السبت ٢٥ / فبراير / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » البسملة »

الدرس الخامس

29 يونيو 2013 | في الفئة: البسملة | لا توجد تعليقات | الزیارات: 122

الدرس الخامس

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين.

قبل أن أتابع الحديث حول موضوع البحث، يجب أن أبين نقطةً قد تكون نافعة وضرورية وهي أن علة وقوع الاختلاف ـ أحيانا ـ بين أهل الرأي والعلم هي أنهم لا يعرفون لغة كل منهم فلكل طائفة منهم لغة خاصة بها.

ولا ادري هل سمعتم قصة مثل العنب بين أولئك الأصدقاء الثلاثة الذين كان أحدهم عربياً والآخر فارسياً والثالث تركيّاً، فقد كانوا يتناقشون حول ما يعدونه من طعام لوجبة الغداء، فقال الفارسي ليكن "أنكور" وقال العربي: كلا كلا ليكن طعامنا "عنباً" فأجاب التركي " لا نريد ذلك بل لنأكل "أوزوم" (الـ " أنكور أوزوم " تعني العنب بالفارسي والتركية) لقد وقع الاختلاف بين هؤلاء لكونهم لا يعرف أحدهم لغة الآخر وتكملة قصة المثل هي أن أحدهم ذهب وأتى بالعنب فعرف الجميع أن مقصودهم واحد.

المقصود واحد وإن اختلفت الألسنة، الفلاسفة لهم لغة خاصة ومصطلحات خاصة بهم وكذلك الحال مع كل طائفة، وعلينا أن ننظر أياً من هذه الطوائف الثلاثة أو الأربعة المختلفة فيما بينها، تكون لغتها أقرب إلى لغة أهل بيت العصمة وإلى لغة الوحي.

المقصود واحد، ولا أظن أن هناك أي إنسان عاقل موحد يخالف الاعتقاد بوجود الحق تعالى وكونه مبدأ جميع الموجودات وهي معلولة لمبدأ الوجود، ولا أحد يقول بأنك بهذا القميص والسروال أنت الله وما من عاقل يتصور أن فلاناً بعمامته ولحيته وعصاه هو الله فهذا مخلوق ولا إشكال ولا شبهة في ذلك ولكن يقع الاختلاف في التعبير عن العلة إشكال ولا شبهة في ذلك ولكن يقع الاختلاف في التعبير عن العلة والمعلول، وعلينا أن نعرف ما هي طبيعة اهتمام طائفة العرفاء مثلا ليكون تعبيرها عن الأمر بالصيغة الفلانية وما الذي إلى هذا الشكل من التعبير؟!.

مصالحة بين الطوائف وأشكال التعبير

وأنا الآن وحيث أريد إقرار الصلح بني تلك الطوائف وأقول أن مقصودهم واحد فلا أقصد تنزيه كافة الفلاسفة أو كافة العرفاء أو كافة الفقهاء كلا القضية ليست هذه فـ"ربما تكون خرقة الزهد مستوجبة للنار" (تعريب جزء من بيت شعر بالفارسية للشاعر الإيراني الشهير حافظ الشيرازي وفيه يشير إلى عدم صدق وصفاء كل من الصوفية وإن بينهم من يستحق النار) ولعل صاحب الدكان يطلق بعض الأقوال بما يناسب تسيير أمور دكانه إن أريد قوله هو أن هناك بين هذه الطوائف الكثير من المنزهين والاختلاف الحاصل هو اختلاف مدرسي كالاختلاف الذي حصل في مدرسة بين الأصولي والإخباري والذي وصل حد ن ينعت الإخباري الأصولي بالكفر ـ أحيانا ـ فيما الأصولي ينعت الإخباري بالجهل رغم أن مقصودها ليس اثنين مثلما أنهما أنفسهما ليسا "أثنين".

على حال فحديثنا هو في اختلاف اللغة والمصطلحات، فئة من الفلاسفة يستخدمون مصطلحات أمثال "علة العلل " و "المعلول الأول والثاني إلى آخره" و" العلية والمعلولية" و "السببية والمسببية" " و "المبدأ والأثر" وأمثال هذه المصطلحات وهي مصطلحات جافة خاصة الواردة لدى فلاسفة قبل الإسلام.

