الأحد ٢٦ / فبراير / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » البسملة »

الدرس الأول

29 يونيو 2013 | في الفئة: البسملة | لا توجد تعليقات | الزیارات: 116

الدرس الأول

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين .....

يحتمل أن تكون "البسملة" في جميع السور القرآنية مرتبطة بالآيات التي تليها، ولقد قيل أن البسملة متعلقة بمعنى مقدر واحد ولكنّ الأقرب هو أن كل بسملة مرتبطة بنفس السورة ـ التي تفتتحها ـ فمثلا في "الحمد" ترتبط البسملة بما بعدها فباسم الله تبارك وتعالى يكون الحمد له.

والاسم علامة، وهو للتعريف، ويوضع لكل شخصٍ أو لكل شيءٍ اسمٌ لكي يكون علامة ومعرفاً له، فعندما يقال "زيد" يعرف الإنسان من هو المقصود بذلك.

أسماء الله علائم ذاته (بحث الإمام هذا الموضوع بصورة اكثر تفصيلا في كتابية مصباح الهداية وشرح دعاء السحر وكلاهما بالعربية)

وأسماء الله هي أيضاً علائم ذاته المقدسة، وأسماء الحق تعالي هي التي يمكن للإنسان التعرف على ذاته المقدسة من خلالها ـ ولو بصورةٍ ناقصة ـ أما نفس الذات المقدسة للحق تعالى فلا يصلها إنسان حتى خاتم الأنبياء وهو أعلم وأشرف بني آدم فهو لا يستطيع الوصول إلى مرتبة الذات تلك إذ لا يعرفها سوى ذاته المقدسة، أمّا ما يمكن لبني الإنسان الوصول إليه فهو أسمـاء الله (راجع في هذا المجال كتاب التوحيد العلمي والعيني الذي يضم مراسلات آيات الله محمد حسين الكمباني والسيد أحمد الكربلائي وتذييلات العلامة الطباطبائي وتلميذه محمد حسن الطهراني عليها) ولهذه الأسماء أيضاً مراتب نستطيع نحن أن ندرك بعضها فيما ينحصر إدراك البعض الآخر بأولياء الله والنبي الأكرم صلي الله عليه وآله وأولئك المعلمين بتعليمه.

 

العالم كافة اسم الله

والعالم أجمع هو اسم ا لله فالإسم هو العلامة، وجميع الموجودات في العالم هي علائم على ذات الحق تعالى المقدسة، وغاية الأمر أن البعض يستطيع الوصول إلى عمق كونها علامة فيعرف كيف أنها علامة والبعض الآخر يفهم الأمر على نحو الإجمال وذلك من خلال مقولة أن الموجود لا يحصل على الوجود من تلقاء نفسه، وهذه حقيقة واضحة يستطيع إدراكها عقل أي إنسان بالفطرة ويفهم أن الموجود الذي يمكن وجوده ويمكن عدمه مثل هذا الوجود الإمكاني لا يمكن أن يوجد بذاته فهذا الممكن يجب أن ينتهي إلى وجود موجود بالذات أي الموجود الذي لا يمكن سلب الوجود منه وهو الأزلي الذي يستحيل سلب الوجود منه وسائر الموجودات الأخرى ممكنة الوجود والعدم وهذه لا تكتسب الوجود بذاتها فهي محتاجة إلى من يوجدها وهو خارج عنها.

لو فرضنا هذا الفضاء الوهمي الذي ليس بشيء وليس له واقع خارجي أنه فضاء أزلي فلا يمكن أن يتبدل إلى شيء موجود بنفسه أو أن يظهر فيه موجودٌ دون موجد.

وقول أولئك الذين يقولون بأنه كان في الدنيا منذ الأزل فضاءً غير متناه (والإشكال في اللامتناهي يبقي قائما)، ثم ظهر بعد ذلك هواء وبخار ومن هذا الموجود "البخار الذي في الفضاء " وُجد شيءٌ آخر وهكذا، مثل هذا القول يخالف الضرورة العقلية التي تنفي تحول شيء إلى شيء آخر بذاته ودون تدخل علة خارجية، فكل شيء يتبدل إلى شيء آخر يحتاج إلى علةٍ خارجية وبدونها محالٌ أن يتبدل، فالماء مثلاً يحتاج إلى علةٍ خارجية ليصبح ثلجاً منجمداً أو ليصبح ماءً مغليّاً وبدون هذه العلة الخارجية يبقى إلى الأبد ماءً لا تصبح درجته تحت الصفر ولا فوقه، فهو محتاجٌ إلى علةٍ خارجية وشيء خارجي حتى لا يتعفن، وهذا توضيح إجمالي لاحتياج كل معلول إلى علة وافتقار كل ممكن إلى علة.

