الأربعاء ٢٦ / أبريل / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » الصراع الحضاري والعلاقات الدولية »

الفصل الثاني: الإمام الخميني بالإسلام والصراع الحضاري ـ قراءة في التأسيس والمنهج

1 يوليو 2013 | في الفئة: الصراع الحضاري والعلاقات الدولية | لا توجد تعليقات | الزیارات: 90

الفصل الثاني: الإمام الخميني بالإسلام والصراع الحضاري ـ قراءة في التأسيس والمنهج

كنا عرضنا في الفصل السابق محصلة تجريبية الفكر الغربي في آخر ظاهراته، بعدما جرى إخضاعه "للمونتاج" الأميركي، فتم تجويفه مما كان قد تضمنه في أزمنة سابقة من قيم إنسانية وأخلاقية حيثما تسنى لها أن تظهر وتتسق…، إلى درجة غدا فيها ناطقاً/ مُعَقِلناً للسياسي، ومنُظراً له، ومنشئاً بنيته الإيديولوجية.

 فما إجابة الإسلام بالإمام الخميني، ـ وهي عندنا ذاتها إجابة الإمام بالإسلام ـ عن السؤال الإشكالي المطروح حول حقيقة "الصدام" بين الأمم والشعوب، أو بين الدول؟…وهل هو صدام بمضمون وأدوات عنفية، استناداً إلى أطروحة صامويل هانتغتون التي سبق وأفضنا في تحليلها، أم انه "صراع" من نمط خاص لا يفرض بالضرورة الاحتكام "الغريزي" إلى العنف، أو الإخضاع القسري، أو العدوان، حتى ليبدوَ الحق والعنف كنقيضين، كما يذهب إلى القول سيغموند فرويد([1])؟

 كل كل تصور للوجود وما وراء الوجود، وكل فهم للإنسان والقيم ولقضايا الحياة والمعيش وأصول انتظامها، وكل منظومات العلاقات الاجتماعية وصيغها، وكل نظرة إلى العالم ووعي بالتاريخ… هذه جميعها في الإسلام ذات أصول حضارية ومنها تَصْدَعُ وتُسْتَولد، ولا يمكن أن يكون سلوك الكائن البشري، وممارساته وفعاله ووعيُه، إلا انطلاقاً من اعتقاداته وإيديولوجيته، وأفكاره، وما يؤمن به من قيم ومعايير وضوابط. أي ان الصورة المنعكسة في أذهاننا عن أنفسنا وعن الوجود، وعن الناس وعلاقاتهم، وعن الحياة… هي ذات تأثير مباشر في وعينا، وأعمالنا، وفي سلوكنا الاجتماعي، وفي أنماط الحياة الفردية، والاجتماعية التي نختارها. أي أن كل إنسان يعيش وفاق رؤية حضارية، ويتخذ لنفسه انتماء إلى مشروع حضاري([2]). ولأن الإسلام يحمل في ذلك كله رؤيات، وأفكاراً، ومفاهيم، ومواقف، تتراوح بين النص التفصيلي الدقيق، وبين صيغة المبادئ العامة، وتتماسك في مدار منهجي، واعتقادي متكامل واحد، وتنضبط فيه باعتباره ديناً توحيدياً هو دين الله سبحانه، فهو ـ أي الإسلام ـ باعتقاد التوحيد، صاحب منهج حضاري شمولي، وبتلك الرؤيات والمفاهيم، والأفكار، والقوانين المتحركة في مدى منهجه، هو صاحب حضارة… أي صاحب مشروع حضاري يضفي التأليه على ما ليس مقدساً، ويجعل المؤله دنيوياً.

 وبهذه الدلالات نفهم قوله تعالى: {إن الدين عن الله الإسلام}([3]) الذي يعني أن الإسلام هو التسليم للبيان الصادر عن مقام الربوبية في المعارف والأحكام([4]) بما هي نظام شمولي وتفصيلي للحياة في آنٍ معاً. أي بما ان هذا النظام حضورٌ تشريعي واحد مودَعٌ في الفطرة الإنسانية، فهو في حقيقة أمرٌ واحد، وإنِ اختلف كماً وكيفاً في شرائع الأنبياء والرسل([5]).