الفقهاء أيضاً لا يحجمون عن أستخدم مصطلح العلية والمعلولية، كما يستخدمون أيضاً مصطلح الخالق والمخلوق ولا بأس به أيضاً، ولطائفة من أهل العرفان مصطلحات أخرى تختلف عن السابقات، كمصطلحات لأمثال هذه الأشكال من التعبير؟! ولماذا نجدها هي بالذات الواردة في أحاديث أئمتنا (عليهم السلام)، فلا أتذكر أبدا ورود مصطلحات العلية والمعلولية السببية والمسببية وأمثالها في أحاديثهم (عليهم السلام) بل وردت استعمالات الخالقية والمخلوقية التجلي الظاهر والمظهر وأمثالها، علينا أن نفكر في سر تجلي أهل العرفان عن مصطلحات الفلاسفة مثلا أو عما يستخدمه عامة الناس، ولماذا قالوا بمصطلحات أخرى رغم أنها سببت إثارة إشكاليات أهل الظاهر ضدهم لنناقش الأمر: ـ

إشكالية التعبير بالعلة والمعلول

في مفهوم العلة والمعلول يكون هناك موجود هو العلة وموجود آخر هو المعلول، فهنا تكون العلة في جهة والمعلول في جهة أخرى فماذا يعني هذا؟! إنه يعني أنهما مختلفين مكانياً، مثل الشمس ونورها، فللشمس نفس هذا النور، ولكنه صادر عنها ومظهر لها، ولكن على نحو تكون الشمس فيه موجوداً في مكان معين، والنور موجودا آخر مكان آخر رغم أنه أثرها ومعلولها، فهل هذه المعلولية والعلية نسبة إلى ذات واجب الوجود، هي على غرار المعلولية والعلية في عالم الطبيعة؟ أي هل أنها مثل كون النار علة للحرارة والشمس علة للإنارة، في حين الأثر هنا أثرٌ مستقلٌ حتى مكانياً عن العلة فلكل منهما مكان؟!

إشكالية التعبير بالأثر والمؤثر

الأثر والمؤثر في الطبيعة غالباً ما يكونان منفصلان من جهة البعد المكاني فهل يمكن أن نقول بمثل هذا الفصل بالنسبة للمبدأ الأعلى عن الموجودات الأخرى في البعد المكاني والبعد الزماني؟! لقد قلت سابقا أن من الصعب للغاية تصور طبيعة الحالة الوجودية للموجود المجرد، خصوصاً مع المبدأ الأعلى حيث لا يمكنك التعبير بأي شيء عنه، فكيف هي هذه الإحاطة القيومية من قبل الحق تعالى للموجودات؟! ما هي كيفية ما يقوله القرآن من أن {هو معكم أينما كنتم} (سورة الحديد الآية 4) فهل أن المعية الآدمية هي من هذا القبيل؟!

الأقرب للواقع وليس الواقع

إن اختيار تعبيرات من أمثال "هو معكم" هو سبب عدم القدرة على التعبير عن الواقع، فاختاروا التعبير الأقرب في إيضاح الواقع مثلما أن الكتاب والسنة استخدما التعبيرات الأقرب في إيضاح الواقع، إذ لا يمكن فهمه، تصور القضية أمرٌ غاية في الصعوبة قضية المخلوق والخالق حسنا نحن مخلوقات الخالق ولكن ما هي وضعية البعد المكاني في هذه العلاقة وما هي كيفيتها؟ هل هي مثل كيفية النار مع أثرها، والنفس وهذه العين والأذن وقوى الحواس؟ قد تكون هذه الأخيرة أقرب من البقية لواقع تلك العلاقة ولكنها أيضاً ليست هي.

الإحاطة هي إحاطة قيومية ولضيق الخناق ـ في التعبير ـ يجب القول أن الإحاطة القيومية للحق تعالى تجاه جميع الموجودات هي بحيث أن لا مكان للموجودات إلا وهو موجود "لو دليتم بحبل إلى الأرضيين السفلى لهبطتم إلى الله" (حديث مروي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) راجع مصباح الهداية إلى الخلافى والولاية تأليف الإمام الخميني(ص99)

الذين عبّروا عن المعنى بهذا القول أو بقولهم أن الشيء الفلاني هو الحق تعالى ليس مرادهم أن هذا الإنسان الممكن الوجود ذي العباءة والعمامة هو الحق تعالى، فما من عاقل يقول بذلك، بل إن المراد هو التعبير الأقرب في تبيان القضية وطبيعة العلاقة بين الحق تعالى والمخلوق، هدف هذا التعبير هو تقريب كيفية العلاقة إلى الأذهان ولكن يصل الأمر بالإنسان إلى الغفلة وعدم التوجه عن ـ ظواهر ـ هذه القضايا فيقول بأن الشيء الفلاني هو الحق تعالى وكل شيء هو، ولكنه لا يريد أن يقول هذا هو الحق تعالى، ولهذا ترون أن الفلاسفة الإسلاميين يقولون "صرف الأشياء كل الأشياء وليس بشيء منها ".

