الخميس ٣٠ / مارس / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » البسملة »

الدرس الثاني

29 يونيو 2013 | في الفئة: البسملة | لا توجد تعليقات | الزیارات: 94

الدرس الثاني

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين.

كان الكلام في "بسم الله" فبماذا يتعلق هذا الجار والمجرور؟ قلنا ـ على نحو الاحتمال ـ إن أحد الاحتمال هو أن تكون البسملة في كل سورة متعلقة بنفس هذه السورة بالمعنى الذي يناسبها، فمثلاً في سورة "الحمد" يكون معنى "بسم الله الرحمن الرحيم " هو أن "الحمد بسم الله".

واستناداً إلى هذا الاحتمال يكون معنى البسملة في كل سورة مختلفاً عن معنى البسملة في السورة الأخرى وعلى هذا يجب البحث ـ مثلا ـ عن الاسم الذي يناسب بسملة سورة الحمد فما هو الاسم الذي يكون به الظهور للحق ـ تعالى ـ ويقع الحمد لله بهذا الاسم؟

وهكذا يجب البحث عن معنى الاسم المناسب في بسملات السور الأخرى فمثلا في سورة "هل هو الله.." ما هو الاسم المناسب لقول "هو الله أحد"؟

ومذكور في الفقه أنه لو قرأت البسملة لسورة وأوردت قراءة سورة أخرى فالبسملة الأولى لا تكفي ويجب تكرار البسملة مع السورة مع السورة الأخرى وهذا الأمر يناسب المعنى المتقدم من اختلاف في المعنى بين بسملات سائر السور لما كانت البسملة جزء من كل سورة سوى في سورة الحمد وهنا أيضاً هو من باب التبرك كما يقول البعض وليس هذا القول بالصحيح.

وفيما يتعلق بسورة الحمد التي نحن بصددها فـ "بسم الله " هنا متعلقة بالجار والمجرور الذي بعدها وأحد الاحتمالات هو أن "الحمد" يعني جميع مصاديق الحمد من أي حامد كان، فكل حامد يحمد إنما باسم الله ، يعني أن الحامد نفسه اسم ـاللهـ وجميع أعضائه وجوارحه أسماء أيضاً، والحمد الصادر من الإنسان هو باعتبار أن هذا الاسم يحمد باسم الله وأنت أيضاً اسم آخر وزيد كذلك اسم، فكل منكم من أسماء الله يعني مظاهر الأسماء "الفاعل الإلهي فاعل الوجود" انتبهوا إلى كون أن الفاعل الإلهي ـ وهو فاعل الوجود ـ يتمايز عن الفواعل الطبيعية بفروق منها أن الشيء الذي يصدر من المبدأ الإلهي ويُسمى بالفاعل الإلهي، هذا الصادر هو فانٍ في المصدر بحيث ليس له أي حيثية من نفسه وليس له أيُ نحو من الاستقلال، ولتقريب المعنى للذهن نشبه الأمر بشعاع الشمس في مقابل الشمس ـ وأن كان الأمر ليس كذلك أيضاً فهو فوق هذا التشبيه ـ ولكن على أي حال فمثلما أن شعاع الشمس لا استقلال له أصلاً في مقابل الشمس كذلك الحال مع الفاعل الإلهي وهو نفس الإيجاد ونفس الوجود الصادر عن مبدأ الخير فليس له أي نحو من الاستقلال بنفسه لا في التحقق ولا في البقاء ولا لموجود واحد، فلو انقطع عنه شعاع الوجود لما استطاع البقاء لأنه محتاج  إلى المبدأ في البقاء مثلما هو مفتقر إليه في أصل التحقق ولأن الموجودات لا حيثية من أنفسها ولكونها فانية في المبدأ لذا فإنها وفي نفس الوقت الذي تكون ظهور أسماء الله فهي أنفسها أسماء الله إنها أسماء الله الفعلية.

