وتسخير الرياح للقائم المهدي عجل الله تعالى فرجه وتمليكه مشارق الأرض ومغاربها.

 

1ـ أما الأمر الأول فإن الإمام قدس سره يكشف عن حقيقته التي يراها بعين البصيرة قائلاً: "وليعلم أن هذه الفضيلة ليست فضيلة تشريفية اعتبارية كفضيلة السلطان على الرعيَة، بل فضيلة حقيقية وجودية كماليَة... وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "والفضل بعدي لك وللأئمة من بعدك" إشارة إلى ما ذكرنا من أن مرتبة وجوده ووجود سائر الأئمة عليهم السلام بالنسبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مرتبة الروح من النفس الناطقة الإنسانية"2.

 

2ـ ثمّ يوضح قدس سره معنى الخدمة الملائكية في مطلع نوراني، حيث يقول: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "وإن الملائكة لخدَامنا وخدَام محبينا شاهد على ما ذكرنا من أن العالم بجميع أجزائه وجزئياته من القوى العلاّمة والعمّالة للولي الكامل، فبعض الملائكة من قواه العلاّمة كجبرائيل ومن في طبقته، وبعضهم من العمّالة كعزرائيل ومن في درجته وكالملائكة المساوية والأرضية المدبّرة.

وخدمة الملائكة لمحبيهم أيضاً بتصرفهم عليهم السلام كخدمة بعض الأجزاء الإنسانية لبعض بتصرَف النفس"3.

 

3ـ وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "والذين يحملون العرش، فإن للعرش إطلاقات" والمراد هنا جملة الخلق.. وفي رواية أخرى عن الكاظم عليه السلام قال: "إذا كان يوم القيام كان حملة العرش ثمانية: أربعين من الأولين: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، وأربعة من آخرين: محمد وعلي والحسن والحسين عليهم السلام"4.

 

4ـ ثم يبيّن قدس سره علة كونهم الغاية من خلق آدم عليه السلام بقوله:

 

"لأنهم وسايط بين الحق والخلق.. وفي هذه الفقرة (لولا نحن ما خلق الله آدم) بيان وساطتهم بحسب أصل الوجود... بل هم الاسم الأعظم"5.

5ـ ويعقد أصلاً في بيان سبقهم إلى معرفة ربهم، مشيراً إلى أنه يعود لسبق الوجود الذي هو غير محدود بالزمان أو المكان لأنه فوقهما منزّه عنهما، يقول قدس سره: "فالسبق إلى معرفة الرب وتسبيحه وتهليله لسبق الوجود، وهذا السبق هو السبق الدهري المناسب لهذا المقام الرفيع العالي المنزه عن الزمان والمكان. وبالجملة هو السبق بالعليّة والحقيقة الذي هو ثابت في مراتب الوجود وحقائق الغيب والشهود"6.

ويختم بيانه النوراني مكتفياً بالتعرض للأمور الخمسة الأولى دون الخمسة الأخيرة على أمل تفصيلها في رسالة مفردة بقوله: "ولما كان بقية الحديث الشريف خارجاً عن مقصدنا جزنا عن شرحه مع كونه لايقاً للشرح الطويل والبحث والتفصيل، عسى الله أن يوفقنا لإفراد رسالة في شرحه"7.

 

حديث الخلق والتكوين:

ومن الأحاديث التي تعرضت لبدء خلقهم عليهم السلام ما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

قال صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله خلقني وخلق علياً وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام قبل أن يخلق آدم عليه السلام حين لا سماء مبنية ولا أرض مدحية ولا ظلمة ولا نور ولا شمس ولا قمر ولا جنة ولا نار". فقال العباس: كيف كان بدء خلقكم يا رسول الله؟