هذه هي من البديهيات العقلية فكل من يتصورها ويتأمل فيها يصدقها يصدق بأن الشيء الذي يمكن أن يكون أو لا يكون. محالٌ أو يوجد أو ينعدم بذاته، فلا يمكنه الإستغناء عن العلة فما من شيء ينتقل بذاته من العدم إلى الوجود بدون علة، وهذا "الامتناع" هو من الضروريات العقلية.

الموجودات آيات الله

وما تقدم هو إيضاح إجمالي لقضية أن جميع موجودات العالم هو "أسماء الله" وآيات الله، ويمكن لكافة العقول إدراك هذه الحقيقة ومعرفة أن كل العالم أسماء الله.

وأما المعني الحقيقي للمطلب فليس فيه قضية التسمية، كأن نفرض أننا نريد أن نوصل لأحد معنى شيء ما المصباح مثلا، عندما نطلق عليه إسماً ونقول "مصباح" أو "سيارة" أو " زيد" وهذه حقيقة واقعية عن موجودٍ غير متناهٍ في جميع أوصاف الكمال، والموجود غير المتناهي في جميع أوصاف الكمال هو موجود لا حدَّ له وهذا الموجود ليس ممكن الوجود.

المحدود ممكن الوجود

فلو كان الموجود محدودا فهو "الممكن" أما الموجود الذي ليس له حد في موجوديته أصلا فيجب بالضرورة العقلية أن يكون حاويا لجميع الكمالات، لأن فقدانه لأي كمالٍ يجعله محدوداً ولو أصبح محدوداً فهو "ممكن " وهذا هو الفرق بين "الممكن" و"الواجب" فالواجب غير متناه في كل شيءٍ وهو الموجود المطلق، أما الموجودات الممكنة فهي موجودات محدودة.

وما لم تكن جميع أوصاف الكمال موجودة في الواجب بصورة غير متناهية ولا محدودة فإنه يكون "ممكناً" أي أن ما تصورناه "واجبا" ما هو بـ" واجب الوجود" بل ممكناً.

ومثل هذا الموجود "الواجب الوجود" هو مبدأ الإيجاد والوجود، وجميع الموجودات التي تظهر من "مبدأيته" تكون مستجمعة لنفس تلك الأوصاف ولكن على نحو النقص، وغاية الأمر أن لها مراتب، والمرتبة الأعلى هي المستجمعة لكافة أوصاف الحق تعالى بالقدر الممكن أن يكون في موجود واجد لذاك "الإسم الأعظم".

ما هو الإسم الأعظم

الاسم الأعظم (للإمام الخميني بحث معمق حول الاسم الأعظم وأقسامه تجده في شرحه لدعاء السحر ص 85 ـ 98) عبارة عن ذلك الاسم وتلك العلامة الحاوية لجميع كمالات الحق تعالي على نحو النقص ـ أي النقص الإمكاني ـ فهو واجد لكافة الكمالات الإلهية نسبة إلى سائر الموجودات على نحو الكمال هذا هو الاسم.

والموجودات التي تأتي بعد هذا "الاسم الأعظم" واجدة لنفس الكمالات ولكن بمقدار سعتها الوجودية، حتى نصل إلى هذه الموجودات المادية التي نتصور عدم وجود العلم فيها ولا القدرة ولا أي من الكمالات في حين أن الأمر ليس كذلك.