فناء الظاهر في مبدأ الظهور

ففي نفس الحال الذي يكون فيه نور السموات والأرض ظهور نور الله {الله نور السموات والأرض} يكون أيضاً ظهوره لا أن يكون هو نفسه، لكن العلاقة بين الظاهر ومبدأ الظهور هي أن هذا الظاهر فانٍ في مبرأ الظهور، فهذا الموجود فانٍ في مبدأ بحيث لا يكون له أي شكل من الإستقلال فهذا هو وهذا الظهور هو الفاني فيه ولهذا قالـ عز وجلـ {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}.

احتمالات "الحمد"

وعلى القول بأن الألف واللام في "الحمد" هي إستغراقية وأن "بسم الله" متعلق بها، فإن كل حمد من أي حامد إنما يتحقق باسم الله، والحامد هو اسمه، وعلى أحد الاعتبارات فالحامد والمحمود واحد ظهور ومظهر: " أنت كما أثنيت على نفسك أعوذ بك منك"(في مناجاة الشاكرين والراغبين من المناجاة الخمسة عشر للإمام السجاد توضيحات دقيقة لهذا المعنى) فلأن الحامد يكون فانياً في المحمود من هنا يكون وكأنه هو الذي يثني فما من حيثية للغير لكي نقول إنني عليه فهو الذي يثني من باب ـ الفناء ـ

وهناك احتمال آخر هو أن لا تكون الألف واللام في "الحمد" للاستغراق، أي أن يكون تكثير فردي للأفراد. إن نفس الطبيعة مجردة عن جميع الخصوصيات هي "الحمد" ليس له تعين بأي نحو كان، وهناك يكون معنى "بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله" الحمد بدون تعيين الحمد المطلق.

وبناء على هذا الاحتمال تصبح محامدنا عكس الاحتمال الأول فلا تكون واقعة له (توضح هذا المعني بدقة مناجاة الذاكرين من المناجاة الخمسة عشر للإمام علي ابن الحسين السجاد عليهما السلام) فالحمد الذي يقع له هو الذي يفعله بنفسه فالحمد الصادر عن غير حمد محدود متعين وهو ـ تعالى ـ غير محدود وحمد المحدود لغير المحدود لا يصبح حمداً، ويكون عكسه ما تقدم قوله من أن الحمد لا يكون إلاّ لله فأنتم تتصورون أنهم يمدحون الخط الحسن لكنهم يمدحون الله لا الخط، تتصورون أنكم تمدحون النور أو تمدحون العالم ولكنه مدح "الله" لا العالم هكذا تقدم القول من أنّ جميع المحامد لله، فكل ما هو حمد من أي حامد صدر يرجع إلى الله لأنه ما من كمال ولا من جمال في العالم سوى كماله وجماله، أما الموجودات فليست بشيء فلو نُزع عنها هذا التجلي لما بقي منها شيء فهي موجودة به.

ـ فيما تقدم ـ قيل أن جميع الموجودات هي تجليات الله ونوره {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ..} ولو نزع هذا التجلي ما بقي موجود ولكونه تجلي وكون أنّ المدح هو للكمال فلا يقع مدح لغيره ـ تعالى ـ إذ لا كمال غير كماله، كماله ظهور كمال ذاته وكماله في

مقام الظهور ـ كمالٌ في مقام الذات، كمالٌ في مقام الصفات. كمالٌ في مقام الظهور،جميع كمالات العالم هي كماله، وفي مقام الظهور كلُّ من يمدح إنما يمدحُ كمالاً، وعليه فكل مدح يقع، يقع له، هكذا هو الأمر وفق الاحتمال الأول.

أما في هذا الاحتمال الثاني ـ وهو احتمال طبعا ـ فيكون الحمد حمداً مطلقاً لا حمد كل حمد، الحمد المطلق يعني حمداً دون غير ودون قيد، حمداً ليس فيه أي قيد، والحمد الذي يصدر عنا جميعه حمد متعين ولمتعين، إذ لا سبيل لنا إلى الموجود المطلق لكي نحمده، لا ندركه حتى نحمده، أنتم حتى عندما تقولون "الحمد لله" فلا يحصل إدراك تلك "الحقيقة" لكي يكون الحمد له، لذا فكل حمد يقع لا يكون له لمظاهر على العكس مما ورد في الاحتمال الأول حيث كل حمد يقع لا يكون لغيره في حين أن الأمر في الاحتمال الثاني هو أن كل حمد يقع لا يكون له سوى حمده نفسه أي أن يحمد نفسه بنفسه.

