الجمعة ٢٤ / مارس / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » الحكومة الإسلامية في فكر الإمام الخميني »

الفصل الثاني‏: نظام الحكم ‏الإسلامي‏

28 يونيو 2013 | في الفئة: الحكومة الإسلامية في فكر الإمام الخميني | لا توجد تعليقات | الزیارات: 116

الفصل الثاني‏: نظام الحكم ‏الإسلامي‏

خصائص نظام الحكم الإسلامي‏

الحكومة الإسلامية لا تشبه الأشكال الحكومية المعروفة. فليست هي حكومة مطلقة1 يستبد فيها رئيس الدولة برأيه، عابثاً بأموال الناس ورقابهم. فالرسول صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين علي عليه السلام وسائر الأئمة ما كانوا يملكون العبث بأموال الناس ولا برقابهم، فحكومة الإسلام ليست مطلقة وإنما هي دستورية، ولكن لا بالمعنى الدستوري المتعارف الذي يتمثل في النظام البرلماني أو المجالس الشعبية، وإنما هي دستورية بمعنى أن القائمين بالأمر يتقيدون بمجموعة الشروط والقواعد المبينة في القرآن والسنّة، والتي تتمثل في وجوب مراعاة النظام وتطبيق أحكام الإسلام وقوانينه، ومن هنا كانت الحكومة الإسلامية هي حكومة القانون الإلهي. ويكمن الفرق بين الحكومة الإسلامية والحكومات الدستورية الملكية منها والجمهورية في أن ممثلي الشعب أو ممثلي الملك هم الذين يقننون ويشرعون، في حين تنحصر سلطة التشريع باللَّه عزَّ وجلّ‏َ، وليس لأحد أياً كان أن يشرع، وليس لأحد أن يحكم بما لم ينزل اللَّه به من سلطان. لهذا السبب فقد استبدل الإسلام بالمجلس التشريعي2 مجلساً آخر للتخطيط، يعمل على تنظيم سير الوزارات في أعمالها وتقديم خدماتها في جميع المجالات.

 

وكل ما ورد في الكتاب والسنّة مقبول، مطاع في نظر المسلمين، وهذا الانصياع يسهل على الدولة مسؤولياتها، في حين أن الحكومات الدستورية الملكية أو الجمهورية إذا شرعت الأكثرية فيها شيئاً، فإن الحكومة بعد ذلك تعمل على أن تحمل الناس على الطاعة والامتثال بالقوة إذا لزم الأمر.

 

فحكومة الإسلام حكومة القانون، والحاكم هو اللَّه وحده، وهو المشرع وحده لا سواه، وحكم اللَّه نافذ في جميع الناس، وفي الدولة نفسها. كل الأفراد: الرسول صلى الله عليه وآله وخلفاؤه وسائر الناس يتبعون ما شرعه لهم الإسلام الذي ينزل به الوحي ويبينه اللَّه في القرآن أو على لسان الرسول صلى الله عليه وآله.

 

والرسول الكريم صلى الله عليه وآله وقد استخلفه اللَّه في الأرض ليحكم بين الناس بالحق ولا يتبع الهوى، قد كلمه اللَّه وحياً أن يبلغ ما أنزل إليه فيمن يخلفه في الناس3، وبحكم هذا الأمر فقد اتبع ما أمر به، وعيّن أمير المؤمنين علياً للخلافة، ولم يكن مدفوعاً إلى ذلك بحكم أنه صهره، أو أن له يداً لا تنسى وخدمات جليلة، بل لأن اللَّه أمره بذلك.

 

أجل، فالحكومة في الإسلام تعني اتباع القانون، وتحكيمه. والسلطات الموجودة عند النبي صلى الله عليه وآله وولاة الأمر الشرعيين من بعده إنما هي مستمدة من اللَّه. وقد أمر اللَّه باتباع النبي وأولي الأمر من بعده: "وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"4. فلا مجال للآراء والأهواء في حكومة الإسلام وإنما النبي، والأئمة، والناس يتبعون إرادة اللَّه وشريعته.

وحكومة الإسلام ليست ملكية ولا شاهنشاهية5، ولا امبراطورية، لأن الإسلام منزه عن التفريط والاستهانة بأرواح الناس وأموالهم بغير حق، ولذلك لا يوجد في حكومة الإسلام نظير ما يكثر وجوده عند السلاطين والأباطرة من قصور ضخمة، وخدم وحشم، وبلاط ملكي، وديوان لولي العهد، وأمثال ذلك من المستلزمات التافهة التي تلتهم نصف أو غالبية ثروة البلاد.

حياة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله كانت في منتهى البساطة كما تعلمون، بالرغم من أنه كان يرأس الدولة ويسيرها ويحكمها بنفسه. واستمرت هذه السيرة من بعده إلى حد ما، إلى ما قبل استيلاء الأمويين على السلطة.

وكانت حكومة علي بن أبي طالب‏ عليه السلام حكومة إصلاح كما تعرفون، وكان يعيش ببساطة تامة، وهو يدير دولة مترامية الأطراف، تكون فيها إيران ومصر والحجاز واليمن مجرد ولايات وأقاليم تابعة لحكمه. ولا أظن أن أحداً من فقرائنا يستطيع أن يمارس أسلوب العيش الذي كان عليه الإمام عليه السلام، فقد نقل أنه عندما اقتنى ثوبين أعطى أجودهما لخادمه (قنبر)6 وارتدى الآخر، وإذ وجد في ردائِهِ فضلاً قطعه7.

ولو كانت تلك السيرة مستمرة إلى الآن لعرف الناس طعم السعادة، ولما نهبت خزائن البلاد لتصرف في الفحشاء والمنكر، ومصارف ونفقات البلاط. وأنتم تعلمون أن أكثر مفاسد مجتمعنا يعود سببها إلى فساد الأسرة الحاكمة والعائلة المالكة.

ما هي شرعية هؤلاء الحكام الذين يعمرون بيوت اللهو والفساد والفحشاء والمنكر ويخربون بيوتاً أذن اللَّه أن ترفع ويذكر فيها اسمه؟ ولولا ما يبذره البلاط، وما يختلسه لما دخل ميزانية البلاد أي عجز يحمل الدولة على الاستدانة من أمريكا وانكلترا بما يصاحب ذلك من ذل ومهانة. فهل قل نفطنا؟ أم هل نضبت معادننا المذخورة تحت هذه الأرض الطيبة؟ نحن نملك كل شي‏ء، ولا نفتقر إلى مساعدة من أمريكا وغيرها لولا نفقات البلاط وإسرافه في أموال الشعب.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى هناك دوائر في الدولة لا حاجة إليها، وهي تستهلك أموالاً وطاقات وورقاً وأدوات، وذلك إسراف محرم في شريعتنا، لأن ذلك يزيد في مشاكل الناس، ويأخذ عليهم وقتاً وجهداً، ويستنزف منهم أموالاً هم أحوج ما يكونون إليها.

ففي الإسلام أيام حكمه كان يجري القضاء، وتقام الحدود، والتعزيرات، ويفصل في النزاعات، ببساطة تامة. كان القاضي يكتفي ليقوم بكل ذلك ببضعة أشخاص، يضاف إلى ذلك قلم وقليل من الحبر والورق، ومن وراء ذلك كان يوجه الناس إلى العمل من أجل حياة شريفة فاضلة.

أما الآن فاللَّه يعلم عدد دوائر العدل ودواوينها وموظفيها، وكلها عقيمة لا تقدم للناس نفعاً سوى ما تسببه لهم من أتعاب ومصاعب، وتضييع للأوقات والأموال، وبالتالي تضييع للقضايا والحقوق.

 

شروط الحاكم الإسلامي‏

والشروط التي ينبغي توفرها في الحاكم نابعة من طبيعة الحكومة الإسلامية. فإنه بصرف النظر عن الشروط العامة كالعقل والبلوغ وحسن التدبير، هناك شرطان مهمان، هما:

 

1ـ العلم بالقانون الإسلامي.

العدالة.

 

1ـ بما أن الحكومة الإسلامية هي حكومة القانون، كان لزاماً على حاكم المسلمين أن يكون عالماً بالقانون كما ورد ذلك في الحديث. وكل من يشغل منصباً أو يقوم بوظيفة معينة فإنه يجب عليه أن يعلم في حدود اختصاصه وبمقدار حاجته، والحاكم أعلم من كل من عداه. وكأن أئمتنا قد أثبتوا جدارتهم بأمانة الناس بما سبقوا إليه من

العلم8.

 

وما أخذه علماء الشيعة على غيرهم من مؤاخذات، إنما يدور أكثر ذلك حول المستوى العلمي الذي بلغه أئمتنا، وقصر عنه سواهم9.

 

فالعلم بالقانون والعدالة من أهم أركان الإمامة. وإذا كان الشخص يعلم الكثير عن الطبيعة وأسرارها ويحسن كثيراً من الفنون، ولكنه يجهل القانون، فليس علمه ذاك مؤهلاً إياه للخلافة ومقدماً إياه على غيره ممن يعلم القانون ويعمل بالعدل. وقد أصبح من المسلمات لدى المسلمين من أول يوم وحتى يومنا هذا أن الحاكم أو الخليفة ينبغي أن يتحلى بالعلم بالقانون، وعنده ملكة العدالة مع سلامة الاعتقاد وحسن الأخلاق. وهذا ما يقتضيه العقل السليم، خاصة ونحن نعرف أن الحكومة الإسلامية تجسيد عملي للقانون، وليست ركوب هوى، فالجاهل بالقوانين لا أهلية فيه للحكم، لأنه إن كان مقلداً في أحكامه، فلا هيبة لحكومته وإن لم يقلد فإنه يعجز عن تنفيذ الأحكام مع فرض جهله التام بها.

ومن المسلّم به: "الفقهاء حكّام على الملوك"10. وإذا كان السلاطين على جانب من التدين فما عليهم إلا أن يصدروا في أعمالهم وأحكامهم عن الفقهاء، وفي هذه الحالة فالحكام الحقيقيون هم الفقهاء، ويكون السلاطين مجرد عمال لهم.

وطبيعي أنه ليس واجباً على كل موظف أياً كانت وظيفته أن يحيط علماً بجميع القوانين، ويتفقه فيها، بل يكفيه أن يتبصر بما يهمه منها في شغله أو عمله أو المهمة التي عهد بها إليه. بهذا جرت السيرة على عهد الرسول صلى الله عليه وآله وعلى عهد أمير المؤمنين، فالحاكم الأعلى يحيط بجميع الأحكام الإسلامية، ويكتفي المبعوثون والمرسلون والعمال والولاة بالعلم بما يتصل بمهمتهم من أحكام وتشريعات، ويرجعون فيما لا يعلمون إلى مصادر التشريع المرسومة لهم.

وعلى الحاكم أن يتحلى بأقصى حد من كمال العقيدة، وحسن الأخلاق مع العدل والنزاهة من الآثام. لأن من يتصدى لإقامة الحدود وإنفاذ الحقوق، وينظم موارد بيت المال ومصارفه، لا ينبغي أن يكون ظالماً، لأن اللَّه تعالى يقول في كتابه العزيز: "ولا ينال عهدي الظالمين"11.

فالحاكم إذا لم يكن عادلاً فإنه لا يؤمن أن يخون الأمانة، ويحمل نفسه وذويه وآله على رقاب الناس.

فرأي الشيعة فيمن يحق له أن يلي الناس معروف منذ وفاة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وحتى زمان الغيبة، فالإمام عندهم فاضل عالم بالأحكام والقوانين، وعادل في إنفاذها، لا تأخذه في اللَّه لومة لائم.

 

الحاكم في زمن الغيبة

وإذا كنّا نعتقد أن الأحكام التي تخص بناء الحكومة الإسلامية لا تزال مستمرة، وأن الشريعة تنبذ الفوضى، كان لزاماً علينا تشكيل الحكومة. والعقل يحكم بضرورة ذلك، خاصة فيما إذا دهمنا عدو، أو اعتدى علينا معتد لا بد من جهاده ودفعه. وقد أمر الشرع بأن نعد لهم ما استطعنا من قوة نرهب بها عدو اللَّه وعدونا، ويشجعنا على أن نرد من اعتدى علينا بمثل ما اعتدى علينا، وكذلك يدعو الإسلام إلى إنصاف المظلوم واستخلاص حقه، وردع الظالم. وكل ذلك يحتاج إلى أجهزة قوية. وأما نفقات الحكومة التي يراد تشكيلها من أجل خدمة الشعب مجموع الشعب فمن بيت المال الذي تكون موارده من الخراج والخمس والزكاة وغيرها.

واليوم في عهد الغيبة لا يوجد نص على شخص معين يدير شؤون الدولة، فا هو الرأي؟ هل نترك أحكام الإسلام معطلة؟ أم نرغب بأنفسنا عن الإسلام؟ أم نقول أن الإسلام جاء ليحكم الناس قرنين من الزمان فحسب ليهملهم بعد ذلك؟ أو نقول أن الإسلام قد أهمل أمور تنظيم الدولة؟ ونحن نعلم أن عدم وجود الحكومة يعني ضياع ثغور المسلمين وانتهاكها، ويعني تخاذلنا عن حقنا وعن أرضنا. هل يُسمح بذلك في ديننا؟ أليست الحكومة ضرورة من ضرورات الحياة؟ وبالرغم من عدم وجود نص على شخص من ينوب عن الإمام عليه السلام حال غيبته، إلا أن خصائص الحاكم الشرعي لا يزال يعتبر توفرها في أي شخص مؤهلاً إياه ليحكم في الناس، وهذه الخصائص التي هي عبارة عن: العلم بالقانون، والعدالة، موجودة في معظم فقهائنا في هذا العصر، فإذا أجمعوا أمرهم كان لدى ميسورهم إيجاد وتكوين حكومة عادلة عالمية منقطعة النظير.

 

ولاية الفقيه‏

وإذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عالم عادل، فإنه يلي من أمور المجتمع ما كان يليه النبي صلى الله عليه وآله منهم، ووجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا. ويملك هذا الحاكم من أمر الإدارة والرعاية والسياسة للناس ما كان يملكه الرسول صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام على ما يمتاز به الرسول والإمام من فضائل ومناقب خاصة. لأن فضائلهم لم تكن تخولهم أن يخالفوا تعاليم الشرع، أو يتحكموا في الناس بعيداً عن أمر اللَّه. وقد فوّض اللَّه الحكومة الإسلامية الفعلية المفروض تشكيلها في زمن الغيبة نفس ما فوّضه إلى النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام من أمر الحكم والقضاء والفصل في المنازعات، وتعيين الولاة والعمال، وجباية الخراج، وتعمير البلاد، غاية الأمر أن تعيين شخص الحاكم الآن مرهون بمن جمع في نفسه العلم والعدل.

 

الولاية الاعتبارية

ولا ينبغي أن يُساء فهم ما تقدم، فيتصور أحد أن أهلية الفقيه للولاية ترفعه إلى منزلة النبوة أو إلى منزلة الأئمة لأن كلامنا هنا لا يدور حول المنزلة والمرتبة، وإنما يدور حول الوظيفة العملية. فالولاية تعني حكومة الناس، وإدارة الدولة، وتنفيذ أحكام الشرع، وهذه مهمة شاقة، ينوء بها من هو أهل لها من غير أن ترفعه فوق مستوى البشر. وبعبارة أخرى فالولاية تعني الحكومة والإدارة وسياسة البلاد، وليست كما يتصور البعض امتيازاً أو محاباة أو اثرة، بل هي وظيفة عملية ذات خطورة بالغة.

ولاية الفقيه أمر اعتباري12 جعله الشرع، كما يعتبر الشرع واحداً منا قيماً على الصغار، فالقيم على شعب بأسره لا تختلف مهمته عن القيم على الصغار إلا من ناحية الكمية. وإذا فرضنا النبي صلى الله عليه وآله أو الإمام‏ عليه السلام قيماً13 على صغار فإن مهمتهما في هذا المجال لا تختلف كماً ولا كيفاً عن أي فرد عادي آخر إذا عين للقيمومة على نفس أولئك الصغار. وكذلك قيمومتهما على الأمة بأسرها من الناحية العملية لا تختلف عن قيمومة أي فقيه عالم عادل في زمن الغيبة.

وإذا فرض فقيه عادل متمكناً من إقامة الحدود، فهل يقيمها على غير الوجه الذي كانت تقام عليه أيام الرسول صلى الله عليه وآله وعلى عهد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، هل كان النبي صلى الله عليه وآله يجلد الزاني غير المحصن أكثر من مائة جلدة؟ وهل على الفقيه أن ينقص منها مقداراً، كي يثبت تفاوت بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله؟ كلا! لأن الحاكم نبياً كان أم إماماً أم فقيهاً عادلاً ليس إلا منفداً لأمر اللَّه وحكمه.

والرسول صلى الله عليه وآله كان يجبي الضرائب: الخمس والزكاة والجزية والخراج. هل هناك تفاوت بين ما يجبيه النبي صلى الله عليه وآله وما يجبيه الإمام‏ عليه السلام أو فقيه العصر؟

 

فاللَّه جعل الرسول صلى الله عليه وآله ولياً للمؤمنين جميعاً، وتشمل ولايته حتى الفرد الذي سيخلفه، ومن بعده كان الإمام عليه السلام ولياً، ومعنى ولايتهما أن أوامرهما الشرعية نافذة في الجميع، و إليهما يرجع تعيين القضاة والولاة، ومراقبتهم وعزلهم إذا اقتضى الأمر.

 

نفس هذه الولاية و الحاكمية موجودة لدى الفقيه، بفارق واحد هو أن ولاية الفقيه على الفقهاء الآخرين لا تكون بحيث يستطيع عزلهم أو نصبهم، لأن الفقهاء في الولاية متساوون من ناحية الأهلية.

 

بعد هذا، ينبغي للفقهاء أن يعملوا فرادى أو مجتمعين من أجل إقامة حكومة شرعية، تعمل على إقامة الحدود، وحفظ الثغور وإقرار النظام. وإذا كانت الأهلية لذلك منحصرة في فرد، كان ذلك عليه واجباً عينياً14، و إلاّ فالواجب كفائي. وفي حالة عدم إمكان تشكيل تلك الحكومة، فالولاية لا تسقط، لأن الفقهاء قد ولاّهم اللَّه، فيجب على الفقيه أن يعمل بموجب ولايته قدر المستطاع، فعليه أن يأخذ الزكاة والخمس والخراج والجزية إن استطاع، لينفق كل ذلك في مصالح المسلمين وعليه إن استطاع أن يقيم حدود اللَّه. وليس العجز المؤقت عن تشكيل الحكومة القوية المتكاملة يعني بأي وجه أن ننزوي بل أن التصدي لحوائج المسلمين، وتطبيق ما تيسر تطبيقه فيهم من الأحكام، كل ذلك واجب بالقدر المستطاع.

