السبت ٢٥ / فبراير / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » البسملة »

الدرس الثالث

29 يونيو 2013 | في الفئة: البسملة | لا توجد تعليقات | الزیارات: 89

الدرس الثالث

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين

كان الحديث فيما تقدم حول الإسم في البسملة وبماذا يتعلق حيث عرضنا لذلك عدة إحتمالات.

العلاقة بين الحق والخلق

والأساس في فهم بعض هذه القضايا هو أن يعرف الإنسان طبيعة العلاقة بين الحق والخلق وكيف تكون، نحن نفهم الأمر بصورة ببغاوية والأكثر البرهان (حيث أن ما هو أسمي من البرهان هو الأشخاص آخرين).

العلاقة بين الموجودات والحق تعالى هي ليست على نحو العلاقة بين موجود وموجود آخر كالعلاقة بين الأب والابن أو بالعكس، فهذه بين علاقة بني موجود مستقل وآخر مستقل أيضاً علاقة بين ذوي بصيرة متساوية.

كما أن العلاقة بين الموجودات والحق تعالي ليست على نحو علاقة

شعاع الشمس بالشمس ـ رغم أن الربط فيها أسمي من النموذج السابق ـ لأن الشعاع الشمس أيضاً غيرية عن الشمس، فهي كذلك علاقة موجود بموجود آخر كما أنها ليست كعلاقة قوى النفس المجردة بالنفس، إذا أن لربط القوة الباصرة والقوة السامعة بالنفس نحوا من المغايرة والكثرة أيضاً.

نعم لا يمكن تصنيف علاقة الموجودات بمبدأ الوجود الحق تعالى من أي  نحو من أنواع الربط بين ذكرتها.

لقد وردت في الكتاب والسنة تعابير عن معنى الربط الموجود عملياً على نحو الإفادة فقد ورد التعبير عنه بالتجلي كقوله تعالى تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ}(الأعراف/143) أو كالذي ورد في دعاء "السمات": "وبنور وجهك الذي تجليت بـ للجبل فجعلته دكا" (دعاء السمات المروي عن الحجة المنتظر عجل الله تعالى فرجه مفاتيح الجنان ص 73 وفي النص إشارة إلى الآية المتقدمة) {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}(الزمر42). ملك الموت هو الذي يتوفى الأنفس ولكن التعبير القرآني جاء ب "الله يتوفى.." ونفس التعبير ورد فيما يتعلق بالإنسان الذي يقتل شخصا: قتله ولكن: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} "ما رميت ورميت" "رميت وما رميت" هذا هو تجلي وهذا هو نور ولو أدركنا هذا المعنى بالبرهان أو بصورة ببغاوية عندها تتضح بعض القضايا في هذه الآيات الكريمة.

معاني الحمد

في الاحتمال الأول الذي ذكرناه حيث أن الحمد هو جميع المحامد متكثر ملحوظ بنحو الكثرة يكون الاسم كذلك ملحوظا بطور الكثرة، وعلي ذاك الاحتمال فان كل حمد يقع لا يقع للحق تعالى لأن الحمد يقع للتجليات وهي ظهوره ـ تعالى ـ ظهور فوق ظهور الشمس في الشعاع وظهور النفس في السمع والبصر.

فالحمد يقع للمظاهر ولكن هذه هي أسماء متكثرة للحق تعالى، لذا فالحمد له ـ تعالى ـ في نفس الوقت.

وعلى الاحتمال الثاني قلنا أن الحمد يكون حمداً مطلقاً وعليه يكون الأمر عكس ما في الاحتمال الأول فلا يقع له ـ تعالى ـ أي حمد من حامد وهنا أيضاً فالتجليات هي مظاهر ظهوره وعليه، فرغم أن الحمد يقع لهذه المظاهر لكن الحمد المطلق لا يصدر منا لذا فلا يقع للمطلق ـ تعالى ـ

ولكن من باب أن جميع هذه الكثرات مضمحلة في ذلك الوجود المطلق يقع له الحمد أيضاً فالأمر يختلف بلحاظ النظر للكثرة والنظر للوحدة.

بلحاظ الكثرة ـ حسب الاحتمال الثاني ـ لا يقع أي حمد للوجود المطلق ولكن وبلحاظ اضمحلال الكثرات في الوحدة تكون جميع المحامد له أيضاً. وحسب هذين الاحتمالين يختلف معنى الآية الشريفة بين أولها وآخرها، فوفق كون أن الحمد استغراقي فيشمل كل حمد ويكون الاسم أسماءً متكاثرة تشمل كل موجود فكل موجود اسم، وعليه تكون أسماء الله الرحمن الرحيم، الواقعة في البسملة بمعنى بالله والرحمن الرحيم وحسب الاحتمال الآخر يختلف الأمر، فالاسم اسم ظاهر، وكل اسم يختلف عن الاسم الآخر ومرتبة الكثرة هي ملاحظة مرتبة الكثرة وفي ملاحظة مراتب الكثرة يكون "الله" هو وصف هذا الاسم، فالاسم اسم "الله" ولكن في مقام الكثرات وفي مقام التفصيل يكون "الله" هنا تجليا للحق تعالى بالاسم الأعظم.