 إن التصور التوحيدي المستند إلى المنهج الحضاري التوحيدي يعني: "أن العالم ذو قطب واحد، ومحور واحد، وأن مبدأه ومرجعه واحد"([6]). وبذلك تتجه موجودات العالم في "اتجاه واحد ونحو مركز تكامل واحد، وفق نظام منسجم"([7])، بحيث يصبح هذا المركز "غاية غايات" الموجودات، ورافعة العلاقة بين الإنسان والعالم بتدبير من ذلك المركز/ المصدر والمنتهى الواحد([8])، وهو الله الذي لا غاية ولا هدف للإسلام فوقه([9]).

 إن الحضارة ـ عندنا ـ هي تبصّرٌ بالغايات([10]) ـ والغايات ـ إسلامياً ـ هي الموجهةُ لحركة الإنسان، وفكره، ومعرفته، وأفعاله، ووسائله([11])، بحيث لا تنفصل الغاية عن وسيلتها، ولا عن وسيلة تَحَقّقِها. فتكون الحضارة الإسلامية نسيج الإسلام، ونظام تحقق غاياته، ويكون الإسلام كيان الحضارة الإسلامية، وضابط نظام أجزائها، وانجازاتها، وظاهراتها؛ وهو بهذا المعنى كيانها الفكري وعلله، ومصادره، ومُنْتِج تجلياته في القول والعمل والتطلعات، ومعايير محاكمته للوجود والأشياء وعلاقات البشر بالعالم، وتنظيم اجتماعهم فيه… إنه بمعنى آخر مشروعها الحضاري الذي تلتزم تحقيقه لأنه المشروع الحق، والأفضل، والأكمل للناس جميعاً؛ وهو الناقد والمصوب للانحرافات البشرية، والمدافع عن حقوق المظلومين كافة، والمختزن لكدح البشرية، المجسد في إنجازاتها، وهو المُعين في تصنيف الأولويات وتمييزها، واختيارها بما يتلاءم وخير الإنسانية جمعاء. ومن هنا اعتبارنا: أنه مشروعها الحضاري الخاص الناهد إلى التحقق الدينامي وصولاً بالإنسان إلى التكامل في بناء ذاته، وقيادة العالم الذي استخلف فيه إلى الغاية التي من أجلها فُوِّضَ بتلك القيادة، وحُمّل مسؤوليتها بناءً على خياراته الحرة([12]).

 وبذلك المضمون المنهجي والكياني للحضارة/ المشروع الحضاري الذي قررناه، تنتفي ـ في رأينا ـ إمكانية استمرار اللبس والخلط القائمَين، اللذين نصادفهما غالباً في تحديد وإيقاع الفروق بين أقانيم الثلاثية الحضارية التاريخية التي تتمثل في:

 ـ الحضارة.

 ـ والثقافة.

 ـ والمدينة.

 فقلّما نجا مفكرٌ أو مفسرٌ أو باحث من ذَيْنكَ اللبْس والخلط، كلما عَنَّ له أن يخوض في ترسيم الفروقات والحدود بين تلك الأقانيم "المتداخلة".

 وعليه، وفي ضوء تحديدنا المنوه به آنفاً للحضارة، تصبح، الثقافة جماع النتاج والإبداعات والإنجازات المعنوية للحضارة، وفيضاً من فيوضاتها. بينما تكون المدنية جماع نتاجها، وإبداعاتها، وإنجازاتها المادية.