 

الولاية التكوينية

 

وثبوت الولاية والحاكمية للإمام عليه السلام لا تعني تجرده عن منزلته التي هي له عند اللَّه، ولا تجعله مثل من عداه من الحكام. فإن للإمام مقاماً محموداً ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون. وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل.

 

وبموجب ما لدينا من الروايات والأحاديث فإن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام كانوا قبل هذا العالم أنواراً فجعلهم اللَّه بعرشه محدقين، وجعل لهم من المنزلة والزلفى ما لا يعلمه إلا اللَّه15. وقد قال جبرئيل كما ورد في روايات المعراج : "لو دنوت أنملة لاحترقت"16. وقد ورد عنهم عليهم السلام: "إن لنا مع اللَّه حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل"17.

 

ومثل هذه المنزلة موجودة لفاطمة الزهراء عليها السلام18 لا بمعنى أنها خليفة أو حاكمة أو قاضية، فهذه المنزلة شي‏ء آخر وراء الولاية والخلافة والأمرة، وحين نقول: أن فاطمة عليها السلام لم تكن قاضية أو حاكمة أو خليفة فليس يعني ذلك تجردها عن تلك المنزلة المقربة، كما لا يعني ذلك أنها امرأة عادية من أمثال ما عندنا.

 

وإذا قال قائل: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فقد أقرّ له بمرتبة هي فوق كونه ولياً أو حاكماً على المؤمنين. ونحن لا نعارض في هذا، بل نؤيده، وإن كان ذلك مما استأثر اللَّه بعلمه.

 

الحكومة الإسلامية وسيلة لتحقيق الأهداف السامية

 

والقيام بشؤون الدولة لا يكسب القائمين بالأمر مزيد شأن ورفعة، لأن الحكومة وسيلة لتنفيذ الأحكام وإقرار النظام الإسلامي العادل، وتتجرد الحكومة عن أية قيمة إذا اعتبرت هدفاً مقصوداً يطلب لذاته.

 

أمير المؤمنين عليه السلام قال مرة لابن عباس وقد كان بيد الإمام عليه السلام نعل يخصفه : ما قيمة هذه النعل؟

 

قال ابن عباس19: لا قيمة لها.

 

قال الإمام‏ عليه السلام: "واللَّه لهي أحب إليّ من أمرتكم إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً"20.

 

والإمام عليه السلام غير متهافت على الأمرة ولا مشغوف بها، وهو الذي يقول: "أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ اللَّه على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا شعب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، وسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز"21.

 

فالحكم ليس غاية في نفسه، وإنما هو وسيلة تكون له قيمة ما دامت غايته نبيلة، فإذا طُلب باعتباره غاية واتخذت لنيله جميع الوسائل، فقد تدنى إلى درك الجريمة، وأصبح طلابه في عداد المجرمين.

ولم تسنح الفرص لأئمتنا للأخذ بزمام الأمور، وكانوا بانتظارها حتى آخر لحظة من الحياة، فعلى الفقهاء العدول أن يتحينوا هم الفرص وينتهزوها من أجل تنظيم وتشكيل حكومة رشيدة يراد بها تنفيذ أمر اللَّه، وإقرار النظام العادل، وإن كان ذلك يحملهم جهوداً ومساعي غير يسيرة، ولا عذر يقبل في ذلك، لأن نفس تولي الفقيه لأمور الناس بالقدر المستطاع، يمثل بدوره انصياعاً لأمر اللَّه، وأداء للوظيفة الشرعية الواجبة.

 

وللاستدلال على أن الحكومة وسيلة وليست هدفاً نذكر ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة له خطبها في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله بعد بيعة الناس له: "اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان، ولا التماس شي‏ء من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك"22.

 

صفات الحاكم الذي يحقق هذه الأهداف‏

 

وفي نفس خطبته هذه يشير إلى الصفات التي ينبغي توفرها في الحاكم الذي يريد تحقيق الأهداف السامية التي سبق أن ذكرها الإمام‏ عليه السلام في خطبته، فهو يقول: "اللهم إني أول من أناب وسمع وأجاب، لم يسبقني إلا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بالصلاة. وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج، والدماء، والمغانم، والأحكام، وإمامة المسلمين، البخيل فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الخائف للدول فيتخذ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع، ولا المعطل، للسنّة فيهلك الأمة"23.

 

وهذا يدور كما ترون حول علم الحاكم وعدالته، وهما شرطان ينبغي وجودهما في الحاكم الإسلامي، فهو يشير بقوله: ولا الجاهل فيضلهم بجهله إلى الشرط الأول، وبباقي الحديث إلى العدالة التي تعني أن يكون الحاكم في حكمه وعلاقاته، وعشرته للناس آخذاً بسيرة أمير المؤمنين عليه السلام وبما ورد عنه في عهده الذي عهد به إلى مالك الأشتر24 واليه على مصر، ويمكننا أن نرى في عهده هذا عهداً إلى جميع الولاة والعمال والحكام والفقهاء في كل عصر ومصر.

 

ولاية الفقيه في الأحاديث الإسلامية

 

قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: "قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: اللهم ارحم خلفائي، ثلاث مرات قيل: يا رسول اللَّه، ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي، يروون حديثي، وسنتي، فيعلمونها الناس من بعدي"25.

 

يذكر الشيخ الصدوق26 M هذه الرواية في جامع الأخبار27، وعيون أخبار الرضا28، والمجالس29 في خمسة أسناد، أو أربعة على أقل تقدير بسبب الاشتراك في أسماء راويين في طريقين من هذه الطرق. وإذ تذكر هذه الرواية مرسلة30 فهي تخلو من جملة "فيعلمونها الناس من بعدي" وإذ تذكر مسندة31 بعدة أسناد ففي بعضها جملة (فيعلمونها الناس) وفي البعض الآخر "فيعلمونها"32 فقط.

 

وحديثنا حول هذا الحديث سيدور حول افتراضين:

 

1- لنفرض أن هذا من أخبار الآحاد، وقد زيدت فيه جملة "فيعلمونها..." أو كانت موجودة وسقطت وهذا الاحتمال أقرب إلى الواقع لأننا لا يمكننا اتهام الرواة، لأنهم ثلاثة لا تربط بينهم أية روابط وكان أحدهم يسكن بلخ والآخر من نيشابور، والثالث من مرو، ومن البعيد جداً أن يتواطأ هؤلاء على ما بينهم من البعد وعدم التعارف على زيادة هذه الجملة. إذن، نحن يمكننا أن نقطع بأن جملة "فيعلمونها..." في الرواية المنقولة بطريق الصدوق، قد سقطت من قلم النساخ، أو أن الصدوق قد نسيها.

 

2- نفرض أن هناك روايتين، إحداهما تخلو من جملة "فيعلمونها" والأخرى تشتمل عليها. ولنفرض أن هذه الجملة موجودة، فالحديث لا يشمل قطعاً أولئك الذين يكون شغلهم الشاغل نقل الحديث فقط، من دون إمعان، ونظر، واجتهاد واستنباط وقدرة على التوصل إلى الحكم الواقعي، فلا يمكننا أن نصف أمثال هؤلاء الرواة بأهليتهم للخلافة ما داموا مجرد نقلة للحديث أو كتبة له، يسمعون الرواية فينقلونها إلى الناس، هذا مع اعترافنا بقيمة خدمتهم التي يقدمونها للإسلام، فمجرد نقل الأحاديث وروايتها ليس أمراً يؤهل الناقل أو الراوي لخلافة الرسول صلى الله عليه وآله، لأن بعض الرواة والمحدثين قد يكون مصداقاً لعبارة "ربّ حامل فقه غير فقيه"33.

 

وهذا لا يعني أنه لا يوجد في المحدثين والرواة أي فقيه، فما أكثر المحدثين الفقهاء كالكليني34، والشيخ الصدوق وأبيه35، فإنهم كانوا فقهاء يعلمون الناس. وحين نفرق بين الشيخ الصدوق والشيخ المفيد36، لا نقصد أن الشيخ الصدوق ليس بفقيه، أو أنه أقل فقاهة من المفيد، كيف وقد نقل عن الشيخ الصدوق أنه بين الأصول والفروع المذهبية في مجلس واحد37. لكن الفرق بينهما أن الشيخ المفيد أكثر اجتهاداً في الاستنباط، وأشد إمعاناً ودقة نظر في الروايات.

 

فالحديث يقصد به أولئك الذين يسعون في نشر علوم الإسلام وأحكامه، ويعلمونها الناس، كما كان الرسول صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام يعلمون، وينشرون ويتخرج على أيديهم الألوف من العلماء. وإذا قلنا: إن الإسلام دين العالم وهذا واضح وبديهي كان لزاماً على علماء الإسلام أن ينشروا ويبثوا ويذيعوا أحكام هذا الدين في العالم كله.

 

ولنفرض أن جملة "يعلمونها الناس..." ليست من ضمن الحديث فلننظر ماذا يعني قوله صلى الله عليه وآله: "اللهم ارحم خلفائي... الذين يأتون من بعدي ويروون حديثي وسنتي"38؟

 

وفي هذا الغرض، فالحديث أيضاً لا يعني الرواة من غير ذوي الفقه، لأن سنّة الرسول صلى الله عليه وآله هي سنّة اللَّه، ومن أراد نشرها فعليه الإحاطة بجميع الأحكام الإلهية، مميزاً بين الأحاديث صحيحها وغير صحيحها، ويطلع على العام والخاص، والمطلق والمقيد، ويجمع بينها جمعاً عرفياً عقلائياً، ويعرف الروايات الصادرة في ظروف التقية التي كانت تفرض على الأئمة عليهم السلام بحيث كانت تمنعهم من إظهار الحكم الواقعي في تلك الحالات. فالمحدث الذي لم يبلغ مرتبة الاجتهاد، وهو مكتف بنقل الحديث لا يستطيع التوصل إلى حقيقة السنّة، وهو في نظر الرسول صلى الله عليه وآله غير ذي بال. ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وآله ما كان يريد للناس أن يكتفوا بـ"قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله" أو "عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله" بغض النظر حتى عن طريق الرواية وسندها، وإنما كان يريد أن تنشر السنّة على حقيقتها.

 

نشر الأحاديث، لا تعني المحدث الذي لا يفقه ما ينقل، ولعله ينقل إلى من هو أفقه منه، وإنما تعني من يؤدي إلى الناس أحكام الإسلام الواقعية، وهذا لا يتأتى إلا على يد مجتهد فقيه يتوصل إلى الأحكام الواقعية، ويستنبطها من مصادرها على الموازين التي رسمها له الإسلام نفسه، والأئمة أنفسهم. هؤلاء المجتهدون هم خلفاء رسول اللَّه ‏صلى الله عليه وآله الذين ينشرون السنّة وعلوم الإسلام ويبلغونها ويعلمونها الناس، وبذلك يستحقون أن يدعو الرسول صلى الله عليه وآله لهم بالرحمة من عند اللَّه.

 

فلا شك إذن أن رواية: "اللهم ارحم خلفائي..." لا علاقة لها بنقلة الحديث ورواته المجردين عن الفقه، لأن كتابة الحدث وحدها لا تؤهل الشخص لخلافة الرسول صلى الله عليه وآله، بل المقصود هم فقهاء الإسلام الذين يبسطون تعاليم الإسلام وآدابه، والذين يجمعون إلى فقههم وعلمهم العدالة والاستقامة في الدين.

 

الفقيه يميز بين الرجال الذين يصح الأخذ عنهم، وبين من لا يصح الأخذ عنهم. ففي الرواة من يفتري على لسان النبي صلى الله عليه وآله أحاديث لم يقلها. ولعل راوياً كسمرة بن جندب40 يفتري أحاديث تمس من كرامة

 

أمير المؤمنين علي عليه السلام، ولعل راوياً لا يمتنع أن يروي آلاف الأحاديث في فضل الحكام الجائرين وحسن سلوكهم عن طريق أعوان الظلمة وعلماء البلاط، تمجيداً بالسلاطين، وتزكية لأعمالهم.

 

ومثل هذا كما ترون واقع الآن. وما أدري لماذا يتمسك بعض الناس بروايتين ضعيفتين في مقابل القرآن الذي أمر اللَّه فيه موسى بالنهوض في وجه فرعون41، وهو أحد الملوك، وفي مقابل كل ما ورد من الأحاديث الكثيرة الآمرة بمحاربة الظالمين ومقاومتهم42 فالكسالى من الناس هم الذين يطرحون كل ذلك جانباً ليتمسكوا بروايتين ضعيفتين تزكي الملوك وتبرر التعاون معهم، ولو كان هؤلاء متدينين لرووا إلى جانب تلك الروايتين الضعيفتين مجموعة الروايات المناهضة للظلمة وأعوانهم.

 

مثل هؤلاء الرواة لا عدالة لهم، لما بدر منهم من انحياز إلى أعداء اللَّه، وابتعادهم عن تعاليم القرآن والسنّة الصحيحة. بطنتهم دعتهم إلى ذلك لا العلم، وفي البطنة وفي حب الجاه ما يدعو إلى السير في ركاب الجائرين.

 

إذن، فنشر أحكام الإسلام وعلومه مهمة يقوم بها الفقهاء العدول الذين في ميسورهم التمييز بين الحق والباطل، ويعرفون ظروف التقية التي كان يعيشها الأئمة عليهم السلام، هذه التقية التي كانت تتخذ لحفظ المذهب من الاندراس، لا لحفظ النفس خاصة.

 

ولا مجال للشك في دلالة الرواية على ولاية الفقيه وخلافته في جميع الشؤون. والخلافة الواردة في جملة "اللهم ارحم خلفائي" لا يختلف مفهومها في شي‏ء عن الخلافة التي تستعمل في جملة (علي خليفتي).

 

وجملة "الذين يأتون من بعدي ويروون حديثي" تبين شخصية الخليفة، وليس فيها توضيح لمعنى الخلافة، لأن الخلافة كانت في صدر الإسلام من المفاهيم الواضحة، وهي واضحة حتى عند السائل الذي لم يسأل النبي صلى الله عليه وآله عن معنى الخليفة أو الخلافة، وإنما سأله بقوله: ومن خلفاؤك؟

 

ولم يكن أحد يفسر منصب الخلافة على عهد أمير المؤمنين عليه السلام وبالنسبة إلى الأئمة عليهم السلام من بعده بأنه منصب الإفتاء فقط، وإنما فسر المسلمون هذا المنصب بأنه الولاية والحكومة، وتنفيذ أمر اللَّه، واستدلوا على ذلك بما يطول ذكره. ولكن لماذا يتوقف بعضنا في معنى جملة "اللهم ارحم خلفائي"؟

 

لماذا يظن هذا البعض أن خلافة الرسول محدودة بشخص معين؟ وبما أن الأئمة عليهم السلام كانوا هم خلفاء الرسول، فليس لغيرهم من العلماء أن يحكم الناس ويسوسهم، وليبق المسلمون بلا حاكم شرعي، ولتبق أحكام الإسلام معطلة، وثغوره مفتوحة للأعداء. هذا الظن وهذا الموقف بعيد عن الإسلام، لأنه انحراف في التفكير يبرأ الإسلام منه.

 

الفقهاء حصون الإسلام‏

 

محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن علي بن أبي حمزة قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام يقول: "إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة، وبقاع الأرض التي كان يعبد اللَّه عليها، وأبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله، وثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شي‏ء، لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها"43.

 

في نفس الباب من كتاب الكافي رواية أخرى ورد فيها: "إذا مات المؤمن الفقيه..."44.

 

في حين يخلو صدر الرواية الأولى من كلمة الفقيه، لكن يستفاد من ذيل روايتنا السابقة التي ورد فيها: "لأن المؤمنين الفقهاء..." إن كلمة الفقيه سقطت من صدر الرواية، لأنها تتناسب وقوله: "ثلم في الإسلام" وقوله "حصن" وأمثالها من كل ما يتناسب وشأن الفقهاء المؤمنين.

 

مفهوم الحديث‏

 

قوله عليه السلام: "لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام..."..

 

تكليف للفقهاء أن يحفظوا الإسلام بعقائده وأحكامه وأنظمته، وليس هذا التعبير صادراً من الإمام ثناء أو إطراء أو على سبيل المجاملة المتعارفة فيما بيننا حينما أقول لك حجة الإسلام، وتقول لي مثل ذلك.

 

وإذا اعتزل الفقيه الناس وأمورهم، وقبع في زاوية من داره، ولم يحافظ على قوانين الإسلام، ولم ينشرها، ولم يعمل في إصلاح شؤون المجتمع، ولم يهتم بالمسلمين، فهل يمكن اعتباره حصناً للإسلام أو سوراً له؟

 

إذا أرسل رئيس الحكومة شخصاً إلى ناحية صغيرة وأمره أن يحفظها ويرعاها، فهل يسمح له واجبه أن يغلق عليه أبواب داره، ليرتع العدو، ويعيث في تلك الناحية فساداً، أم أن وظيفته تحمله على أن يبذل كل ما بوسعه في سبيل حفظ ورعاية ما ولي عليه؟

 

إذا قلتم: نحن نحتفظ ببعض الأحكام فأنا أتوجه إليكم بهذا السؤال:

 

هل تقيمون الحدود، وتنفذون قانون العقوبات في الإسلام؟

 

لا!

 

فأنتم هنا قد أحدثتم صدعاً في بناء الإسلام، كان يجب عليكم رأبه ورتقه، أو منع حدوثه من أول الأمر.

 

هل تدافعون عن الثغور، وتحافظون على سلامة أرض الإسلام واستقلالها؟

 

لا! نحن ندعو اللَّه أن يفعل ذلك.

 

وهنا قد انهار جانب آخر من البناء إلى جانب ما انهار سابقاً.

 

هل تجمعون حقوق الفقراء التي فرضها اللَّه في أموال الأغنياء وتؤدونها إلى أصحابها تنفيذاً لما أمرتم به في ذلك؟

 

لا! ذلك ليس من شأننا. إن شاء اللَّه يتحقق ذلك على يد غيرنا.

 

ماذا بقي من البناء؟ لقد أوشك البناء كله على الخراب، مثلكم في ذلك كمثل شاه سلطان حسين45 وأصفهان.

 

أي حصن للإسلام أنتم؟ ما يكاد يعهد إلى أحدكم بحفظ جانب إلا اعتذر منه! هل المراد من حصن الإسلام هو هذا الذي أنتم عليه؟!

 

فقوله عليه السلام: "الفقهاء حصون الإسلام" يعني أنهم مكلفون بحفظ الإسلام بكل ما يستطيعون.

 

وحفظ الإسلام من أهم الواجبات المطلقة بلا قيد ولا شرط46.