تجليات الاسم الأعظم

التجلي في الموجودات هو بالاسم الأعظم، أما الرحمن فهو التجلي بالرحمانية في مقام الفعل وهكذا بالنسبة للرحيم ورب العالمين كذلك مع " إياك نعبد" وبنفس الصورة أيضاً يكون اختلافه عن الحال مع الاحتمال الآخر.

في الاحتمال الثاني وحيث يكون "الحمد" حمدا مطلقاً دون أي قيد يختلف اسم الله الرحمن الرحيم وإلى آخر السورة، فالاسم هنا هو جميع الموجودات كل موجود هو اسم في كل عمل ومعنى الاسم يختلف فيه مع العمل الآخر هنا وحيث يكون الحمد مطلقاً يكون مطلقاً باسم "الله الرحمن الرحيم ".

والحمد المطلق هو لله، الحمد المطلق يكون بالاسم الذي هو اسم ظهور مقام الذات أي في مقام أسماء الله، في مقام الذات، يكون "الله" اسماً جامعاً لمقام الذات لا مقام الظهور والإسم هو تجلي تلك نفسها وكذا الرحمن فهو تجلي رحمانية مقام الذات والرحيم رحيمية مقام الذات وهكذا الحال مع "الرب".

وهناك بالطبع براهين إستدلالية على ذلك مدونة في الفلسفة ـ المقصود الفلسفة العالية لا المتعارفة ـ ولكن كل ذلك غير الذي وصله الأولياء فقدم الأولياء عبرت بالسلوك المنازل وأدركوا المسألة وشاهدوها ولكنهم لا يستطيعون أن يبينوا مشاهداتهم للناس.

نزول القرآن وتنزله

والقرآن أيضاً نزل وتنزل حتى وصل إلى مخاطبة هؤلاء الأسرى في حفرة الضلالة النبي الأكرم (ص) أيضاً لا يستطيع أيضاً بيان الحقيقة الواقعية للناس إلا بأن ينزلها أيضاً، بيان الحقيقة الواقعية للناس إلا بأن ينزلها أيضاً من هنا كانت للقرآن مراتب سبعة بطون أو سبعون تنزل عبر هذه البطون حتى وصل إلى درجة مخاطبتنا نحن وأن يعرف الله نفسه بالإبل {أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}(الغاشية17) وهذا من بواعث الأسف أن يتنزل إلى الشمس والسماء والأرض ونفس الإنسان هناك عقدة في لسان الأنبياء وفي قلوبهم: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي}(طه25ـ27). فلم يستطيعوا بيان ما شاهدوه ـ بالصورة التي أدركوه ـ لم يكن مما يُقال ولذلك عمدوا إلى الأمثال والنظائر من أجل أن يفهمونا شيئاً عندما يعرّف الله نفسه لنا بالإبل تتضح المرتبة التي نحن فيها مرتبة نفس الحيوان كما تتضح طبيعة المعرفة التي نحصل عليها عن هذا الطريق معرفة هي غاية في النقص مقارنة بتلك التي ورد ذكرها فيما يتعلق بالأنبياء: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا}(الأعراف/143).

فبعدما خضع لربوبية

الحق تعالى وعبر هذه المنازل خاطب موسى ربّه قائلا: {أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} طلب منه الرؤية، ومعلوم أن طلب منه الرؤية ومعلوم أن طلب الرؤية بالعين لا يمكن أن يصدر من نبي عظيم، بل المطلوبة هي الرؤية المتناسبة مع المرئي والرائي وهذه الرؤية لا نصلها نحن فموسى يطلبها بعد أن وصل إلى مرتبة "كليم الله" فيتكلم مع ربه قائلا   {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} فيأتيه الجواب: {لَنْ تَرَانِي} يعني ـ على نحو الاحتمال ـ لا يمكن أن تكون هناك "رؤية" ما دمت موسى، مادمت "أنت" لكنه لم يجعله يرجع آيساً بل حوله إلى " {انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ}، ما هو هذا الجبل الذي يقع عليه تجلي الحق في حين لا يقع لموسى؟! انه جبل طور؟! وهذا التجلي هل بإمكان أهل ذلك العصر أن يروه لو كانوا في جبل طور؟! كانت تلك هي الشمس { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} أما {وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} (الأعراف/143). ففيها موعد للقاء لن تراني: _ {وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} (الأعراف/143). قد يكون معنى "استقر" هنا هو أن هذا الجبل أصبح "دكا" فيحتمل أن يكون معنى الجبل هو "أنانية" موسى التي كانت هناك بقايا منها لدى موسى إلى مقام "الموت" {وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا}.

كل ذلك هو بالنسبة لنا قصة فالذي أولئك بقدم الشهود هو قصة بالنسبة لنا فنحن نعيش في هذه الظلمات فلقد حدثونا عن ذاك الجبل وجبل الطور.

معنى التجلي لموسى (ع)

ذاك التجلي ـ يبدو في نظرنا ـ بأنه كان نوراً رآه موسى من جبل الطور والآخرون كانوا يرونه أيضاً فهل كان نوراً حسيّاً لكي يراه الجميع؟! كان جبرائيل الأمين يقرأ القرآن لرسول الله فهل كان الذين كانوا عنده كانوا يسمعون؟! بالنسبة لنا الأمر شجي أصله غير موجود ونحن غافلون عنه ونسمع من بعيد بالأمر.