 انطلاقاً من هذه البنية المنهجية، وفي ضوء قراءتنا لتصور الإسلام للإنسان، والتاريخ، والصيرورة الاجتماعية، نعتقد أن تاريخ الحضارة الإنسانية، كما التاريخ نفسه، قد عرف حضارتين اثنتين، لا عدة حضارات، وهما: حضارة التوحيد التي تتمثل بالمشروع الإلهي للإنسان والعالم، بما هو منظومة معرفية، واجتماعية، وقيمية سياسية خاصة، هي نفسها التي تنزلت بها الرسالات السماوية المتعاقبة واستكملت بالإسلام؛ والحضارة المادية التي اصطنعها الإنسان، وتضم أكثر هذه المكونات، وإنْ كانت تطل على الإنسان والوجود من موقع مفارق لموقع حضارة التوحيد. وهاتان الحضارتان محكومتان بالاختلاف والصراع نظراً لتباينهما في المصدر، وتبصر الغايات والمشروع والقيم. وكأنهما في حركتهما التجاذبية صورةٌ مكبرة عن حقيقة الصراع المستمر بين أصالة الفطرة، وعبادة أهواء النفس([13]) في أعماق الكائن البشري: الأولى مَلَكوتية تشد به إلى السماء، والأخرى شيطانية تهوي إلى الاكتفاء المادي والدنيوي([14])، والاستغراق في أشيائه

 استناداً إلى هذه المنهجية، ومعاييرها التي لا تُشَرِّع سوى وجود الحضارتين المنوه بهما، يصبح الكلام على الكونفوشيوسية والهندوسية والبوذية باعتبارها "حضارات"، كلاماً لا يُعْتَدُّ به، بل هو في غير محله. فهي أَحْرى أنْ تكون فلسفات، وما اصطلح على تسميته "ديانات" بينها، هو في حقيقة أمره فلسفات أيضاً؛ فالكونفوشيوسية هي فلسفة العقل والاعتدال التي بها قاوم كونفوشيوس انزلاق "التاوية" في دعوتها إلى عبودية الآلهة التي ليس لها عدد محدد، والتي تستغل الإنسان، وتجعل المخاوف والتعلقات اللامتناهية تتحكم في حياته ومصيره، فعمل كونفوشيوس بذلك على إنقاذ أمته من الخرافات، ومن القوى المتوهمة، وعاد بها إلى مسار التاريخ، والأنساق الاجتماعية القريبة من الواقع، أو الواقعية([15]). أما الهندوسية فهي نافخة الروح في بنيان الحياة والعالم، وخلاص للنفس من عبودية الآلهة التي لا تعد ولا تحصى([16]). بينما أفرطت البوذية، وهي تدعو إلى نجاة الناس من العبادات الوهمية، حتى تحولت إلى عبادة للأصنام، وتعزيز وجود أنماط الشرك كلها([17]).

 وبالعودة إلى مسألة الصراع، نعتقد أن محرك التاريخ بالمنظور الإسلامي، وهو ـ إذاً ـ الصراع الحضاري. ولكنْ بالفهم الإسلامي الخاص لهذا الصراع ـ كما سنرى ـ، وبالأهداف والمضامين والمعايير التي يقررها الإسلام نفسه؛ وهي التي حركها الإمام الخميني وأبدع في ضبط نهجه ومنهاجه ومواقفه على إيقاعاتها.

 إنه الصراع الحضاري الذي لا يمسك التاريخ بمعناه الحدثي الوقائعي التراكمي فحسب، بل يتمسك به مفهوماً، ووعياً، وصيرورة أيضاً… وكلها محكومة بقانون العلّية. وبذلك يشكل الإسلام ـ بمتابعته وإحاطته بأدق تفاصيل الحياة وعلاقات البشر، وأفعالهم وبتدخله فيها وضبطه لحدودها وممكناتها ـ معياراً صالحاً للحكم على حلال التاريخ وحرامه، مهما تكن طبيعة التجارب التي حدثت فيه. فالصراع، بالقراءة الإسلامية، من داخل الإنسان يبدأ، ويستمر في كل لحظة، و"يَتَتَوْأم" مع سياق الزمان وفيه؛ لذلك هو عندنا صراع أزلي.