 

وهذا مما يجب على المجامع والهيئات العلمية الدينية أن تفكر في شأنه طويلاً لتجهز نفسها بأجهزة وإمكانات وظروف يُحرس فيها الإسلام ويُصان ويُحفظ: أحكاماً وعقائداً وأنظمة، كما حافظ عليه الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله والأئمة الهداة عليهم السلام.

 

نحن اكتفينا بمقدار يسير من الأحكام نبحث فيه خلفاً عن سلف، وطرحنا الكثير من مسائله وجزئياته ومفرداته. كثير من مسائله غريب علينا. والإسلام كله غريب، ولم يبق منه إلا اسمه، فقد أغفلت عقوباته. والعقوبات الواردة في القرآن تقرأ كآيات، فلم يبق من القرآن إلا رسمه.

نحن نقرأ القرآن لا لشي‏ء إلا لنحسن إخراج الحروف من مخارجها الطبيعية، أما الواقع الاجتماعي الفاسد، وانتشار الفساد في طول البلاد وعرضها تحت سمع الحكومات وبصرها أو بتأييد منها للفجور والفحشاء وإشاعتها، فذلك أمر لا شأن لنا به. حسبنا أن نفهم أن الزاني والزانية قد جعل لهما حد معين. أما تنفيذ ذلك الحد وغيره من الحدود فليس ذلك من شأننا!

نحن نسأل: أهكذا كان الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله؟ هل كان يكتفي بتلاوة القرآن وترتيله من غير إقامة لحدوده، وتنفيذ لأحكامه هل كان خلفاؤه من بعده يكتفون بابلاغ الأحكام الشرعية إلى الناس ثم يتركون الحبل على الغارب بعد ذلك؟ ألم يكن الرسول صلى الله عليه وآله ومن بعده يقيمون حد الجلد والرجم والحبس والنفي؟ عودوا إلى دراسة باب الحدود والقصاص والديات لتجدوا أن جميع ذلك من صميم الإسلام.

 

الإسلام جاء لتنظيم المجتمع بواسطة الحكومة العادلة التي يقيمها في الناس.

 

نحن مكلفون بحفظ الإسلام، وهذا من أهم الواجبات ولعله لا يقل أهمية عن الصلاة والصوم. وهذا هو الواجب الذي أريقت في سبيل أدائه دماء زكية. فليس أزكى من دم الحسين عليه السلام وقد أريق في سبيل الإسلام.

 

علينا أن نفهم هذا ونفهّمه الناس. أنتم تكونون خلفاء الرسول‏ صلى الله عليه وآله إذا علمتم الناس وعرفتموهم بالإسلام على واقعه. لا تقولوا ندع ذلك حتى ظهور الحجة عجل الله تعالى فرجه! فهلا تركتم الصلاة بانتظار الحجة؟! لا تقولوا كما قال بعض: ينبغي إشاعة المعاصي كي يظهر الحجة عجل الله تعالى فرجه! بمعنى أن الفواحش إذا لم تنتشر فإن الحجة لن يظهر! لا تكتفوا بالجلوس هنا للتباحث في أمور خاصة، بل تعمقوا في دراسة سائر الأحكام. أنشروا حقائق الإسلام. أكتبوا، وانشروا فذلك سيؤثر في الناس بإذن اللَّه، وقد جربت ذلك بنفسي.

 

الفقهاء أمناء الرسل‏

 

علي عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: "قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا. قيل: يا رسول اللَّه: وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم"47.

 

ولا يسعنا تتبع الرواية بتمامها، فذلك يستلزم بحثاً طويلاً. علينا أن نمعن النظر في جملة: الفقهاء أمناء الرسل.

 

لا بد أولاً من معرفة واجبات ووظائف وصلاحيات ومجموعة أعمال الأنبياء والرسل، لنتوصل بعدها إلى معرفة التكاليف التي كلف بها الفقهاء الذين ائتمنهم الرسل.

 

أهداف الرسالات‏

 

بحكم ضرورة العقل لا ينحصر الهدف من بعثة الرسل في بيان وتوضيح الأحكام والشرائع التي يتلقونها بالوحي. فلم يكن الأنبياء قد عينوا لأداء هذه الأحكام إلى الناس بأمانة تامة فحسب، ولم يعهدوا إلى الفقهاء أن يكتفوا ببيان المسائل التي أخذوها عنهم للناس. ولا تعني جملة "الفقهاء أمناء الرسل" أنهم مؤتمنون على النقل عنهم.

 

فقد كان أهم ما كلف به الأنبياء هو إقرار النظام العادل في المجتمع وتنفيذ الأحكام. وقد يستفاد ذلك كله من قوله تعالى: "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط..."48.

 

فقد كان الهدف الحقيقي من بعثة الأنبياء هو إقامة العدل والقسط في الناس، وتنظيم حياتهم بموجب الموازين الشرعية، ولا يتم ذلك إلا بالحكومة التي تنفذ الأحكام وهذه الحكومة كما تتمثل في شخص النبي أو الرسول، تتمثل كذلك في الأئمة عليهم السلام وفي الفقهاء العلماء المؤمنين العدول من بعدهم. لأن القيام على الناس وإقرار الحق والنظام العادل فيهم مطلوب على كل حال.

 

حينما يقول اللَّه: "واعلموا أن ما غنمتم من شي‏ء فإن للَّه خمسه وللرسول ولذي القربى..."49 ويقول: "خذ من أموالهم صدقة..."50، وغير ذلك من الأوامر، فلا يعني ذلك أن الرسول صلى الله عليه وآله مكلف بأبلاغ ذلك إلى الناس فحسب، بل هو مأمور بالعمل به وتنفيذه، مأمور أن يجبي هذه الضرائب من أهلها ليصرفها في مصالح المسلمين، ومأمور أنيشيع العدل فيهم، ويقيم حدود اللَّه ويحفظ ثغور المسلمين، ويمنع البلاد من الأعداء، ويمنع خزانة الأمة أن يحيف عليها أحد.

 

وقد جاء في القرآن الكريم: "أطيعوا اللَّه وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم...""51.

وذلك لا يعني وجوب التصديق بما أخبرونا به فحسب، وإنما يقصد من ذلك العمل والاتباع، فإن في ذلك مجلبة لرضا اللَّه، لأن اللَّه تعالى يقول في موضع آخر من كتابه: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا اللَّه"52 فاطاعة الرسول إطاعة للَّه لأن الرسول لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.

فإذا أمر الرسول صلى الله عليه وآله بالالتحاق ببعثة أسامة53، فلا يحق لأحد أن يتخلف أو يراجعه في ذلك، لأن في ذلك معصية الرسول والرسول صلى الله عليه وآله قد فوض إليه أمر المسلمين فهو يدير شؤونهم ويرشدهم ويوجههم، ويعين لهم الولاة والحكام والقضاء، ويعزل منهم إذا لزم الأمر.

 

أهلية الفقهاء لقيادة الأمة

والحديث السابق الذي يؤتمن فيه الفقهاء من قبل الرسل يشترط على الفقهاء ألا يدخلوا في الدنيا، لأن الفقيه إذا كان همه أن يجمع الحطام لم يكن عادلاً، ولم يعد مؤتمناً للرسول، ومنفذاً لأحكام شريعته، فالفقهاء العدول هم وحدهم المؤهلون لتنفيذ أحكام الإسلام وإقرار نظمه، وإقامة حدود اللَّه، وحراسة ثغور المسلمين. وعلى كل حال فقد فوض إليهم الأنبياء جميع ما فُوّض إليهم وائتمنوهم على ما أؤتمنوا هم عليه، فهم يجبون الضرائب، لينفقوها في مصالح المسلمين، وهم يصلحون كل فاسد من أمور المسلمين.

 

وقد كان الرسول صلى الله عليه وآله مكلفاً بتطبيق الأحكام وإقرار النظام. كذلك الفقهاء، فإليهم الحكم، وعليهم يقع عب‏ء تنفيذ الأحكام، وإقامة حدود اللَّه، ومحاربة أعدائه، والقضاء على كل منشأ للفساد.

 

أمانة الفقهاء لتطبيق القانون‏

وبما أن حكومة الإسلام هي حكومة القانون، فالفقيه هو المتصدي لأمر الحكومة لا غير. هو ينهض بكل ما نهض به الرسول صلى الله عليه وآله لا يزيد ولا ينقص شيئاً، فيقيم الحدود كما أقامها الرسول ويحكم بما أنزل اللَّه، ويجمع فضول أموال الناس كما كان ذلك يمارس على عهد الرسول صلى الله عليه وآله، وينظم بيت المال، ويكون مؤتمناً عليه.

وإذا خالف الفقيه أحكام الشرع والعياذ باللَّه فإنه ينعزل تلقائياً عن الولاية، لانعدام عنصر الأمانة فيه. فالحاكم الأعلى في الحقيقة هو القانون، والجميع يستظلون بظله، والناس أحرار من يوم يولدون فيه في تصرفاتهم المشروعة، فليس لأحد على غيره أي حق، وليس لأحد بعد تنفيذ القانون أن يقسر أحداً على الجلوس في مكان معين، أو الذهاب إلى مكان معين بغير حق.

فحكومة الإسلام تطمئن الناس وتؤمنهم، ولا تسلبهم أمنهم واطمئنانهم، شأن الحكومات التي تشاهدون أنتم كيف يعيش المسلم تحت بأسها خائفاً يترقب، يخشى في كل ساعة أن يهجموا على داره وينتزعوا منه روحه وأمواله وكل ما لديه.

وقد حدث مثل ذلك في أيام معاوية، فقد كان يقتل الناس على الظنة والتهمة ويحبس طويلاً، وينفي من البلاد، ويخرج كثيراً من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا اللَّه. ولم تكن حكومة معاوية تمثل الحكومة الإسلامية أو تشبهها من قريب ولا بعيد. وإذا قدر اللَّه للحكومة الإسلامية أن تقوم وليس ذلك على اللَّه ببعيد فالكل آمن على نفسه وماله وأهله وما يملك، لأنه لا يحق لحاكم أن يخطو في الناس بما يتنافى وما قرر في الشرع الإسلامي الحنيف، وهذا هو ما ترمي إليه كلمة "أمين"، ومعلوم كما سبق أن الأمانة لا تقتصر على الأمانة في النقل أو الرواية أو الإفتاء فحسب، وإنما تشمل الأمانة في العمل والتطبيق والتنفيذ، وإن كانت أمانة النقل والإفتاء ذات شأن كبير.

وقد كان الرسول صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام يقولون ويعملون، وقد ائتمنهم اللَّه على رسالته، وقد ائتمن الرسل الفقهاء على أن يقولوا ويعملوا ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويسيروا في الناس بالقسط. فالإسلام يعتبر القانون آلة ووسيلة لتحقيق العدالة في المجتمع، وسبيلاً إلى تهذيب الإنسان خلقياً وعقائدياً وعملياً وكانت مهمة الأنبياء هي تجسيد القانون والحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأن يسوسوهم، ويقودوهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة.

لقد تقدم في الحديث عن الإمام الرضا عليه السلام قوله: "لو لم يجعل لهم إماماً قيماً حافظاً مستودعاً لدرست الملة..."54.

وفي نفس هذه الرواية يقول: "الفقهاء أمناء الرسل"، ويستفاد من مجموع القضيتين55 أن الفقهاء هم الذين ينبغي أن يقودوا مسيرة الناس لئلا يندرس الإسلام. واندراس الإسلام فعلاً وتعطل حدوده يرجع إلى أن الفقهاء في بلاد المسلمين لم يتمكنوا من ولاية الناس، وقد أثبتت التجربة رأي الإمام عليه السلام في قوله: "لو لم يجعل لهم إماماً... لدرست الملة".

ألم يندرس الإسلام؟

أليس الإسلام مندرساً الآن؟

ألم تعطل أحكامه في بلاد الإسلام العريضة؟

هل تراعى تشريعاته ويتبع نظامه؟

أليس الأمر فوضى؟

هل الإسلام هو هذا الحبر على الورق؟

أفحسبتم أن ديننا، حسبه في الحياة أن تجمع أحكامه في كتاب الكافي ويوضع بعد ذلك على الرف؟ هل يحفظ الإسلام إذا قبلنا القرآن ووضعناه فوق رؤوسنا وتلونا آياته بصوت حسن أناء الليل وأطراف النهار؟

وقد انتهى الإسلام إلى هذه النهاية المفجعة لأننا لم نفكر في تنظيم المجتمع، وإسعاده بواسطة حكومة إسلامية.

وقد استعملت بحق المسلمين قوانين فاسدة جائرة تجافي تعاليم الإسلام، لأن اللَّه لم يكن لينزل بها من سلطان.

وقد كان الإسلام يندرس في أذهان بعض السادة الأجلاء، وكاد ينسى إلى حد حمل البعض على تفسير قوله عليه السلام "الفقهاء أمناء الرسل" بأن ذلك يعني الأمانة في حفظ المسائل، ويفسر آيات القرآن والأحاديث الدالة على ولاية الفقهاء للناس في عصر الغيبة، يؤول كل ذلك بتولي بيان المسائل وشرح الأحكام! هل هذه هي الأمانة؟!

أليس على الأمين المؤتمن أن يحفظ أحكام الإسلام حية حياتاً واقعية، ويحرسها من الإهمال والتعطيل؟

أليس من واجب الأمين على بلد أن لا يترك المعتدين يتحركون بدون جزاء؟ أليس عليه أن يمنع الفوضى ويحارب البدع والضلالات، ويضرب على أيدي العابثين بأموال الناس وأرواحهم؟ أجل هذا ما تقتضيه الأمانة، ويقتضيه ائتمان الرسل إياهم.

 

أهمية منصب القضاء في الإسلام‏

عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن يعقوب بن يزيد، عن يحيى بن مبارك، عن عبد اللَّه بن جميلة، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: "قال أمير المؤمنين صلوات اللَّه عليه لشريح: يا شريح، قد جلست مجلساً لا يجلسه (ما جلسه) إلا نبي، أو وصي نبي، أو شقي"56.

وكان شريح57 هذا قد شغل منصب القضاء قرابة خمسين عاماً وكان متملقاً لمعاوية، يمدحه، ويثني عليه، ويقول فيه ما ليس له بأهل، وكان موقفه هذا هدماً لما تبنيه حكومة أمير المؤمنين عليه السلام إلا أن علي عليه السلام لم يستطع عزله، لأن من قبله قد نصبه، ولم يكن عزله، بسبب ذلك، في متناول أمير المؤمنين، إلا أنه عليه السلام اكتفى بمراقبته، وردعه عن الوقوع فيما يخالف تعاليم الشرع.

 

القضاء من شؤون الفقيه العادل‏

لئن كان قد وقع في مسألة الولاية خلاف، فذهب بعض العلماء كالمرحوم النراقي58 والمرحوم النائيني59 إلى أن للفقيه جميع ما للإمام من الوظائف والأعمال في مجال الحكم والإدارة والسياسة، وذهب بعض إلى أن ولاية الفقيه ليست من الشمول بحيث تكون ولاية الإمام ‏عليه السلام لئن كان قد وقع في ذلك خلاف، فلا أرى أن خلافاً وقع في أن منصب القضاء من مختصات الفقيه العادل. نظراً إلى أن الحديث شمل بالذكر "النبي، والشقي، والوصي". ومعلوم أن الفقهاء ليسوا أنبياء، ولا شك أنهم ليسوا في عداد الأشقياء فبالضرورة يصدق عليهم أنهم "أوصياء". وبسبب غلبة استعمال كلمة "الوصي" في الوصي الأول أمير المؤمنين عليه السلام، لذا يرى البعض لا يأخذ بهذه الرواية كدليل على موضوعنا.

وقد سبق أن قلنا أنه لا ينبغي أن يتوهم متوهم أن منصب الحكم كان يرفع من منزلة الأئمة عليهم السلام، إذ سياسة الناس والحكم فيهم لم يكن كل ذلك إلا قياماً بالواجب، وإحقاقاً للحق، وتقويماً للمجتمع ونشراً للعدالة بين الناس. وقد كانت للأئمة مراتب عالية، ومنازل لا يعلمها إلا اللَّه، ولا يكون لتعيينهم للخلافة أو عدم تعيينهم لها في تلك المراتب مزيد أثر أو نقصان، لأن هذا المنصب ليس هو الذي يرفع من شأن الإنسان، أو يكسبه شأناً، بل إن من يكون ذا شأن وفقه وصلاح يكون مؤهلاً لأشغال هذا المنصب كجزء من واجباته الحياتية.

وعلى كل حال، فنحن نفهم من الحديث أن الفقهاء هم أوصياء الرسول صلى الله عليه وآله من بعد الأئمة وفي حال غيابهم، وقد كلفوا بالقيام بجميع ما كلف الأئمة عليهم السلام القيام به. وحديث آخر يؤيد موضوعنا، ولعله أرجح من الأول سنداً ودلالة. وقد ورد عن الكليني بطريق ضعيف، إلا أن الصدوق رواه عن طريق سليمان بن خالد، وهو صحيح ومعتبر.

وعن عدة من أصحابنا، عن سهيل بن زياد، عن محمد بن عيسى، عن أبي عبد اللَّه المؤمن، عن ابن مكان، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: "اتقوا الحكومة، فإن الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين، لنبي (كنبي) أو وصي نبي"60.

ورواه الصدوق بأسناده عن سليمان بن خالد.

فأنتم ترون أن من يحكم أو يقضي بين الناس لا بد أن يكون إماماً عالماً بالقوانين والأحكام، وأن يكون عادلاً، وهذه الشروط لا تكون إلا في نبي أو وصي نبي. وقد بينت من قبل أن من البديهيات الفقهية أن منصب القضاء لا يحق إلا للفقيه العادل أن يمارسه، والفقيه يعني العالم بالعقائد والأحكام والأنظمة والأخلاق الإسلامية، أي محيطاً بجميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله.

وقد حصر الإمام عليه السلام القضاء بمن كان نبياً أو وصي نبي، وبما أن الفقيه ليس نبياً، فهو إذن وصي نبي، وفي عصر الغيبة يكون هو إمام المسلمين وقائدهم، والقاضي بينهم بالقسط، دون سواه.

 

مكاتبة إسحاق بن يعقوب‏

الرواية الثالثة توقيع61 صدر عن الإمام الثاني عشر القائم المهدي‏عجل الله تعالى فرجه، وسنعرضه مع بيان كيفية الاستفادة منه:

في كتاب "إكمال الدين وإتمام النعمة"62 عن محمد بن محمد بن عصام، عن محمد بن يعقوب، عن إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السلام: "أما ما سألت عنه أرشدك اللَّه وثبتك إلى أن قال : وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة اللَّه، وأما محمد بن عثمان العمري، فرضي اللَّه عنه وعن أبيه من قبل، فإنه ثقتي، وكتابه كتابي"63.