حال الأنبياء كحال ذاك الإنسان الذي رأى رؤيا وشاهد لكن وفي لسانه عقدة عن البيان ومن حوله طرشان جميعاً، فهم لا يقدرون على البيان ونحن عاجزون عن الاستماع وقالوا ولكن ليس لنا!! فنحن نفهم القضايا التي يمكن لإدراكنا فهمها في القرآن تبيان كل شيء فيه أحكام شرعية، وله ظاهر، وفيه قصص لا نستطيع أن نفهم لبابها ما نفهمه هو ظواهرها والظواهر هي للجميع، لكن هناك شيئاً آخر ينتفع منه الجميع أما الانتفاع الذي يجب أن يتحقق فهو إنتفاع "إنما يعرف القرآن من خوطب به " (لتوضيح هذا المطلب ومعنى الحقيقة القرآنية وكيفية تنزلها تراجع إضافات العارف الكامل المولى الشيخ الشاه آبادي ـ أستاذ الإمام الخميني في العرفان ـ وقد أورد تحقيقات عرفانية دقيقة حول هذا الموضوع في كتابه "رشحات البخار" ص 12ـ34 طبعة طهران المذيلة بالترجمة الفارسية للمتن العربي) واستناداً لهذا النص، فهذا الإنتفاع مختص برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والآخرون محرومون منه إلا بتعليمه والأولياء أيضاً بتعليمه ولكن رغم هذه المنزلة فأنــه  {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ}(الشعراء193ـ194). فهو ـ القرآن ـ قد نزل وتنزل أيضاً بيد الروح الأمين لكن رسول الله في مقام التنزل وذاك النزول كان بحيث يتلقى منه مباشرة  {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}(القدر1). ففي ليلة القدر نزل جميعاً، يعني أنه تجلي بنفس ذاك التجلي في ليلة القدر، ولكن في مقام التنزل فالأعلى الروح الأمين.

يعني أن ما كان يرد على قلبه يجب أن يتنزل مراتب من هذا البطن إلى ذاك ومن هذا الحد إلى ذاك حتى يصل إلى الحد الذي يظهر على صورة ألفاظ.

حقيقة القرآن

القرآن ليس ألفاظاً، ليس من مقولة السمع والبصر ولا من مقولة الألفاظ ولا الأعراض، ولكن أنزل إلى الدرجة التي نستطيع نحن الصم العمي أن ننتفع به أيضاً، أما حال أولئك الذين ينتفعون منه بتلك الصور العليا فهو حال آخر ووضعهم التربوي وضع آخر، وكيفية تلقيهم من القرآن هي على نحو آخر غير الموجود هنا فالفرق ما بينهما كالفرق بين عالم الطبيعة وعالم الجسم وعالم الظاهر مقارنة بمراتب الغيب إلى ماشاء الله حتى يصل إلى مرتبة التجلي الأول، فتجلي الحق تعالى هو الذي يظهر من عالم الغيب ويتنزل حتى يصل إلى عالم الطبيعة، وهو نفس الفرق بين إدراكاتنا وبين ما فوقنا وما فوق هؤلاء وما فوق حتى يصل إلى مرتبة خاصة أولياء الله والأنبياء الذين هم في مرتبة ذلك التجلي الذي حصل لموسى (عليه السلام): "بنور وجهك الذي تجليت للجبل" وهناك حيث يقول: "فلما تجلى ربه للجبل" وحيث ورد في دعاء السمات:

ـ"بنور وجهك الذي تجليت للجبل" وهناك أيضاً يقول:"يا موسى إني أنا الله" هنا تجلى للشجرة فكان " أني أنا الله " وهناك تجلى للجبل فكان:"بنور وجهك الذي تجليت للجبل" جميع تلك صحيحة وكل منها تامة في مقامها.

معرفة القرآن

إذا أردنا أن نتعلم القرآن فماذا نفعل؟! هذه القضايا ليست للمتعلمين بذاك المعنى من التعليم والتعلم، عندما ننظر إلى القرآن وإلى تفاسيره نجد أنها نفس هذه التفاسير المتعارفة، ونجد في بعضها إشارات إلى هذه المعاني لكن على نفس هذا النحو من التعليم والتعلم للصم والعمي.

القرآن فيه تبيان كل شيء ولن الذي يدركه هو:"إنما يعرف القرآن من خوطب به" ما هو القرآن الذي لا يعرفه سوى من خوطب به؟ معلوم أنها مرتبة القرآن الذي:"نزل به الروح الأمين" {{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} و"نزل على قلبه" فقضية هذه المرتبة لا يمكن لأحد غيره (صلى الله عليه وآله) إدراكها ومشاهدتها، فالقضية هنا ليست قضية إدراك عقلي ولا قضية برهانية، بل هي قضية مشاهدة ومشاهدة غيبية مشاهدة ليست بالعين ولا بالنفس ولا العقل ولا القلب، المشاهدة كانت لذلك القلب الذي هو قلب العالم، قلب نبي، هو وصل وأدراك "إنما يعرف القرآن من خوطب به" هو أدراك وشاهد ولكنه لا يستطيع أن يوضح ذلك إلاّ في شكل الأمثلة والألفاظ، فكيف تستطيعون أن تفهموا الأعمى ما هي الشمس وما هو النور؟! بأي لسان وبأي قول، غير أن النور هو الشيء الذي يضيء ولكن الذي لم ير النور كيف يمكن تفهيمه معناه؟! هذه العقدة هي التي في اللسان وطرفها في الأذن وهذه هي العقدة التي كانت في ألسنة الأنبياء.