 وعندما يطل الصراع على الاجتماعي ويمخر عبابه، فإنما يتخذ بعداً أفقياً شمولياً، إلا أنه يبقى في الحالتين جهاداً عمودياً ارتقائياً يرتفع بالإنسان وبالجماعة إلى مرتبة تدرجية أعلى هي في ذاتها سمواً وأكثر اقتراباً من الهدف النهائي المطلق… إنه الصراع/ الجهاد التراكمي باتجاه الكمال. وليس أعظم من الصراع عندما يكون جهاداً، خاصة وقد أعطاه القرآن صفة التدافع بين الحق/ حضارة التوحيد، وبين الباطل/ الحضارة المادية، كما في قوله تعالى: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق}([18])… {وقل جاء الحق وزهق الباطل * إن الباطل كان زهوقاً}([19]) ([20])…

 هاتان الحضارتان/ المشروعان، إستخدم القرآن للدلالة عليهما أربعة مصطلحات، هي تبعاً لتراتب كثافة الورود فيه: السبيل، والصراط، والطريق، والنَّجْد.

 وكل مصطلح من هذه المصطلحات التي تجمع بينها معاني: الطريق والوجهة والخيار والاتِّباع والمنهج والتَّوَلّي… الخ، جاء في النص المقدس مضافاً أو متبوعاً باسم أو بصفةٍ تشير إلى إحدى الطريقين/ الحضارتين. فمصطلح "السبيل"، وهو الأكثر حضوراً، غالباً ما ورد مضافاً إلى اسم الجلالة: (سبيل الله) = حضارة التوحيد/ الحق، غير أنه جاء في خمس آيات فقط مضافاً إلى لفظ/ صفة تدل إلى موضع آخر، معاكس هو: "سبيل الطاغوت"([21])، و"سبيل المجرمين"([22])، و"سبيل المفسدين"([23])، و"سبيل الغي"([24])، و"سبيل الذين لا يعلمون"([25]). وكذلك الحال في مصطلح "الصراط"، إذْ غالباً ما ورد متبوعاً بصفة الاستقامة: (صراط مستقيم) مشيراً إلى الطريق/ الحضارة الإلهية، ليرَدِ مرة واحدة، مضافاً إلى لفظة "الجحيم" = "صراط الجحيم"([26])، محدداً الانتماء إلى طريقٍ/ حضارةٍ نقيضة.

 أما مصطلح "الطريق" فلم يرد في القرآن الكريم سوى ثلاث مرات، يعنينا منها في هذا السياق ذكره مرة واحدة مضافاً إلى لفظة جهنم = "طريق جهنم"([27])/ حيث مَآلُ حضارة الباطل، بينما ذُكر ـ بالمقابل ـ مرة واحدة أيضاً موصوفاً بالاستقامة = "طريق مستقيم"([28]) حضارة التوحيد/ الحق. وأما المصطلح الأخير فقد ورد متفرداً وبصيغة المثنى في قوله تعالى: {وهديناه النجدين}([29])، أي جعلنا الكائن البشري على مفترق طريقين (حضارتين)، له أن يقرر لأيهما يقيم وجهه، وبأيهما يصنع مصيره([30]) ([31]).

