الأحد ٢٦ / فبراير / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » الحكومة العلوية في قراءة الإمام الخميني (ره) »

مباني التساهل والتسامح

30 يونيو 2013 | في الفئة: الحكومة العلوية في قراءة الإمام الخميني (ره) | لا توجد تعليقات | الزیارات: 75

مباني التساهل والتسامح

تكمن أسس التساهل ومبانيه في الليبرالية المعرفية ونظرياتها عن الإنسان أيضاً، فمن ناحية معرفية تُعد محدودية العقل وقابليته للخطأ أساس التسامح ‏والتساهل، فحيث لا يمكن للعقل الوصول إلى الحقيقة، أي لا يستطيع تحديد صحّة أفكاره وعقائده وصوابها، فلن يمكن له إظهار أية حسّاسية تجاهها، وإنما يطالب بسلوك منهج التساهل إزاء عقائد الآخرين وأفكارهم.

 تقضي الحالة الطبيعية أن يرى الإنسان بطلان معتقدات الآخرين، ومن ثمّ نفيها، إذا ما حاز اليقين بحقّانية معتقداته، لكن الليبرالي حيث لا يؤمن بصحّة معتقداته ‏على نحو اليقين والجزم, ويرى عقائد الآخرين، كعقائده، نسبية, ملزم بإبداء التساهل إزاء كافة العقائد والأفكار المتنوّعة الأخرى.

 وفي الواقع، فإن هذا الأصل يُعد واحداً من مباني التساهل والتسامح في الغرب، أي أنه لا مجال لإصدار الحكم في الأمور العقلانية وكذلك الأخلاقية، بمعنى: عدم إمكانية الحديث عن يقين لا في عالم الحقيقة ولا في عالم القيم، فنحن لا نملك لمعرفة الحق والباطل أي ملاك ومعيار, لا في دائرة الواقعيات ولا في مجال القيم ‏والأخلاقيات، وهذا معناه: عدم إمكانية العمل في نطاق محاكمة الأمور المختلفة لا سيما ما يتعلّق منها بالقيم، حيث لا يمكن تحديد ما هي القيمة وما هي الأمور المناقضة لها، وهكذا الحال في دائرة المعتقدات، حيث لا يوجد أي معيار كلّي ومطلق يمكن الاعتماد عليه، ومن هنا اتّصفت الاعتقادات بصفة الفردية ‏والشخصية.

 ولذلك كان لا بدّ من النظر إلى معتقدات الأفراد على أساس نفسي سيكولوجي لا على أساس معرفي ايبستمولوجي، فهذه الاعتقادات مجرّد أمور فردية باطنية لا ضرورة لوجود دعامة عقلانية لها.

وعلى أساس المباني الفكرية الليبرالية لا بدّ من الحديث عن التعدّد والتنوّع الحر في عالم النظريات, لا عن‏ صحيح هذه النظريات وباطلها.

 وحيث لا يعترف الليبراليون بالوحي؛ تتساوى عندهم قضية التساهل والتسامح بين دائرة العقل والوحي، ولا يرون بينهما فرقاً، فالتساهل نظرية مرتبطة بدائرة ‏المسائل العلمية والفلسفية، فالأشخاص الذين يطرحون التساهل في ما يتعلّق بالنظريات المختلفة بغية الوصول إلى الحقيقة إنما يتكلّمون على أمر حق، بَيْدَ أن ‏الحديث عن التسامح في ما يرتبط بالأمور الآتية من قِبَل الوحي لا معنى له.

 لنفرض أننا نملك مقداراً ضئيلاً من المسائل اليقينية في العلوم والفلسفة، لكن هذا لا ربط له بيقينيات الوحي.

 لقد دفع تحريف الكتاب المقدّس, والاختلافات العديدة المتّصلة بالديانة المسيحية العلماء الغربيين إلى القول: بعدم وجود أمور يقينية، كما أنّ المواجهات التي نشأت نتيجة التفتيش عن المعتقدات لم تكن بعيدة عن التأثير في مبدأ التساهل والتسامح أيضاً.