محنة الرسول الأكرم (ص)

عقدة النبي الأكرم أشدّ من الجميع، فإلى من يتحدث عن الذي شاهده وما نزل عليه من القرآن، سوى لمن وصل إلى مقام الولاية التامة؟! ولعل أحد معاني حديث:"ما أوذي نبي مثل ما أوذيت" ـ لو صحت نسبته إلى رسول الله ـ هو في الأذى الناتج عن عدم قدرة الإنسان على إيصال ما يجب إيصاله، أذى ذلك الذي لا ينبغي له أن يخبر عزيزه بالذي شاهده وهو أسمى من كل ما شاهده الجميع وأدركوه، ما أشد أذى ذلك الوالد الذي يريد أن يشاهد ولده الشمس ولكنّ ولده ضرير، يريد أن يوضح له هذا النور ولكن كيف؟! هل يتحقق ما يريد من خلال عناوين جميعها مجهولة لا غير؟! "العلم هو الحجاب الأكبر" حجاب كبير هو هذا العلم الذي يشغل الإنسان بهذه المفاهيم العامة والعقلية ويصدره عن السبيل حجاب للأولياء وكلما زاد أزداد الحجاب غلظة: الإنسان وبهذا العلم الذي لديه يتوهم أن العالم أجمع هو هذا لا غير فالإنسان أناني معجب بنفسه ما لم يخرج من هذا الغطاء.

"الاحتكار" العلمي

جميع الكمالات يحصرها الإنسان بالعلم الذي توصل إليه وأدركه، فالفقيه يتصور أن لا شيء غير الفقه في العالم، والعارف يتصور أن لا شيء غير العرفان والفيلسوف يتصور أن لا شيء غير الفلسفة، والمهندس يتصور أن لا شيء سوى الهندسة، فلعلهم يعتبرون العلم عبارة عما عرفوه بالمشاهدة والتجربة وأمثال ذلك لذا يرون أن هذا هو العلم وغيره ليس بعلم وهذا حجاب كبير، هناك حجب كثيرة تلفنا جميعاً ولكن أكبرها هو حجاب العلم هذا.

لأنه هو الذي ينبغي أن يرشد الإنسان إلى الطريق وإلى الهداية فإذا به يصده عن الطريق ويمنعه الهداية وهذا هو حال العلوم الرسمية جميعاً فهي تحجب الإنسان عما ينبغي أن يصل إليه وتولد لديه العجب فعندما يدخل العلم قلباً غير مهذب يجرّ صاحبه إلى الخلف وكلما زاد خزينة زادت مصائبه.

مهما نثرت من بذور ف الأرض الملحية فلن تحصل على ثمرة وهذا هو حال القلب المحجوب غير المهذب، القلب الذي يخالف من اسم الله البعض ومثلما يخافون من الأفعى يخشون المسائل الفلسفية رغم أن الفلسفة هي أيضاً من العلوم الرسمية الفيلسوف أيضاً يخاف ـ بنفس الصورةـ من العرفان وهكذا حال العارف لما فوقه والجميع هي علوم رسمية وكلها "قيل وقال".

علم التوحيد قد يصدّ عن التوحيد

لا أدري إلى متى نبقي على هذه الحالة يجب كحد أدنى أن نهذب أنفسنا بحيث لا تكون هذه العلوم الرسمية مانعةً لنا عن الله وذكر الله وهذه مسألة مهمة أن لا يصبح الإشغال بالعلم سبباً للغفلة عن الله وأن لا يتحول إلى عامل لبعث الغرور فينا فيبعدنا عن مبدأ الكمال.

هذا الغرور موجود لدى العلماء بمختلف الإختصاصات سواء العلوم المادية والطبيعة أو العلوم الشرعية أو العلوم العقلية فما لم يكن القلب مهذبا ظهر الغرور الذي يصد الإنسان بصورة كاملة عن الله عندما ينهمك بالمطالعة يغرق فيها وعندما يقوم للصلاة يؤديها ولكن ليس هو مع

الصلاة فماذا يعني هذا؟! كان أحد أصدقائي ـرحمه الله ـ يقول: ـ " لا أتذكر الآن إتركني إلى أن أقوم للصلاة لكي أتذكر "!! كأن الإنسان عندما يؤدي الصلاة فهو ليس في الصلاة أصلاً، لا يتوجه إلى الله وقلبه ليس مع الصلاة بل في مكان آخر قد يفكر أيضاً بكيفية حل مسألة علمية، من ذاك العلم الذي العلم الذي هو مقدمة للوصول للغاية والمقصود فإذا به يصدّ الإنسان عن الغاية والمقصود، هذا الأمر يصدق على العلوم الشرعية علم التفسير وعلم التوحيد فالقلب إذا لم يكن مستعداً مهذباً يتحول فيه حتى علم التوحيد إلى غل وقيد يصد الإنسان.