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "يا عم، لما أراد الله أن يخلقنا تكلم بكلمة فخلق منها نوراً، ثم تكلم بكلمة أخرى فخلق منها روحاً، ثلم خلط النور بالروح فخلقني وخلق علياً وفاطمة والحسن والحسين عليه السلام، فكنّا نسبَحه حين لا تسبيح، ونقدَسه حين لا تقديس، فلما أراد الله أن ينشئ خلقه فتق نوري فخلق منه العرش، فالعرش من نوري ونوري من نور الله، ونوري أفضل من نور العرش، ثمّ فتق نور أخي علي فخلق منه الملائكة، فالملائكة من نور علي ونور علي من نور الله فعلي عليه السلام أفضل من الملائكة، ثم فقت نور ابنتي فاطمة فخلق منه السماوات والأرض، فالسماوات والأرض من نور ابنتي فاطمة ونور ابنتي فاطمة من نور الله فابنتي فاطمة أفضل من السماوات والأرض، ثم فتق نور ولدي الحسن وخلق

من الشمس والقمر، فالشمس والقمر من نور ولدي الحسن ونور ولدي الحسن من نور الله فالحسن أفضل من الشمس والقمر، ثم فقت نور ولدي الحسين فخلق منه الجنة والحور العين، فالجنة والحور العين من نور ولدي الحسين، ونور ولدي الحسين من نور الله فولدي الحسين أفضل من الجنة والحور العين"8-9.

يقول قدس سره: "لأن هؤلاء الأجلاء عليهم السلام منبعهم من الأنوار الغيبية الإلهية والمظاهر التامة للجلال والجمال وآياتهما الباهرة10، وفي الأساس فإن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليه السلام وبحسب روايتنا كانوا أنواراً في ظلَ العرش قبل هذا العالم، وهم يتميزون عن سائر الناس في انعقاد النطفة والطينة"11.

يتضح من خلال ما تقدم أن الإمام قدس سره يعتقد بأن أول الخلق هو نورهم صلوات الله عليهم كما جاء في رواية الصدوق التي اعتمد عليها في مصباح الهداية12 مع إثبات جميع المضامين فيها واعتبار ذلك من أصول المذهب كما صّرح في موضع آخر13. والشاهد قوله صلى الله عليه وآله وسلم:

 "لأن أول اما خلق الله عز وجل أرواحنا فأنطقها بتوحيده وتمجيده، ثم خلق الملائكة، فلما شاهدوا أرواحنا نوراً واحداً".

وهذا ما دلّت عليه عشرات الروايات الشريفة عدا ما ذكرنا من حديث الخلق في مقام الجواب عن سؤال العباس عم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

نختم هذا الفصل بحديث لأمير المؤمنين عليه السلام يصف فيه المعصوم بلسان المعصوم، حيث يقول صلوات الله عليه: "وهل يُعرف أو يُوصف أو يُعلم أو يُفهم أو يُدرك أو يُملك شأن من هو نقطة الكاينات وقطب الدايرات وسر الممكنات وشعاع جلال الكبرياء وترف الأرض والسماء... والإمام ـ يا طارق ـ بشر ملكي وجسد سماوي وأمر إلهي وروح قدسي مقام عليّ ونور رجليّ وسر حفيّ، فهو ملكي الذات إلهي الصفات، زايد الحسنات، علام بالمغيبات خصاً من رب العالمين، ونصاً من الصادق الأمين، وهذا كله لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يشاركهم فيه مشارك"14.

من خلال ذلك نفهم لماذا اعتبر الإمام قدس سره كل من يقول بأن أحداً من الأولياء والأوصياء يمكنه بلوغ مقام آل محمد عليهم السلام خارجاً عن المذهب.

ــــــــــــــــــــ

هوامش

1ـ مصباح الهداية. ص124ـ126.

2ـ مصباح الهداية. ص129.

م.ن. ص13.

م.ن.

5ـ مصباح الهداية. ص131.

م.ن. ص132.

7ـ م.ن. ص136.

حقيقة الإمامة في المدرسة العرفانية. ص110.

9ـ بحار الأنوار. ج57. ص192 ـ تأويل الآيات. ص144.

10ـ الأربعون حديثاً. ص596.

11ـ الحكومة الإسلامية. ص89.

12ـ مصباح الهداية، ص124.

13ـ الحكومة الإسلامية. ص89.

14ـ حقيقة الإمامة في المدرسة العرفانية. ص105.

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

التعليقات مغلقة.

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©