الأربعاء ٢٦ / أبريل / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » الصراع الحضاري والعلاقات الدولية »

الفصل الرابع: أي صراع حضاري؟… أي حوار؟: ـ الصراع الإحيائي

1 يوليو 2013 | في الفئة: الصراع الحضاري والعلاقات الدولية | لا توجد تعليقات | الزیارات: 97

الفصل الرابع: أي صراع حضاري؟… أي حوار؟: ـ الصراع الإحيائي

العلاقات بين الحضارات

 أي صراع وأي حوار؟! ـ الصراع الإحيائي

 لعل في طليعة الإشكاليات المنهجية التي طالما أصابت البحث العلمي بالاضطراب والبلبلة، إشكالية المصطلحات التي درج الباحثون على استخدامها من غير ما تطابق أو توافق على مدلولاتها إلى درجة حدوث تناقضات، أو تعارضات جذرية فيما بينهم في توسل تلك المصطلحات وتداولها، مما أنتج تباينات في وجهات النظر تبدأ في العادة "شكلية" لفظية، لكنها سرعان ما تتحول إلى أزمة مفهومية بنيانية قد تصل إلى حدود إسقاط نصوص مرموقة من عليائها. ذلك أن تلك المصطلحات هي أكثر بكثير من صيغ لفظية معجمية… إنها مفاهيم قائمة بذاتها، تحمل في طياتها أحياناً تعقيدات مركبة لا يرقى إلى الوعي بها، وتفكيك "رموزها" إلا ندرة من المتخصصين، فكيف إذا تداولها، نصاً أو قراءة، غير هؤلاء الفصحاء الأكاديميين؟… فالمصطلح/ المفهوم الملتبس، من شأنه أن يحدد أحياناً داخل النص، أو الخطاب اللذين يسبح فيهما، وجهة منهجية أو غائية هي خارج مقاصدهما مطلقاً، إن لم يدفع باتجاه عكسها تماماً([1]).

 وإذا كان من قبيل المستحيل، على ما يبدو، التوصل إلى تناغم أو توافق على التعامل بالمصطلحات/ المفاهيم ـ أو الكثير منها ـ بحيث تغدو مُرْسلاَت شفافة لا يعتورها اشتباه أو لبس أو سوء فهم، فلا مناص للباحث الحذر من الاحتياط لهذا الابتلاء باللجوء إلى إفراد مساحات من نصوصه، أو هوامشه، للتعريف بتلك المرسلات، يضيء فيها مصطلحاته المفهومية التأسيسية، ويجلو بها ما يفترضه مستغلقاً على الفطن، أو تياهاً.

 وقد لا نكون مبالغين إن قلنا: إن مصطلح/ مفهوم "الصراع"، هو أحد أبرز المصطلحات/ المفاهيم السجالية التي طفت على سطح النقاش المحتدم بعد انتهاء الحرب الباردة، وتفكك مفاصل الخصم التاريخي لليبرالية الديمقراطية، ومنذ تمادي حمَيّا التبشير بنهاية التاريخ، وفاقاً لأطروحة فرانسيس فوكوياما، إثر "استبعاث" أطروحة الصدام الاستراتيجي بين الحضارات، وحروب المستقبل على يد صامويل هانتغتون. وإذا كان هذا الأخير قد نظر إلى الصدام بين "الحضارات" باعتباره نتيجة حتمية للتباعد الرؤيوي والايديولوجي والثقافي، وهذه كلها توليدات دينية عنده([2])، متجاهلاً أو مهملاً القواسم البشرية المشتركة، والتفاعلات المخصبة بين تلك "الحضارات"، وخصوصاً ما كان منها على مستوى الجذور ووحدة التجربة الإنسانية،… إذا كان هذا الأخير قد فعل ذلك، فإنه نجح أيّما نجاح في نصب ما يشبه الكيان الثقافي والدلالي حول مصطلح/ مفهوم الصراع، إلى درجة زرع وتثبيت مضمون معرفي خاص لهذا الصراع هو بمثابة الشرَك المنهجي.