كلٌّ يسبحّ بحمده

نحن في حجابٍ فلا نستطيع الإدراك، إذْ أنّ هذه الموجودات السفلية الأدنى من الإنسان والحيوان، هذه الموجودات الناقصة تنعكس فيها جميع تكل الكمالات، غاية الأمر أن هذا الانعكاس هو بمقدار سعتها الوجودية، فلديها إدراك أيضاً نفس الإدراك الموجود في الإنسان موجود فيها أيضاً: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}(الإسراء44). نحن محجوبون فلا نفهم تسبيح الموجودات، وأولئك الذين لا يعلمون أن من الممكن أن يكون هناك إدراك لموجود ناقص، يفسرون هذا التسبيح بأنه التسبيح التكويني في حين أن ما تقوله الآية هو

غير التسبيح التكويني الذي نعرفه ونعرف أنه ليس تسبيحها بمعنى أنها موجودات ولها علة، كلا الأمر ليس كذلك، بل إنها تسبح، وقد ذكرت الأحاديث تسبيح بعض الموجودات وما هو ؟!‍ (أورد الشيخ المفيد في كتاب "الاختصاص" عن الأمام الصادق عليه السلام أنه قال: " ما من طير يصاد إلا بتركه التسبيح.ز" ص 25 من طبعة وزارة الإرشاد في الجمهورية الإسلامية).

في قصة تسبيح تلك الحصاة الصغيرة في يد رسول الله صلى الله عليه وآله (أفراد العلامة أبي جعفر رشيد الدين محمد بن شهر آشوب (متوفى سنة 588 هـ) فصلا خاصا في نطق الموجودات في كتابه الشهير (مناقب آل أبي طالب) ص90ـ ص102 ضمن حديثه المفصل عن مناقب الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأورد فيه قصة تسبيح الحصاة في يد الرسول الأكرم ضمن روايات أخرى عديدة في هذا المجال يقول رحمه الله ".. وأتاه مكرز العامري وسأله آية  فدعا (ص) تسع حصيات فسبحن في يده وفي حديث فوضعهن على الأرض فلم يسبحن وسكتن ثم عاد وأخذهن فسبحن.." المناقب ص 90 طبعة قم إيران). ما هو الذي سمعوه؟‍ إنه تسبيح تعتبر أجنبية عنه أذني وأذنك، إنه نطق وكلام ولغة ولكن لغته ليست لغتنا ونطقه ليس نطقنا ولكنه إدراك، إدراك بمقدار السعة الوجودية للحصاة.

ولعل بعض المراتب العالية ولكونها ترى نفسها مصدر كافة الإدراكات تقول إن الموجودات الأخرى ليس لديها هذه الإدراكات ـ وبالطبع فإن ليس لها إدراكات تلك المرتبة ـ ونحن أيضاً ولكوننا لا ندرك حقائق هذه الموجودات، فنحن محجوبون عنها لذلك فلسنا مطلعين ولكوننا لسنا مطلعين نتصور عدم الكثير من الأشياء.

المجاهيل الكثيرة

كثيرة هي الأشياء التي يتصورها الإنسان معدومة لكنها موجودة أنا وأنت أجانب عنها.

الآن يقولون أن هناك مجهولات اتضحت، فمثلا النباتات التي كان الجميع فيما مضى يقولون بأنها صامتة، يقولون الآن بأنه يمكن سماع ضجيج ـ بواسطة أجهزة وهوائيات خاصة ـ ينطلق من جذور الشجرة التي توضع في ماء مغلي، أنا لا أعلم هل هذا صحيح أم كذب ؟‍‍! ولكن العالم مليءٌ بالضجيج وجميع ما فيه حي وجميعها اسم الله أيضاً كل شيء هو اسم الله، أنتم أنفسكم أسماء الله، ألسنتكم أسماء الله أيضاً وكذلك أيديكم.

الحركة بسم الله

{بِإسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} عندما تحمدون الله فهنا اسم الله أيضاً، عندما تتحرك ألسنتكم فهنا اسم الله، وعندما تقومون وتذهبون إلى منازلكم فباسم الله أيضاً تفعلون ذلك، لا يمكنكم عزل اسم الله، فأنتم أنفسكم أسماء الله، ونبضات قلوبكم اسم الله، النسمات المتحركة هي اسم الله وانطلاقا من هذا، فلعل ما تريد قوله الآية الكريمة هو هذا المعنى، وهو وارد في الكثير الآيات الأخرى، حيث يكون باسم الله كذا وكذا، فكل شيء اسم الله يعني الحق وأسماء الله، فكل شيء هو، فالاسم فانٍ في المسمى، نحن نتوهم أننا مستقلون وأننا "شيء" وما نحن بشيء، فلو انقطع لحظة شعاع الوجود، ذاك الذي تكون الموجودات موجودة به وبتلك الإدارة وذلك التجلي، لو انقطع لحظة لعادت جميع الموجودات إلى "اللاشيئية" ولخرجت من الحالة الوجودية