وعلى هذا فلا يمكن أن يكون "الاسم" في "بسم الله.. الحمد لله " على نفس المعنى الأول أي أنك أنت اسم وهو اسم والآخر اسم أيضاً، هذا اسم الله وظهور المطلق بلا قيد، وعلامة المطلق أن يكون بلا قيد، ظهورٌ من الغيب واسم الغيب، وبذاك الاسم يكون وقوع الحمد أي  يحمد بنفسه تلقائيا، الظهور يحمد المظهر، وهذا أيضاً قول على نحو الاحتمال، وبالطبع يكون المتعلق باسم الله هنا متعلقا بالحمد فحينا كل مصداق من الحمد وحينا صرف وجود الحمد الذي ليس له أي قيد.

مرة تكون جميع المحامد الواقعة لله لا لغيره ومرة أخرى لا يقع أي حمد لله ـ بمعني الحمد المطلق ـ أي يكون حمدا محدودا لا حمدا

مطلقاً، وعندما يكون معنى "الحمد لله " ذلك الحمد المطلق غير المقيد بأي قيد، ويقع له بالاسم المناسب له وهذا أيضاً احتمال آخر.

كما ذكروا احتمال أن لا تكون البسملة متعلقة بنفس السورة، وقال البعض أنها متعلقة بظهور الوجود فيكون معنى البسملة أن كل شيء يوجد إنما يكون وجوده باسم الله يعني الاسم مبدأ ظهور جميع الموجودات، وهذا الاسم عبارة عن المشيئة التي ورد ذكرها في الحديث الشريف ـ " إن خلق المشيئة بنفسها وخلق الأشياء بالمشيئة"(يرويه الشيخ الصدوق في كتاب التوحيد بسند متصل عن الإمام الصادق عليه السلام (الباب 11 ص 147 ـ 148 الحديث 19) وقريب منه ما في الباب 55 ص 339 الحديث الثامن بسند متصل عن الصادق عليه السلام أيضاً)

المشيئة هي الظهور الأول

والمشيئة هي عبارة عن الظهور الأول الذي خلقه بنفسه أي بدون واسطة، ويكون خلق كافة الأشياء الأخرى بالمشيئة ويحتمل أن يكون الوجود الذي هو ظهر الوجود، تتعلق به البسملة التي لا تتعلق بالسورة بل بشيء خارجي وهذا ما يراه أهل الأدب مناسبا لمثل الحالة مع "أستعين" وأمثالها فلو كانت استعانة بالله ـ ولو أن أهل الأدب لا يلتفتون ـ فهي استعانة بالله ـ ولو أن أهل الأدب لا يلتفتون ـ فهي استعانة باسم الله فكل من يستعين إنما يستعين باسم الله فلا يمكن لأحد أن يستعين بغير اسم الله، لا أن يكون اسم الله أمرا لفظيا وشكليا بل هو حقيقة واقعية فاسم الله في كل شيء (راجع في هذا المجال المقاطع التي ورد فيها ذكر "إسم الله" في الأدعية المروية عن أهل بيت العصمة عليهم السلام خاصة دعاء كميل بن زياد ودعاء السمات) والاستعانة هي باسم الله،

بهذا الظهور، وكل شيء يكون بهذا الظهور وهي ترجع إليه ولو لم يتلفت الأديب.

"الله" هذا الذي يرتبط بالمتعلق ما هو؟! فيما يرتبط بالإسم قلت سابقا أنه علامة المسمى فأي شئ موجود لا يكون علامة على هذا الاسم؟ أي شيء تفرضون له وجوداً بنحو ما هو ظهورٌ له بنحو ما وعلامة له.