 لقد حقن هانتغتون عقول مثقفي نهايات القرن العشرين بما يمكن تسميته: "فيروس الصراع الحضاري" فعم "الوباء" شتى أصقاع الأرض، حتى ما عدنا نرى إلى مصطلح/ مفهوم الصراع إلا عِبْرَ النموذج "الهانتغتوني" المدثّر بلأمة الحرب، الناطق بلغة السيف… فنُزعَ عنه كل بعد آخر، وعُمّيَ على كل دلالة غير تلك. وقد أسهم في هذه "الهستيريا" الثقافية العامة المتفاعلة، حال القلق الغربي من الفراغ الاستراتيجي الذي خلفه انهيار الاتحاد السوفيتي، والنسق "الدولتي" الماركسي، وتصاعد تيار الذعر المرضي من الصحوة الإسلامية أو: "الإسلاموفوبيا" لدى العديد من الدوائر الفكرية والاستراتيجية في الغرب([3]). وهذه "الإسلاموفوبيا" ليست موجهة ضد الإسلام كما يتوهم البعض، بل هي في الحقيقة موجهة ضد الإسلاميين كما ضد المسلمين عموماً لأنها لو كانت موجهة إلى الإسلام لدعت المسلمين للتخلي عن عقيدتهم. من هنا توجهها للقضاء عليهم وسعيها لذلك إذا تسنى لها تحقيق هذا الهدف([4]). تضاف إلى هذا، ظاهرة "التحذير" مما يسمى في الغرب بالتهديدات القادمة من الجنوب من خلال الاستحضار المقصود والمستمر لصورة نمطية للعالم الإسلامي باضطراباته المتعددة، وامتداده الشاسع جغرافياً، وإمكاناته الاقتصادية، وتضخمه الديموغرافي المضطرد، وعداء شعوبه التاريخي لهيمنة الغرب وجنوحه الإلحاقي، واستتباعه؛ وهذا كله جعل الكثير من المحللين الغربيين يكثرون من الحديث عن الإسلام على أساس اعتباره "صوتاً للجنوب" ينطق بمطالب واحتجاجات الفقراء والمهمشين والمضطهدين في عالم الجنوب، وهم المعانون أشد المعاناة من التهميش، ولا مبالاة الغرب وغطرسته الثقافية، واجتياحه الاقتصادي([5]).

 لقد أصمّت قعقعة "السلاح" المسلول بين "الحضارات" الآذان، تبعاً لنظرية هانتغتون. وبصرف النظر عن المرحبين والدعاة والمبشرين بالإيديولوجية العسكرية للصراع الحضاري في هذه الجهة أو تلك، أو عن المستفيدين منها، فإننا، في ضوء المضمون الإسلامي الذي عرضناه، نعتقد بأن المقصود بـ"الصراع" إسلامياً لا يعني إعلان الحروب، واستخدام العنف بالضرورة؛ فالصراع صيغة معقدة من صيغ الاختلاف والتدافع مع المشروع الحضاري المادي المؤدي بمحصلات مآلاته إلى ما لا نراه في مصلحة الاجتماع الإنساني، بالرغم من اختزان هذا المشروع للكثير من الإيجابيات، والإنجازات التي ليس لمنصف أن ينكرها. فقيم الغرب لا تشكل نسيجاً لا تنفصم عراه؛ فبعضها جيد وبعضها الآخر سيئ. وربما جاز القول في هذا المجال: إن على المرء أن يقف خارج الغرب ليرى هذا بوضوح، وليرى كيف أن الغرب يتسبب في انهياره النسبي بيديه([6]) وإنْ بدا من الخارج كياناً عملاقاً متماسكاً وبنياناً مرصوصاً. أما الصراع بالحرب التي يندفع إلى الولوغ فيها "حربولوجيو"([7]) السنوات الأخيرة فهي الاستثناء الضروري الذي لا يكون إلا في مواجهة العدوان والغزو العسكري وردع الظلمة والطغاة([8]). كما سبق وأسلفنا. وإذا كان للإسلام جيش فهو من أجل حماية المشروع الإلهي القائم على الهداية إلى الحق([9]) وفاقاً لرأي الإمام الخميني([10]). وعندما كان المسلمون يضطرون إلى خوض حرب، فإنما كانوا يخوضونها في سبيل الله وباسمه…([11]) وهذا موقف للإمام أيضاً. وحتى لو قيض للحرب أن تنتهي، وهي منتهية بلا ريب، فإن الصراع الحضاري لا يتوقف بتوقفها، ليستمر بوسائل أخرى.

 لقد فعل خطاب الصراع الهانتغتوني فعله إذن! ولو أنه لبث في نطاق المؤمنين به والمروجين له، لهان الأمر، لكنه وصل إلى حد دفع خصومه لإبداع خطاب دفاعي مضاد، مثخن بردود فعل أخلاقية أحياناً، وسياسية أحياناً أخرى. لكأنه ألزمهم بالرد عليه على ساحته ومن خلال لوازمه، "وحشرهم" في موقع الدفاع محتفضاً لنفسه بالمبادأة وحرية المبادرة الهجوميتين. فعندما انبروا إلى رفض خطاب "الصراع" من أساسه، وقدموا قبالته خطاب "الحوار"([12]) أو "التفاهم"، أو "التعاون الشراكة"([13]) أو "التنافس و التسابق" بين "الحضارات"([14])، أو نَظَّروا لسيطرة الدول على "الحضارات" ولضعف العامل الحضاري([15])، أو للاندماج بين "الحضارات" جميعاً والابتعاد عما بينها من خلافات([16])، أو "لنزع الهوية الحضارية عن الصراع الدولي"([17])…الخ، عندها ما كانوا ليقدموا دائماً حججاً أقوى من حجج هانتغتون بالرغم من وجاهة بعضها وصوابه وحصافته. وظهرت أحياناً على الكثيرين منهم علامات الإعياء الفكري أو المكابرة، فما زادته سجالاتهم استيثاقاً من رأيه([18])، فَرَدَّ على معظمهم متهماً إياهم بالعجز عن تقديم "صورة بديلة ومقنعة للعالم"([19])، ووصف ردودهم بأنها ـ "في أفضل الأحوال ـ تقترح بديلاً زائفاً أو بديلاً غير واقعي"([20]).