إلى حالتها الأولى إذ أن استمرارية الموجودية أيضاً هي قائمة بنفس هذا التجلي، وبتجلي الحق تعالى وجد عالم الوجود كافة، وذاك التجلي والنور هو أصل حقيقة الوجود وهو أسم الله {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ }(النور35). أي أنها تجلي الله، يعني النور، فكل شيء له تحقيق إنما هو ظهور ذلك النور، نحن نسمي هذا نوراً لأن له ظهور، والإنسان ظاهر فهو النور، وكذلك الأمر مع الحيوانات فهي نور أيضاً، وجميعها نور الله {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ويعني أن  وجود السموات والأرض ـ وهو عبارة عن نور ـ هو من الله، وهو فان إلى درجة أن {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ} وليس أن " بالله تتنور السموات" لأن هذه الصيغة تشير إلى نمط من الاستقلالية: أما {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} فهي تعني أنها ـ السموات والأرض ـ جميعاً لاشيء، فليس لدينا في العالم موجود له نحو من الاستقلال.

إن معنى الاستقلال هو الخروج من حدّ الإمكان إلى حدّ الوجوب في حين لا موجود غير الحق تعالى، ولذا يقول عز وجل {بِاِسْمِ اللَّهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} أو  {بسم الله.. قل هو الله أحد} فباسم الله قل إذ أن المراد هو ـ احتمالاً ـ أن قل بسم الله الرحمن الرحيم أن هذه الحقيقة هي هذه الصورة أي بمعنى ليكن قولك بسم الله {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ } (الجمعة1). وليس " من في السماوات والأرض ".

كل ما في الأرض والسماء يسبح لهذا الموجود وباسم الله وهو تجليه تعالى وبهذا التجلي تتحقق جميع الموجودات وكافة الحركات هي من نفس التجلي.

الكل من تجلياته

كل ما يحدث في العالم هو من هذا التجلي ولأن جميع الأشياء والأمر منه وإليه ترجع لذا فليس لأي موجود شيء من ذاته بل ليست هناك "ذاته" في الأمر.

ذاك الذي يقف في مقابل "مبدأ النور" ويقول أنا أيضاً لدي شيء، هذا يعني أنه يقول: أن هذا الوجود من عندي، في حين أن نفس "عندي" هذه هي ليست من عندك.. والعين التي لديك هي ليست من عندك فهي وُجدت بتجليه تعالي.

كل "حمد" وثناء يصدر عنا وعنهم إنما يكون باسم الله، بسبب اسم الله ولهذا أيضاً قوله باسم "الله".

"الله" التجلي الجامع

"الله" هو التجلي الجامع تجلي من الحق تعالي الجامع لكافة التجليات، ومن هذا التجلي تكون تجليات "الرحمن" ,"الرحيم" "الله" تجلي الحق تعالى والرحمن والرحيم هي من تجليات هذا التجلي.

"الرحمن" أوجد بالرحمة والرحمانية كافة الموجودات، وهذه الرحمة هي أصل وجود الرحمة، وحتى ذاك الوجود الذي أُعطي للموجودات الشريرة هو أيضاً رحمة، الرحمة الواسعة التي وسعت كل الموجودات يعني أن جميع الموجودات هي عين الرحمة، جميعها رحمة و"الله" هو باسم الله هو هذا التجلي الذي هو تجلي بالمعنى التام.

المقام الذي يستطيع إظهار التجلي بالمعنى التام هو هذا الاسم الجامع اسمٌ هو أيضاً تجلي نفس ذات الحق تعالى اسم أيضاً و "لا إسم له ولا رسم " إسمه  إسم الله وإسم "الرحمن " وإسم  "الرحيم" جميعها أسماء، جميعها تجليات، وباسم "الله" وهو الجامع لكافة الكمالات بمرتبة الظهور ـ وذكر "الرحمن الرحيم " له من باب أنه الرحمة والرحمانية والرحيمية، أما أوصاف الغضب والانتقام فهي تبعية وليس بالذات، الرحمة هي بالذات، والرحمانية والرحيمية هي بالذات، أما تلك الأوصاف فهي تبعية.