مراتب الأسماء

الاسم هو العلامة، وغاية الأمر أنّ له مراتب، فهناك اسم يجسد تمام معنى العلامة وهناك اسم دونه حتى يصل إلى مرتبة سائر الموجودات، فجميعها علامات وجميعها ظهور للاسم على مراتب ورد في الحديث الشريف " نحن الأسماء الحسنى (يرويه الكليني في الكافي بسنده عن معاوية بن عمار عن الإمام الصادق عليه السلام ونص الحديث هو "نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد إلا بمعرفتنا " راجع تفسير الميزان ج 8 ص 384) فالاسم الأعلى في مقام الظهور هو النبي الأكرم والأئمة الأطهار أولئك الذين وصلوا في مرتبة السير ـ في مرتبة الحركة من النقص ـ وصلوا إلى حيث تحررهم من جميع الطبيعيات من كل شيء أولئك ليسوا أمثالنا حيث نحن في هذه البئر العميقة.

هجرة إلى الله

نحن لم نتحرك هناك أشخاص تحركوا وخرجوا من هذه البئر وهاجروا { وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ

الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}(النساء/100).

أحد الاحتمالات هو أن هذه الهجرة هي من النفس إلى الله و"البيت" هنا هو نفس الإنسان فهناك طائفة خرجوا وهاجروا عن هذا البيت الظلماني {مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} إلى أن وصلوا إلى منزل: "أدركه الموت" وصلوا مرتبة لم يعد لهم فيها شيء من أنفسهم موت مطلق وعندها "وقع أجرهم على الله" فهنا أجر آخر ما هو الجنة ولا أشكال النعيم الأخرى هنا "الله" فقط".

إن من يتحرك ويخرج من بيت نفسانيته ويهاجر إلى الله وإلى رسوله ـ وهذه أيضاً هي هجرة إلى الله ـ يصل إلى مرتبة "أدركه الموت"(يقول مولى الموحدين الإمام على عليه السلام في الخطبة 201 من نهج البلاغة "وأخرجوا من الدنيا قلوبكن قبل أن تخرج منها أبدانكم " ويقول عليه السلام في الخطبة 218 "قد أحيا وأمات نفسه ...") وعندها لا يكون هناك شيءٌ من نفسه، كل ما هو موجود هو من الله، هذا ما يشاهده في هذه الهجرة وأجره على الله.

طائفةٌ هاجروا هذه الهجرة ووصلوا إلى المنتهي وأجرهم أيضاً على الله وآخرون مهاجرون على الدوام فهم طائفة في حالة هجرةٍ مستمرة لكنهم لم يصلوا إلى "آيات الهجرة" وهي " أدركه الموت " وهناك طائفة مثلنا لا هجرة لنا أصلا فنحن في هذه الظلمات أسرى هذه الدنيا والطبيعة و؟أشد منها أسرى "أنانية" أنفسنا سجناء هذه البئر العميقة سجناء في بيت النفسانية، وبناء على هذا الاحتمال فإننا لا نرى إلاّ أنفسنا وكل ما نريده هو لأنفسنا ليس لدينا غير النفس ولم نفكر أصلا

ولم نسع للهجرة فكل ما نفكر به هو في بيت النفسانية.

الوديعة الإلهية

جميع القوى الإلهية التي أودعها الله فينا أمانة لدينا، لا نرّدها إلى صاحبها نصرفها على ما هي عليه هنا ـ في هذا البيت ـ ولا زلنا فيه ولا نزال ويوما بعد آخر نزداد بُعداً عنه، عن هذا المبدأ، عن المحل الذي يجب أن نهاجر إليه، وقد روي أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم كان قاعداً مع أصحابه في المسجد فسمعوا هدةً عظيمة ـ صوتاً رهيباً ـ فارتاعوا وسألوا عن هذا الصوت فقال [ص]:ـ " حجر ألقي من أعلى جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى قعرها " فقال ذوو القلوب الحية "فسمعنا إن كافرا ـ منافقا ـ قد مات وكان عمره سبعين سنة (راجع كتاب علم اليقين للفيض الكاشاني ج 2 ص 1002 (المقصد الرابع الباب الثالث عشر ـ الفصل الرابع) ونحن أيضاً سائرون بهذا الاتجاه غاية الأمر أني منذ ثمانين عاما أسير بهذا الاتجاه، وأنتم منذ سنوات عديدة وأرجو أن لا تسيروا أنتم أيضاً بهذا الاتجاه