ظاهر العبارة متناقض ولكنه المراد منها هو، أن لا نقص في صرف الوجود وهو واجد لكل سنخ من الكمال فيما الموجودات كافة ناقصة إذن فـ "ليس بشيء منها" إذا كان المراد موجودا آخر إذ يكون ناقصا والموجود التام هو الذي لا نقصان فيه وإذا كان كذلك فلا يمكن أن يكون فاقداً لأي كمال، كل كمال وفي أي موجود كان إنما هو من رشحاته وتجليه وما دام من تجليه فهو موجود في الذات على نحو البساطة الذات كل الكمال.

"كل الأشياء" يعني "كل الكمال" و"ليس بشيء منها" يعني أن لا نقص فيه أصلا وليس المراد من "صرف الوجود كل الأشياء" هو أن تكونوا أنتم صرف الوجود ولهذا تقول العبارة "ليس بشيء منها" المراد هو أنه تمام الكمال وحيث أن ما من موجودٍ يكون تمام الكمال، لذا فليس بشيء من الموجودات فعبروا عن هذه الحقيقة بتلك الصورة.

إحدى سبل تفسير تلك العبارة هي ما عمد إليه من لا إطلاع له على هذه القضايا فقال إن ما قالوه هو من باب أن "عديم اللون أسير اللون" في حين أنّ هذا الشعر لا يرتبط بهذا الموضوع أصلاً ولم يلتفتوا إلى عدم ارتباطه بواقع "الحقيقة" بل هو مرتبط بحالة النزاع التي تنشب بين أثنين فلم ينتبهوا إلى المقصود من هذا الشعر فقالوا إن ذاك كفر، في حين أنه لا يرتبط بهذه القضية بل بقضية أخرى هي سر كل هذه الحروب والنزاعات التي يقع في العالم.

دوافع النزاعات

لماذا تقع الحروب؟! وما هي دوافعها؟ التعبير باللون في هذا الشعر هو عن التعلق والارتباط وهو مستخدم بهذا المعنى في موارد أخرى كقول أحد الشعراء "متحرر هو من لون قبول التعلق" هذا اللون وعديم اللون يعني أن لا يكون متعلقا بشيء من الطبيعة، وإذا كان كذلك فلن يقع النزاع فكافة أشكال النزاع الواقعة ناشئة من هذا التعلق بالطبيعة التي يريدها كل إنسان لنفسه بحكم تعلقه بها، فهذا يريدها له وذاك كذلك فيقع النزاع في كل شأن من الشؤون، فما يريد أن يقوله هذا الشاعر هو أن لا لون في الفطرة السليمة وعندما يكون هناك صدأ التعلق فلا نزاع.

لو كان فرعن مثل موسى (عليه السلام) غير متعلق بالدنيا لما حدث كل ذلك النزاع ولو أجتمع الأنبياء كلهم في محل واحد لما حدث نزاع بينهم أبدا كل هذه النزاعات هي بسبب أشكال التعلق: "عديم اللون أصبح أسير اللون ".

الفطرة السليمة التي لا لون فيها لا تعلق فيها ولكن عندما يصبح الإنسان أسير التعلق يقع النزاع فإذا زال هذا اللون والتعلق تصالح موسى وفرعون أيضاً.

هذا الموضوع غير الأول والذي أشكل به على أصحاب تلك الأقوال، لم يتلفت إلى أن هذا الشعر ومعناه مرتبط بنزاع بين أثنين بين أثنين ولا علاقة له بأصل الموضوع المتقدم.

 

تعبيرات الأئمة واقتباس العرفاء

لاحظوا أشكال التعبير الواردة في أدعية الأئمة (عليهم السلام) فهل أنها تختلف عن تلك التي يستخدمها أولئك ـ العرفاء ـ والتي أدت بالبعض إلى الذهاب إلى حد التكفير بسبب عدم إلتفاتهم إلى مراد القوم؟! وهذا الباب هو أيضاً باب مرتبة سير الإنسان نفسه.