وطبيعي أن المقصود من الحوادث الواقعة ليس هو المسائل والأحكام الشرعية، فالسائل كان يعرف مرجعه في هذه المسائل والأحكام، وكان الناس يرجعون إلى الفقهاء إذا أشكلت عليهم مسألة من مسائل الشرع وأحكامه، وقد كان ذلك يحدث حتى في زمن الأئمة عليهم السلام أنفسهم إذا كان الناس بعيدين عن الإمام عجل الله تعالى فرجه، وفي مصر غير مصره، فالسائل المعاصر لأوائل غيبة الإمام عجل الله تعالى فرجه وهو على اتصال بنوابه، ويراسل الإمام ويستفتيه لم يكن يسأل عن المرجع في الفتوى، لأنه كان يعرف ذلك جيداً، إنما كان يسأل عن المرجع في المشكلات الاجتماعية المعاصرة، وفيما يجد من تطورات في حياة الناس. فهو إذ تعذر عليه الرجوع في تلك الأمور إلى الإمام، بسبب غيبته، يريد أن يعرف المرجع في تقلبات الحياة وتطورات المجتمع والحوادث الطارئة، وهو لا يدري ماذا يفعل. وقد كان سؤاله عاماً لا يخص جهة معينة بالذكر فكانت الإجابة عامة كذلك مناسبة للسؤال.

وكان الجواب كما عرفتم: ارجعوا إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة اللَّه.

حجة اللَّه تعني ماذا؟ ماذا تفهمون منها؟ هل تعني خبر الواحد64؟ هل معنى "حجة اللَّه" أن صاحب الأمر عليه السلام إذا أخبر عن الرسول بخبر فعلينا أن نأخذ به كما نأخذ بخبر زرارة65؟ هل هو حجة اللَّه في بيان المسائل والأحكام فقط؟ إذا قال الرسول صلى الله عليه وآله إني جعلت علياً عليه السلام حجة عليكم، فهل معنى ذلك: إنني سأذهب واخلف فيكم علياً يبين لكم المسائل والأحكام ويوضحها؟ أم ماذا؟

حجة اللَّه تعني أن الإمام مرجع للناس في جميع الأمور، واللَّه قد عينه، وأناط به كل تصرف وتدبير من شأنه أن ينفع الناس ويسعدهم، وكذلك الفقهاء، فهم مراجع الأمة وقادتها.

فحجة اللَّه هو الذي عيّنه اللَّه للقيام بأمور المسلمين، فتكون أفعاله وأقواله حجة على المسلمين، يجب إنفاذها، ولا يسمح بالتخلف عنها، في إقامة الحدود، وجباية الخمس والزكاة والخراج والغنائم وإنفاقها، وذلك يعني أنكم إذا راجعتم مع وجود الحجة حكام الجور فأنتم محاسبون على ذلك ومعاقبون عليه يوم القيامة.

فاللَّه سبحانه يحتج بأمير المؤمنين عليه السلام على الذين خرجوا عليه، وخالفوا عن أمره، كما يحتج على معاوية وحكام بني أمية وبني العباس وأعوانهم ومساعديهم، بما غصبوه من الحق، وبما أشغلوه من المنصب الذي ليسوا له بأهل.

واللَّه يحاسب حكام الجور وكل حكومة منحرفة عن تعاليم الإسلام ويأخذهم بما كانوا يكسبون، ويحاسبهم على أموال المسلمين فيما أنفقوها ويحاسبهم على ما بددوه من الأموال في حفلات التتويج، وفي حفلات مرور 25 قرناً على حكم السلاطين في إيران66، ماذا سيقول عند الحساب؟

لعله يعتذر ويقول: إن ظروفنا الخاصة كانت تحتم ذلك، وتدعو إلى بناء أضخم القصور، وإلى الإسراف والتبذير بغير حساب في حفلات التتويج وأمثالها من أجل الشهرة وذيوع الصيت في العالم!

فإنه يقال له: ألم يكن لك في علي عليه السلام أسوة حسنة؟

ألم يكن حاكماً للمسلمين، وأميراً على أمة مترامية الأطراف؟

هل كنت تفعل للناس أكثر مما فعله أمير المؤمنين عليه السلام لهم؟

هل كنت تريد أن ترفع للإسلام شأناً لم يرفعه علي عليه السلام؟!

أي الدولتين أكبر، دولتك أم دولته؟ دولتك لم تكن إلا ولاية من ولايات دولته إلى جانب مصر والعراق والحجاز واليمن، ومع كل هذا ألم تعرف أن ديوانه كان في المسجد، ودكة قضائه كانت في إحدى زواياه؟ وهو يعقد الوية الجيوش والعساكر في المسجد ليبدأ انطلاقها وتحركها من المسجد؟

ألم تر أنهم كانوا يذهبون إلى الحرب على يقين من أمرهم والصلاة تملأ جوانحهم؟ ألم تعرف كيف كانوا يتقدمون ويزحفون، ويفتح اللَّه على أيديهم الفتوح؟

فالفقهاء اليوم هم الحجة على الناس، كما كان الرسول صلى الله عليه وآله حجة اللَّه عليهم، وكل ما كان يناط بالنبي صلى الله عليه وآله فقد أناطه الأئمة بالفقهاء من بعدهم، فهم المرجع في جميع الأمور والمشكلات والمعضلات، وإليهم قد فوضت الحكومة وولاية الناس وسياستهم والجباية والإنفاق، وكل من يتخلف عن طاعتهم، فإن اللَّه يؤاخذه ويحاسبه على ذلك.

هذه الرواية التي نقلناها واضحة في دلالتها، فإن لم تبلغ مرتبة الدليل على رأينا في الموضوع فهي على الأقل مؤيدة ومساندة لما نراه ونذهب إليه.

 

آيات من القرآن المجيد

هناك رواية أخرى تؤيد موضوع بحثنا، بل تدل عليه، وهي مقبولة67 عمر بن حنظلة، وقد وردت فيها آية من الذكر الحكيم. فلنعرض الآن بعض الآيات، وندرسها إلى حد ما لننتقل بعدها إلى ذكر تلك الرواية وغيرها.

 

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم.

"إن اللَّه يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، إن اللَّه نعما يعظكم به، إن اللَّه كان سميعاً بصيراً. يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اللَّه، وأطيعوا الرسول، وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شي‏ء فردّوه إلى اللَّه والرسول إن كنتم تؤمنون باللَّه واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلاً"68.

يعتقد البعض أن المراد من الأمانة هو ما يودع عند الفرد من مال الناس، وما أودعه اللَّه عند الناس من أحكام شرعية يكون العمل بموجبها والالتزام بها رداً للأمانة إلى أهلها، فتلك أمانة الناس، وهذه أمانة اللَّه69.

 ويفسر آخرون الأمانة بالإمامة70، وقد ورد ذلك في مضامين بعض الأحاديث إذ يبدي الإمام أن المقصود من هذه الآية نحن الأئمة71، فقد أمر اللَّه الرسول صلى الله عليه وآله برد الأمانة أي الإمامة إلى أهلها وهو أمير المؤمنين عليه السلام وعليه هو أن يردها إلى من يليه وهكذا...

وفي ذيل الآية الأولى: "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل" خطاب إلى من يمسكون بأيديهم أزمة الأمور، وليس ذلك خطاباً خاصاً بالقضاة وأن كان يصدر منهم الحكم لأن القضاة جزء من الحكومة المهيمنة على أمور الناس، وليسوا هم الحكومة كلها.

ومن المعروف في الدول الحديثة وجود ثلاث سلطات تتشكل منها الحكومة وأجهزة الدولة، هي السلطة القضائية والسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية. فقوله تعالى: "وإذا حكمتم..." خطاب عام شامل لكل من تتألف منه الحكومة من أفراد هذه السلطات.

فالحكومة العادلة من مفردات الأمانة التي يجب تسليمها إلى أهلها، ويجب على أهلها القيام عليها أحسن قيام.

فهذه الحكومة تعمل بموجب موازين القانون والشرع الشريف، والقاضي فيها يحكم بالعدل والإنصاف لا بالجور والظلم، مستمداً أحكامه من الدين الحنيف.

والسلطة التشريعية فيها تدور في فلك التعاليم الشرعية والأحكام والقوانين الإسلامية العامة الشاملة ولا تتعداها ولا تتجاوزها، وتعمل السلطات التنفيذية كما يريد لها الدين أن تعمل في الناس بما يسعدهم ويبعد عنهم شبح الفقر والجوع والتخلف، وتعمل كذلك على إقامة الحدود وحفظ الأمن والنظام، كل ذلك باعتدال وتوازن من غير إفراط أو تفريط.

كان أمير المؤمنين عليه السلام بعد قطعه يد السارق يعطف عليه، ويرفق به، ويعالج يده، ويحسمها بالزيت، حتى ليعود المقطوع من أشد الناس محبة له72.

وحين يبلغه أن جيش معاوية قد أغار على "الأنبار" وأن الرجل منهم ليأتي الذميّة والأخرى المعاهدة فينزع عنها قرطها وخلخالها كان يتفطر حزناً وألماً ويقول: "فلو أن امرء مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً"73.

ومع هذه العواطف الجياشة، كان يحمل سيفه إذا لزم الأمر ليضعه في رقاب المفسدين الذين يعيثون في الأرض فساداً. هذه هي العدالة!

رسول اللَّه صلى الله عليه وآله حاكم عادل، فهو إذا أمر باحتلال موقع، أو القضاء على طائفة مفسدة من الناس فقد حكم بالعدل، لأنه إن لم يفعل فقد خالف العدل، وذلك لأن حكمه منسجم دائماً مع ضرورات صالح المسلمين، بل مع ضرورات الحياة البشرية كلها.

فالحاكم الأعلى لا بد أن يكون نظره في المصالح العامة، ولا يعبأ بالعواطف، ولا تأخذه في اللَّه لومة لائم، ولذا نرى أن كثيراً من المصالح الخاصة ذات الاثرة قد قضي عليها رعاية للمصلحة العامة. ونرى أن الإسلام حارب طوائف من الناس لما يصدر عنهم من الضرر، فقد أتى الرسول صلى الله عليه وآله على يهود بني قريظة74 عن آخرهم لما لمسه منهم من الإضرار بالمجتمع الإسلامي وبحكومته وبجميع الناس. فجرأة الحاكم وشهرته في اللَّه عند تنفيذ أمره وإقامة حدوده من غير خضوع لعاطفة أو انسياق لهوى، وكذلك عطفه ورأفته وحنانه وشفقته بالناس، هاتان الصفتان تجعلان من الحاكم كهفاً يلجأ الناس إليه.

وأما هذا الذي نراه من خوف وقلق في أيامنا هذه، فإنما هو بسبب عدم شرعية الحكومات الفعلية، لأن الحكومة اليوم تعطي مفهوم التسلط والاثرة والتجبر. أما في مثل حكومة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أو في أية حكومة إسلامية حقيقية، فلا خوف على الناس ولا هم يحزنون، وللإنسان أن يأمن كل الأمن ما لم يخن أو يظلم أو يتجاوز حدود اللَّه.

وقد ورد في الحديث أن قوله تعالى: "أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها" يتعلق بالأئمة عليهم السلام وقوله: "وإذا حكمتم بين الناس..." يتعلق بالأمراء، وقوله: "وأطيعوا اللَّه..." خطاب عام للمسلمين جميعاً يأمرهم فيه أن يتبعوا أولي الأمر أي الأئمة ويأخذوا عنهم التعاليم ويطيعوا أوامرهم75.

وقد عرفتم سابقاً أن المقصود من طاعة اللَّه، اتباع أمره في كل الأحكام الشرعية، العبادية وغيرها، وطاعة الرسول تعني اتباع أوامره كلها بما فيها مما يتصل بتنظيم المجتمع وتنسيقه وتهيئة القوى المعنوية والمادية للدفاع عن كيانه، وإن كان ذلك طاعة للَّه أيضاً. فطاعتك للرسول صلى الله عليه وآله هو امتثالك لأوامره الصادرة إليك، فلو فرض عليك أن تلتحق بجيش أسامة، أو ترابط في الثغور، أو تدفع الضرائب أو تجبيها أو تعاشر الناس بالتي هي أحسن، لم يكن لك في كل ذلك أن تتخلف. وقد أمرنا اللَّه أن نأخذ ما آتانا الرسول وننتهي عما نهانا عنه، كما أمرنا أن نأخذ من أولي الأمر الذين هم الأئمة عليهم السلام، مع العلم أن إطاعة الرسول وإطاعة أولي الأمر هي إطاعة للَّه، لأن إطاعتنا إياهم امتثال لأمر اللَّه إيانا باتباعهم.

وفي ذيل الآية يقول: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾.

والنزاع بين الناس قد يكون على أمور حقوقية يعمل فيها القاضي بموجب البينات والإيمان، وقد لا يكون ذلك النزاع اختلافاً على شي‏ء حقوقي، بل القضية قضية جزائية، قضية ظلم أو عدوان أو قتل أو سرقة وغيرها. في مثل هذه الحال يرفع الأمر إلى الجهات المسؤولة لتبدأ عملها في مثل هذه القضايا الجزائية أو المزدوجة - أي الحقوقية الجزائية - أحياناً، وتصدر أحكامها في ذلك الشأن قاضية فيها بما أمر الشرع أن يقضى به.

فالقرآن يأمرنا برد كل هذه القضايا حقوقية كانت أم جزائية، إلى الرسول باعتباره رئيس الدولة، وهو بدوره مأمور أن يحق الحق ويبطل الباطل، ومن بعده الأئمة عليهم السلام ومن بعدهم الفقهاء العدول.

وبعد ذلك يقول عزّ وجلّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ...﴾76.

والمقصود من الطاغوت كل هيئة وسلطة قضائية أو حكومية تحكم أو تقضي بغير ما أنزل اللَّه، وتعمل في الناس بالجور والاثم والعدوان، وقد أمرنا اللَّه أن نكفر بمثل ذلك، وأن نتمرد على كل حكومة جائرة وإن كان ذلك يكلفنا الصعاب ويحملنا المشاق.

 

 مقبولة عمر بن حنظلة

 

والآن لننظر ماذا تقوله هذه المقبولة وما المقصود منها:

محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة: "قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذه سحتاً وإن كان حقاً ثابتاً له لأنه أخذه بحكم الطاغوت وما أمر اللَّه أن يكفر به، قال اللَّه تعالى: "يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به"، قلت كيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا... فليرضوا به حكماً فأني قد جعلته عليكم حاكماً..."77.

 

تحريم التحاكم إلى حكام الجور

لقد نهى الإمام في مقام جوابه عن سؤال السائل، عن الرجوع إلى حكام الجور في المسائل الحقوقية أو الجزائية نهياً عاماً. وهذا يعني أن من رجع إليهم فقد رجع إلى الطاغوت في حكمه وقد أمر اللَّه أن يكفر به.

 

فالشرع يأمر أن لا نأخذ بما حكم به حكام الجور "فإنما يأخذ سحتاً وإن كان حقاً ثابتاً له"، فيحرم على المسلم أن يترافع إليهم في دين له على أحد، فيستوفي دينه بأمرهم وحكمهم، فلا يجوز له التصرف فيما أعطي. ولقد قال بعض الفقهاء بأنه حتى في الأمور العينية لا يجوز أخذ العين المملوكة78 كالعباءة والتصرف فيها إذا كان استردادها بأمرهم وحكمهم.

وكانت هذه المقبولة حكماً سياسياً يحمل المسلمين على ترك مراجعة السلطات الجائرة وأجهزتها القضائية، حتى تتعطل دوائرهم إذا هجرها الناس، ويفتح السبيل للأئمة عليهم السلام ومن نصبهم الأئمة للحكم بين الناس. والغرض الحقيقي من هذه الرواية هو أن لا يكون حكام الجور مرجعاً للناس في أمورهم، لأن اللَّه قد نهى عن رجوع الناس إليهم، وأمر بتركهم واعتزالهم والكفر بهم وبحكمهم بسبب ظلمهم وجورهم وانحرافهم عن سواء السبيل.

 

علماء الإسلام هم مرجع الأمور

بموجب ما ورد عن الإمام عليه السلام فالمرجع هو من روى حديثهم وعرف حلالهم وحرامهم، ونظر بدقة في أحكامهم بموجب ما لديه من الموازين الاجتهادية. والإمام في جوابه عن السؤال الوارد في الرواية لم يترك غموضاً أو إبهاماً، واشترط في المرجع إلى جانب روايته الحديث أن تكون له معرفة بالحلال والحرام ونظر دقيق وتبصر، فناقل الحديث من غير نظر ومعرفة ليس مرجعاً.

 

العلماء منصوبون للحكم‏

يقول عليه السلام: "فإني قد جعلته عليكم حاكماً" فعلى الناس أن يرضوا به حاكماً يرجعون إليه في قضاياهم ومنازعاتهم، ولا يحق لهم الرجوع إلى غيره. ففي الفصل في الدعاوى يرجع إلى من عيّنه الإمام دون غيره، وهذا الحكم الشرعي يعم المسلمين جميعاً وليس مشكلة تخص عمر بن حنظلة ليكون الجواب الصادر عن الإمام جواباً خاصاً به.

وكما كان أمير المؤمنين عليه السلام يعين الولاة ويأمر الناس بالرجوع إليهم وطاعتهم، فكذلك الإمام الصادق عليه السلام باعتباره ولياً وحاكماً على المسلمين وعلى العلماء والفقهاء، فقد عين في أيام حياته ولما بعد وفاته حكاماً وقضاة.

وذلك ما عبر عنه بقوله عليه السلام: "جعلته عليكم حاكماً". والحكم هنا لا يقتصر على الأمور القضائية، بل يشتمل عليها وعلى غيرها. ويستفاد من هذه الآية والآيات المتقدمة والرواية أن جواب الإمام لا يخص تعيين القضاة فقط، وإنما هو شي‏ء أعم من ذلك. والرواية من الواضحات ولا تشكيك في سندها أو دلالتها. ولا شك أن الإمام قد عين الفقهاء للحكومة والقضاء، وألزم المسلمين كافة أن يأخذوا ذلك بنظر الاعتبار.

ومن أجل جلاء الموضوع وإيضاحه أكثر، ننتقل إلى رواية أبي خديجة: محمد بن حسن بأسناده عن محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد عن حسين بن سعيد، عن أبي الجهم، عن أبي خديجة79، قال: "بعثني أبو عبد اللَّه عليه السلام إلى أحد أصحابنا فقال: قل لهم: إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تداري في شي‏ء من الأخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا فإني قد جعلته عليكم قاضياً، وإياكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر"80.