 وعلى الرغم من كون مقولة "الحوار بين الحضارات"، (فضلاً عن التباين المصطلحي والمفهومي بين أكثر مستخدميها)، متضمنةً الكثير من مواصفات الرغبة الصادقة في التقارب وإبداء حسن النية تجاه الآخر والانفتاح عليه، فإنها في تقديرنا ليست مسوقة عندهم خلواً من الشروط والمحاذير الضمنية التي تستبطن الندية والتناظر. لأنها إذا حُملت مجردة ـ كما قد يبدو للوهلة الأولى ـ فستكون في مستوى التفسير القائل إنها حاجة (أو تعبير عن حاجة) دعاة الحوار أكثر مما تبدو حاجة مقصودة للمطلوب محاورتهم في الغرب. ولعل تلك المقولة أيضاً ليست في مصلحة الطرف الأضعف في معادلة الحوار الذي لا يقوم عادة إلا بين طرفين أو أكثر؛ فمادام هذا الطرف القائل بها مجردة ـ في حال وجوده ـ طالباً غير مطلوب، وراغباً غير مرغوب، فكيف للحوار أن يستقيم؟… وكيف للحوار أن يثمر إنْ لم يكن مؤسساً على معرفة بالآخر، أي: على ثقافة به كأنما هي الارتقاء من الفردانية إلى الكثرة، ومن الفعل الذاتي ومفاعيله، وتداعياته إلى الفعل الجماعي، ومفاعيله وتداعياته؟ فالوعي بالآخر يُحصن الذات ويخصبها ويحميها من احتمال الابتلاع أو الذوبان أو التضليل وهي تحاور. والحوار المؤسس على المجهول قد لا ينتج معلوماً؛ وفي الحوار بين الحضارات، يحسن أن يكون هذا الحوار نقدياً([21])، أي أن تكون المعرفة بالآخرة قد تعمقت ونضجت وتطورت لترقى إلى مستوى الوعي النقدي، وإدراك القواسم المشتركة بين المتحاورَين، كما الفروقات الفاصلة بينهما. "فمن دون معرفتنا بالغرب وثقافته ـ مثلاً ـ والإحاطة بهما، تبقى هذه المعرفة ظاهرية ومضللة" ـ يقول السيد محمد خاتمي([22])، داعياً إلى أن تكون النظرة إلى الغرب في المرحلة المعرفية المؤسسة للحوار معه، "نظرة حيادية" تخلو من الحب أو من العداوة… وذلك ممكن إذا ما بلغنا "النضج الفكري والتاريخي"([23]). وبصرف النظر عما إذا كانت "الحيادية" التي تجري الدعوة إليها ممكنة أم غير ممكنة، في ظل تراكم كثيف لطبقات المعاناة التاريخية من فقدان التوازن في العلاقة بين المتحاورين، وفي ظل تفاعل كم هائل من القهر والأحقاد ومفاعلات التوجس… نقول: بصرف النظر عن كل ذلك، فإن ما لا شك فيه أن بدء الحوار هو حلقة معرفية "متقدمة" نسبياً، لا بد لها من معرفة مسبقة بالآخر وثقة بإمكانية الاقتراب منه، أو التقارب معه بدون إثارة أو استفزاز. وبذلك يتقدم الحوار ليكون استكمالاً لمساحة المعرفة الناقصة بهدف استتمامها وإنجاز متطلباتها. ومن الطبيعي، والحال هذه، أن يأتي الحوار مرحلياً تجاوزياً تطوي فيه المراحل السابقة باتجاه مراحل جديدة بعد مراجعة تجربة كل مرحلة والاستفادة من أخطائها ترشيداً للمراحل اللاحقة وتفعيلاً لها. ولن يستقيم حوار، ولن يحقق أهدافه، ما لم تسبق مرحلته التأسيسية، أو التمهيدية تلك، مرحلة قبلية ابتدائية، قوامها معرفة معمقة من قبل المحاور بنفسه الحضارية، أي بمشروعه/ هويته الحضارية؛ إذ كيف لك أن تعرف الدنيا من غير معرفة بذاتك وبأهدافك؟ أليس أهم شرط لأنجاز الدعوة، هو إتقان الرسالة وتقوى الداعية؟ فكيف إذا كانت الدعوة إلى التوحيد؟… وإذا كان صحيحاً أن معرفة الآخر هي مستوى من مستويات معرفة النفس، فالصحيح أيضاً أن الثانية إذا ما تأصلت واستحكمت، تتحول إلى ما يتجاوز الترقي المعرفي، فتصبح وعياً فطناً بالآخر ورشداً فكرياً وروحياً([24])، يؤمنان مستوى ناضجاً من الكفاءة السياسية في إدارة العلاقة الناجحة به والمحافظة عليها في نطاق المحافظة على الذات/ المشروع الحضاري المحدد لهويتنا. فهل نستطيع القول، مثلاً، إن المسلمين باتوا اليوم يعرفون مشروعهم الحضاري الإلهي معرفة صحيحة، ويثقون به ثقة تنزههم عن عقد النقص والانسحاق أمام الآخر، ويتوحدون حول لوائه، ويجيدون تحريك وسائله وأدواته لتضمن بالتالي وعياً، يتجاوز المعرفة بالمشروع مشفوعة ومكرسة بحوار مفتوح العينين، وبصيرة نفاذة لا تؤخذ بالظواهر الخلّب، ولا تستدرج إلى سذاجة من هنا أو تعسف وسفاهة من هناك؟ أليست السفاهة نقيضاً للرشد([25])؟ ثم أليست خسارة النفس جوهر كل خسارة؟ قال تعالى: {قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم}.