ومن بين هذه المصطلحات المتناغمة المتكاملة، والمتقاربة حتى حدود الترادف، اختار الإمام الخميني أن يكثر من استخدام مصطلح "الطريق" للإشارة إلى كل من الحضارتين: التوحيدية والمادية المؤسستين قرآنياً على قيمتين مطلقتَي الدلالة([32])، أي: كل حق وكل باطل، وَقَرَنَ كلاًّ منهما بوجهة قرآنية مطلقة أيضاً عندما سمى الأولى: "طريق الله" وسمى الثانية "طريق الطاغوت"([33]). والعالم عنده لا يخرج في صيرورته عن هاتين الجادتين المرسومتين إلهياً. وبالتالي، فإن "كل حركة يقوم بها الإنسان، سواء كانت حركة قلبية، أم روحية، ام حركة عضوية، ليست خارج هذين الحدين" بتعبير الإمام([34]) ([35]) ؛ فإما أن يكون الإنسان ـ سواء في ذلك الفرد والجماعة ـ في اتجاه الله و"الصراط المستقيم"، وتلك نعمة عظيمة يستذكرها المؤمن في صلواته خمس مرات في اليوم: {صراط الذين أنعمت عليهم}؛ وإما أن يختار وجهة الضلالة، وهي مُسْتَنْزَل غضب الله وسخطه باعتبارها تولياً لغيره: {أم اتخذوا من دونه أولياء، فالله هو الولي}([36])… {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت}([37]). وهذا بعينه ما سماه العلامة الطباطبائي: "حق التوحيد علماً وعملاً"([38])؛ فطريق الله/ الصراط المستقيم، الذي هو طريق غير الضالين، "لا يقع فيه شرك ولا ظلمٌ البتة، كما لا يقع فيه ضلال البتة"، لا في باطن الجنان من كفر أو خطور لا يرضى به الله سبحانه، ولا في ظاهر الجوراح والأركان من فعل معصية أو قصور في طاعة… وماذا بعد الحق إلا الضلال؟…"([39]).

 ويظل القرار بالاختيار بين المشروعين الحضاريين/ الطريقين، مسؤولية الإنسان، ولعل هذا القرار/ الاختيار هو جوهر قضية الاستخلاف الإلهي وتعيين الإنسان في موقع قيادة العالم، لأنه اختيار للانتماء إلى أحد المشروعين في مواجهة الآخر، أي أنه اختيار للانخراط في الصراع. وهو انخراط إرادي حر؛ فلا اختيار في غياب الحرية بمضمونها البناء. وأساسه أن كل عمل إنساني لابد صادر عن الإنسان وبإرادة ورضا كاملين منه، وبتشخيص من قواه الإدراكية. فليس ثمة عامل يجبره على القيام بما لا يرضى به ولا يرغب فيه، ـ لا القضاء والقدر ولا أي عامل آخر ـ وفاقاً لما يراه العلامة المطهري([40]). وما كانت رسالات الأنبياء إلا تنظيماً وضبطاً لصيغ الحياة وتحريراً للبشر من إصْرِهم وأغلالهم: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويُحِلّ لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصْرهُمْ والأغلالَ التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وَعَزَّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنْزِلَ معه أولئك هم المفلحون}([41]).

 بهذه الدلالات لا تعود الحضارة والانتماء إلى حضارة مقتصرين على "حالة" جمعية، أو تعبيراً عن "حالة" كلية، أو عن منظومة فكرية اعتقادية فحسب، بل هما أيضاً حضور في نسيج التفاصيل الجمعية والفردية في آنٍ، وحركة حوار وتكامل بين الخاص والعام وبين الجزئي والكلي، وبين الفكري الاعتقادي والسلوكي… وكلها مصطفة باتجاه واحد، وتكدح إلى هدف نهائي. فإما حضارة الحق/الله، وإما حضارة المادة/ الطاغوت، لا سواهما([42]). {أَنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}([43])، {فَمَنْ يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها}([44]). وكذلك هي الحال في المسؤوليات المترتبة على كل فعل أو قول أو موقف يصدر في هذا الاتجاه الحضاري أو في ذاك، {وِقفوهم إنهم مسؤولون}([45])، بحيث تصبح تلك المسؤوليات تكافلية بين المضطلعين بها. ومادامت صادرة عن تصور حضاري واحد، ومنخرطة في مسار حضاري واحد، فهي لذلك مسؤوليات "حضارية". وكما للفرد كتاب يحصي على الفرد عمله فيحاسَبُ على أساسه([46])، كذلك للأمة كتابها الذي يُقَوَّمُ عملها بموجبه([47]) استناداً إلى المفهوم الإسلامي([48]). وإذا كنا نذهب مذهب السيد محمد باقر الصدر في اعتباره أن العمل التاريخي هو ذاك الذي يتمثل في كتاب الأمة ويتميز بأبعاد ثلاثة هي: عِلِّيَتُهُ وغائيته ومداه الاجتماعي([49]). فإننا بالمقابل نرى أن الكتابين: كتاب الفرد وكتاب الأمة، لاتستقيم قراءة كليهما إلا باعتبارهما تعبيرين عن رؤية حضارية؛ أي عن مشروع حضاري بلحاظ الأصول والمنابت التي انبثقا منها، ونظرتهما إلى العالم والوجود والإنسان، والمثل الأعلى أو المثل العليا التي يتجهان إليها. ولا ريب عندنا في أنها ـ هذه الأخيرة ـ هي "نقطة البدء في بناء المحتوى الداخلي للجماعة البشرية"([50]).