في المناجاة الشعبانية وهي المناجاة التي كان يقرأها جميع الأئمة ـ حسبما ورد في الروايات ولم أر في الروايات غيرها دعاء له هذه الميزة ـ ورد "إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور فتصل إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا معلقة بعز قدسك، إلهي واجعلني ممن ناديته فأجابك ولاحظته فصعق لجلالك..(مفاتيح الجنان (ص 157)) فما هي هذه المعاني والتعبيرات؟! وما معنى هذه التعبيرات التي يقولها السادة الواردة في كلماتهم الأخرى؟! ماذا يعني "كمال الانقطاع إليك "؟!  وماذا يعني طلب جميع الأئمة له؟! الإمام المعصوم يطلب من الله فما يعني ذلك؟! وما هي أبصار القلوب هذه التي يطلب من الله إنارتها؟! "وأنر أبصار قلوبنا " كيف يريد بالبصر النظر إلى الحق تعالى؟! ما هو هذا القلب وما هو بصره بحيث يكون بهذا البصر القلبي نظرة إلى الله تعالى ثم "أنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك " الإمام يطلب من الله كل ذلك من أجل غاية هي "حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور" وعندما تخرق هذه الحجب: "تصل إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا معلقة بعز قدسك " وماذا بعد ذلك؟! إنه "إلهي اجعلني ممن ناديته فصعق لجلالك" ما هو صعق الجلال هذا؟! أليس هو ما يذكره القرآن الكريم في شأن موسى (عليه السلام)؟! فهل هو غير الفناء الذي يقوله العرفاء؟

"فصعق لجلالك" مرتبة يرتفع إليه مرتبةً مرتبةً، أبصار القلوب تخرق جميع الحجب، "فتصل إلى معدن العظمة" ما هو معدن العظمة الذي تصل إليه؟! وما هو هذا الوصول؟! أليس هو نفسه الوصول الذي يقوله أولئك "ومعدن العظمة" هل هو غير الحق تعالى؟! هل يمكن لغيره تعالى أن يكون معدن العظمة الذي يجب أن تصدر منه كافة أشكال العظمة؟! وعندما تصل إلى هذا المعدن "تصير أرواحنا معلقة بعز قدسك" وهذا المعنى هو نفس ما يقوله أولئك ـ العرفاء.

لو التفت الإنسان إلى كافة أطراف القضية لما استطاع أن يعبّر عنها "بالعلة والمعلول" لضيق هذا التعبير، ونفس الأمر يصدق على تعبير "الأثر والمؤثر" أما تعبير التجلي "تجلي ربه للجبل" فهو الأقرب ـ الأقرب وحسب ـ إلى المعنى الذي لا يمكن التعبير عنه أصلا.

قضية تصورها أصعب من تصديقها

العلاقة ما بين الحق تعالى والخلق هي من القضايا التي يكون تصورها أصعب من التصديق بها، فتصديقها ممكن إذا تصورها الإنسان ولكن كيف نتصور موجوداً لا يغيب عن أي مكان ولا يغيب عنه مكان؟! موجود في بواطن الأشياء وظواهرها وهي معلولة له أيضاً.

كيف نعبر عن مثل هذا المؤثر هو في باطن أثاره ـ الأشياء ـ وفي ظواهرها "لا يخلو من شيء" وما هو التعبير الذي يؤدى حق هذا المطلب؟! لا يمكن التعبير عن ذلك إلا لأهله أولئك الذين يدعون بأمثال المناجاة الشعبانية سائلين الله ما سألوه.

وعلى ما تقدم يتضح أنه ليس هناك اختلاف يستوجب أن تنسب طائفة أخرى إلى الكفر وتنسب الثانية الأولى إلى الجهل، أنت أيضاً إذا أردتم أن تتحدثوا عن المعنى المتقدم فكيف تعبرون عنه؟! أفهموا ما يقوله أولئك إفهموا ما في قلب ذلك الإنسان الذي لا يستطيع أن يعبر عن ذلك المعنى إلا بمثل تلك التعبيرات، فمرة يسطع في قلبه نور بدرجة يقول معها ـكل شيء هو والجميع هو ".