أعدى الأعداء

كل ما يجري علينا وكل ما نبتلي به هو من حب النفس من هذه "الأنانية" "أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك ( حديث نبوي مشهور راجع بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج 15 ص40 إذ ينقل حديثا عن النبي الأكرم (ص) قريبا من مضمون الحديث) هكذا ورد التعبير عن النفس فهي الأسوأ من كل الأعداء وأكبر من كل الأوثان فهي أم الأوثان إذ أن الإنسان يعبدها أكثر من سائر الأوثان يتوجه إليها أكثر من سائر الأوثان، وما لم يحطم هذا الوثن فلا يستطيع أن يصبح إلهيّاً فلا يمكن الجمع بين الله وبين الوثن لا يمكن الجمع بني الأنانية والإلهية.

العبادة الحقة

ما لم نتحرر من هذا البيت من معبد الأصنام هذا، وما لم نتحرر من هذا الوثن ونعوض عنه ونتوجه إلى الله تبارك وتعالى وما لم نخرج من هذا البيت فنحن من عبدة الأصنام حتى لو كنا موحدين ظاهريّاً.

نقول "الله" بألسنتنا ولكن الذي في قلوبنا هو أنفسنا، نريد "الله" لأنفسنا، وإذا كنا نريد "الله" لأنفسنا، فإننا نقف ونصلي ونردد ألفاظ : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ولكن العبادة هي في الواقع هي عبادة النفس، وعندما يكون الالتفات والتوجه هو للنفس عندها أرى جميع الأبعاد بالنفس وأريد جميع الأشياء لنفسي.

"الأنانية" أم المصائب

جميع هذه المصائب التي تحل بالإنسانية ناشئة من هذا النقاط من "أنانية الإنسان" جميع الحروب في هذا العالم من هذه الأنانية، فما من حرب ونزاع بين المؤمنين، فإذا نشبت حرب بين المؤمنين فليعلموا أنهم ليسوا مؤمنين فلا حرب بين المؤمنين.

ولكن حيث لا يكون هناك إيمان وحيث أن توجه الإنسان إلى النفس لذا فهو يريد كل شيء لنفسه ومن هنا يقع النزاع، أنا أريد هذه الأريكة لنفسي وأنتم تريدونها لأنفسكم وحيث لا يمكن الجمع يقع التعارض والتضاد أنا أريد هذا البساط لي وأنتم تريدونه لكم أنا أريد أن تكون هذه الرئاسة الوهمية لي وأنتم تريدونها لكم وحيث لا يمكن الجمع بين الإرادتين ينشب النزاع.

هذا يريد هذه الدولة له والثاني يريدها لنفسه، فنقع الحرب، جميع هذه الحروب في العالم هي بين الأنانيات الإنسان يحارب بأنانيته والحروب هي حروب الأنانيات وهي معدومة بين الأولياء لأنهم لا أنانيات لديهم فلو اجتمع الأولياء في مكان واحد لما نشب بينهم أبدا ولا ظهر اختلاف بينهم لأن كل شيء هو "لله" فلا مكان هنا للنفس لكي يجر هذا البساط إلى طرفه فيحدث الاختلاف وينشب بينهم النزاع.

الجميع هم لمبدأ واحد ويسيرون بنفس الاتجاه ولكنا نحن واقعون في بئر عميقة وظلمات أشدها ظلمة هي ظلمة "الأنانية" وما لم نخرج منها فلا سبيل للخروج من تلك البئر العميقة.

ما دمنا في ظلمات الأنانية فسنظل لا نلتفت إلا إلى أنفسنا فنعتبر الآخرين لا شيء أما أنفسنا فهي كل شيء وكل ما يطرح يقبله الإنسان إذا ينفعه وإلاّ فلا يرضى به حتى إذا كان حقاً، يصدق به فورا إذا كان يرى فيه منفعة لنفسه وإلاّ لا يصدق به بتلك السرعة وكل ذلك ناشئ من الأنانية.

كل المصائب التي تحل بنا وبكم وببني آدم في كل مكان ناشئة من هذا المنبع، فالنزاع ناشئ من الأنانية من كوني أنا أجر إلى طرفي وأنت إلى طرفك.