والمقصود من الفساق: القضاة الذين نصبهم ولاة الأمور في ذلك الوقت. وفي حديث سابق نهى عن الرجوع إلى سلاطين الجور وقضاة الجور، وفي هذا الحديث نصب القاضي الذي ينبغي الرجوع إليه، وفي مقبولة حنظلة نصب الحاكم المنفذ والقاضي أيضاً. ويظهر من ذيل الحديث أن السلطان كان مرجعاً لبعض المخاصمات غير ما كان القضاة مراجعاً لها.

 

هل عُزل العلماء عن منصب الحكم؟

نتساءل الآن عن الحكام والقضاة الذين عينهم الإمام عليه السلام أيام حياته بموجب الأحاديث، وحديث عمر بن حنظلة بشكل خاص، وأوكل إليهم أمور الحكم والقضاء بين الناس، هل عزلوا عن مناصبهم بعد وفاة الإمام عليه السلام أم لا؟

نحن نعلم أن أوامر الأئمة عليهم السلام تختلف عن أوامر غيرهم.

وعلى مذهبنا فإن جميع الأوامر الصادرة عن الأئمة في حياتهم نافذة المفعول، وواجبة الاتباع حتى بعد وفاتهم، فما هو الرأي بالنسبة إلى من عينهم الإمام عليه السلام بصفة خاصة أو عامة كحكام أو قضاة؟

في الدول سواء الملكية منها أو الجمهورية أو أي شكل آخر، إذا توفي الرئيس أو الملك أو حدث انقلاب فإن ذلك كله لا يؤثر على الرتب والمناصب العسكرية والإدارية تلقائياً وإن كان بأمكان النظام الجديد أو الحاكم الجديد أن يغير ويبدل في ذوي المناصب إلا أن هذه الرتب لا تلغى تلقائياً.

ونحن نرى أن بعض الأمور تزول تلقائياً كما لو أن فقيهاً وكّل شخصاً في بلد معين أو منح إجازة حسبية81 لشخص فإن ذلك يزول ويرتفع تلقائياً بموت الفقيه، ولكن الفقيه إذا عين قيماً على صغير، أو ولّى أحداً على وقف، فإن ذلك لا يتأثر بوفاة الفقيه، وإنما يبقى الأمر على حاله باستمرار.

 

فمن أي نوع يكون تعيين الفقهاء للحكم والقضاء بين الناس؟

 

منصب العلماء محفوظ دائماً

نحن نعتقد أن المنصب الذي منحه الأئمة عليه السلام للفقهاء لا يزال محفوظاً لهم، لأن الأئمة الذين لا نتصوّر فيهم السهو أو الغفلة، ونعتقد فيهم الإحاطة بكل ما فيه مصلحة للمسلمين، كانوا على علم بأن هذا المنصب لا يزول عن الفقهاء من بعدهم بمجرد وفاتهم، وإذا كان الإمام يعرف أن أمر هذا التعيين منوط بحياته لكان ينبغي له أن يلفت أنظار الناس إلى ذلك، بأن يبين لهم أن منصب هؤلاء الفقهاء موقوت بحياة الأئمة، وبعدها يكون الفقهاء معزولين.

إذن، فالعلماء بموجب هذه الرواية، قد عينوا من قبل الإمام للحكومة والقضاء بين الناس، ومنصبهم لا يزال محفوظاً لهم. ولا نحتمل أن يكون الإمام الذي تلا الإمام الصادق عليه السلام قد عزل الفقهاء عن هذا المنصب، لأن هذا الاحتمال ضعيف وغير وارد، وأن الإمام‏ عليه السلام نفسه ينهي عن الرجوع إلى سلاطين الجور وقضاته، ويعتبر الرجوع إليهم رجوعاً إلى الطاغوت، ويتمسك بالآية الشريفة التي أمر اللَّه فيها أن يكفر بالطاغوت.

فإذا كان الإمام اللاحق قد عزل هؤلاء الفقهاء ولم يعين آخرين، فإلى من يرجع المسلمون في خلافاتهم ومنازعاتهم؟ هل يرجعون إلى الفساق والظلمة، وحكم الطاغوت، أم يكون فوضى وضياع للحقوق وأكل للمال بالباطل، وتعدّ لحدود اللَّه من غير رادع؟!

نحن على يقين من أن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام لا يمكن أن ينقض ما جاء به الإمام الصادق عليه السلام في هذا الموضوع وفي غيره. ولا يمكن أن يمنع من الرجوع إلى الفقهاء العدول، أو يأمر بالرجوع إلى حكم الطاغوت أو يرضى بضياع الحقوق والأموال والأنفس. فالإمام لا ينقض الأسس العامة التي بينها وأرشد إليها سلفه، إلا أن بإمكانه التبديل والتغيير في أشخاص الحكام والقضاة في أيام حياته لمصلحة عامة تقتضي ذلك، وذلك لا يعتبر نقضاً لما تبناه سلفه.

وإليكم رواية أخرى مؤيدة، وقد كانت الروايات السابقة شديدة الظهور والوضوح، وكلها تآزرت على اثبات ما ذهبنا إليه.

 

صحيحة قداح‏

علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن القداح (عبد اللَّه بن ميمون) عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: "من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك اللَّه به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به، وإنه يستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض حتى الحوت في البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر"82.

الحديث صحيح، وحتى أبو علي بن إبراهيم83 (إبراهيم بن هاشم) فهو من كبار الثقاة في نقل الحديث. وقد وردت هذه الرواية باختلاف يسير في النص، بطريق آخر ضعيف، أي أن السند فيه من هو ضعيف وإن كان باقي السند صحيحاً، وهذا الحديث ينتهي إلى أبي البختري، وهو ضعيف، وبسببه يضعف الحديث.

 

رواية أبي البختري‏

عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد، عن أبي البختري.

عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: "إن العلماء ورثة الأنبياء، وذاك أن الأنبياء لم يورثوا درهماً، ولا ديناراً، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشي‏ء منها فقد أخذ حظاً وافراً، فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه، فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين"84.

مقصودنا من نقل هذا الحديث الذي تمسك به المرحوم النراقي85 هو توضيح معنى جملة "العلماء ورثة الأنبياء" الواردة هنا في هذا الحديث وهنا بحوث:

1ـ ما هو المراد بالعلماء؟

احتمل البعض أن يكون المراد هم الأئمة. والصحيح أن المقصود هو علماء المسلمين، بدليل أن الأئمة لا يتصور أن من مناقبهم أن يقال فيهم مثل ذلك، ولا يكون هذا الحديث معرفاً لهم بأي حال.

وفي رواية أبي البختري ورد بعد جملة "العلماء ورثة الأنبياء" قوله: "فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه" ولا يتصور هذا في الأئمة عليهم السلام، لأن من اطلع على ما ورد في شأنهم ومنزلتهم عند رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقطع بأن المقصود من العلماء في الروايتين ليس الأئمة وإنما العلماء.

وهذه المنقبة للعلماء ليست كثيرة عليهم ولا غرابة فيها، لكثرة ما ورد في شأنهم من الإعظام والتبجيل، من قبيل: "علماء أمتي كسائر الأنبياء قبلي"86 و"علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"87، وعلى كل حال فالمراد من العلماء هم علماء الأمة الإسلامية.

2ـ لعل معترضاً يقول: لا تستفاد ولاية الفقيه من جملة "العلماء ورثة الأنبياء" لأن هذه الوراثة قد تكون باعتبار ما أوتيه الأنبياء من علم بالسنن والأحكام، وهذا الاعتبار لا يتضمن ولاية شؤون الناس، لأن

ولايتهم أو إمامتهم وقيادتهم إنما تثبت باعتبار آخر غير الاعتبار الأول. ولم يكن الحديث صريحاً كصراحة قولنا: "العلماء بمنزلة موسى وعيسى"، حتى تُستفاد من ذلك ولاية الفقهاء.

في رد هذا الاعتراض أقول: أن المقياس في فهم الروايات أخذاً بظواهر ألفاظها، هو العرف والفهم المتعارف، وليس التحليل العلمي والفحوص المختبرية.

ونحن نصدر في فهمنا عن العرف. وإذا قدر لفقيه أن يستعمل التحليل العلمي والدقة الفلسفية، فإنه قد تفوته أشياء كثيرة.

وإذا رجعنا إلى العرف في فهم عبارة: "العلماء ورثة الأنبياء" وسألنا العرف هل أن هذه العبارة تعني أن الفقيه بمنزلة موسى وعيسى‏عليهما السلام؟ لأجاب: نعم! لأن هذه الرواية تجعل العلماء بمنزلة الأنبياء، وبما أن موسى وعيسى من الأنبياء، فالعلماء بمنزلة الأنبياء، وإذا سألنا العرف: هل أن الفقيه وارث رسول اللَّه‏ صلى الله عليه وآله ؟ لأجاب: نعم، لنفس ما سبق.

فنحن لا نأخذ معنى النبوة على أنه مجرد تلقي الوحي أو العلم بالسنن والأحكام، ولئن كان هذا الاحتمال وارداً في صيغة المفرد فهو غير محتمل في كلمة "الأنبياء" بصيغة الجمع، فورود كلمة الأنبياء بصيغة الجمع، إنما يقصد به كل الأنبياء، لا بما هم أنبياء مجردين عن غير تلقي الوحي، بل بما هم أولياء أيضاً. لأن تجريد الأنبياء عن كل صفة وكل شأن غير العلم والوحي، وتنزيل العلماء منزلتهم في الأحكام بالسنن والشرائع فقط فهم خاطى‏ء مخالف لعرف العقلاء.

وحتى لو نزلنا العلماء منزلة الأنبياء بوصفهم أنبياء فإنه ينبغي إعطاء جميع أحكام المشبه به للمشبه. مثلاً: إذا قلت: فلان بمنزلة

العادل، ثم قلت: يجب إكرام العادل، فنحن نفهم أن هذا الذي نزل منزلة العادل يجب إكرامه، فنحن نستطيع أن نستفيد من قوله تعالى: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم"88 أن منصب الولاية ثابت للعلماء أيضاً، ببيان أن المراد من الأولوية في أقل تقدير هي الولاية والأمرة كما ورد ذلك في مجمع البحرين تعقيباً على هذه الآية في حديث عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: "أنها نزلت في الإمرة"89 يعني في الأمارة.

فالنبي ولي للمؤمنين، وأمير عليهم، وكل ذلك ثابت للعلماء، مع أن الآية ذكرت النبي بما هو نبي من غير إضافة اعتبار آخر.

4ـ ولعل هناك من يقول أن ميراث النبي صلى الله عليه وآله منحصر في الأحاديث التي تركها، ومن أخذ منها فقد ورث النبي صلى الله عليه وآله، ولا يثبت بذلك وراثة الفقيه منصب الولاية والأمرة العامة. والحديث لا يزيد على توريث العلم، وحديث أبي البختري يقول: "إنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم".

هذا الاعتراض غير صحيح، لأنه قائم على أساس امتناع وراثة الولاية والأمارة. ونحن كما تعرفون نصدر في فهمنا عن العرف، فإذا سألنا عقلاء الدنيا عن وارث العرش الفلاني فهل يكون جوابهم: أن وراثة العرش غير ممكنة؟ أم يذكرون لنا وريث العرش والتاج؟ والولاية كغيرها يمكن انتقالها إلى الآخرين في نظر عرف العقلاء.

وإذا نظرنا في قوله تعالى: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم" وتأملنا في قوله ‏عليه السلام: "العلماء ورثة الأنبياء" عرفنا أن الولاية من الأمور الاعتبارية التي يمكن انتقالها، وذلك غير مستحيل عرفاً.

وحتى لو فرضنا أن جملة "العلماء ورثة الأنبياء" واردة في الأئمة عليهم السلام على حد ما جاء في بعض الروايات فلا يراودنا الشك في أن المراد بهذه الوراثة هي وراثة الأئمة للأنبياء في جميع الأمور90، لا في الأحكام والعلوم فحسب.

وعلى هذا فإذا أخذنا بجملة "العلماء ورثة الأنبياء" وأعرضنا عن صدر الرواية وذيلها، كنا مع ذلك على يقين من أن جميع شؤون الرسول‏ صلى الله عليه وآله قابلة للانتقال والوراثة، ومن جملتها الأمارة على الناس، وتولي أمورهم من كل ما ثبت للأئمة عليه السلام من بعده وللفقهاء من بعد الأئمة عليهم السلام يستثنى من ذلك ما اختص بن النبي صلى الله عليه وآله نفسه، بدليل خارجي، ونحن نستثني ما استثناه الدليل، ليكون كل ما لم يستثن باقياً على حاله، ويكون العموم حجة فيه.

وعمدة ما يقوي الشبهة السابقة أن جملة "العلماء ورثة الأنبياء" وردت ضمن جمل تصلح أن تكون قرينة على أن المراد من الميراث فيها هو ميراث الأحاديث لا غير، كما ورد في صحيحة قداح: "أن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورثوا العلم" وفي رواية أبي البختري: "لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما أورثوا أحاديث، وأن الأنبياء لم يتركوا ميراثاً سواها، خاصة مع استعمال كلمة (إنما) في الحديث الأخير وهي تستعمل في الحصر. وهذه الشبهة واهية، لأنه إن كان ما ورثه النبي صلى الله عليه وآله هو الأحاديث دون سواها، فإن ذلك يخالف ضرورة المذهب، لأن رسول اللَّه الذي كان يلي من أمور الناس كل شي‏ء، قد عين من بعده والياً على الناس أمير المؤمنين عليه السلام، واستمر انتقال الإمامة والولاية من إمام إلى إمام إلى أن انتهى الأمر إلى الحجة القائم عليه السلام.

يضاف إلى ذلك أن كلمة "إنما" لم يثبت استعمالها للحصر دائماً، وكلمة "إنما" غير موجودة في صحيحة قداح، ولكنها جاءت في رواية أبي البختري، وقد تقدم أنها ضعيفة من ناحية السند.

لننظر في الصحيحة لنرى هل أن فيها قرينة تدل على انحصار الوراثة في الأحاديث أم لا؟

"من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك اللَّه به طريقاً إلى الجنة"91.

في هذه الجملة ثناء على العلماء. وفي تعريف العالم ارجعوا إلى ما ورد في الكافي من بيان صفاته ووظائفه لتعلموا أن هذا الوصف لا يطلق على أي كان بمجرد نيله قسطاً يسيراً من العلم، بل أن هناك شروطاً وقيوداً تجعل الأمر صعباً.

"وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به".

وهذا كناية عن الاحترام والإكبار والإجلال92.

"وإنه ليستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض حتى الحوت في البحر...".

هذه الجملة بحاجة إلى توضيح مفصل خارج عن نطاق بحثنا.

"وفضل العالم على العابد كفضل القمر على ساير النجوم ليلة البدر..." ومعناها واضح.

"وإن العلماء ورثة الأنبياء...".

وهذا من فضائل العلماء ومناقبهم بالإضافة إلى ما تقدم من شأنهم في هذا الحديث. ووراثة العلماء للأنبياء إنما تكون فضيلة إذا حلوا محل الأنبياء في ولاية الناس وإدارة جميع شؤونهم.

وأما ذيل الحديث الذي ورد فيه: "إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً..."93، فليس يعني أنهم لم يورثوا سوى العلم والشريعة والأحكام، وإنما تعني هذه الجملة أن الأنبياء بالرغم مما تولّوه من شؤون الناس، وما في أيديهم من السلطة والآمرة، لم يكن عندهم من الجشع ما يحملهم على الانشغال بطيبات الحياة وجمع الحطام، والاهتمام بزخارف الحياة. وهذا الأسلوب الحياتي البسيط الذي عاشه الأنبياء على ما لديهم من الأمر، يختلف تماماً عن الترف والبطر والبذخ الذي يمارسه السلاطين وأعضاء الحكومات الحالية التي يكون تولي الأمور فيها سبيلاً إلى الإثراء الفاحش غير المشروع.

وقد كانت حياة النبي صلى الله عليه وآله في منتهى البساطة. لم يملك نفسه فيها شيئاً من المال، وقد ترك علماً هو أشرف من المال، علماً مصدره الوحي الإلهي المباشر، وإنما ذكر العلم أو الحديث في هذه الروايات، في مقابل المال وحطام الحياة.

 

مؤيدات أخرى‏

وإذا فرضنا أن ما تقدم من الروايات يدل على ميراث العلم بالسنن والأحكام فقط، ولم يورث النبي صلى الله عليه وآله غير ذلك وحتى لو قال النبي صلى الله عليه وآله علي وارثي، فلنفرض أنها لا تدل على خلافته وامرته وحكومته، فنحن في هذا الغرض مضطرون للرجوع إلى النصوص الأخرى التي تدل على خلافة علي بن أبي طالب عليه السلام وعلى ولاية الفقهاء.

مؤيد من الفقه الرضوي‏

في عوائد94 النراقي ص‏186 الحديث 7 عن الفقيه الرضوي وردت هذه الرواية: "منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الأنبياء في بني إسرائيل".

وبالطبع فنحن لا نعتبر كل ما ورد في الفقه الرضوي صحيحاً، ولكن نأخذ الحديث كمؤيد لموضوع بحثنا.

المراد من أنبياء بني إسرائيل هم الفقهاء المعاصرون لموسى عليه السلام ولعلهم كانوا يسمون أنبياء لجهة من الجهات، وكانوا يتبعون موسى ويأخذون بسيرته في سلوكهم وأعمالهم، وكان حينما يبعثهم في وجه، يوليهم شؤون الناس في وجههم ذاك، ونحن لا نملك معرفة دقيقة مفصلة عن أحوالهم، ولكننا نعرف أن موسى عليه السلام نفسه كان نبياً من أنبياء بني إسرائيل، وكلما كان رسول الإسلام صلى الله عليه وآله قد كلف به، فقد كلف به موسى عليه السلام من قبل على تفاوت في الرتبة والشرف فنحن نفهم من عموم كلمة المنزلة الواردة في الرواية إن ما كان يتولاه موسى من أمر الحكومة وولاية الناس فهو ثابت للعلماء أيضاً.

 

مؤيد آخر

في جامع الأخبار عن النبي صلى الله عليه وآله: "أفتخر يوم القيامة بعلماء أمتي، وعلماء أمتي كساير الأنبياء قبلي"95.

في مستدرك الوسائل نقلت رواية عن (الغرر) بهذا المضمون: "العلماء حكام على الناس"96، ونقلت أيضاً بلفظ: "حكماء على الناس"97، ولا أظن ذلك صحيحاً، لأن ما جاء منقولاً عن (الغرر) كان بلفظ "حكام على الناس". وهناك مؤيدات أخرى من هذا النوع.

في تحف العقول98 تحت عنوان: "مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء"99 رواية مطولة.

 

القسم الأول منها ينقل الإمام الحسين عليه السلام عن أبيه أمير المؤمنين ما قاله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والقسم الثاني خطاب وجهه سيد الشهداء الحسين عليه السلام إلى الناس في (منى) في شأن ولاية الفقيه وواجباته في محاربة الظلمة ودولهم، والقضاء عليها، وإحلال الحكومة الإسلامية الشرعية محلها، وذكر فيه أسباب إعلانه الجهاد ضد الدولة الأموية الجائرة. ويستفاد من هذه الرواية أمران: أحدهما: ولاية الفقيه.