الوسيلة والغاية

العلوم الشرعية جميعاً وسائل، المسائل الشرعية جميعها وسائل للعمل والعمل أيضاً وسيلة جميعها وسائل الوصول للمقصد والغاية، وسائل لإيقاظ النفس ولكي تخرج من هذه الحجب الظلمانية هذه الحجب التي تجعلنا في ظلمات تخرج من هذه الظلمات لتصل إلى الحجب التي تجعلنا في ظلمات تخرج من هذه الظلمات لتصل إلى الحجب النورانية ويبدو أن هناك تعبير ورد في وصفها هو أن هناك "سبعين ألف حجاب من نور ومن ظلمة" (راجع بحار الأنوار (ج2 و ص395) حيث أورد حديثا عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) قال إلى حجب ربي دخلت سبعين ألف حجاب بين كل حجاب من حجب العزة والقدرة والبهاء والكرامة والكبرياء والعظمة والنور والظلمة والوقار والكمال ..." والنص مأخوذ من حديث المعراج) وحتى تلك النورية فهي حجب أيضاً ونحن لم نخرج حتى من الحجب الظلمانية لا زلنا نتقلقل في أطباقها ولا ندري ماذا ستكون العاقبة.

للعلم آثار سيئة أيضاً

العلم لم يؤثر في نفوسنا سوى بالتأثير السيء، هذه العلوم وتلك الشرعية والعقلية التي سماها المساكين بـ "الذهنيات" أي التي لا عينية لها هي وسائل للوصول إلى المقصد والغاية، ولكن كلاً منها يصدنا عن المقصد، فلا يعود علماً بل حجابا ظلمانياً وهذا هو واقع كل علم يحجز الإنسان عن الوصول إلى المقصد، وعن تحقيق ما بعث الأنبياء من أجله فبعثه الأنبياء هي من أجل إخراج الناس من هذه الدنيا ومن هذه الظلمات وإيصالهم إلى مبدأ النور لا الأنوار لا أن في هذه الجهة ظلمات وفي تلك نور النور المطلق، الأنبياء جاؤوا من أجل إيصال الناس إلى الفناء في النور المطلق وأن تفني هذه القطرة في البحر (وبالطبع المثال ليس منطبقا).

لأجل هذه الغاية كانت بعثة جميع الأنبياء، وكافة العلوم هي وسيلة العينية هي لذلك النور ونحن العدم أصلنا من هناك والعينية هي لذاك المبدأ جميع الأنبياء جاؤوا لإخراجنا من هذه الظلمات وإيصالنا إلى النور لا الأنوار، يخرجوننا من الحجب الظلمانية والنورانية ويجعلوننا نتصل بالنور المطلق.

أحيانا يكون علم التوحيد حجاباً، يقيم برهاناً على وجود الحق تعالى لكنه نفسه محجوب، نفس برهانه يبعده عن الذي يجب أن يصله، لم يكن منهج الأنبياء  والأولياء بهذه الصورة البرهانية كانوا يعرفون البراهين ولكن القضية ليست إثبات الواجب ـ تعالى ـ بالبرهان.

يقول سيد الشهداء (عليه السلام) "متى غبت"؟! (من دعائه (عليه السلام) في يوم عرفه راجع مفاتيح الجنان المعرف (ص 272)) ويقول " عميت عين لا تراك عليها رقيباً" وهي عمياء بالفعل.

القيام "الله" أولاً

المرتبة الأولى القيام {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ} (سبأ46). وقد اعتبر أصحاب السير هذا القيام المنزل الأول ولعله ليس منزلا بل مقدمة، اعتبره صاحب "منازل السائرين" (من تصنيف الخواجة الشيخ المولى عبدالله الأنصاري وعليه شرح للمولى عبدالرزاق الكاشاني) المنزل الأول، ولكن من الممكن أن يكون مقدمة والمنزل الذي يليه هو المنزل الأول.

ما في الآية وصية وموعظة من موجود عرف نفسه يقول له: ـ قل لهم: {إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ} موعظة واحدة هي: "أن تقوموا" و"لله" ومن هنا تبدأ كافة القضايا، القيام لله، أن ينهض الإنسان لله من هذه النومة، قل لأولئك النائمين الذين سقطوا هنا فاقدي الوعي: ـ لي عندكم موعظة واحدة هي أن تقوموا من مكانكم لله، من أجله اسلكوا الطريق، ونحن لم نصغي بعد لهذه الموعظة الواحدة ولم نسلك الطريق من أجله فطريقنا يؤدي إلينا حتى حال أولئك الجيدين جدا هو هذا الحال: نعم هناك طائفة من الأولياء هم على نحو آخر.

هذه الموعظة موجهة لنا نحن النائمون أما أولئك فقد وصلوا هم في العلى وسيجرونا إلى هناك، لا أحد يستطيع القول بأننا هنا الآن

فالموكلون المهيمنون على جميع قوانا يأخذوننا، هذه القوى تجرنا إلى ذلك الإتجاه فمنذ البداية وحيث نحن في الطبيعة هم يقودوننا إلى مكان آخر وسنذهب ولكن مع الظلمات والحجب ذاهبون.