 إن التجربة الحضارية الصراعية ذات الأبعاد المتعددة بين المشروع الحضاري الإسلامي والمشروع الحضاري المادي، لا تعيش في الأزمنة المعاصرة والحديثة باكورة اختباراتها العلائقية الناجحة (نسبياً؟!)، فلها في التاريخ نماذج خصيبة مختلفة وحافلة بالفوائد، وقد كانت خاضتها مع شعوب كثيرة وفوق مناطق جغرافية متباعدة، وبتماس مباشر تارة وغير مباشر تارة أخرى مع خطوط وتضاريس حضارية تنتمي جميعها إلى جذر حضاري واحد كما سبق وبينا، وذلك بدءاً من العلاقات الوثيقة والتفاعلية بالثقافة والمدنية الفارسية، مروراً بالثقافات والمدنيات العريقة الأخرى المشهودة عند اليونان والهنود والروم، وصولاً إلى التجربة الحضارية الفذة والمتفردة التي عاشها حملة المشروع الحضاري الإسلامي في الأندلس ـ خاصرة الغرب القديم ـ إبان القرون الوسطى. وكل تلك تجارب ثَرَّة هي بمثابة النماذج العلائقية والتحاورية الفائقة القيمة والتي تبين، بما لا يدع مجالاً للشك، المدى العميق من العقلانية والمرونة والاستقلالية النقدية والتصنيفية التي طالما تمتع بها المشروع الحضاري الإسلامي وهو يحيك علاقاته التعارفية الاعترافية والتفاعلية مع المشروع الحضاري الآخر. وذلك في الوقت الذي احتفظ بمسافة اعتقادية وفكرية وقيمية جدلية حددت بين المشروعين بوضوح حدود التقارب والتفاعل، كما حدود الصراع والنقد. فكانت الحدود تلك، ومن خلال جدليتها الحرة سلباً وإيجاباً، مثار تجدد ذاتي دينامي وخلاق في المشروع الحضاري الإسلامي ذاته، كما في المشروع الحضاري المادي الذي سرعان ما راح يصحو ويستنهض ذاته من خلال تصدع التجربة الأندلسية وعلى أنقاضها.

 لقد خاض المشروع الحضاري الإسلامي في التاريخ القديم إذن أصعب وأدق الاختبارات الصراعية، وكان في بعضها مايزال غضاً طريَّ العود، ومع ذلك فقد ظل ـ وبالرغم من الانتكاسات الكثيرة التي ضربته أحياناً ـ هو نفسه من غير ما تضييع لهويته وأصالته الحقيقيتين، ومن غير ما تفريط برساليته الإلهية وتمسكه بالعمل لخير البشر جميعاً. فإذا الصراع الحضاري الذي انخرط في لججه صراع إيجابي إغنائي وبناء، لما كانت الإنسانية لولاه قد توصلت الى تحقيق ما حققته في العصور المتأخرة من تقدم وإنجازات على كل صعيد، وذلك من خلال التكامل الذي شهدناه ونشهده بين ثوراتها الثلاث:  الثورة الفيزيائية الكمية (Quantique)، والثورة الخليوية العضوية (Biomolueulaire)، والثورة التكنولوجية المعلوماتية (Informatque) فمنحت الإنسان بهذا التطور المذهل قدرة لا سابق لها على تحريك المادة والحياة والوعي، كما يرى العالم الأميركي "كاكو" (Kaku) في كتابه الصادر حديثا: "تصورات" (Visions)([26]).