بسم الله الرحمن الرحيم ... "الحمد الله " كل المحامد وكل كمال وكل ثناء يقع في هذا العالم هو له تعالى، والإنسان يتوهم أنه عندما يتناول طعاماً لذيذاً فيمدحه أنه يثني على هذا الطعام ولكنّ هذا الحمد هو لله تعالي ولا يدري الإنسان ذلك، يمدح إنساناً ما فيقول أي فيلسوف وعالم هو؟ لكنه إنما يمدح ويحمد ويثني على الله ولا يدري، لماذا ؟ لأن هذا الفيلسوف والعالم ليس لديه شيء من نفسه، فكل ما هو موجودٌ هو تجليه تعالى، والذي أدرك عقلياً أنه تجليه تعالى فإنّ نفس هذا الإدراك هو أيضاً وكذلك حال المدرك، فكل شيء منه تعالى.

الإنسان يتوهم أنه يمدح هذه السجادة أو هذا الشخص لكنه لا حمد ولا ثناء يقع إلاّ لله تعالى، لأنكم إنما تمدحون شخصاً لشيء فيه، فالمدح لا يكون للعدم، وكل شيء هو موجود منه تعالى لذا فكل حمد ومدح وثناء فهو له: "الحمد " يعني كافة المحامد ولله كل ما هو وله تعالى حقيقة الحمد.

نتوهم أننا نمدح ونحمد زيدا أو عمرا أو نور الشمس أو نور القمر، لكننا في الحقيقة محجوبون عن هذه الحقيقة، لا ندري بها فهي مستورة عنا.

نتوهم أننا نمدح ونحمد هذا أو ذاك لكن عندما ترفع الحجب نري أن جميع المحامد هي له وأن نفس حمدنا له هو من تجلية.

{الله نور السموات والأرض} تعني أن كل حسن منه وكل الكمالات منه أي من تجلياته، تجلى مرة فأوجد كل العالم، نتوهم أننا نقوم بعمل ما بأنفسنا ولكن { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}(الأنفال/17). "رميت وما رميت" فالرمي هو أيضاً تجلي، ومن التجلي الرمي، لكن "ما رميت" تجلي الرمي، "إن الله رمي " أولئك الذين بايعوك إنما بايعوا الله، وهذه اليد أيضاً تجلي الله، وغاية الأمر أننا محجوبون فلا نعلم ما الأمر؟ نحن جميعاً محجوبون إلاّ ذاك المعلم بتعليم الله وأولئك المعلمون بتعليمه.

واستناداً لما تقدم أقول أنه أصبح واضحاً أنّ من الممكن طرح احتمال أن يكون "بسم.." هذا بـ "الحمد" بمعنى أنه بإسم الله تكون جميع المحامد له تعالى، فتجليات الله هي التي تجذب إليها كافة المحامد فلا يكون حمد وثناء لغيره، بمعنى أنكم مهما أردتم فلن تستطيعوا  أن تحمدوا الغير إنكم تحمدون وتمدحون الغير ولكن كل حمدكم وثنائكم يقع لله تعالى، وكلما تفكرون وتتوهمون أنه "الغير" فمن جهة عدم العلم.

وكلما أردتم أن تضغطوا على أنفسكم لتقولوا كلمةً لغير الله لا تستطيعون ذلك إذ لا كلام لغير الله، فكل ما تقولونه عنه وما هي بنقائص.

للموجودات جهتان الأولى الجهة الوجودية والأخرى جهة النقص الجهة الوجودية نورٌ وهو لا نقص فيه، فهو منزه عن النقص و"اللاءات" ليست منه، ولا يمكن مدح "اللاءات" فالمدح والحمد هو دائما لـ " نعم" أي للوجود والكمال ولا كمال في العالم إلا لكمال واحد هو كمال "الله " والجمال هو أيضاً جمال "الله ".