مصدر الفتن

حب الدنيا هو المنبع "حب الدنيا رأس كل خطيئة" (المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء (ج5، ص 353) كتاب ذم الدنيا والحديث أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وقد تقدم ذكر مصادرا أخرى له) وقد يوصل الإنسان الموحدـ أحيانا ـ إلى نوع من البغض والسخط على الله تعالى عندما يتصور أنه تعالى قد سلبه شيئاً يحبه، وقد قيل أنّ الإنسان عندما يشرف على الرحيل إلى العالم الآخر، يأتيه شياطين لا يريدون له أن يرحل عن هذه الدنيا موحداً فيأتونه بالأشياء التي يحبها طالب العلوم الدينية مثلاً يأتونه بكتابه الذي يحبه ويقولون له أرجع عن عقائدك وإلاّ أحرقنا هذا الكتاب، ونفس الأمر مع من كان حبه للولد أو أي شيء آخر.

المعيار في التعلق

لا تتصوروا أن أهل الدنيا هم الذين يمتلكون الحدائق والبساتين، فقد يكون هناك من يمتلك الكثير منها لكنه ليس من أهل الدنيا، وقد يكون هناك طالبا لعلوم الدين له كتاب واحد وهو من أهل الدنيا، الميزان هو التعلق والارتباط، تعلق الإنسان بالأشياء، وهذا التعلق قد يؤدي إلى إيجاد العداوة لله في قلب الإنسان عندما يرى أنه راحل عن هذا العالم حيث تنقطع صلته الأشياء التي تعلق بها، فيصبح لذلك معاديا لله.

عليكم أن تقللوا من شدة هذا التعلق بمختلف أشكاله، فنحن على

كل حال راحلون عن هذه الدنيا سواء أحببنا شيئاً وتعلقنا به أم لا، فلا فرق.

سواء تعلقتم بهذا الكتاب أو هذا المنزل أم لم تتعلقوا، فهما لكم تنتفعون منهما على كل حال، فقللوا التعلق بهما، فأنتم تستطيعون أن تقطعوا هذا التعلق، فهو الذي يجلب على الإنسان المصائب وهو من حب النفس، حب الدنيا وحب الرئاسة وهو المرض المهلك للإنسان.

حب المنصب وحب المسجد وغير ذلك هي جميعاً من الدنيا، وهي من التعلقات الدنيوية، وهي حجب بعضها فوق بعض، كرارا ومرارا ما نقعد ونقول، هؤلاء لديهم كذا وكذا وأولئك لديهم كذا وكذا ـ وهم أسرى التعلقات الدنيوية ـ ولكن دققوا النظر في أنفسكم ولاحظوا كيف حالكم أنتم، ما هي شدة تعلقكم بما لديكم، قارنوها بقوة تعلق من تعيبون عليه تعلقه.

سر انتقاص الآخرين

لولا حب النفس والأنانية لما عاب الإنسان على الآخرين، فحالة تقصي معائب الآخرين الموجودة لدى بعضنا ناشئة عن أننا نعتبر أنفسنا غاية في التهذيب والسلامة والآخرين ذوي عيوب فنعترض عليهم بسببها، وذلك بسبب حب النفس الذي نرى بسببه أننا كاملون.

في تلك المقطوعة الشعرية ـ لا أريد أن أقرأها ـ ورد أن أحدهم عاب على آخر عيبا فأجابه:ـ أنا كما قلت ولكن هل يا تري أنت كما هو ظاهرك؟!

نحن نستعرض "مظاهر" للناس، من قبيل أننا جئنا إلى هنا لطلب العلم ودراسة الشريعة وأننا من جند الله وأطلقنا إسم "جند الله" على أنفسنا، فهل نحن حقيقة كما تبدو مظاهرنا؟! هذا هو الحد الأدنى أما أن يكون الباطن شيئاً والظاهر شيئاً آخر فهل هذا غير النفاق؟! فالنفاق ليس فقط أن يظهر الإنسان التدين وما هو بمتدين كأبي سفيان، فما تقدم نفاق أيضاً، نفاق هو أن يظهر الإنسان شيئاً ساميا وهو على خلافه وهو بذلك من المنافقين، والفرق هو في المرتبة.

وعلى أي حال فالعاقبة هي الرحيل عن هذه الدنيا، ولا يقال أن أولئك يدعون إلى الآخرة إلى هناك وهنا هي الدنيا، فهم ـ الأنبياء ـ وإن كانت دعواتهم جميعاً إلى الآخرة فقد كانوا يروجون للعدالة هنا.

المرتبة العليا: دوام الحضور

النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): ورغم أنه موجود إلهي، ينسب إليه قوله: "ليران على قلبي ـ وإني لأستغفر الله في كل يوم سبعين مرة" (المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء (ج7، ص17) كتاب التوبة وقريب من ه ما في صحيح مسلم (ج8،ص72) " كما جاء في هامش المحجة" هناك في المصدر إضافة "الليلة" والغين هو الغيم وعينت السماء اذا أطبق عليها الغيم)،نفس معاشرة هؤلاء الأشخاص ـ كانت تؤدي إلى كدورة ما، فالذي يجب أن يكون دائم الحضور عند محبوبة يرى في مجيء شخص ـ وإن كان صالحا للغاية ـ سائلا عن مسألة، مانعا له ـ بهذا المقدار ـ عن تلك المرتبة التي يريدها وإن كان نفس ذلك هو حضور، فالإنسان الذي يحادثه هو في عينه من المظاهر ولكن رغم ذلك يمنعه ـ بمقدار ـ عن تلك المرتبة التي يريدها وهي مرتبة دائم الحضور:ـ "ليران على قلبي وإني لاستغفر الله في كل يوم سبعين مرة " مثل هذا منقول عن النبي الأكرم.