على (ع) عين الله ونوره

توجد في أدعيتكم أيضاً تعبيرات من أمثال "على عين الله نور الله ويد الله" (وردت في الزيارة الثالثة من زيارات الإمام علي (عليه السلام) وهي مروية عن الإمام الصادق (ع) " السلام عليك يا نور الله التام " (ص 352 من مفاتيح الجنان وجاء في الزيارة السادسة ص 355 " السلام عليك ياعين الله الناظرة ويده الباسطة وأذنه الواعية وحكمته البالغة) فماذا تعنى هذه أليست هي من نظائر التعبيرات التي يستخدمها أولئك؟! ونفس هذه التعبيرات واردة في الأحاديث الشريفة التي تصف الصدقة التي تضعها في يد الفقير إنما تصل إلى يد الله وفي القرآن أيضاً ورد قوله تعالى {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} المعنى واحد وهو نفس ما تقولونه جميعاً ولكن ذلك المسكين الذي يلمس المعنى عياناً لا يستطيع أن يعبر عنه بهذه الصورة وبالكيفية التي يراه بها ولذلك فهو يستخدم مثل تلك التعبيرات وهي كثيرة في القرآن وخاصة في الأدعية فهي مليئة بهذه التعبيرات التي يستخدمها أولئك فلماذا نسيء الظن بمن يستخدمها؟! اسعوا إلى فهم المراد والدافع إلى إستخدمه مثل هذه التعبيرات؟! ما هو الألم الذي أضطره إلى  إستخدمها والإعراض عما يستخدمه عامة الناس، وهو يعلم ماذا سيلقاه بسبب استخدام مثل هذه التعبيرات، فلأجل أن لا يضحي بالحقيقة من أجل نفسه ضحى بنفسه من أجل الحقيقة، ولو أننا فهمنا قوله ومراده لعبرنا عنه بنفس ما عبر به ومثلما أستخدمه أيضاً القرآن والأئمة.

والأمر ليس هو على نحو يكون معه المراد من تعبير "هذا هو الحق" هو أن هذا هو الله واقعاً فما من عاقلٍ يقول ذلك، ولكنكم ترون ظهرواً لا يمكن التعبير عنه بصورةٍ لا يكون معها انفصال مثلما ورد في أحد الأدعية وصف الأولياء: "لا فرق بينك وبينهم إلا أنهم عبادك خلقها بيدك فتقها بيدك" (مفاتيح الجنان (ص73) فهذا من باب ضيق التعبير، واختيار هذا التعبير من باب كونه الأقرب إلى المعنى ونفس الأمر يصدق على ما ورد في الكتاب والسنة.

لا تسيئوا الظن بالذين يستخدمون هذه التعبيرات وأي أشخاص صالحين هم، لقد عاصرنا عدداً منهم وعرفناهم عن قرب ورأينا حالهم وتبحرهم ودقة نظرهم في كل تلك العلوم، ورأينا وصولهم إلى الكمال، هؤلاء كانوا يستخدمون أيضاً مثل هذه التعبيرات كالتجلي والظهور وتجليك ...

وورد في دعاء السمات التعبير بـ "طلعتك " (ورد هذا المقطع ضمن أحد أدعية شهر رجب وهو مروي عن المهدي المنتظر أرواحنا لتراب مقدمة  الفداء راجع مفاتيح الجنة ص 134) والتجلي والنور ونور وجهك وباسمك....، وعليه فأصلحوا حال الذين يسيئون الظن بهؤلاء العظام وبالطبع أنا لا أريد تنزيه الجميع (فعندما أدافع عن الحوزويين وعلماء الدين لا أقصد أن جميعهم على نحو وبمستوى واحد) إنّ ما أعترض عليه هو أن تسقطوا الجميع وليس أني أطالبكم بتأييد الجميع، وهنا أيضاً فما أريد قوله هو أن لا تتوهموا كفر كل من قال مطلبا عرفانياً أو نطق بكلمة عرفانية.

حققوا في المطلب أولاً

 انظروا أولاً إلى ما يقوله وما هو مراده ومقصوده منه، فلا أعتقد أن من يفهم مقصوده سينكره عليه، فهذه القضية هي كقضية قصة مثل "العنب وأنكور وأوزوم" فالأمر وأنتم تعبرون عنه بتعبير معين، والآخر يحدث عنه ضمن مصطلح العلية والمعلولية والثالث بالسببية والمسببية والرابع بالظهور والمظهر.