وما دامت هذه الأنانية موجود فما من "إلهية" وما من عبادة إلا عبادة النفس.

الهدف من بعثة الأنبياء

والآن من هو القادر على الخروج من معبد الأوثان هذا الموجود في داخل الإنسان ذاته؟!

الأمر يحتاج إلى يد غيبية تأخذ بيد الإنسان وتخرجه من هذا المعبد ولهذه الغاية كانت بعثة جميع الأنبياء.

لقد بُعث كافة الأنبياء وأُنزلت كافة الكتب السماوية لأجل إخراج الإنسان من معبد الأصنام هذا وتحطيمها وتحويله إلى عابد لله.

جاء الأنبياء جميعاً لتحويل عالم الإنسانية هذا إلى عالم إلهي بعد أن أصبح عالماً شيطانياً يخضع لحكومة الشيطان.

والحاكم علينا هو الشيطان ونحن أتباعه فهوى النفس هو من مظاهر الشيطان وحكمه علينا، لذا فكل عمل نقوم به هو عمل شيطاني وكل ما نفعله نقوم به بأنانية ما دام فيه دَخْلٌ للشيطان الأكبر وهو النفس الأمارة وحيث نفعله بأنانية فنحن تبع لشيطاننا.

الشيطان مهيمن علينا الآن إلى أن نهاجر من هذا البيت بتعليم الأنبياء والأولياء وتوجيههم، ونعرض عن هذه الأنانية وتحقق ذلك يعني أننا بدأنا نخرج من هذه البئر ونسير إلى ذلك الجانب وإذا أفلح شخص ـ في هذه الدنيا ـ بالوصول إلى ذاك المحل الذي لا يخطر في أوهامي ولا أوهامك عندها ينعدم ويفنى والذي يطلب الكمال عليه أن يهاجر هذه الهجرة.

الجهاد الأكبر

على من يريد الخروج من هذه الأنانية أن يهاجر هذه الهجرة بالمجاهدة يجاهد ويهاجر جئتم من الجهاد الأصغر "وبقي عليكم الجهاد الأكبر" (الاختصاص ص 240 وكذلك في البحار ج 6 ص 443 عن الكافي) وسائر أشكال الجهاد في الدنيا تبع لهذا الجهاد، فلوا انتصرنا فيه لكان كل جهاد نقوم به هو جهاد، وإذا لم ننجح في هذا الجهاد لكانت سائر أشكال جهادنا الأخرى شيطانية.

فالذي خرج للجهاد من أجل الحصول على "جارية" أو طعام فهذا هو أجر جهاده أما الذي كان لله فأجره أيضاً على الله فسنخية الأفعال تختلف، وهناك فرق بين الأفعال الصادرة عن أولياء الله وبين تلك الصادرة عنا لأن المصدر مختلف.

الإخلاص الإلهي

هل كانت "ضربة علي يوم الخندق افضل من عبادة الثقلين (بحار الأنوار ج39 ص 2) دونما مبرر؟! ضربة واحدة لقتل شخص واحد تفضل عبادة الثقلين فلماذا؟ بالطبع هذا التفضيل يرجع من جهة إلى كون أن هذه الضربة جاءت عندما برز الإيمان كله إلى الشرك كله فلو كانت هزيمة لعلي يوم الخندق لضاع الإسلام، هذا من جهة ومن جهة أخرى هناك ذلك الإخلاص والإلهية فعندما جلس الإمام على صدر ذلك الشخص ثم بصق هذا على الإمام نهض الإمام ـ حسبما يرويـ لئلا يكون لذلك تأثير (وهذا الموقف من باب الاحتياط أيضاً وإلاّ فـ" الأنا" غير مطروحة 

أصلا بالنسبة له) وهذا الموقف صدر من الجنبة الإلهية فيه وظهر في الجنبة النفسانية، لذا فهذه الضربة تعبر عن روح أسمي من كل العبادات هي الروح التي تجعل العبادة عبادة.