 عندما نقول: إنه لا مجال للتساهل والتسامح في ما يرتبط بالحقائق المستمدّة من الوحي، فإننا لا نعني فرض الحقيقة على الآخرين بالقوّة، فليس ثمّة تعارض بين‏ الحقّانية والقبول الاختياري بالحقيقة، ومن هنا كان لا بدّ من تهيئة الأرضية المناسبة لاعتراف الآخر بالحقيقة, من طريق الأدلّة العقلية والوسائل المقنعة؛ وذلك ‏نظراً لاتّصال العقيدة بالعقل والقلب.

 المبنى الآخر لمبدأ المداراة والتسامح عند الليبرالية, هو: منظومتها النظرية الانتروبولوجية، فالرؤية الليبرالية إلى الإنسان تستبعد مسألة الكمال الإنساني، بحيث إنّ‏ّ لكل إنسان الحق في العمل وفق ما يرغب فيه، ومن ثمّ فمسألة العقيدة ليست من لوازم إنسانيته، وهذا ما يؤدّي إلى القول: إنه لا ينبغي أن يكون هناك نوع من ‏الحسّاسية إزاء أي معتقد خاص أو فكرة معيّنة، لقد آمنت الليبرالية بأن الهوية الإنسانية تكمن في الحرية والميول الفردية, لا في الفكر والعقيدة.

 إذا عنى التساهل مجرّد تحمّل آراء الآخرين، أو القيام بحوار معها، فإنه سيصبح ممكن القبول حينئذ، أمّا إذا عددناه: الحرية في إبراز أية عقيدة, واللامبالاة إزاء عقيدة معيّنة، فلا يمكننا الموافقة عليه حينئذ، كما هي الحال لدى بعض المفكّرين الغربيين, الذين يؤكّدون أنّ التساهل والمداراة ليسا مطلقين، ولا يمكن القبول ‏بهما كذلك، فعندما تتعارض الأصول سوف تصبح المداراة ليس صعبة فقط, بل غير مطلوبة أيضاً، وإذا أراد فريق إبادة اليهود, فيما عارض الآخر المناهضة لهم؛ فإن ‏هذين الفريقين لا يمكنهما أبداً التوافق في ما بينهما، يكتب بلاشر فيقول: «هل أنّ تحمّل العقيدة وإبرازها جائز في كافة الحالات؟ إنّ الكثير من الخطابات يعقبها نوع من الهجوم على رجال الحرس ومنازلهم، فهل يجب على الدولة أو المجتمع ممارسة المداراة إزاء الأعمال (والمقولات) التي تنجر إلى حركات غير قابلة ‏للتحمّل أو أسوأ؟»([1])، من الناحية العملية أكثر المجتمعات مداراة أكثرها فقداً للهدف، وأكثر الأفراد مداراة هو ذاك الذي لا يملك اعتقاداً بشي‏ء أصلاً، ولديه نوع من النزعة التشكيكية‏»([2]).

 وخلاصة القول: ليس من الجائز عَد تحمل العقائد، أو إبرازها، مداراةً وتساهلاً، كما أنّ معرفة الحد الفاصل بين إبراز عقيدة ما والعمل وفقها ليس أمراً سهلاً دائماً،«إنّ محاضرة أو خطاباً عرقياً ليس مجرّد بيان للعقيدة, بل هو مبادرة سياسية قوية‏»([3]).

 يرى جون سيتورات مل: أنّ الأعمال لا يصح أن تكون حرّة بدرجة المعتقدات، وإبراز المعتقدات قد يؤدّي ضمن ظروف معيّنة إلى إيجاد سلسلة من الأعمال ‏الموجبة للتحريك والهيجان، أي أنّ إبراز عقيدة ما قد يفضي إلى عمل مُعيّن.

ـــــــــــــــــــــــ

([1]) ظهور وسقوط ليبراليسم، ص 101.

 ([2]) م.ن، ص 102.

 ([3]) م.ن، ص 101.

 

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

التعليقات مغلقة.

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©