"التصديق غير الاعتقاد العلمي"

يجب أن نفهم هذه الحقائق، أن نعيها بقلوبنا لا بألسنتنا، فإدراك هذه الكلمة بالقول أمر يسير ولكنّ إيصالها إلى القلب وفهم هذا الموجود الممكن فهمه بحيث يصدقه القلب أمر صعب.

فمرة يقول الإنسان ـ باللسان ـ إن هناك جنةٌ ونار، وقد يكون معتقدا بذلك ولكن التصديق غير الإعتقاد العلمي، قد يحصل على البرهان أيضاً ولكن التصديق شيء آخر.

العصمة الموجودة في الأنبياء هي ثمرة التصديق واليقين فالذي يصدق يقينا من المستحيل أن يتخلف، أنتم عندما تصدقون أن أمامكم شخصاً شاهراً سيفه يقطع به عنق من يعصيه، تصبحون معصومين عن معصيته يعني يصبح من المستحيل أن تصدر عنكم معصية له، لأنكم تحبون أنفسكم فلا يمكن أن تصدر عنكم مخالفة.

الذي يصدق أن "كلمة غيبة واحدة " يقولها بحق شخص في مكة مثلا تؤدي إلى ظهور صورته ـ هناك ـ وكأنه يمد لسانه من هنا ويظهر في مكة حيث الشخص الذي اغتابه فتطأ لسانه أقدام الناس من هنا إلى هناك ـ أي من محل المستغيب إلى محل المغتاب.

والذي يصدق أن "الغيبة أدام كلاب النار"(روي الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن الإمام السجاد عليه السلام أنه سمع رجلا يغتاب آخر فقال: "إياك والغيبة فإنها إدام كلاب النار" ص 172 ونحوه مروي عن الإمام علي عليه السلام في كتاب الوسائل ج2 ص 238 وكذلك في بحار الأنوار ج 72 ص 248).أي أن الذي يغتاب تبتلعه كلاب النار ليس بالابتلاع المتعارف وينتهي الأمر، بل ابتلاع يسحق وجوده وعندما يذهب إلى هناك أيضاً تبتلعه...

نقول إن الذي يصدق ذلك لا يمكن أيضاً أن يغتاب وحن عندما نغتاب أحيانا ـ والعياذ بالله ـ فلأننا لم يحصل لدينا التصديق بذلك.

الصور الأخرى للأعمال.

الذي يصدق أن جميع الأعمال التي يفعلها هنا لها صورة هناك في العالم الآخر فإذا كانت الأعمال حسنة فصورتها حسنة فصورتها حسنة وإن كانت سيئة فصورتها سيئة (تضمن حديث قصة معراج الرسول الأكرم صلي الله عليه وآله وسلم إلى السموات العلى الكثير من مصاديق الصور الأخرى للأعمال كما أن هناك العديد من الآيات الدالة على ذلك راجع الآيات الكريمة:ـ

1 ـ سورة الكهف الآية 49

2 ـ سورة آل عمران الآية 30

3 ـ سورة النجم الآية 40

4 ـ سورة الزلزلة الآية 6ـ8.. وغيرها والأحاديث الأخرى كثيرة في هذا الباب)

والذي يصدق أن هناك حساب ـ ولو كان على نحو الإجمال فافرضوا أن التفصيل ليس لازما ـ والذي يصدق أنه لو وقع في الغيبة هنا فسيحاسب عليها هناك وان هناك جهنم إذا آذي المؤمنين وأن هناك جنة إذا قام بالخيرات والمبرات هنا، الذي يصدق بذلك فسيلتزم إذا كان الأمر تصديقا وليس مطالعة كتاب وإدراك كتاب وإدراك عقله له فهناك فرق بين الإدراك العقلي والتصديق النفسي والقلبي ـ ولا أقصد هنا القلب الحقيقي ـ الإدراك العقلي والتصديق في الإدراك العقلي كثيرا ما يحدث أن يدرك الإنسان عقلا قضية ما ولكنه لا يلتزم بمقتضياتها عمليا لأنه لم يصدقها فإذا ما صدقها عمل وفقها.

والإيمان هو عبارة عن هذا التصديق العلم بالنبي لا يثمر هذه الفائدة لكن الإيمان بالنبي يثمر هذه الفائدة.