والآخر: ضرورة قيام الفقهاء بفضح حكام الجور، وزلزلة عروشهم، وإيقاظ الناس وتوعيتهم ثم الوصول إلى تحطيم الكيان الجائر، وإقامة كيان حكومي إسلامي شرعي محله،والسبيل إلى ذلك هو الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا هو النص:

اعتبروا أيها الناس بما وعظ اللَّه به أولياءه من سوء ثنائه على الأحبار إذ يقول: "لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الآثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون"100، وقال: "لُعِن الذين كفروا من بني إسرائيل إلى قوله لبئس ما كانوا يفعلون"101.

وإنما عاب اللَّه ذلك عليهم لأنهم كانوا يرون من الظلمة الذين بين أظهرهم المنكر والفساد فلا ينهونهم عن ذلك رغبة فيما كانوا ينالون منهم ورهبة مما يحذرون واللَّه يقول: "فلا تخشوا الناس واخشون"102، وقال: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر"103.

فبدأ اللَّه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة منه لعلمه بأنها إذا أديت وأقيمت استقامت الفرائض كلها هينها وصعبها، وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام مع رد المظالم، ومخالفة الظالم، وقسمة الفيى‏ء والغنائم، وأخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقها.

ثم أنتم أيتها العصابة، عصابة بالعلم مشهورة، وبالخير مذكورة، وبالنصيحة معروفة، وباللَّه في أنفس الناس مهابة يهابكم الشريف، ويكرمكم الضعيف، ويؤثركم من لا فضل لكم عليه، ولا يد لكم عنده، تشفعون في الحوائج إذا امتنعت من طلابها، وتمشون في الطريق بهيبة الملوك وكرامة الأكابر.

أليس كل ذلك إنما نلتموه بما يرجى عندكم من القيام بحق اللَّه وإن كنتم عن أكثر حقه تقصرون؟ فاستخففتم بحق الأمة، فأما حق الضعفاء فضيعتم، وأما حقكم بزعمكم فطلبتم، فلا مالاً بذلتم، ولا نفساً خاطرتم بها للذي خلقها، ولا عشيرة عايدتم في ذات اللَّه. أنتم تتمنون على اللَّه جنته ومجاورة رسله وأماناً من عذابه.

لقد خشيت عليكم أيها المتمنون على اللَّه أن تحل بكم نقمة من نقماته لأنكم بلغتم من كرامة اللَّه منزلة فضلتم بها، ومن يعرف باللَّه لا تكرمون، وأنتم باللَّه في عباده تكرمون.

وقد ترون عهود اللَّه منقوضة فلا تفزعون، وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون، وذمة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله محقورة، والعمي والبكم والزمني في المدائن مهملة لا ترحمون، ولا في منزلتكم تعملون، ولا من فيها تعينون، وبالإدهان والمصانعة عند الظلمة تأمنون.

كل ذلك مما أمركم اللَّه به من النهي والتناهي وأنتم عنه غافلون. وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تسمعون. ذلك بأن مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء باللَّه الأمناء على حلاله وحرامه.

فأنتم المسلوبون تلك المنزلة، ما سلبتم ذلك إلا بتفرقكم عن الحق واختلافكم في السنة بعد البينة الواضحة. ولو صبرتم على الأذى، وتحملتم المؤونة في ذات اللَّه كانت أمور اللَّه عليكم ترد وعنكم تصدر وإليكم ترجع ولكنكم مكنتم الظلمة من منزلتكم وأسلمتم أمور اللَّه في أيديهم يعملون بالشبهات ويسيرون في الشهوات. سلطهم على ذلك فراركم من الموت وإعجابكم بالحياة التي هي مفارقتكم، فأسلمتم الضعفاء في أيديهم، فمن بين مستعبد مقهور وبين مستضعف على معيشته مغلوب، يتقلبون في الملك بآرائهم، ويستشعرون الخزي بأهوائهم اقتداء بالأشرار وجرأة على الجبار، في كل بلد منهم على منبره خطيب يصقع، فالأرض شاغرة وأيديهم فيها مبسوطة، والناس لهم خول لا يدفعون يد لامس، فمن بين جبار عنيد وذي سطوة على الضعفة شديد مطاع لا يعرف المبدى‏ء والمعيد، فيا عجباً ومالي لا أعجب والأرض من غاش غشوم ومتصدق ظلوم، وعامل على المؤمنين بهم غير رحيم. فاللَّه الحاكم فيما فيه تنازعنا، والقاضي بحكمه فيما شجر بيننا.

"اللهم إنك تعلم أنه لم يكن ما كان منا تنافساً في سلطان ولا التماساً من فضول الحطام، ولكن لنري المعالم من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك ويأمن المظلومون من عبادك، ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك، فإن لم تنصرونا وتنصفونا قوي الظلمة عليكم وعملوا في إطفاء نور نبيكم، وحسبنا اللَّه وعليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير"104.

فهو عليه السلام يقول: "اعتبروا أيها الناس بما وعظ اللَّه به أولياءه من سوء ثنائه على الأحبار"105.

وهذا الخطاب لا يخص من واجههم الإمام وشافههم من حاضري مجلسه، أو الموجودين في (منى) أو الناس كلهم في ذلك العصر، وإنما هو عام يشمل جميع الناس في كل زمان ومكان وهو من ناحية عمومه وشموله نظير خطابه تعالى المتكرر في القرآن بقوله: "يا أيها الناس". والمقصود بالأولياء في هذه الفقرة هم أهل اللَّه المتجهون إليه الذين يتحملون مسؤولياتهم المعروفة، وليس المقصود من ذلك الأئمة عليهم السلام.

"إذ يقول: لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الآثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون"106.

 

وبديهي أن هذا اللوم والتوبيخ لا يخص علماء اليهود والنصارى فقط، بل يشمل علماء الإسلام أيضاًإذا سكتوا على ما يرون من أعمال الجور والظلم. وبديهي أن هذا اللوم لا يخص جيلاً سابقاً من العلماء، فقط، وإنما الأجيال الماضية والحاضرة والتي ستوجد، هم في ذلك سواء.

فالإمام أمير المؤمنين عليه السلام يستشهد بالقرآن ليذكر علماء الإسلام ويحملهم على الاعتبار واليقظة وأداء ما يجب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنكار الظلم ومنع اقراره والسكوت عليه. ويشير الإمام في استشهاده بالآية الكريمة إلى نقطتين:

إن تقاعس العلماء وسكوتهم أشد ضرراً من تقاعس من سواهم، فالمخالفة أو المعصية الصادرة من شخص عادي، لا يتجاوز ضررها في الغالب نفسه، بينما يكون فيما يصدر عن العالم من مخالفة ومعصية أو سكوت على الظلم ضرر عظيم على الإسلام كله، وإذا عمل بواجبه على الوجه الأكمل وتكلم حيث ينبغي التكلم، فإن نفع ذلك يعود على الإسلام كله أيضاً.

2ـ إعطاء أهمية بالغة لقول الاثم وأكل السحت، باعتبارهما من المنكرات البشعة، ولعلهما أشد خطراً من سائر المنكرات ويجب محاربتهما بشدة، فبعض ما يصدر عن أجهزة حكام الجور من كلام أو تصريح قد يكون أشد ضرراً وخطراً على الإسلام وسمعته من سياستهم المنحرفة وأعمالهم الشريرة وغير المشروعة.

فاللَّه في هذه الآية يلوم كل من يسكت على قول الاثم ولا ينكره أو يحاول تغييره، وهو يدعو إلى تكذيب كل من يدعي خلافة اللَّه بغير حق أو يدعي أنه يمثل الدين في تصرفاته وأفعاله المخالفة لأحكام الدين أو يدعي العدالة لنفسه في حين تبرأ العدالة منه.

وقد ورد في الحديث: "إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل فعليه لعنة اللَّه"107.

فمخالفة العالم لأهل البدع، وبيانه لأحكام اللَّه وتعاليمه المناهضة للمبدعين والظلمة والعصاة، يحمل عامة الناس على اكتشاف الفساد الاجتماعي، الناتج عن مظالم الحكام الخائنين الفاسقين الكافرين ويحملهم بعد ذلك على مقاومتهم ومقاطعتهم أو التمرد عليهم وعلى أوامرهم الصادرة عن مواقف الخيانة والظلم والفساد.

فالعالم في مواقفه المتصلبة الشديدة يقود عملية النهي عن المنكر التي تستتبع أن يقتدي الناس به بمجموعهم وجماهيرهم ضد السلطة المنحرفة، حتى إذا لم ترجع السلطة عن غيها، ولم تلتزم بما أمر اللَّه، وعمدت إلى استخدام السلاح في وجوه الناس، اعتبرها الناس حينذاك فئة باغية يجب على الناس قتالها حتى تفيى‏ء إلى أمر اللَّه.

وأنتم اليوم لا تملكون القدرة على مقاومة بدع الحكام، أو دفع هذه المفاسد دفعاً تاماً، ولكن لماذا السكوت؟ هؤلاء يذلونكم فاصرخوا في وجوههم على الأقل، واعترضوا، وأنكروا، وكذبوهم. لا بد في مقابل ما يملكون من وسائل النشر والإعلام أن يكون في جانبكم شي‏ء من تلك الوسائل حتى تكذبوا ما ينشرون وما يبثون من أجل أن تظهروا للناس أن ما يدعونه من العدالة ليس من العدالة الإسلامية في شي‏ء. فالعدالة الإسلامية التي منحها اللَّه للفرد والمجتمع والعائلة قد دونت وشرعت بكل دقة من أول يوم. يجب أن يكون لكم صوت مسموع حتى لا تتخذ الأجيال القادمة من سكوتكم ما يبرر أعمال الظلمة من قول الاثم وأكل السحت، وأكل أموال الناس بالباطل.

وما أشد ضيق التفكير لدى بعض الناس حين يتصور أن المراد من أكل السحت لا يكاد يتجاوز النقص في الميزان والبخس في المكيال والعياذ باللَّه ولا يدور في خلده ما يجري من أكل السحت بالأشكال الفظيعة الأخرى، من اختلاس أموال الشعب كلها، وابتلاع بيت المال كله. هؤلاء يسرقون نفطنا، ويبيعونها في أسواق الاحتكارات الأجنبية تحت اسم الاستثمارات، وعن هذا الطريق يصلون إلى الإثراء غير المشروع. وتتعاون على نفطنا عدة دول أجنبية تستخرجه وتسوقه108، وتعطي قباله أجراً زهيداً تسلمه إلى عملائها من الحكام، ليعاد إليها مرة أخرى بكل وسيلة ممكنة، وإذا وصل إلى خزينة الدولة شي‏ء فلا يعلم إلا اللَّه كيف يصرف وكيف ينفق ومتى وأين؟

هذا أكل للسحت على نطاق عالمي، وهو منكر فظيع خطر ليس هناك ما هو أشد منه فظاعة وخطراً ونكراً.

تأملوا في أوضاع مجتمعنا، وفي أعمال الدولة وأجهزتها لتتبين لكم أشكال فظيعة من أكل السحت. فإذا حدثت زلزلة في مكان ما من البلاد غنم بذلك الحكام قبل المنكوبين أموالاً طائلة. في المعاهدات والاتفاقيات المعقودة بين الحكام الخائنين مع الدول أو الشركات الأجنبية، تنصب في جيوب الحكام ملايين كثيرة، وتنصب ملايين أخرى في جيوب الأجانب، من دون أن يحصل أبناء الشعب على شي‏ء من ثروات بلادهم.

هذه أشكال من أكل السحت تجري بمسمع منا ومرأى، وما لا نعلمه كثير. ونظير ذلك يقع في الاتفاقيات التجارية وامتيازات التنقيب عن النفط واستخراجه، وامتيازات استثمار الغابات، وسائر الموارد الطبيعية، والاتفاقيات العمرانية أو ما يتصل بالمواصلات وشراء الأسلحة من الاستعماريين الغربيين أو الشيوعيين.

يجب علينا أن نقاوم أكل السحت وانتهاب الثروات الوطنية، وهذا واجب على جميع الناس، ولكن مهمة العلماء في هذا أشد وطأة وأكثر أهمية، ونحن يجب علينا في هذا الجهاد المقدس والواجب الخطير أن نسبق سائر الناس بحكم مهمتنا وموقفنا، ولئن كنا اليوم نفقد القدرة على المقاومة وصد الخائنين وآكلي السحت ومنتهبي أموال الشعب، وإنزال العقوبة بهم، فإنه يجب علينا أن نسعى لتحصيلها بجميع الوسائل المشروعة، وعلينا أن لا نفرط على الأقل ونحن في مسيرتنا هذه نحو القوة بأظهار الحقائق، وفضح عمليات السلب والنهب التي تتعرض لها البلاد، وإذا وصلنا إلى القوة فإننا لا نكتفي بتحسين الاقتصاد. والحكم بين الناس بالقسط، بل نذيق هؤلاء الخونة المجرمين سوء العذاب بما كانوا يعملون.

لقد أحرقوا المسجد الأقصى، ونحن نصرخ: دعوا أثار الجريمة109، في حين يفتح نظام الشاه اكتتاباً في البنوك لإعادة بناء وترميم المسجد الأقصى، وعن هذا الطريق يملأ جيوبه وخزائنه ويزيد في أرصدته، وبعد ترميم المسجد يكون قد غطى وستر كل آثار الجريمة الصهيونية.

هذه مصائب أحاطت بالأمة، ووصلت بها إلى هذا المصير، ألا ينبغي أن يقول العلماء في ذلك رأيهم، ويصرخوا وينكروا ويقاوموا؟ "لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الاثم وأكلهم السحت"110.

ثم يقول الإمام: "وإنما عاب اللَّه ذلك عليهم لأنهم كانوا يرون من الظلمة الذين بين أظهرهم المنكر والفساد فلا ينهونهم عن ذلك رغبة فيما كانوا ينالون منهم، ورهبة مما يحذرون"111.

فاللَّه يعيب على المفرطين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفاً وطمعاً ويقول: "فلا تخشوا الناس واخشونِ"112.

لماذا الخوف؟ فليكن حبساً، أو نفياً، أو قتلاً، فإن أولياء يشرون أنفسهم ابتغاء مرضاة اللَّه "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون اللَّه ورسوله"113.

ثم يقول عليه السلام: "فبدأ اللَّه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة منه لعلمه بأنها إذا أديت وأقيمت استقامت الفرائض كلها هينها وصعبها، وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام، مع رد المظالم ومخالفة الظالم وقسمة الفيى‏ء والغنائم، وأخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقها"114.

ولهذه العظائم شرع الإسلام وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا لصغار الأمور فقط مما نرى ونسمع يومياً، وإن وجب إنكارها والردع عنها.

ماذا يضر لو هبّ العلماء وصاروا يداً واحدة في وجه الظلم؟ ما ضرهم لو اعترضوا جميعاً وأرسلوا البرقيات من جميع أنحاء العالم الإسلامي يستنكرون فيها الأعمال الجائرة التي تقوم بها السلطات؟ إذن لتراجعوا تحت تأثير ذلك الضغط الهائل، فهم جبناء كما أعرفهم، ولكنهم حين عرفوا فينا الضعف جالوا وصالوا.

أيام كان العلماء يداً واحدة ومن ورائهم الشعب في كل أنحاء البلاد تراجعت السلطة عن مواقفها115، ثم عادت لتغرس فينا بذور الشقاق والخلاف. ونتج عن ذلك أن تجرأت السلطة فكانت بعدها تعمل ما تشاء وتختار ما كان لأحد من الناس الخيرة في أمره.

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام مع رد المظالم ومخالفة الظالم، فينبغي توجيه أكبر قدر من الأمر والنهي إلى العابثين بأرواح الناس وأموالهم وممتلكاتهم.

وقد تطفو على سطح بعض الصحف بعض أعمال السلب والاختلاس فيما يتعلق بالتبرعات الخاصة بإغاثة منكوبي الفيضانات والسيول أو الزلازل.

أحد علماء "ملاير" كان يقول: في حادثة ذهب ضحيتها الكثيرون أرسلنا سيارة شحن مليئة بالأكفان، إلا أن المسؤولين كانوا يمانعوننا في إيصالها، ويريدون أن يأكلوها! لأجل هذا وأمثاله من الآثام قد ورد التأكيد على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الآن أسألكم: ألا نعتبر بخطاب الإمام حين يقول: أيها الناس؟ ألسنا من الناس؟ أليس الخطاب شاملاً لنا؟ هل كانت خطابات الإمام مقصورة على أصحابه ومعاصريه؟

وقد قلت سابقاً أن تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن لا تخص جيلاً خاصاً وإنما هي تعاليم للجميع في كل عصر ومصر وإلى يوم القيامة يجب تنفيذها واتباعها. فكما يلام الأحبار والربانيون على سكوتهم الذي لا مبرر له كذلك يلام العلماء إذا سكتوا على الضيم ولم ينكروه أو يحاولوا تغييره بكل ما أوتوا من قوة.

ثم يوّجه خطابه إلى فئة من علماء الإسلام: "عصابة بالعلم مشهورة وبالخير مذكورة وبالنصيحة معروفة وباللّه في أنفس الناس مهابة، يهابكم الشريف ويكرمكم الضعيف ويؤثركم من لا فضل لكم عليه ولا يد لكم عنده، تشفعون في الحوائج إذا أمتنعت من طلابها وتمشون في الطريق بهيبة الملوك وكرامة الأكابر، أليس كل ذلك إنما نلتموه بما يرجى عندكم من القيام بحق اللّه.

وإن كنتم عن أكثر حقه تقصرون، فاستخففتم بحق الأمة، فأما حق الضعفاء فضيعتم، وأما حقكم بزعمكم فطلبتم فلا مالاً بذلتموه ولا نفساً خاطرتم بها للذي خلقها ولا شعيرة عاديتموها في ذات اللّه. أنتم تتمنون على اللّه جنته ومجاورة رسله وأماناً من عذابه. لقد خشيت عليكم أيها المتمنون على اللّه أن تحل بكم نقمة من نقماته لأنكم بلغتم من كرامة اللّه منزلة فضلتم بها ومن يعرف باللّه لا تكرمون، وأنتم باللّه في عباده تكرمون. وقد ترون عهود اللّه منقوصة فلا تفزعون وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون، وذمة رسول اللّه مخفورة.

ويستمر الإمام في التحدث إلى الناس وتوجيه بعض اللوم إليهم فيقول: "والعمي والبكم والزمن في المدائن مهملة لا ترحمون"116.