 فلا يمكن لحوار إِذَن أن يكون مجانياً، أو "على بياض"، أو كيفما انعقد، إذا أريد له أن يكون رافعاً للصراع الفكري، وغير الفكري معاً:([27]) وما هو مطلوب من غير الغرب تجاه الغرب، ينبغي له أن يكون ـ بالمقابل ـ مطلوباً من الغرب نفسه تجاه الآخرين، وإلا سقطت جدوى الحوار برمتها، خاصة وأن قضية الحوار المقصود ليست فكرية ومعرفية فحسب، بل هي سياسية ومصلحية أيضاً. وإنه لذو حكمة بالغة قوله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا…}([28])، إذ جعل من التعارف هدفاً وحدوياً مسبوقاً بالجهل الطبيعي الموضوعي بين الشعوب والقبائل، فما ينتج الجهل المتبادل إلا التفرق والتباعد؛ كأن هذين الأخيرين سنة تاريخية تمهيدية لسنة التعارف، فيعرف الناس بعضهم بعضاً، ويتم بذلك أمر اجتماعهم وصلاح أمورهم. لكأنما فقدان تحقق التعارف، هو بمثابة انفصام لعقد الاجتماع البشري وزوال الإنسان([29]). ومن اللافت هنا استخدام القرآن الكريم في السياق مصطلح "التعارف" الذي يعني تبادل فعل المعرفة ومفاعيلها على قدم المساواة وبصيغة محايدة، من غير ما ترجيح لجماعة على جماعة، ولا مفاضلة. وهو تكليف متوازن وعادل ومعياري في النظر إلى حقوق وواجبات الشعوب والأمم، غير المشادة على العدوانية والاستكبار.

 وإذا كان الحوار أحد أهم سبل التعارف، فمن البديهي أن يتقلد ضوابط التعارف ذاته وشروطه ومعاييره، وإلا ما كان له أن يؤدي إليه. أما إذا اعتُبِر الحوار بمثابة التعارف القرآني نفسه، ففي الأمر مشكلة مفهومية بلا ريب، لأننا نكون قد خلطنا الغاية بالوسيلة، وفقدنا الضالة إجرائياً، وطاشت رؤيتنا إلى التاريخ وفقدنا الوعي بحقائقه.

 في السياق نفسه يهمنا أن نؤكد أن الهجوم المنهجي الفكري والسياسي الابتزازي لهانتغتون، يجب أن لا يفقد أحداً توازنه فيصيبه بالهلع من الاتهام بالدموية والإرهاب والاندفاع "الذاتي" إليهما بحجة: "ان ثمة شيئاً في الإسلام يبعث على العنف" بتعبير هانتغتون نفسه([30]).

 وعدا كون هذا الاتهام باطلاً من أساسه كما هو بائن، فإن من الخطل الفكري والسياسي التراجع أمامه أو تقديم التنازلات المبدئية، من خلال الميل إلى اصطناع منهج القفز التأويلي أو التنظيري فوق المشكلة على قاعدة الهروب إلى الإمام، أو مبدأ الاستجارة من الرمضاء بالنار، أو تحت عنوان عدم تقديم الذرائع للخصم. ثم ألم يكن هتلر يسمي كل مقاومة إرهاباً؟([31]). كما نرى أنه لمن الخطأ الفكري والسياسي أيضاً، الارتماء في سهولة رفض الحوار وتشنيعه، على أساس الاختيار الإطلاقي القائم على رفض الآخر وقطع جميع عبارات الوصول إليه ومحاورته، والنحو الدائم إلى تحويل العلاقة به ودفعها إلى مسارات دراماتيكية([32]).

 إن أفضل السبل لمواجهة نظرية هانتغتون في الصدام بين "الحضارات" برأينا ـ المعطوف على المنهج الحضاري الإلهي ـ، تكمن في استرجاع هذا المنهج القائل بالصراع بين حضارتين اثنتين/ مشروعين والمؤكد له، بعد رده إلى أصله الديني الأصيل واستبدال مضمونه الصدامي بمضمون جديد، وتقويم وضبط وجهته باتجاه المثال الأعلى الإلهي ومنظومة القيم الإلهية.

 وبهذا المضمون المتسامي يتخذ الصراع عمقاً اختلافياً مرناً ومتسامحاً بين المشروعين الحضاريين بحكم اختلاف المقاصد والأغراض والتطلعات([33])، المؤدي بدوره إلى اختلاف الأفعال والممارسات ونظام الاجتماع ومنظوماته وصيغ الحياة فيه، كما يختزن الصراع أيضاً عمقاً تنافسياً ونقدياً مسالماً، علماً بان الآخر في المشروع الحضاري الإلهي القائم على الهداية هو، بالدعوة، مشروع تحول إلى "ذات". وبالتالي لا يتأسس الصراع الحضاري على الصدام العدواني المحتم، ولا على العزل للآخر وإشهار القطيعة ونية الإلغاء في وجهه، والإصرار ـ سلفاً في بعض الحالات ـ على إعلان القنوط "المؤكد والمتعمد" من جدوى أو تقدم العلاقة به إيجاباً، ولا على الرفض الممنهج لأية إيجابية متوفرة عند الآخر لمجرد أنه غير الـ"نحن"…