لا تكفي إقامة البرهان على وجود الله تبارك وتعالي في إيجاد "الإيمان بالله" بل الإيمان يثمره التصديق القلبي الذي يجعل الإنسان خاضعا لله ويثمر الإيمان به تعالى وإذا حصل الإيمان جاء كل شيء تبعا له.

إذ صدق الإنسان أن هناك موجودا هو مبدأ هذا العالم وهناك حساب وأن هناك مرحلة بعد الموت وأن الموت ليس فناء بل هو انتقال من نقص إلى كمال فهذا التصديق يحفظه من كافة الأشياء ومن كافة الانحرافات فالأصل هو هذا التصديق ولكن المسألة الوحيدة هي كيف يحصل هذا التصديق ؟!

هذه الآية الشريفة تقول {بِاِسْمِ اللَّهِ.. الْحَمْدُ لِلَّهِ } حسناً، لقد أوضحت أحد أبعادها ـ وأكرر أيضاً أن ما قلته هو على نحو الاحتمال لا الجزم ـ فإذا صدق الإنسان أنّ جميع المحامد هي لله فعندما لن يحدث في قلبه شرك وإذا أثنى على أحد فلكونه من تجليات الله.

علي (ع) التجلي الإلهي العظيم

إذا أنشد قصيدة في مدح الأمير علي (ع) فهو يريد أن يقول أنه يدرك أنها لله، لأن الأمام عليه السلام هو التجلي العظيم لله، ولكونه لذا فإن ما فرضتموه مدحا له فهو مدح لله من خلال مدح تجليه.

إذا أيقن الإنسان وصدق أن المحامد لله لأعرض عن نفسه: إن ما ترونه ويراه من كثرة ضجيج الإنسان بمقولة: {لمن الملك} وما ترونه ويراه من كثرة غرور الإنسان يرجع إلى كونه لم يعرف نفسه فإن "من عرف نفسه فقد عرف ربه "(حديث مشهور مروي عن الإمام علي عليه السلام راجع شرح الشيخ ابن ميثم البحراني على المائة كلمة لأمير المؤمنين عليه السلام [الكلمة الثالثة ص 57 من طبعة جماعة المدرسين في حوزة قم المقدسة) لا يدري أنه لا شيء ولو عرف ذلك وصدّق به، وصدق أنّ كلّ ما هو موجود منه تعالى لعرف ربه.

والمشكلة الأساسية هي أننا لا نعرف لا أنفسنا ولا ربنا، ولا إيمان لنا لا بأنفسنا ولا بربنا لم نصدق أننا لا شيء ولم نصدق أنه هو كل شيء، وما لم يحصل هذا التصديق فلا من إقامة البراهين مهما زادت واتسعت إذ تبقى تلك "الأنانية النفسية" فاعلة.

إن أقوال (أنا كذا وأنت كذا) هي جميعاً ادعاءات فارغة من أجل الرئاسة وأمثالها وأصلها بقاء الأنانية التي ما دامت فالإنسان يرى نفسه.

رأس البلاء...

جميع المصائب التي تنزل على رأس الإيمان تصدر من حب النفس فالإنسان يحب نفسه في حين أنه لو أدرك حقيقة الأمر وجدانيا لعرف أن نفسه لا شيء وهي للغير وحبه للغير، وقد سموه اشتباه بـ "حب النفس وهذا الاشتباه يدمر الإنسان فجميع المصائب التي تحل بنا هي من حب الجاه وحب النفس هذا حب الجاه هو الذي يقتل الإنسان ويدمره ويؤدي به إلى النار.