حسنا نحن أيضاً بماذا نعبر عن وجود موجود في كل مكان وهو كل الأشياء ولكنه ليس بشيء منها؟! ترون الأحاديث الشريفة تقول: "علي يد الله علي عين الله" (تقدم ذكر مصدرها) والقرآن الكريم يقول: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} (سورة الأنفال الآية 17) {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله}  (سورة الفتح الآية 10) و {يد الله فوق أيديهم ] (سورة الفتح الآية 10) فهل الـ "فوق" هنا مكاني؟! كلا بل هو "فوق" معنوي علو لا يمكن التعبير عنه، ولا يمكننا التعبير عنه بما هو حق التعبير.

كما أن الله تبارك وتعالى أجل من أن يكون مختلطاً بشيء أو مرتبطاً بشيء وفق هذه المعاني، بل وجلّ وتعالى عن أن نفهم كيفية تجليه وظهوره فحتى تجليه مجهول لدينا، لكننا نؤمن بواقعية الأمر ولا ننكرها ونرجو أن نكون معتقدين بما ورد في القرآن الكريم والسنة عن هذه القضايا وعن تجلي الحق تعالى لخلقه وظهوره وكونه {هو الظاهر والباطن}، كما ورد في سورة الحديد وقد ورد في الحديث الشريف أن الآيات الستة الأولى من سورة الحديد قد أنزلت لرجال يأتون في آخر الزمان هم الذين يفهمونها، وفيها كيفية الخلق وأمثالها وفيها يقول: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن}، {هو معكم أينما كنتم} (سئل علي بن الحسين (عليهما السلام) عن التوحيد فقال إن الله عز وجل علم أنه يكون في أخر الزمان أقوام متعمقون فأنزل ـ الله تعالىـ (قل هو الله أحد) والآيات من سورة الحديد إلى قوله (وهو عليم بذات الصدور) فمن رام وراء ذلك فقد هلك أصول الكافي ( ج1ـص91) باب النسبة) وحتى آخر الزمان هذا لن يشهد بتلك السرعة ظهور من يستطيع أن يفهمها فلعل شخصا واحدا أو اثنان سيظهران في العالم يستطيعان فهمها.

شمولية الإسلام وأصوله

إن ما أدعو له بالدرجة الأولى هو أن يرتفع سوء الفهم بشأن هذا الموضوع ويزول الاختلاف المدرسي بين أهل العلم، وتزول العقبات عن طريق انتشار المعارف فالإسلام لا ينحصر في الأحكام الفرعية، فهذه فرع والأصل شيء آخر ول ينبغي أن نضحي بالأصل من أجل الفرع ونقو أن لا وجود للأصل أساسا أو نخترع أصلا غير واقعي ينقل أحد السادة أن الشيخ محمد البهاري ـ على ما يبدو ـ قال عندما ذكر أحد الأشخاص "إنه عادل كافر" فقلنا:ـ كيف هو عادل وكيف هو كافر ؟! فأجاب: "عادل لأنه يعمل وفق الموازيين الشرعية ولا يرتكب المعاصي لكنه كافر لأنّ الإله الذي يعبده ليس هو "الله ".