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) فرويد، سيغموند ـ "أفكار لأزمنة الحرب والموت" ـ الترجمة العربية ـ ص44.

 ([2]) لعل من نافل القول هنا، الإشارة إلى ان "الحضارة" مصطلح/ مفهوم حديث تواضع عليه المفكرون من غير ما اتفاق بينهم على تحديد مدلولاته بدقة. مما جعله عنواناً مفتوحاً لاحتواء مضمونات متضاربة. ولنا عودة إلى هذه المفارقة في الصفحات اللاحقة.

 ([3]) سورة آل عمران ـ الآية/ 19.

 ([4]) الطباطبائي، السيد محمد حسين ـ "الميزان في تفسير القرآن" ـ المجلد/3 ـ ص/120.

 ([5]) (م.ن.) ـ ص/ 120 ـ 121.

 ([6]) المطهري، مرتضى ـ "المفهوم التوحيدي للعالم"  ـ الترجمة العربية ـ ص/14.

 ([7]) (م.ن.)

 ([8]) راجع كتابنا ـ "الإسلام والغرب…" ـ (م.س.) ـ ص/ 104.

 ([9]) المطهري، مرتضى ـ "الهدف السامي للحياة الإنسانية" ـ الترجمة العربية ـ ص/74 ـ 75.

 ([10]) انظر كتابنا: "الإمام الخميني والمشروع الحضاري الإسلامي" ـ ط/ 2 ـ ص/ 19.

 ([11]) الخميني، الإمام روح الله ـ "مختارات من أقوال الإمام الخميني" ـ الترجمة العربية ـ جـ /3ـ ص/29.

 ([12]) شريعتي، علي ـ "الإنسان والتاريخ" ـ الترجمة العربية ـ ص/13.

 ([13]) عبد الغفور، عبد الرؤوف  ـ "دراسات في علم النفس الإسلامي" ـ ص/14 وما بعدها.

 ([14]) انظر: كتابنا: "الإمام الخميني والمشروع الحضاري الإسلامي" ـ ص/ 23.

 ([15]) شريعتي، علي ـ "الإنسان، الإسلام، ومدارس الغرب" ـ الترجمة العربية ـ ص/55 ـ 56.

 ـ راجع أيضاً:

 _ Lagerwey jeay _ (La cosmologie ancienne de la  Chine) _ p.p 56 _ 66 et :

 (Le Confucianisme) _ p.p. 98 _ 110: dans:

 _ Chatelet Francois _ “Histoire des ldeologies” _ Tome I.

 ([16]) شريعتي، علي ـ (م.ن) ـ ص/56.

 راجع أيضاً:

 _ Halamoud Charles _ (l inde brahmanique) _ p.p 67 ­ _ 80: dans: Chatelet

 F_ (Ibidem)

 ([17]) شريعتي، علي ـ (م.ن).

 راجع أيضاً

 _ Lagerwey Jean _ (Le boudhisme) p.p 111 _ 128 _ dans : Chatelet F_ (Ibidem)_.

 ([18]) سورة الأنبياء ـ الآية/18.

 ([19]) سورة الإسراء ـ الآية/ 81.

 ([20]) راجع كتابنا: ـ "الإمام الخميني والمشروع الحضاري الإسلامي" ـ (م.س) ـ ص.ص/22 ـ 23.