حسب الظاهر فإن الفرق بين المشرك ويغر المشرك هو في عبادة الأصنام فالأول يعبد الأصنام والثاني لا يعبدها، وله أذكار وأوراد تتشابه ظواهرها أبو سفيان كان يصلي ومعاوية كان يأم صلاة الجماعة الظاهر متشابهة أما الذي يرفع الصلاة فهي الروح تنفخ في الصلاة فإذا وجدت هذه الروح ارتفعت الصلاة وأصبحت إلهية وبدون ذلك تكون عبادة من أجل النفس وهذا هو حالنا جميعاً فلا نخادع بعضنا البعض.

عبادة من أجل الجنة

إن عبادتنا جميعها هي من أجل أنفسنا والصالح جدا هو الذي يعبد من أجل الجنة فارفعوا الجنة من ثواب الأعمال ولاحظا من الذي يبقي يعبد؟! عليٌ يبقي وحوض علي ن علي الذي "عشق العبادة وعانقها " فالعبادة من أجل الجنة غير مطروحة بالنسبة للذي غض الطرف عن نفسه وهجرها وخرج من هذا البيت ووصل إلى مرحلة "الموت" فلم تعد اللذات مطروحة أصلاً بالنسبة له فهو ذاهل عنها وميت عنها "أدركه الموت" فلم تعد هذه الأمور مطروحة بالنسبة له أصلاً وعنده الجنة والنار والجميع على حد سواء:" أثني على ذات الله تعالي " أثني على الله إذ وجده أهلاً لأن يُعبد ووجد أنه أهلاً لأن يعبده وهذه مرتبة من مراتبهم؛ وهي أن يجد عاشق العبادة أنه أهلا للعبودية وأن يعبد المعبود وهناك مراتب أخرى أيضاً هي فوق ما نتصور نحن.

القيام لله

والقدم الأولى هي أن تقرروا الخروج من هذا البيت وتخرجوا، القدم الأولى أن يقوم الإنسان قياما لله أن يستيقظ، أن لا يبق نائما مثلما نحن الآن في سبات ظاهره اليقظة يقظة حيوانية وسبات ونوم الإنسانية نحن نائمون "الناس نيام فإذا ماتوا إنتبهوا" (من الكلمات المأثورة عن أمير المؤمنين عليه السلام وهي الكلمة الثانية من الكلمات المائة التي شرحها ابن ميثم البحراني ص 54 من طبعة جماعة مدرسي حوزة قم والحديث منقول أيضاً في كتاب "غوالي اللآلي" ج4 ص 73 وكذلك في بحار الأنوار ج4 ص 43).نيام الآن وعندما يحصل الموت ينتبهوا إلى أي واقع كانوا فيه؟! {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ}(التوبة/49). بأي أنها الآن أيضاً محيطة ولكن الإنسان لا يعتبر لأنه في خدر الطبيعة ـ حيث الإنسان طبيعته الخدر ـ فإذا زال هذا التخدير ينتبه ويرى أن الكل أصبح ناراً.

يجب سلوك هذا الطريق فلا مناص، سيأخذوننا فيه على كل حال ولكن علينا أن نستيقظ ونسلك الطريق المستقيم الذي يجب أن نسلكه وعلينا الخضوع لتربية الأنبياء.

لقد جاء جميع الأنبياء لإصلاح الإنسان وما من نبي بعث دون أن يكون هدفه إصلاح الإنسان إقامة العدل ليست سوى إصلاح بني الإنسان فالعدل يصدر من الإنسان وكذلك الظلم وإقامة العدل تعني تحويل الظالم إلى عادل والمشرك إلى مؤمن تحويل هذا الموجود الذي لو ترك لحاله لكانت عاقبته الهاوية وجهنم والأنبياء يرشدون هذا الوجود إلى

الطريق الذي يجب عليه أن يسلكه نحن إلى الآن لم نسلك هذا الطريق وقد تصرمت من العمر سبعون وثمانون سنة ولم نتحرك ولم نهاجر إلى الآن لا زلنا واقفين حيث نحن من هذه الأرض والى النهاية نحن على هذا الحال ولكن لا مناص علينا أن نتحرك ونسلك الطريق.