الإشتغال بمثل هذه المسائل بالنسبة لنا حجاب يجب أن نخرج منه، ولو ـ حد أدني ـ بمقدار أن نكون حقا مثلما ما نظهر لا أن نكون خلافا لظاهرنا، لو كانت على جباهنا آثار السجود وكان ظاهرنا أننا نعمل لله فكحد أدنى يجب أن لا نرائي في الصلاة، ولو كنا نظهر أنفسنا ورعين جدا فلنتورع عن أكل الربا والاحتيال على الآخرين وهكذا.

المعنويات والحركة

أولئك الذين تصوروا أن هذه العلوم المعنوية تحجز الناس عن الحركة والنشاط هم على اشتباه.

ذات الإنسان الذي كان يعلم الناس العلوم المعنوية هذه، والذي لم يكن له نظير بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) في معرفة الحقائق، هذا الإنسان وفي نفس اليوم الذي بايعوه بالخلافة حمل فأسه وذهب إلى عمله في الزراعة ـ كما ينقل لنا التأريخ.

أولئك الذين ـ وبدافع من توهماتهم ـ يحذرون الناس من الدعاء والذكر وما ماثل، لكي يلتصقوا بالدنيا، هؤلاء لا يدرون ما الأمر، لا يعرفون أن نفس هذا الدعاء والأذكار هي التي تجعل الإنسان يتعامل مع الدنيا بالصورة المطلوبة، الذين أقاموا العدل في الدنيا هم هؤلاء الأنبياء الذين بالصورة المطلوبة الذين أقاموا العدل في الدنيا هم هؤلاء الأنبياء الذين كانوا أهل الذكر والفكر وكل شيء، وهم الذين ثاروا ضد الظلمة، وهذا نهج الأولياء أيضاً، الإمام الحسين بن علي (سلام الله عليه) قام بتلك الثورة، وهو نفسه الذي ترون دعاءه في يوم عرفة كيف هو.

الدعاء والتحرك النهضوي

هذه الأدعية هي مصدر أمثال هذه النهضات، وهذه الأدعية هي التي توجه الإنسان للمبدأ الغيبي لو أحسن قراءتها، ونفس هذا التوجه يؤدي إلى تقليل تعلق وحب الإنسان لنفسه، وهذا لا يمنع الإنسان عن الحركة والنشاط، كلا، بل على العكس هو يولد حركة ونشاطا أيضاً لدي الإنسان ولكن ليس من أجل نفسه، يل إنه يدرك أنه يجب أن يتحرك وينشط من أجل خدمة عباد الله، فهي خدمة لله.

أولئك المنتقدون لكتب الأدعية إنما يفعلون ذلك لكونهم جهلة مساكين لا يعرفون كيف أن كتب الأدعية هذه تصنع الإنسان، فأي إنسان ـ عظيم ـ تصنعه الأدعية الأدعية الواردة عن أئمتنا، كالمناجاة الشعبانية ودعاء كميل، ودعاء الإمام سيد الشهداء (سلام الله عليه) يوم عرفه، دعاء السمات...

إن الذي يقرأ المناجاة الشعبانية هو نفسه الذي يشهر السيف أيضاً هذه المناجاة كان يقرأها جميع الأئمة، ولم أر فيما يتعلق بسائر الأدعية الأخرى مثل هذا الوصف ـ قراءة جميع الأئمة لها ـ والذي يقرأها يشهر السيف ويجاهد الكفار.

هذه الأدعية تخرج الإنسان من هذه الظلمات وعندما يخرج منهما يصبح عاملاً في سبيل الله، مقاتلا في سبيل الله، قائما لله.

الأدعية لا تحجز الإنسان عن الحركة والعمل كما يدعي أولئك قاصرين آمالهم على هذه الدنيا معتبرين كل ما وراءها من "الذهنيات" لكنهم سيصلون إلى حيث يرون أن هذه الذهنيات هي "العينيات" وما كانوا يرونه عينيا هو الذهنيات.

هذه الأدعية والخطب ونهج البلاغة ومفاتيح الجنان وسائر كتب الأدعية، هي التي تعين الإنسان ليصبح إنساناً.

كل الأعمال لله

وعندما يصبح الإنسان إنساناً يقوم بجميع تلك الأعمال، يزرع ولكن لله، ويقاتل لله، أولئك الذين قاموا بأعباء كل تلك الحروب ضد الكفار والظالمين هم قراء الأدعية. أكثر أولئك الذين كانوا في ركاب الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) كان نفسه يقوم للصلاة في خضم اشتداد حمى القتال، يقاتل ويصلي، وفي اشتداد القتال قام خطيبا متحدثا عن التوحيد عندما سأله أحدهم عن التوحيد، وعندما اعترض آخر بأن الوقت غير مناسب لمثل هذا أجاب (عليه السلام): "دعوة فإن الذي يريده الاعرابي نريده من القوم" (راجع كتاب" النوادر في جميع الأحاديث "ص43 طبعة رقم والكتاب للمولى الفيض الكاشاني وهو مستدركه على شرحه "الوافي " لأصول الكافي والحديث ينقله عن توحيد الصدوق].