 ثمة فارق أساسي إذن بين الصراع والصدام. فالأول بمثابة تنازع بين خيارات وإرادات، ولا يتخذ شكل المواجهة المسلحة، وإن كانت تتعدد أشكاله ومظاهره، كأن يكون سياسياً، أو اقتصادياً، أو دعائياً، أو إعلامياً، أو تكنولوجياً، أو فلسفياً…([34]) و "في مجمل مظاهر الصراع لا تقع الحرب لزوماً، وإن كان الصراع قد يقود إلى وقوع الحرب"([35]). فهلا تكون الدعوة إلى المشروع الحضاري القرآني إلا رحيمة وسوية وعقلانية وسلمية (وكلها مؤسساتٌ صراعية)، لكي ينجح منهج وفعل الإحياء الذي أمر به النص المقدس؟: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم…}([36])… {وإنك لَتدعوهم إلى صراط مستقيم}([37]).

 إن دعوة الإحياء في الآية القرآنية المنوه بها هي دعوة إلى مشروع التوحيد الحضاري، وهو حقيقة الهداية إلى الله([38]) ورسالته. والإحياء إرادة العبور من مرحلة الموت الدنيوي والأخروي المتجسد ـ حضارياً ـ في المشروع الحضاري المادي، إلى مرحلة الحياة الدنيوية المتوازنة، ومن بَعْدُ إلى الحياة الأخروية النورانية([39]). وهو بهذا المعنى انبعاث مطلق على جميع المستويات المضروبة بالتعطيل والموت في الإنسان والمجتمع، وهو مقصود لغيره المتمثل بالنتائج المترتبة عليه، لا لذاته.

 وهذا الإحياء/ الدعوة للانتصار على السكونية والموت المعنويين، هو إذن دعوة مشرعة للانضواء في الصراع الحضاري الأزلي إن لم يكن هو فعل الصراع بعينه. وهو متحصل بوجود أربعة أقانيم: أولها: المحيي/ الإنسان الرسالي العارف برسالته، والداعية لما يحي الناس؛ وثانيها: أداة الإحياء وهي الدعوة التي تفترض قدرة الداعية ومعرفته بآليات الإحياء وكيفياته وبرامجه؛ وثالثها: المشروع/ الرسالة المتضمن قضية الدعوة والإحياء وهي التوحيد. أما الأقنوم الرابع فهو موضوع الإحياء، وقوامه الجماعة المقصودة بالدعوة، والقابليات المتوفرة فيها، وحدود الاستجابة، أو الممانعة للدعوة/ المشروع.

 وكل إحياء لا يضم هذه الأقانيم الأربعة ولا تتوفر فيه شروط تكاملها، هو إحياء أبتر، ومحكوم بالعجز عن تحقيق أهدافه. ولربما كان من باب تحصيل الحاصل القول: إن عقدة العقد في تعثر المشروع الحضاري الإلهي، أو في انتصاره، كانت غالباً ـ كما ينبئ التاريخ ـ في المحيي وفي الكيفيات والآليات التي اعتمدها. بينما كان سر الأسرار في نجاح المشروع الحضاري المادي… في المحيي نفسه، وفي الآليات والكيفيات أيضاً، بالرغم من بهتان قضيته وتهافتها؛ أي قضيته الحضارية. فالإنسان منتج مصيره بمقدار مشاركته في الصراع الإحيائي ووعيه بنوع هذه المشاركة، وبطبيعة الصراع، وإلى أي جانب منه يقف بعد أن يكون قد أنجز مهمته الأساسية من خلال تحديد هويته وانتمائه؛ ففي النزاعات بين الحضارات تكون العبرة في سؤال: "من أنت؟"([40])… {وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً}([41]).

 تلك هي أبرز المكونات البنيوية لمضمون الصراع الحضاري بالمعايير الإسلامية المكثفة في مصطلح/ مفهوم "التعارف" القرآني الذي يمنح للحياة الإنسانية وللعلاقات بين البشر وللعالم روحاً رحمانية شمولية. فكيف لاتهام الإسلام بالدموية أن يصمد في وجه كل هذه المحبة للإنسان والالتزام ببناء نظام عادل للعلاقات بين الأمم والشعوب؟… وإذا كانت أطروحة الصدام بين الحضارات رديفاً أو ظهيراً لسياسة "الاحتواء" التي كانت قد نظر لها الاستراتيجي الأميركي الآخر جورج كينان منذ بضعة عقود، والتي يجري تطبيقها بشكل أو بآخر في المرحلة الحالية على بلدان عدة في العالم، وفي طليعتها العراق والجمهورية الإسلامية الإيرانية مثلاً، فإنها تبدو مكملة، أو مطابقة للوجه الآخر من نظرية الاحتواء التي آمن صاحبها كينان بالفكرة القائلة: إن افتقاد التجانس الثقافي، والسياسي، والاقتصادي، والاجتماعي يساهم في خلق الصراع والعداء، ولذلك فإن العلاقات الدولية لا يمكن أن لا تتسم بالعداء([42])… وهذه دعوة مستمرة من قلب المشروع الحضاري المادي إلى إقامة المتاريس من كل نوع بين الناس، وحض على الاحتفاظ بالتفوق الاستراتيجي للغرب، وتطويره بما يكفل مصالحه الحيوية، وهذا بالضبط ما دعا إليه صامويل هانتغتون في كتابه الأخير، ونَظَرَ له بكل ما أوتي من حجج وأسانيد.