أتظنون أن ما تضج به أجهزة الإعلام صحيح كله؟ اذهبوا إلى القرى والأرياف فلا تكادون تجدون في كل مائة قرية أو مائتين مصحاً أو مستشفى واحداً! لم يفكروا في الجياع العراة، ولم يدعوهم يفكروا، ولم يدعوا الإسلام يحل معضلتهم. فالإسلام كما تعرفون حل مشكلة الفقر وقرر في أول الأمر: "إنما الصدقات للفقراء..."117.

وقد رتب الإسلام ذلك ونظمه، ولكنهم لا يتركون للإسلام إلى المسلمين سبيلاً.

الأمة تعيش حالة الشظف، والسلطات تمعن إسرافاً في الأموال، وتمعن في زيادة الضرائب، تشتري طائرات الفانتوم ليتدرب عليها الإسرائيليون، وبما أن إسرائيل في حالة حرب مع المسلمين فكل من يساعدها ويساندها يكون هو بدوره في حالة حرب مع المسلمين، وقد بلغ النفوذ الإسرائيلي في بلدنا حداً لا يطاق، حتى أن العسكريين الإسرائيليين يتخذون من أراضينا قواعد لهم، وأسواقاً لبضائعهم مما سيؤدي إلى اندحار أسواق المسلمين تدريجياً.

وهكذا ترون أن الحديث كله يدور حول العلماء باللَّه عامة، ولا يخص مفهوم "العلماء باللَّه" الأئمة عليهم السلام، لأن علماء الإسلام علماء باللَّه وربانيون وحافظون لحدود اللَّه وأمناء على حلاله وحرامه.

وحين يقول عليه السلام: "إن مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء باللَّه الأمناء على حلاله وحرامه"118 فهو لا يقصد علماء ذلك الجيل خاصة، بل إنما يقصد علماء أمة بأكملها.

وإذا كان العلماء أمناء على الحلال والحرام، وجمعوا إلى علمهم العدالة وحسن السيرة كان بإمكانهم تولي الأمور وإقامة الحدود، وإقرار نظام الدين، فلا بؤس ولا مسكنة ولا مسغبة ولا تعطيل للأحكام.

هذه الرواية من مؤيدات بحثنا، ولولا ضعف سندها لاعتبرناها من أقوى أدلة موضوعنا إن لم نقل أن مضامينها تدل على صحة صدورها عن المعصوم عليه السلام.

إلى هنا ننتهي من بحث موضوع ولاية الفقيه. ولا حاجة إلى الدخول في فروع البحث من رسم كيفية جباية الضرائب، وعلى أي نحو تقام الحدود، فتلك بحوث فرعية لا يتسع لها صدر هذا البحث. وقد بحثنا أصل الموضوع وهو ولاية الفقيه أو الحكومة الإسلامية، وتبين لنا أن ما ثبت للرسول صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام فهو ثابت للفقيه. ولا شك يعتري هذا الموضوع، وليس الموضوع جديداً ابتدعناه، وإنما المسألة بحثت من أول الأمر.

عندما حكم المرحوم الميرزا الشيرازي119 بحرمة التنباك كان صادراً في حكمه عن موقف ولاية الفقيه العامة على الناس والفقهاء الآخرين، وكان فقهاء إيران باستثناء قلة منهم قد التزموا بهذا الحكم. ولم يكن حكمه ذاك قضاء في نزاع أو خلاف بين اثنين، وإنما كان حكماً حكومياً روعيت فيه مصالح المسلمين بحسب الوقت والظروف والملابسات وبارتفاع تلك الظروف ارتفع الحكم.

 المرحوم ميرزا محمد تقي الشيرازي120 حين أفتى بالجهاد الدفاع واتبعه العلماء في ذلك، كان حكمه صادراً عن موقف حكومته وولايته الشرعية العامة.

وقد ذكرت لكم أن المرحوم النراقي من المتأخرين يرى أن جميع شؤون رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ثابتة للفقهاء، مع استثناء ما استثني من شؤونه الخاصة. وكان المرحوم الشيخ النائيني يقول: إن هذا الموضوع يستفاد كله من مقبولة (عمر بن حنظلة).

وعلى كل حال فالموضوع ليس جديداً، وقد اكتفينا بتقريب موضوع الحكومة الشرعية إلى السادة الأجلاء، واتباعاً لأمر اللَّه في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وآله فقد بينا ما تمس الحاجة إليه من المواضيع التي نحتاجها في حياتنا، ولكن الموضوع هو الموضوع الذي فهمه واقتنع به الكثيرون.

وقد طرحنا الموضوع على بساط البحث، فعلى أجيال الغد أن تتعمق بعزم وثبات وروح مثابرة لا سبيل لليأس والقنوط إليها. وسيوفقون بإذن اللَّه إلى التوصل إلى تشكيل الحكومة، وتنظيم سائر الشؤون بتبادل وجهات النظر المخلصة الموضوعية النزيهة، وتتسلم بإذن اللَّه أعمال الحكومة الإسلامية أيد أمينة عارفة خبيرة وحكيمة رسالية ذات عقيدة راسخة، وتقطع أيدي الخونة التي تمتد إلى الحكم أو الوطن أو بيت مال المسلمين، وإن اللَّه على نصرهم لقدير.

 ــــــــــــــــــ

هوامش

 

 قد وردت في هذه الصفحة مجموعة من مصطلحات مختلفة من الإمام حول أنحاء الحكومات الدارجة في العالم منها حسب تعبيره قدس سره:أ-الحكومة المطلقة، ب- الحكومة الدستورية الملكية، ج الحكومة الدستورية الجمهورية. النحو الأول: الحكومة المطلقة الاستبدادية: وهي أن يتسلط الفرد بالقهر والغلبة وبقوة العسكر والسلاح، فيحكم بالعباد بما يهوى ويريد. وهذا النوع أشار له القرآن بقوله: "إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة، وكذلك يفعلون". النحو الثاني: الحكومة الدستورية الملكية: هذا النحو فرقه عن الأول أنه يرجع إلى الدستور، ولا يقصد منها الملكية المشروطة المستحدثة، "كالحكم في انكلترا" بل يقصد به نحو من الحكم يرجع فيه التمثيل إلى الملك، لأنه فرق بينها وبين النحو الثالث: بأن الثالث ممثلي الشعب، وهذا النحو ممثلي الملك وهي قريبة من "أرستوقراطية". النحو الثالث: الحكومة الدستورية الجمهورية وهي المعبر عنها بالحكومة الانتخابية الديموقراطية العام التي يمتلك فيها الشعب السيادة و... بسبيل من يختاره من نواب وممثلين، وبالتعبير الدقيق يعبر عنها بحكومة الشعب على الشعب.

 المجلس التشريعي هو واحد من ثلاث سلطات توجد في جميع الدول في العصور الحديثة وهذه السلطات هي: السلطة التشريعية، والسلطة القضائية، والسلطة التنفيذية (الوزارة).

 إشارة إلى واقعة غدير خم المترتبة على نزول هذه الآية (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك فإن لم تفعل فما بلغت رسالته...). سورة المائدة، الآية: 67، كتاب الغدير، ج‏1، ص‏229 214.

 سورة النساء، الآية/59.

5ـ شاهنشاهية: أي الملكية والشاه بالتعبير الفارسي يعني الملك.

6ـ قنبر: مولى أمير المؤمنين عليه السلام، راجع: خلاصة الأقوال العلامة الحلي، ص‏231. وعن الكشي: قتله الحجاج على حبه علي عليه السلام.

 حسب ما ينقل العلامة المجلسي في كتابه بحار الأنوار، ج‏40، ص‏324.

 قد ورد عن الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة، الخطبة 172، أنه قال: "أيها الناس إن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر اللّه فيه".

 كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد للعلامة الحلي، المقصد الخامس، المسألة السادسة.

10ـ قال الإمام الصادق عليه السلام: "الملوك حكّام على الناس، والعلماء حكام على الملوك". بحار الأنوار، ج‏1، ص‏183، كتاب العلم، باب 21، حديث 92.

11ـ  سورة البقرة، الآية/124.

12ـ الأمور الاعتبارية مقابل الأمور التكوينية. وتطلق على الأمور التي توجد بالجعل والوضع، وتنسب إلى واضعها وجاعلها. فإذا كان واضعها الشارع سميت " الاعتبار الشرعي". وإذا كان واضعها الناس (العقلاء) لأجل إدارة أمور حياتهم سميت "بالاعتبار العقلائي".

13ـ  الحضانة هي إدارة وحفظ الطفل أو المجنون. وحضانة الطفل في الدرجة الأولى تكون في عهدة أبويه، فإن لم يكونا على قيد الحياة، أو كانا غير مؤهلين، يتولى الإمام والحاكم الإسلامي تعيين شخصاً للقيام بذلك.

14ـ  الواجب "العيني" هو الذي يكون إتيانه واجباً على كل فرد من المكلفين، وإن إتيان بعضهم به لا يسقطه عن الآخرين كالصلاة والصوم. أما الواجب "الكفائي" فهو الذي إذا أتى به البعض سقط عن الآخرين، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

15ـ  بصائر الدرجات، ج‏1، ص‏20، باب 10، وبحار الأنوار، ج‏25، ص‏130.

16ـ  بحار الأنوار، ج‏18، ص‏382 "باب إثبات المعراج ومعناه وكيفيته".

17ـ  الأربعون، العلامة المجلسي، ص‏177، شرح حديث 15، والكلمات المكنونة، ص‏101، بتغيير يسير في العبارة، وبصائر الدرجات، ص‏23، باب 11.

18ـ  علل الشرائع، ج‏1، ص‏123، الحديث 1، ومعاني الأخبار، ص‏64 و107، وبحار الأنوار ج‏43، ص‏12.

19- عبد اللَّه بن عباس بن عبد المطلب (السنة الثالثة قبل الهجرة 68ه)، هو ابن عم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام، وقد أخذ التفسير عن علي عليه السلام واشتهر ب"رئيس المفسرين" و"حبر الأمة". وكان من أعوان وقادة جيش الإمام علي عليه السلام في حروب الجمل وصفين والنهروان.

20ـ  نهج البلاغة، (م.س)، خطبة 33، ص‏80.

21ـ نهج البلاغة، الخطبة الشقشقية.

22ـ  نهج البلاغة، م. س، ج‏2، خطبة 131، ص‏13.

23ـ  نهج البلاغة، ج‏2، ص‏14.

24ـ  مالك بن الحارث النخعي المعروف بالأشتر (ت 37ه)، من قادة الجيش الإسلامي، وكان معروفاً بالشجاعة، وقاتل في حربيّ الجمل وصفين إلى جانب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام. وولاه الإمام عليه السلام مصر غير أنه استشهد بدس السم إليه وهو في طريقه إليها بدسيسة من معاوية، وتعتبر رسالة الإمام لمالك المعروفة بعهد مالك الأشتر، والمذكورة في نهج البلاغة (الرسالة رقم 53) أحد أشهر النصوص في الإدارة والحكم.

25ـ  ذكر صاحب وسائل الشيعة هذا الحديث في كتاب القضاء في الباب 8 من أبواب صفات القاضي الحديث 50، وكذلك في الباب 11 الحديث 7 مرسلاً. وورد هذا الحديث في معاني الأخبار والمجالس بسندين يشترك بعض رجالهما في الاسم. وفي عيون أخبار الرضا بثلاثة طرق مختلفة في كل رجالها والذين كانوا يعيشون في أماكن متباعدة (مرو) نيشابور (بلخ) "المؤلف".

26ـ محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المكنى (بأبي جعفر) والعروف ب"الصدوق" وابن بابويه ت 381ه من كبار علماء الإمامية ومشايخ الحديث وفقهاء الشيعة.

27ـ  جامع الأخبار، من مؤلفات الشيخ الصدوق، جمع فيه الأحاديث الواردة في تفسير أحاديث وأخبار المعصومين عليهم السلام.

28ـ  عيون أخبار الرضا عليه السلام: عبارة عن مجموعة من الأخبار المأثورة عن الرضا عليه السلام.

29ـ  كتاب الأمالي المعروف بالمجالس أو "عرض المجالس" للشيخ الصدوق (رض)، وهو مرتب في 97 مجلس.

30ـ  يطلق لفظ المرسل على الحديث الذي لم يذكر بعض رواته أو جميهم.

31ـ  المسن هو الحديث الذي ذكر جميع رواته انتهاءً بالمعصوم عليه السلام.

32ـ وردت في المجالس، ص‏152، مسندة ب"يعلمونها" وفي عيون أخبار الرضا مسندة ب"يعلمونها الناس"، ينظر أيضاً من لا يحضره الفقيه، ج‏4، ص‏302، باب النوادر، الحديث 95.

33ـ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في إحدى خطبه في مسجد الخيف: "فرُبّ‏َ حامل فقه ليس بفقيه. ورُبّ‏َ حامل فقه إلى من هو أفقه منه". أصول الكافي، ج‏2، ص‏258، كتاب الحجة، باب ما أمر به النبي صلى الله عليه وآله بالنصيحة لأئمة المسلمين، الحديث 1.

34ـ محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي (ت 328 أو 329ه) المعروف بثقة الإسلام، من كبار محدّثي الشيعة، وشيخ مشايخ أهل الحديث، هو أول مؤلّف من مؤلفي "الكتب الأربعة" عند الشيعة، حيث جمع كتابه العظيم (الكافي) خلال سنوات طويلة في ثلاثة أقسام: "الأصول" و"الفروع" و"الروضة".

35ـ علي بن الحسين بن موسى بن بابويه (ت 329ه) فقيه ومحدث شيعي جليل، نسبت إليه كتب كثيرة منها: التوحيد، الإمامة والتبصرة من الحيرة، الصلاة، الإخوان والشرائع.

36ـ أبو عبد اللَّه محمد بن محمد النعمان (336 أو 413 338ه) الملقب "بالشيخ المفيد" "وابن المعلم". من فقهاء ومتكلمي ومحدثي الشيعة المشهورين. تولى الرئاسة العلمية ببغداد في عصره، من أشهر طلابه السيد المرتضى علم الهدى، والسيد الشريف الرضي، والشيخ الطوسي، والنجاشي. ترك حوالى 200 مؤلف صغير وكبير أشهرها: الارشاد، الاختصاص، أوائل المقالات، الأمالي، المقنعة.

37- الأمالي أو المجالس، المجلس 93، ص‏520 509، بحار الأنوار، ج‏10، ص‏405 393، وكتاب الاحتجاج، الباب 25.

38ـ وقد روى المحدث النوري الحديث بهذه الطريقة: قول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: "اللهم ارحم خلفائي"، ثلاثاً، قيل: يا رسول اللَّه ومن خلفاؤك؟ قال: "الذين يأتون بعدي يروون حديثي" خاتمة مستدرك الوسائل، ج‏2، ص‏9.

39ـ بحار الأنوار، ج‏2، ص‏156. وهناك اختلاف في ألفاظ هذا الحديث بعض الروايات أضافت "عالماً" في آخر الحديث، وبعض آخر عبر في زمرة الفقهاء، والعلماء، وغير ذلك من اختلافات لا تضر في أصل دلالة الحديث.

40ـ أبو عبد الرحمن، سمرة بن جندب بن ملال بن جريح (ت 58ه)، روى عن النبي صلى الله عليه وآله كثيراً. تولى البصرة فترة من الزمن بعد موت زياد إلى أن عزله معاوية. يقول الطبري: أمر سمرة بقتل ثمانية آلاف شخص فترة توليه البصرة، وعندما أتى الكوفة سأله زياد: ألا تخشى أن تكون قد قتلت بريئاً؟ فقال: لو قتلت أكثر من ذلك لما خفت. ووفقاً لما نقله ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة (ج‏4، ص‏73)، فقد طلب منه معاوية أن يروي أن آية (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا) (البقرة، الآية: 204) نزلت في الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وأن آية (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات اللَّه) (البقرة، الآية: 207) نزلت في ابن ملجم مقابل مئة ألف درهم، وأن سمرة وافق على جعل هذه الرواية مقابل أربعة أضعاف هذا المبلغ.

41ـ  سورة الأعراف، الآية: 103، سورة يونس، الآيتان: 58 75، سورة طه، الآيتان: 43 24. سورة المؤمنون، الآية: 47 45. سورة النازعات، الآية: 17.

42ـ وسائل الشيعة، ج‏11، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، الأبواب 47 46 26 5 1. وكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي وما يناسبها، الأبواب 8 3 1.

43ـ أصول الكافي، (م.س)، ج‏1، ح‏3، ص‏38.

44ـ  م.ن، ص‏38، تكملة الحديث: "ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شي‏ء".

45ـ الشاه سلطان حسين الصفوي الموسوي الحسيني، وهو آخر سلاطين الدولة الصفوية ومدة ملكهم أزيد من مائتين وعشرين سنة وكان السلطان حسين ملكاً ضعيفاً يفتقر إلى اللياقة المطلوبة، دخل إلى الحكم سنة 1105ه.

46ـ لو كان وجوب ما غير مشروط بشي‏ء آخر، يكون "واجباً مطلقاً" بالنسبة له. مثلاً وجوب الصلاة بالنسبة للوضوء. وأما إذا كان وجوب واجب ما مشروطاً بشي‏ء ما، فيكون "واجباً مشروطاً" بالنسبة له، مثلاً وجوب الحج بالنسبة إلى الاستطاعة.

47ـ الكافي (م. س)، كتاب فضل العلم، الباب 13، الحديث 5، وهذا من جملة ما رواه النراقي. وقد رواه المرحوم النوري في كتاب مستدرك الوسائل(م. س)، في الباب 38 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 8 نقلاً عما ورد في كتاب النوادر للراوندي بسند صحيح عن الإمام موسى بن جعفر "عليهما السلام"، وكذلك نقلاً عن كتاب دعائم الإسلام في الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5 عن الإمام جعفر بن محمد "عليهما السلام". وفي الكافي نفسه رواية أخرى بهذا المضمون عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: العلماء أمناء، والأتقياء حصون، والأنبياء سادة.

48ـ سورة الحديد، الآية/25.

49ـ  سورة الأنفال، الآية/41.

50ـ  سورة التوبة، الآية/103.

51ـ  سورة النساء، الآية/59.

52ـ سورة الحشر، الآية/7.

53ـ أسامة بن زيد بن حارثة (ت 54ه)، ولد بعد مبعث الرسول صلى الله عليه وآله، وكان أبواه ممن أعتقهم الرسول صلى الله عليه وآله، وقد نصبه صلى الله عليه وآله أواخر أيامه (سنة 10ه) أميراً على جيش من المهاجرين والأنصار للتوجه إلى الشام وفلسطين لمحاربة الروم، وآنذاك لم يكن أسامة قد بلغ العشرين من عمره.

54ـ علل الشرائع، (م. س)، ج‏1 ص‏172، حديث 9.