فالحرب هنا ليست للدنيا: علي لم يحارب معاوية لكي يتسلط على الشام الرسول الأكرم والإمام لم يكن هدفهم العراق والشام بل  هدف أن يكون الإنسان فيها إنساناً أن ينقذوا أهلها من سلطة المستكبرين هؤلاء هم أصحاب الأدعية الإمام علي الذي كان يقرأ "دعاء كميل" هو نفسه المقاتل الشجاع.

تأثير الدعاء في النفوس

الذين يبعدون الناس الأدعية ـ كما فعل يوما الخبيث "كسروي" حيث دعا إلى يوم لحرق كتب العرفان وكتب الأدعية.. هؤلاء لا يعرفون ما الدعاء وما هي طبيعة تأثيره في النفوس لا يفقهون أن جميع هذه الخيرات والبركات هي من قراء نفس هذه الأدعية حتى الذين يقرءونها ـ بكيفية ضعيفة ـ ويرددون ذكر "الله" ولو بصورة ببغاوية فأنه يتأثرون بها وهم خير من تاركيها.

المصلي ـ ولو وفق أدني مراتب إقامة الصلاة ـ هو خير من تاركها وأكثر تهذيبا فهو لا يرق راجعوا ملفات الجرائم ولا حظوا نسبة مرتكبيها من طلبة العلوم الدينية ونسبة غيرهم من مرتكبي جرائم السرقة وشراب الخمر وغيرها.

هناك في هذه الطائفة ـ المعممين ـ من تسلل إليهما ولا شك لكن هؤلاء ليسوا لا من هل الصلاة ولاغيرها تستروا بهذه الظاهر لإستغلاله فقط أما أهل الدعاء والعاملون بشعائر الإسلام فليست لهم ملفات جنائية مقارنة بالآخرين وإن ان هناك من شيء فهو قليل جدا.

الفصل بين القرآن والدعاء والحديث

للدعاء وأمثاله دخل وتأثير في نظم هذا العالم فلا ينبغي أن يختفي الدعاء من أوساط المجتمع لا ينبغي لشبابنا أن يعزفوا عن الدعاء وليس من الصحيح الدعوة للعزوف عن الدعاء تحت شعار الدعوة لعودة القرآن فهذا يعني تضييع الطريق إلى القرآن هذه من الوساوس الشيطانية فالشيطان يدعو إلى ترك الدعاء والحديث لفسح المجال للقرآن يقول يجب أخذ القرآن والإعراض عن الحديث !! وأمثال هؤلاء لا يستطيعون والأخذ الذين يقولون الدعاء ولنقرأ القرآن لا يستطيعون الأخذ بالقرآن فهذه من وساوس الشيطان التي تخدع الإنسان وهي ن الأقوال التي تخدع الشباب.

على هؤلاء الشباب أن يلاحظوا هل أن الذين كانوا من أهل الحديث والذكر والدعاء خدموا المجتمع أكثر أم الذين لم يكونوا من أهل ذلك وكانوا يزعمون "نحن أهل القرآن"؟! جميع هذه الخيرات والمبررات التي ترونها وجميع هذه الأوقاف المخصصة لمطلق الأمور الخيرية ولإعانة التي ترونها وجميع هذه الأوقاف المخصصة لمطلق الأمور الخيرية ولإعانة الضعفاء هي من عمل هؤلاء المؤمنين من أهل الذكر والدعاء والصلاة لا من غيرهم.

حتى الأعيان الأثرياء الذين بنوا ـ فيما مضى ـ المدارس والمصحات وأمثال ذلك إنما كانوا من أهل الصلاة وهذا الأمر لا ينبغي أن يغيب عن أذهان الناس بل على العكس يجب ترسيخه يجب جعل الناس متوجهين لله تعالى.

الدعاء والوصول للكمال

وإذا تجاوزنا كل هذه الأمور فأن الأدعية تعين الإنسان على الوصول إلي الكمال المطلق وهي تعين على إدارة وتسيير أمور البلاد على إدارة وتسيير أمور البلاد ومرة تكون المعونة في إلقاء القبض على السارق وأخرى تكون بأن الإنسان نفسه لا يسرق وأهل المسجد والدعاء لا يعتدون وهذا بحد ذاته معونة للمجتمع عندما يكون نصف أفراده مثلا يجتبون المعاصي لاشتغالهم بالدعاء والذكر أمثال ذلك.

فمثلا الكاسب يزاول كسبة دون معصية ولا سرقة أما قطاع الطرق

والقتلة فهم ولا شك ليسوا من أهل الصلاة والدعاء ولو كانوا من أهلها لما كانوا قتلة وقطاع طرق.

بهذه الأدعية وبهذه الأمور الواردة عن الله ورسوله تتم تربية المجتمع، إن كنتم تقرأون القرآن فهو يمدح الدعاء ويدعو الناس له:

{قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ}(الفرقان77). إذن فالذين يدعون إلى ترك الدعاء والأخذ بالقرآن يرفضون القرآن أيضاً:  {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (غافر60).

أسأل الله أن يجعلنا من أهل الدعاء وأهل الذكر وأهل القرآن بمشيئته تعالى.

ختام الدرس الثالث من دروس التفسير للإمام الخميني (قده)

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

التعليقات مغلقة.

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©