 أما الحوار بين "الحضارات" فلا بد له من أن ينطلق من مبدأ الإقرار، والاعتراف بالخلاف، وبحق الاختلاف وممارسة الممانعة، والانخراط في الصراع تجاه أي نزوع أو محاولة للابتلاع، أو الاستيلاء على الأرض، أو مصادرة الحقوق. وهذه كلها، بلا ريب، من الحقوق الطبيعية والبديهية للإنسان. بيد أن الحوار ـ بموازاة ذلك ـ يقتضي وجود الرغبة المسبقة والمشتركة في إقامة علاقات مستقرة ومتكافئة بين الطرفين، أو الأطراف المعنية، بالرغم من استمرار عوامل وأسباب التمايز، والخصوصيات الصراعية، عسى أن يؤدي الحوار ـ وهو كذلك إذا استحكم ـ إلى توطيد التعاون والتخفيف من حدة حوافز الاختلاف، وإلى تذليل عقبات التفاهم إلى الحد الأقصى الممكن، وإرساء مبادئ الاعتراف والثقة بالآخر، في سبيل المزيد من التقارب، وتلافياً لتحول الصراع من حالته الصحية الموضوعية، إلى هاوية الصدام والعداء واستخدام العنف، مما يؤدي لاحقاً إلى المزيد من التباعد ويراكم الإحن والعصبيات، ويجعل احتمالات إعادة الوصل الحضاري أقل حدوثاً وأبعد احتمالاً.

 ولا يخفى هنا أن العلاقة "الانحنائية" التي تميل إلى الدعة والمهادنة وتهافت الهمم للتهرب من مترتبات الصراع ومسؤلياته هي ذاتها تلك التي أعطاها النص المقدس في القرآن الكريم مفهوم "المداهنة" في قوله تعالى مخاطباً رسوله (ص): {ودّوا لو تُدهِن فيدْهنون}([43]). ولطالما لجأ المحاصَرون بإمكانية تداعي مشروعهم الاستكباري وباحتمال تهافت مصالحهم، إلى لعبة المساومة والمراوغة للحفاظ على ما يمكن مما هو محمول على التهلكة والتآكل، وهي لعبة تستهدف أساس المشروع الذي يهددهم، ومتى آنسوا فيمن يواجههم ميلاً إلى التنازل والدعة والتصالح بأرخص موقف أو ثمن، اندفعوا الى المطالبة بالمزيد من التنازلات. فما كان أحب إلى قلوب المكذبين ـ وكذلك سماهم القرآن ـ في قريش من تليين مواقف النبي (ص) ليقتربوا منه في دينهم، فَوَدُّوا أن يصالحوه ليصالحهم على أن يتسامح كل طرف في دين الآخر، ولذلك عرضوا عليه أن يكف عن ذكر آلهتهم فيكفوا عنه وعن ربه([44])! وهيهات فعل رسول الله أو ساوم أو داهن!…

 إن الاختلاف مع الآخر وعنه، يعني وفاقاً لمنطق الحوار الإيجابي بين طرفين، أن يتمتع كلاهما بالحرية في تحريك هذا الحوار وتمثله والتعامل به؛ أي أن يكون كل منهما صريحاً وواضحاً في إعلان ما يوافقه وما يوافق عليه في الآخر وعنده، كما في إعلان ما يرفضه. وفي الحالين، ثمة مسؤوليات تترتب في الإيجاب وفي السلب؛ إذ لا يجوز ـ مثلاً ـ أن يتساوى الحق والباطل، والغاصب المعتدي والمغصوب المعتدى عليه، ولا أن تعادل الحقيقة بالضلالة… الخ، قال تعالى: {وإنّا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين}([45]). وإذا كان طرفا تلك الثنائيات متساويين في الدرجة أو في الرتبة، فإنهما لا يتساويان في النوع والقيمة، بطبيعة الحال؛ فكلاهما فعلان صراعيان منبثقان من مشروعين حضاريين، ورؤيتين شموليتين مختلفتين لايلزم أحد أحداً في الانتماء إلى أي منهما. ولا يقوم، بالمحصلة، حوار على عبودية، أو قسر؛ وإن قام كذلك فمصيره الفشل المحتم مهما طال الزمان. ولعل من نافل القول، لزوم التذكير بأن العولمة الاجتياحية، التي يجري التنظير لها راهناً على قدم وساق، وتتهيأ ـ كمشروع ـ للاطباق الكامل على العالم في السنوات المقبلة، مدعاة إضافية للمزيد من التفكر في كيفية حماية الحوار والدعوات المخلصة إليه، من جنون الاستحواذ العولمي وطوفانه المنتظر. فالفكرة العولمية في الأصل تبعاً لفلسفة المشروع الحضاري المادي الذي انطلقت منه، هي نقيض وجودي للحوار ولقضيته الإنسانية برمتها، وللإيديولوجية التي يتمثلها.