كل موجود يرى كمال الله من نفسه

وقد ورد في رواياتنا أن النملة تتوهم أن لله زبانيتين (وفي كلام الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليهما السلام) إشارة إلى هذا المعنى حيث قال: " كل  ما ميزتموه في أدق معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم ولعل النمل الصغار تتوهم أن لله تعالى زبانيتين فإن ذلك كمالها وتتوهم أن عدمها نقصان لمن لا يتصف بهما وهكذا حال العقلاء فيما يصفون الله تعالى به " انتهى كلامه (صلوات الله عليه) كتاب التوحيد العلمي والعيني (ص252ـ253) نقلا عن كتاب الأربعين للشيخ البهائي)، وهذا من حب النفس ويفهم أنه موجود في النملة أيضاً، والنملة مخلوق عجيب حقا، وهي عندما تتصور أن لله زبانيتين فلكونها تعتبر أن امتلاك زبانيتين كمالاً ـ على ما يبدوـ ونحن أيضاً عندما نريد أن نعبر عن كمالاته تعالى ننطلق مما نتصوره كمالاً عندنا هذه النملة تصف سليمان وجنوده بأنهم لا يشعرون {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون فتبسم ضاحكا من قولها}(سورة النمل 18ـ19) ضحك من أن تقوله ذلك وقول النملة هذا موجود في كل مكان ينطق به كل شيء ـ قال مثله الهدهد أيضاً {أحطت بما لم تحط به} (سورة النمل الآية22) والخطاب هنا هو لسليمان النبي الذي جلب أحد أصحابه وجلساؤه عرش بلقيس {قبل أن يرتد إليك طرفك} (سورة النمل الآية40) ولم يحدث مثل هذا للإنسان حتى الآن فكيف جلبه وماذا كانت حقيقة الأمر؟! هل كانت اتصالاً أم إعداماً وإيجاداً أم تحويلاً للعرش إلى موجات كهربائية ثم إيصاله وإعادته إلى ما كان عليه؟! نبي الله سليمان كان أحد أصحابه يعرف حرفا من الاسم الأعظم ـ كما ورد في الروايات ـ (جابر الجعفي عن الباقر (ع) قال: " إن اسم الله الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفا وإنما كان عند آصف منها حرف واحد فتكلم به فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس حتى تناول السرير بيده ثم عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة عين وعندنا نحن الإسم الأعظم اثنان وسبعون حرفاً وحرف واحد عند الله تبارك وتعالى استأثر به في علم الغيب عنده ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" راجع الكافي للكليني (ج1،ص230) وهناك طرق أخرى عديدة للحديث المتقدم كما وردت أحاديث أخرى بمعناه في الكافي وغيره) وهو يأتي له بالعرش {قبل أن يرتد إليك طرفك} ويخاطبه الهدهد: {أحطت بما لم تحط به} وسليمان (عليه السلام) لا يعترض فهو كان يجيب على قدر فهمهم ويتعامل معهم وفق ذلك.

الحرمان من الحقائق المعرفية ظلم

إن الذي أريد قوله هو أن من  الظلم أن تبقى طائفة من أهل العلم الصالحين الطيبين محرومة من هذه الحقائق ومعارفها.

عندما جئنا إلى قم كان فيها المرحوم الميرزا علي اكبر الحكيم (رحمه الله)، وعندما تأسست الحوزة العلمية في قم، قال أحد " المقدسين" توفى أيضاً ـ (رحمه الله): "انظروا إلى أين وصل الإسلام بحيث فتحت حتى باب منزل الميرزا على اكبر؟!

العلماء كانوا يذهبون للدراسة عنده أمثال السادة المرحوم الخوانساري والمرحوم الاشراقي ورغم ذلك يقول الرجل:" انظروا إلى أين وصل الإسلام بحيث فتحت باب منزل الميزرا علي أكبر أيضاً " يقولون بشأن الميرزا مثل هذا القول رغم أنه كان صالحاً للغاية، ولكنّ قائلهم صعد المنبر بعد وفاة الميرزا علي أكبر وقال إنه شاهده بنفسه يقرأ القرآن !! وقد تأذى المرحوم الشاه آبادي من هذا القول.

من الظلم أن تُحرم حوزة علمية من بركات وخيرات موجودة، أن تحرم حتى من الفلسفة وهي علم  عادي فضلاً عن غيرها، والمهم هو عدم وصول من فيها إلى حقيقة المطلب، وهذا ما دفعني إلى الحديث المتقدم فلو أدركوا حقيقة الأمر لما كان هناك نزاع ولما كان هناك تكفير لمن يستخدم تلك التعبيرات فلو أدركوا ما يقول لما أنكروا فهم لا يدرون ما الذي يقوله، ولذلك ينكرون وهذا هو ابتلاءه فتعبيره "كفري"!! وهو يرى أن التعبير بالعلية والمعلولية لا يعبر عن حقيقة الأمر.

وما قلته يضع مرات خلال الأيام الماضية من أن الاسم غير مستقل عن المسمى، فهو لكون أن الاسم ظهور وعلامة ولكن ليس كالعلامات التي توضع لفراسخ المسافات، فلا يمكن التعبير عنه بأنه علامة، بل "الآية" كمفردة أقرب للواقع وهذه هي أيضاً تعبير يستخدم لـ "ضيق الخناق".

القرآن أيضاً جاء وفق ذلك، وكما قلت سابقا فهو مثل المائدة التي يجب أن ينتفع كل إنسان بما فيها قدر سعته، وهي ليست حكراً على فئةٍ خاصة بل هي للجميع وعلى الجميع وعلى الجميع أن ينتفعوا منها كل على سعته وكذلك الحال مع أدعية الأئمة (عليهم السلام) ففيها كنوز من المعارف ولكن مع ذلك فهم يقومون بفصل الناس عنها.