وحب الجاه وحب النفس هذا هو:  "رأس كل خطيئة" جميع الخطايا تصدر من حب النفس وحب الجاه، ولكون الإنسان ينظر إلى نفسه ويعجب بها ويحبها لذلك فهو يريد كل شيئ لها ويعادي كل ما يمنعه عن ذلك أو يتوهم أنه مانع، ولكونه يريد كل شيء لنفسه لذا فهو لا يضع لذلك حدودا ومن هنا كان "حب الدنيا رأس كل خطيئة"(مروي باختلاف يسير عن الإمامين السجاد والصادق عليهما السلام ( الأصول من الكافي للشيخ الكليني باب ذم الدنيا والزهد فيها وباب حب الدنيا والحرص عليها ويلاحظ أن النص يعتبر "حب الدنيا" بصورة مطلقة بأنه رأس كل خطيئة دون تخصيص لحرامها عن حلالها وقد نبه إلى ذلك الإمام الخميني (قده) وحذر من الدنيا مطلقاً (راجع رسالته لنجله السيد أحمد المؤرخة في 17/شوال / 1404 هـ. ق المطبوعة مع مجموعة أشعار عرفانية للإمام تحت عنوان "نقطة عطف" بالفارسية)

كل المحامد لله

كتاب الله ابتداء بمطلب ينبهنا إلى جميع القضايا، فعلى نحو الاحتمال إن جميع القضايا تتضح عندما يقول تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} فهو لا يريد القول: ـ إن بعض المحامد لله عندما يقول هو قادر ولكني أحمد لكم لا لله!! ولكنّ جميع المحامد لله.

عندما يقول تعالى: " الحمد الله " فهو يعني أن جميع أقسام الحمد وحيثيته هي من الله ولله، أنتم تتوهمون أنكم تحمدون غيره ولكنه هنا يكشف غطاء عن كافة القضايا ونفس هذه الآية الكريمة الفريدة تكفي الإنسان لو صدقها ولكن المسألة هي في التصديق.

{الحمد لله} جميع المحامد لله، ولو صدق الإنسان بهذه الكلمة فقط لخرجت من قلبه كافة أنواع الشرك، وذاك الذي يكشف أنه لم يشرك بالله طرفة عين أبداً، إنما حصل على هذا التصديق وجدانياً، وصل إليه بوجدانه وأدرك المطلوب وهذا ما لا يمكن للبراهين أن تؤدي إليه فليس لها الأصالة والاقتدار المطلوب، البرهان جيد فلا نقول  أنه شيء ولكنه يجب أن يكون وسيلة فالبرهان وسيلة إذ أنكم وفق عقولكن وبالسعي والاجتهاد تستحصلون الإيمان.

خشبية قدم الاستدلاليين

الفلسفة وسيلة فليست مطلوبة بذاتها، وواجب الاستدلال هو إيصال القضايا والمعارف إلى عقولكم و"خشبية هي قدم الاستدلاليين "(ترجمة نثرية لصدر بيت شعر بالفارسية للشاعر الإيراني المولى جلال الدين الموسوي الرومي وكامل ترجمة البيت هي: خشبية هي قدم أصحاب الاستدلال والقدم الخشبية هي في غاية العجز)

المقصود هو أن هذه القدم خشبة تجعل الإنسان قادرا على السير والإنسان حقيقة يستطيع السير بها إنها عبارة عن تلك القدم التي يرى بها الإنسان تجليات الله ـ فيستند إليها ـ ليدخل الإيمان قلبه ويحصل بالوجدان الذوقي الذي يوجه على مرتبة من الإيمان وهناك مراتب إيمانية أسمي.

أأمل أن لا نكتفي بقراءة القرآن وتفسيره، بل المهم أن نصدق بمسائله وأن نصدق بكل قدم وكلمة نقرأها من القرآن فهو الكتاب الهادف إلى بناء الإنسان بناءً صحيحاً وهو يصنع الموجود الذي أوجده بنفسه أوجده بالاسم الأعظم وجعل فيه كل شيء موجودا بالله ولكن ليس بصورة جلية.

القرآن يريد أن ينقل الإنسان من هذه المرتبة الناقصة إلى تلك المرتبة التي تليق به، ولهذا الهدف تنزل القرآن وكانت بعثة جميع الأنبياء، حيث أنهم بُعثوا ليأخذوا بيد الإنسان وينقذوه من هذه البئر العميقة التي سقط فيها وأعمقها بئر "النفسانية" ويهدوه إلى تجليات الحق لينمي ويذهل عن كل شيء.. رزقنا الله ذلك بمشيئته عز اسمه.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ختام الدرس الأول من دروس الإمام الخميني [رض] في التفسير 2/صفر/1400هـ.ق

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

التعليقات مغلقة.

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©