55ـ  الأول "الفقهاء أمناء الرسل"، والثانية "إن الناس يحتاجون إلى إمام وقيم أمين".

56ـ وسائل الشيعة، كتاب القضاء، الباب 3، الحديث 2 من لا يحضره الفقيه، الجزء 3، ص‏4، رواه مرسلاً.

57ـ أبو أمية، شريح بن الحارث الكندي (ت 78ه)، أصله من اليمن، ولد قبل ظهور الإسلام، ولم يدرك النبي صلى الله عليه وآله، ولذا لا يعد من الصحابة. وكان قاضياً على الكوفة في عهد عمر، وعثمان، وأمير المؤمنين عليه السلام، ومعاوية. ويقال أنه وقف في واقعة عاشوراء إلى جانب ابن زياد، ودعا الناس للخروج لقتال الإمام الحسين عليه السلام.

58ـ المولى أحمد النراقي، ولد في قرية نراق من قرى كاشان، في 14 جمادى الآخرة سنة 1185ه.ق، الموافق لسنة 1150ه.ش له مؤلفات كثير منها مستند الشيعة، عوائد الأيام، توفي M في 23 ربيع الآخر، عام 1245ه.راجع: مقدمة، مستند الشيعة.

59ـ النائيني: حسين النائيني (1355 1273ه)، نسبة إلى نائين من نواحي يزد من أعمال أصفهان، ولد سنة 1273 وتوفي في النجف في 26 جمادى الأول، من تصانيفه: تنبيه الأمة وتنزيه الملة، رسالة لعمل المقلدين، أجود التقريرات في أصول الفقه وغير ذلك. راجع: كحالة، عمر، معجم المؤلفين، بيروت، مكتبة المثنى، ج‏4، ص‏16.

60ـ الوسائل، (م. س)، كتاب القضاء، الباب 3، الحديث 7 18 3.

61- التوقيع أو "التوقيعات"، هو الاسم الذي اشتهر في كتب التأريخ والحديث لرسائل المعصومين "عليهم السلام" وخصوصاً تلك الصادرة عن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه التي أبلغها أحد نوابه الأربعة.

62ـ اكمال الدين واتمام النعمة" المشهور باسم "كمال الدين وتمام النعمة"، من مؤلفات الشيخ الصدوق (ت 381ه)، وقد أُلّف حول غيبة إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه والمسائل المرتبطة بها.

63ـ الوسائل 101 18، كتاب القضاء، الباب 11، الحديث 9، رواه الشيخ الطوسي في كتاب (الغيبة)، ورواه الطبرسي في (الاحتجاج).

64ـ خبر الواحد هو الرواية التي لم تبلغ حد التواتر، أي لم يكن عدد رواتها قد بلغ درجة تفيد القطع واليقين النوعي، وفي حال كون ناقلي الخبر محلاً للاعتماد يسمى "معتبراً"، ويمكن الاستناد إليه في الأحكام الشرعية، والمراد بحجية خبر الواحد هو أن العمل بمقتضاه واجب وإن لم يكن من الأصول فإن العامل به معذور.

65ـ زرارة: أبو الحسن زرارة بن أعين، واسمه عبد ربه وزرارة لقب له وكان أعين بن سنسن عبداً رومياً، من تصانيفه: كتاب الاستطاعة، وكتاب الجبر وكتاب العهود. راجع: ابن شهر آشوب، معالم العلماء، قم، ص‏87، ويكفي في علو شأنه أن نروي حديث الإمام الصادق عليه السلام: "لولا زرارة ونظراؤه لظننت أن أحاديث أبي ستذهب".

66ـ أقام محمد رضا بهلوي (الشاه المخلوع) في خريف عام 1971، في موقع (برسبوليس) احتفالاً ضخماً بمناسبة مرور 2500 عام على الإمبراطورية الفارسية، شارك فيها أكثر من عشرين ملك وأمير عربي، وخمس ملكات، وواحد وعشرين أميراً، وستة عشر رئيس جمهورية، وثلاثة رؤساء وزارة، وأربع نواب لرؤساء جمهوريات، ووزيري خارجية، حضروا من تسعة وستين بلداً. استمرت هذه الاحتفالات أسبوعاً كاملاً، وبلغت تكاليفها أكثر من مئتي مليون دولار إلا أنهم أعلنوا في الصحف أن تكاليفها بلغت 133 مليون تومان فقط، وقد تمت استضافة المدعوين في ثلاث خيم عظيمة، وخمسين خيمة كبيرة أخرى نصبت في مكان الاحتفال. واستعمل ستة آلاف ميل من الأسلاك لتأمين الكهرباء من طهران وشيراز لمحل الاحتفال، وكانت الأطعمة المقدمة في هذا الاحتفال الملكي تشتمل على أفخر المأكولات من شتى أنواع لحوم الطيور والظأن والأسماك والكافيار، بالإضافة إلى الحلويات الإيرانية والأجنبية التي جلبت خصيصاً من خارج البلاد، كما تم استدعاء خبير فرنسي مع مجموعة من 159 شخصاً من الطباخين وخبراء الطبخ، والكثير من الخدم، قبل الاحتفال بعشرة أيام ليتولوا أمر الضيافة، وقد أرسل أحد المطاعم المشهورة في باريس واسمه (مكسيم للأطعمة والمشروبات) للضيوف خمسة وعشرين ألف زجاجة شراب خاص به، وحضر الاحتفالات ستمائة مراسل ومصور صحفي من مختلف أنحاء العالم، وأرسلوا مليون كلمة من التقارير حول هذه الاحتفالات إلى أنحاء العالم، كما بثَّت شبكة التلفزيون الأمريكية N.B.C. تلك المراسم عن طريق الأقمار الاصطناعية لعشرات ملايين المتفرجين في الولايات المتحدة. ينظر "تاريخ سياسي 25 ساله إيران" لغلام رضا نجاتي، ج‏1، ص‏351 348. وشكست شاهانه، لماروين زونيس، ترجمة عباس مخبر، ص‏123.

67ـ "المقبولة" هي الحديث الذي يقبل العلماء مضمونه، ويعملون وفقه، دونما التفات إلى صحة سنده أو عدمها، مثل مقبولة عمر بن حنظلة.

68ـ سورة النساء، الآيتين/59 - 58.

69ـ مجمع البيان، تفسير سورة النساء، ذيل الآية 58.

70ـ مجمع البيان، تفسير سورة النساء، ذيل الآية 58، وتفسير البرهان، وتفسير الدر المنثور، ذيل الآية نفسها.

71ـ أصول الكافي، ج‏2، ص‏24 22، كتاب الحجة، باب أن الإمام عليه السلام يعرف الإمام الذي يكون من بعده... وكذلك تفسير مجمع البيان، وتفسير البرهان، وتفسير نور الثقلين ذيل الآية المذكورة.

72ـ  فروع الكافي، ج‏7، ص‏264. بحار الأنوار، ج‏4، ص‏281.

73ـ نهج البلاغة، (م. س)، ج‏1، خطبة 27، ص‏69.

74ـ "بني قريظة" إحدى القبائل اليهودية التي كانت تسكن ضواحي المدينة، وكانوا قد وقعوا معاهدة عدم اعتداء مع النبي صلى الله عليه وآله لكنهم نقضوها أثناء حرب الأحزاب (الخندق) وتحالفوا مع قريش وغطفان على المسلمين، وسلبوا الأمن من المدينة، وبعد انتصار المسلمين قام النبي صلى الله عليه وآله بمحاصرتهم، فرضوا بالتسليم لحكم سعد بن معاذ، فحكم عليهم بقتل مقاتليهم، وأسر نسائهم وأطفالهم، وتقسيم أموالهم بين المسلمين. السيرة النبوية لابن هشام، ج‏3 و4، ص‏246 223. وتأريخ الطبري، ج‏2، ص‏245.

75ـ أصول الكافي، ج‏1، ص‏276، كتاب الحجة، باب أن الإمام عليه السلام يعرف الإمام الذي يكون من بعده... الحديث 1. وتفسير البرهان، ج‏1، ص‏386 379، ذيل الآيتان 1 و4.

76ـ سورة النساء، الآية/60.

77ـ  الوسائل، (م. س)، الباب 11، من أبواب صفات القاضي، ح‏1، ج‏18، ص‏98.

78ـ إذا أدعى شخص على آخر مالاً أو شيئاً ما، ولم يكن المطالب به معيناً ومشخصاً، وإنما كان يطالب بحق كلي يسمى مورد المطالبة هنا "بالعين الكلية". أما إذا أدعى مالاً أو شيئاً معيناً موجوداً بيد المدعى عليه وتحت تصرفه فيسمى مورد المطالبة "بالعين الشخصية".

79ـ سالم بن مكرم بن عبد اللَّه الكناسي المكنى بأبي خديجة وأبي سلمة، كان من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام وروى عن كليهما. وثَّقه ابن قولويه، وعلي بن فضال، وعبَّر عنه الرجالي الكبير النجاشي بالثقة.

80ـ وسائل الشيعة، (م.س)، ح‏2، ج‏18، ص‏100.

81ـ "الأمور الحسبية" هي الأمور المنشودة التي يتطلع الشرع إلى تحقيقها في المجتمع، ومع قيام البعض بها تسقط عن الآخرين. ومن جملة مصاديق الأمور الحسبية يمكن ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدفاع والقضاء. ويعد التصدي لهذه الأمور في عصر الغيبة من مهام الفقيه العادل، الذي بمقدوره أن يكلف شخصاً لائقاً للتصدي لها.

82ـ الكافي، (م. س)، ج‏1، باب ثواب العالم والمتعلم، ص‏34.

83ـ علي بن إبراهيم بن هاشم القمي. محدث، ومفسر.

84ـ المازاندني، محمد صالح، شرح أصول الكافي، ج‏2، ص‏25.

85ـ عوائد الأيام، ص‏186، (في تحديد ولاية الحاكم)، الحديث 1.

86ـ الصدوق، جامع الأخبار، ص‏45، الفصل العشرون، وفي جامع الأخبار ما لفظه (فإنِّي افتخر يوم القيامة بعلماء أمتي، فأقول: علماء أمتي كسائر الأنبياء قبلي).

87ـ الأحسائي، ابن أبي جمهور، عوالي اللئالي، ط1، قم، سيد الشهداء، 1983م، ج‏4، ح‏77، ص‏67.وفي عوائد النراقي عن الفقه الرضوي أنه عليه السلام قال: "منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الأنبياء في بني إسرائيل".

88ـ سورة الأحزاب، الآية/6.

89ـ  شرح أصول الكافي، (م.س)، ج‏6، ح‏2، ص‏115.والحديث هذا لفظه عن أبي جعفر عليه السلام في قول اللَّه عزَّ وجلّ‏َ: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللَّه" فيمن نزلت؟ قال: "نزلت في الإمرة، إن هذه الآية جرت في ولد الحسين عليه السلام من بعده، فنحن أولى بالأمر وبرسول اللَّه صلى الله عليه وآله من المؤمنين والمهاجرين والأنصار...".

 90ـ أصول الكافي، ج‏1، ص‏343 321، كتاب الحجة، (أن الأئمة ورثة العلم يرث بعضهم بعضاً) إلى باب (ما عند الأئمة من سلاح رسول اللَّه )ص( ومقامه).

91ـ  الكافي، ج‏1، ص‏34.

92ـ  الأربعون حديثاً، الإمام الخميني، ص‏416 414، الحديث 26.

93- تكملة الحديث: "ولكن ورثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر" (انتهى).

94ـ عوائد الأيام، تأليف المولى أحمد النراقي، وقد قال النراقي في مقدمة كتابه: "عوائد الأيام من مهمات أدلة الأحكام وكليات مسائل الحرام والحلال، وما يتعلق بهذا المرام...". راجع: النراقي، أحمد، عوائد الأيام، قم، بصيرتي، ص‏1.

95ـ عوائد النراقي، نقلاً عن جامع الأخبار، ص‏186، الحديث 6.

96ـ  الواسطي، علي بن محمد الليثي، عيون الحكم والمواعظ، ط1، قم، دار الحديث، 1376ه.ش، ص‏25، ج‏9.

97ـ النازي، علي، مستدرك سفينة البحار، ج‏9، ط1، قم، جماعة المدرّسين، 1419ه، ص‏443.

98ـ  تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله، تأليف، أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني، من أعلام القرن الرابع الهجري، جمع فيه روايات النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته بعنوان (ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله إلى ما روي عن الإمام العسكري عليه السلام).

99ـ الحراني، ابن شعبة، تحف العقول، ص‏238. المجلسي، بحار الأنوار، ج‏97، ص‏80، والرواية طويلة وهي من كلام للإمام الحسين‏عليه السلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يرويه عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أوله "اعتبروا أيها الناس بما وعظ اللَّه به أولياءه..." إلى قوله في آخر الخطبة: "وعملوا في اطفاء نور نبيكم صلى الله عليه وآله وحسبنا اللَّه وعليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير".

 100ـ سورة المائدة، الآية/63.

101ـ  سورة المائدة، الآية/78-79.

102ـ سورة المائدة، الآية/44.

103ـ سورة التوبة، الآية/71.

104ـ  هذا آخر كلام الإمام الحسين عليه السلام في الخطبة المتقدمة، التي قلت أن أولها كان "اعتبروا أيها الناس...".

105ـ تحف العقول (م. س)، ص‏237.

106ـ سورة المائدة، الآية/63.

107ـ الكافي، ج‏1، ص‏54، كتاب فضل العلم، باب البدع.

108ـ في سنة 1280ه ش عقدت اتفاقية بين الشاه مظفر الدين القاجاري والبريطاني وليام فاكس داريس، تنص على إعطاء امتياز التنقيب عن النفط واستخراجه للإنجليز، وكانت مدة الاتفاقية ستون عاماً، وحصة إيران من الأرباح الصافية 16 بالمئة فقط، وقد تم رفع هذه النسبة لدى تجديد الاتفاقية بعد 32 عاماً إلى 20 بالمئة. وبعد سقوط مصدق، تم تشكيل كنسرسيوم جديد عام 1954، يتألف الكنسيرسيوم الجديد من شركة النفط الإيرانية والشركة الإنكليزية بنسبة 40 بالمائة من الأسهم، وخمس شركات أمريكية هي "اكسون، وموبيل، وغولف، وشورون، وتكزاكو" بنسبة 40 بالمئة من الأسهم، وشركة النفط الفرنسية بنسبة 6 بالمئة من الأسهم. وبناءً على الاحصاءات المتوفرة تم تصدير 20 589 194 7800 برميل نفط و10 152 212 090 000 قدم مكعب من الغاز إلى الغرب ما بين الأعوام 1978 1954م، أي خلال 24 سنة. راجع: "نفت از آغاز تا به امروز" توزيع مكتب العلاقات العامة في وزارة النفط. و"ظهور وسقوط سلطنت بهلوي"، ج‏2، مؤسسة الدراسات والتحقيقات السياسية، وهي مصادر باللغة الفارسية.

109ـ في 21 آب عام 1969، أقدم الصهاينة على احراق المسجد الأقصى، قبلة المسلمين الأولى، غير أن الصحافة الإيرانية لم تسلط الضوء على أبعاد هذه الجريمة التي أثارت غضب المسلمين بنحو جيد، وقد بذل رجال الشاه، الذين كانوا يراقبون نشر الأخبار في إيران، جهدهم للحيلولة دون نشر ما يثير النقمة ضد إسرائيل، وكانت وزارة البلاط قد أصدرت بياناً في المناسبة أعلنت فيه عن أسفها للحادث لكنها لم تشر أدنى إشارة إلى مرتكبيه ومسببه. كما خصص الشاه مبلغ مئة ألف تومان إيراني لترميم المسجد الأقصى، ودعا هو والملك فيصل إلى عقد مؤتمر إسلامي لتبادل وجهات النظر حول هذا الحادث، وفي اليوم السابع من الحادث قام ملايين المسلمين في البلاد الإسلامية بالتظاهر والاعتصام، واعتبروا إسرائيل هي التي تقف وراء ارتكاب هذه الجريمة الكبرى التي هزت العالم الإسلامي. أما في إيران فقد منع نظام الشاه أبناء الشعب من التظاهرات، مما وجه باعتراض المراجع آنذاك، ويومئذ نشرت صحيفة الجمهورية الصادرة في بغداد كلام الإمام الخميني حول الحادث قائلة: اعتبر الإمام وخلال دعوته المسلمين للاتحاد مؤتمر "الرباط" محاولة للتغطية على هذه الجريمة. ووسيلة لصرف أذهان المسلمين عن جناية الصهاينة، وقال: ما دامت فلسطين محتلة من قبل اليهود، ينبغي عدم ترميم المسجد الأقصى، والابقاء على أثار هذه الجريمة، كذلك وجه مجلس الأمن أيضاً انتقاده لإسرائيل بسبب هذا العمل.

110ـ سورة المائدة، الآية/63

111ـ تحف العقول، ص‏237.

112ـ  سورة المائدة، الآية/44.

113ـ  سورة التوبة، الآية/71.

114ـ تحف العقول، ص‏237.

115ـ إشارة إلى قضية اللائحة المسماة ب"لائحة المجالس المحلية" التي صادقت عليها الحكومة في 1962 10 8م، والتي نصت على الغاء قيد (الإسلام) من شروط الناخب والمرشح، وادراج القسم بالكتاب السماوي بدلاً من القسم بالقرآن، وقد انتقد الإمام الخميني (رض) هذه اللائحة ورفضها، كما رفضها المراجع الآخرون فيما بعد. وأدى التأييد والدعم الشعبي لموقف الإمام وأوامره القاطعة، واصدار البيانات من قبل مراجع التقليد، إلى الغاء الدولة لهذه اللائحة رسمياً في كانون الأول من نفس العام. أنظر كتاب "دراسة وتحليل نهضة الإمام الخميني"، ص‏216-141.

116ـ تحف العقول، ص‏238.

117ـ سورة التوبة، الآية/60.

 118ـ تحف العقول، (م. س)، ص‏238.

119ـ محمد حسن الشيرازي من أبرز وأهم تلامذة الشيخ مرتضى الأنصاري، وصاحب الفتوى الشهيرة بتحريم التنباك في العصر القاجاري، ت 1312ه.

120ـ محمد تقي الشيرازي: محمد تقي بن محب علي بن محمد علي كلشن الحائري الشيرازي: مجتهد أمامي، من أركان الثورة العراقية على الإنجليز سنة 1920م، وأول من دعا إليها من رجال الدين، ولد بشيراز، ونشأ في الحائر، وأقام بسامراء... وأصدر فتواه في (أن المسلم لا يجوز له أن يختار غير المسلم حاكماً عليه).راجع: الزركلي، خير الدين، الأعلام، ج‏6، ص‏63.

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

التعليقات مغلقة.

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©