وصية للشباب

أنتم أيها الشباب تستطيعون العثور على الطريق الأفضل لقد فاتنا الأمر وذهبت قوانا إلى حيث عاقبتها أنتم أيها الشباب تستطيعون بصورة أفضل أن تهذبوا أنفسكم فأنتم أقرب للملكوت من كبار السن، إذ أن جذور الفساد أقل تأصلا فيكم لم تمتد كثيرا بعد لكنها تتأصل وتتكاثر في كل يوم مادامت باقية ويصعب الأمر كلما تأخر وتعرقل فعسير للغاية على الشيخ العجوز إصلاح حاله إذا أراد ذلك ولكن الشاب يستطيع تحقيق ذلك أسرع.

يتحقق إصلاح آلآف الشباب، ولا يتحقق إصلاح عجوز واحد، لا تتركوا أمر الإصلاح لأيام الشيخوخة ابدأوا ـ الآن ـ سيركم ما دمتم شبابا اجعلوا ـ الآن ـ أنفسكم تابعة لتعاليم الأنبياء وهذا هو مبدأ المسيرة ومنه يجب الانطلاق فالأنبياء  أوضحوا الطريق وأرشدوا إليه ونحن لا نعرفه، هم يعرفونه فهم أطباء يعرفون سبيل السلامة وأوضحوه وأرشدوا إليه فإن أردتم السلام فعليكم أن تسلكوه عليكم أن تقللوا شيئاً فشيئاً من التوجه  والاهتمام بالنفس، وبالطبع فمثل هذه المهمة لا يمكن إنجازها بسرعة ولكن عليكم التحرر شيئاً فشيئاً جميع آمالنا هذه ستقبر وتنتهي جميع أشكال الاهتمام بالنفس ستنتهي وبالإضرار بنا والذي يبقى هو

المتعلق بالله (وما عند الله): {مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ}(النحل96).

لدى الإنسان "ما عندكم" وللإنسان "ما عند الله"، فما دوام متوجها مهتما بالنفس فهو من جنس "ما عندكم " وكله سيفني وينتهي ولكن المتعلق بالله فهو باق باسمه لا ينفد.

جاهدوا للانتصار على النفس

جاهدوا ولنجاهد من أجل الخروج من هذه الحالة التي تحيط بنا وبكم أولئك الذين كانوا ينتصرون على الكفار لم يكونوا يهتموا لتعداد أعدائهم مهما كثر، ذاك الذي كان يعلن أنه لو اجتمعت العرب عليه لما تراجع إنما كان يقول ذلك لأن القضية قضية الله وما دامت كذلك فلا هزيمة فيها ولا تراجع.

أولئك الذين كانوا يجاهدون وينتصرون ،كانوا يتقدمون دون الإلتفات إلى أنفسهم وطموحاتهم هؤلاء كانوا قد قاموا بمجاهدة النفس إلى حدٍّ ما وأولئك كانوا في مراتب عالية ـ وكل حسب مرتبته ـ وما لم يقوموا بذاك الجهاد لما تحقق لهم ذاك الانتصار فما لم يعرض الإنسان عن آمال نفسه وعن الدنيا لا يمكن أن يتقدم.

والدنيا هي آمال الإنسان فدنيا كل إنسان آماله، فالدنيا الخارجية ما هي من الدنيا المكذوبة وكذلك حال عالم الطبيعة الدنيا هي هذه التي عندكم فأنتم عندما تلتفتون إلى أنفسكم فأنتم "دنيا" دنيا كل شخص هي الموجودة في نفسه وهي المكذوبة أما الشمس والقمر والطبيعة فليست مكذوبة بل مدحت فهي مظاهر الله، لكن الذي يبعد الإنسان عن

ساحة القدس والكمال فهي تلك الدنيا المكذوبة وهي داخل نفسه (التوجه إلى النفس).

أسأل الله التوفيق لأن نخرج من هذه البئر الظلمانية العميقة ونتبع أولياء الله فهم ق تخلصوا من هذه المهلكة وخرجوا منها و "أدر كهم الموت " والسلام.

ختام الدرس الثاني من دروس الأمام الخميني (قده) في التفسير 11/صفر/1400

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

التعليقات مغلقة.

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©