 ([21]) {والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت} ـ سورة النساء ـ الآية/ 76.

 ([22]) {وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين} ـ سورة الأنعام ـ الآية/ 55.

 ([23]) {ولا تتبع سبيل المفسدين} ـ سورة الأعراف ـ الآية/142.

 ([24]) {وإنْ يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً} ـ سورة الأعراف ـ الآية/146.

 ([25]) {فاستقيما ولا تَتَّبِعان سبيل الذين لا يعلمون} ـ سورة يونس ـ الآية/89.

 ([26]) انظر قوله تعالى: {هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون * احشروا الذي ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون * من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم} ـ سورة الصافات ـ الآيات/21 ـ 23.

 ([27]) {إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً * إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً وكان ذلك على الله يسيراً} ـ سورة النساء ـ الآيتان/ 168 ـ 169.

 ([28]) {…مُصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم} ـ سورة الأحقاف ـ الآية/30.

 ([29]) سورة البلد ـ الآية/10.

 ([30]) انظر: ـ فضل الله، السيد محمد حسين ـ "الإنسان والحياة" ـ ص/417. و ـ الطباطبائي، السيد محمد حسين ـ "الميزان…" ـ (م.س) ـ المجلد/20 ـ ص/292.

 ([31]) فسر ابن منظور قوله تعالى: {وهديناه النجدين} بمعنى هديناه وعرّفناه طريق الخير وطريق الشر. وقيل: النجدين: الطريقين والواضحين البينين.

 ـ (راجع مادة "نجد" في: "لسان العرب")…

 ([32]) لا نقصد هنا بالطبع القول: إن الحق والباطل قيمتان مطلقتان بذات المستوى، بل بما تحتملان من دلالات بشرية. فالحق عندنا مفهوم مطلق بينما الباطل "مخلوق" زمني وظيفته الابتلاء والامتحان الأرضيان.. فاقتضى التنويه.

 ([33]) الخميني، الإمام روح الله ـ "مختارات…" ـ (م.س) ـ جـ/2 ـ ص 127.

 ([34]) (م.ن) ـ ص/128.

 ([35]) راجع: الآصفي، محمد مهدي ـ "خط الإمام" ـ ص / 79 ـ 80.

 ([36]) سورة الشورى ـ الآية/9.

 ([37]) سورة البقرة، الآية/ 257.

 ([38]) الطباطبائي، السيد محمد حسين ـ "الميزان…" مجلد/1 ـ ص30.

 ([39]) (م.ن).

 ([40]) المطهري، مرتضى ـ "الإنسان والقضاء والقدر" ـ الترجمة العربية ـ ص / 88.

 انظر أيضاً للكاتب نفسه: "الدوافع نحو المادية" ـ الترجمة العربية ـ ص/ 75 ـ 77.

 ([41]) سورة الأعراف ـ الآية / 157.

 ([42]) الخميني، الإمام روح الله ـ "مختارات…" ـ (م.س) ـ جـ/2 ـ ص128.

 ([43]) سورة النحل ـ الآية/36.

([44]) سورة البقرة ـ الآية/ 256.

 ([45]) سورة الصافات ـ الآية/ 24.

 ([46]) تأمل في قوله تعالى: {ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً} ـ سورة الإسراء ـ الآيتان / 13 ـ 14؛ {فأما من أوتي كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حساباً يسيراً} ، {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره * فسوف يدعو ثبوراً} ـ سورة الانشقاق، الآيات/ 7 ـ 8 و10 ـ 11.

([47]) تأمل في قوله تعالى: {وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تُجزون ما كنتم تعملون * هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق * إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون}. سورة الجاثية، الآيتان/28 ـ 29.

([48]) الصدر، السيد محمد باقر ـ "مقدمات في التفسير الموضوعي للقرآن" ـ ص/78 ـ 81.

([49]) (م.ن) ـ ص/76.

([50]) (م.ن) ـ ص/121.

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

التعليقات مغلقة.

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©