الدعاء يفسر القرآن

الأدعية مليئة بالمعارف وهي لسان القرآن ومفسرة القرآن بخصوص القضايا التي لا يصلها الآخرون.

لا ينبغي عزل الناس عن الأدعية، ولا ينبغي القول بأننا ما دمنا وصلنا إلى القرآن ونريد تلاوته فلا حاجة للدعاء، كلا، يجب أن يأنس الناس بالدعاء فبذلك يصلون إلى الأنس بالله أولئك الذين يأنسون بالله المتحررون من أسر الدنيا، والذين لا يرون لأنفسهم قيمة العاملون لله، ومنهم المقاتلون في سبيل الله هؤلاء هم قراء الأدعية، لهم تلك الحالات وهم يقاتلون في سبيل الله فلا ينبغي عزل الناس عن هذه البركات، القرآن والدعاء ليسا منفصلين مثلما أن النبي ليس منعزلا عن القرآن.

لا ينبغي لنا القول بأن لدينا القرآن فلا حاجة لنا بالنبي، الأمر واحد وهما معا " لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " (ذيل حديث الثقلين الشهير)  فلا افتراق، ولا ينبغي أن نفصل بينهما فنأخذ القرآن بمعزل عن الأئمة والأئمة بمعزل عنها والأدعية بمعزل عنه، ونقول لا حاجة لنا بالأدعية فلنحرق كتبها أو مثلا لنحرق كتب العرفاء، فمثل هذا الموقف ناشئ من كونه أصابه لا يعلمون ما الأمر، مساكين، والإنسان إذا تجاوز حده سقط في الخطأ.

عاقبة الغرور

" كسروي" كان مؤرخاً، معلوماته التأريخية كانت جيدة، بيانه كان جيداً ولكنه سقط في الغرور حتى وصل به الحال أن قال:" أنا نبي أيضاً" أعرض عن الأدعية كافة وقبل القرآن، أنزل النبوة حتى أوصلها إلى مستواه لم يستطع الارتفاع إليها فأنزلها إلى مستواه.

الأدعية والقرآن وأولئك ليسوا منعزلين عن بعضهم البعض، كما أن العرفاء والشعراء العرفانيون جميعهم يتحدثون عن حقيقة واحدة والذي يختلف هو أشكال التعبير فللشعر لغته الخاصة و"حافظ" نفسه له لغته الخاصة، يتحدث عن نفس تلك الحقائق ويقول ما يقوله أولئك ولكن بلغة أخرى، أشكال التعبير هي التي تختلف فلا ينبغي إبعاد الناس عن هذه البركات، بل يجب عليهم أن ينتفعوا من هذه المائدة الإلهية الكبيرة العامرة التي تشمل القرآن والسنة والأدعية فقد دعى الله الجميع للانتفاع منها كل على سعته.

مقدمة ولكن وا أسفاً

كانت هذه مقدمة للمواضيع التي ستأتي تباعا لو كان لنا عمر، فإذا استخدمنا أحيانا مثل أشكال التعبير تلك فلا تقولوا أنك أعدت هذه التعبيرات مرة أخرى إلى الساحة كلا ولا يجب أن تعود هذه التعبيرات مرة أخرى.

إنني قلت للمرحوم الشاه آبادي (رحمه الله) وكان يحدث عدداً من الكسبة عن هذه القضايا مثلما كان يحدث بها الجميع قلت له: ـ أين هؤلاء من هذه القضايا؟! فأجاب "دع هذه الكفريات تطرق أسماع هؤلاء أيضاً !!".

نعم.. كان لدينا مثل هذه الشخصيات، فإذا لم تنسجم مع ذوقي فلا ينبغي الإنكار والقول:ـ ما هذه؟! وفلان وفلان !! هذه المواقف خاطئة.

والحديث الآن هو في "الرحمن الرحيم " الموجودين في البسملة وفي {الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم} فهل هما في البسملة صفات للاسم أم "لله"؟ هناك احتمالات سنرى فيما بعد إن شاء الله أيهما أقرب للفهم والسلام.

نهاية الدرس الخامس من دروس التفسير المعرفية التي ألقاها الإمام الخميني (قده).

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

التعليقات مغلقة.

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©