 ألا يبدو، بعد هذا كله، أن الحوار عنوان خصب "للصراع" قبالة الهوية الكونية الواحدة الناهدة إلى وأد الهويات المحلية الموقعية؟ أليس الصراع هنا ممارسة ضرورية وإيجابية؟… ألا يبدو أيضاً أن "المصلحة" الأخلاقية بين المشروعين محفوفة بالمحاذير والمخاطر؟… وماذا سيتبقى لأية هوية، ومنها، إن لم تبادر بوعي تاريخي إلى الانخراط في جبهة الصراع والممانعة لمواجهة النظام العولمي السائر بالعالم إلى العبودية، ولمنع السوق من خنق الحياة([46]) بحجة وغطاء "تحديثها" و "تنميتها" وجعلها "أكثر رفاهية"؟… وهل صحيح ما يراه الرئيس كلينتون حالياً في "أن العولمة هي التي تحقق السلام العالمي، لأن الذين يبرمون صفقات تجارية رابحة بينهم، لا يدخلون في حرب أبداً؟"([47]) ([48])… ومن المسؤول عن الانفجار المتواتر للحروب والنزاعات الكبرى في الأزمنة المتأخرة والتي لا تنفك تتفجر هنا وهناك ولو بأنماط محدودة؟… وما موقع غير المستفيدين من الصفقات المتعددة الجنسية التي تستهدفهم؟… وكيف لعلاقات دولية أن تستتب، أو لحوار حضاري أن تدب فيه الروح وينتعش، إذا استمر هذا الجشع المنفلت من كل القيود في إحلال منطق الصفقات والمكاسب محل المفاهيم الإنسانية من حق وعدالة وحرية وتكامل… الخ.

 بهذه المفاهيم، والقيمية العادلة والمتوازنة والممكنة التحقق والتسييل في العلاقات الدولية إذا ما قامت على بنى اعتقادية، وإيديولوجية، وأخلاقية إنسانية، انضبط الصراع الدولي في وعي الإمام الخميني على إيقاع الصراع الحضاري بين المشروعين الحضاريين: المادي والإلهي، المتعايشين اختلافياً وصراعياً، أو المتصارعين تعايشياً. وليس مصطلح "صراع الإرادات والغايات" السريع التداول حالياً بعيداً عن المقصود هاهنا.

 إن إقامة السلام الدولي على هذه المبادئ ليس شأناً طوباوياً، بل هو ممكن التحقق إذا اقتنع بتلك المبادئ واضعو سياسات الدول، وقرروا تنفيذها، وتنظيم علاقاتهم بهديها وبما يلزم من قوننة وتعاهد وأخذ مواثيق، تكون قناعة راسخة عند موقعيها، وخيارهم الحر. وإذا كان يحلو للبعض اعتبارها مبادئ أخلاقية صرفة، فإننا من جهتنا لا نراها أيضاً إلا مبادئ، وقيماً سياسية سامية أيضاً. فمتى كانت السياسة في الإسلام منفصلة عن الأخلاق، ومتى كان العكس أيضاً؟ أليس الإسلام ديناً "سياسته عبادة وعبادته سياسة"، كما قال الإمام الخميني([49])؟

 لقد آن الأوان لإحداث تحول مبدئي في العلاقات الدولية بنسقها التدميري الرائج والقائم على ما يسمى "لعبة المصالح" والبراغماتية المادية العمياء، وذلك باتجاه بناء علاقات راسخة بين الدول بوجهة جديدة ومضمون جديد يقومان على المساواة بين الدول في الحق والسيادة وفي الواجبات، وفي تنمية علاقات الصداقة والتعاون بما يضمن الأمن والسلم الدوليين وعلى أساس الاحترام المتبادل واللجوء الى الطرق السلمية لفض النزاعات([50]) وضمان الحق بالتنافس البناء والتمايز النقدي الحر.

 أليست هذه المبادئ والقيم هي المؤسسة بالأصل لأهداف ومنظومات الأمم المتحدة التي سرعان ما جرى تجاوزها والالتفاف عليها من قبل دول التسلط العالمي؟ وهل كان الإمام الخميني، بالإسلام، إلا داعية لتلك المبادئ والقيم، ومكافحاً من أجل وضعها موضع التنفيذ، ومحرضاً على تطويرها وشدها الى المزيد من الاقتراب من مبادئ المشروع الحضاري الإسلامي وقيمه.. فلا تبقى حبراً على ورق، ومطية ذلولاً للتوظيف والاستغلال بما يخدم مصالح القوى الكبرى النافذة التي لا تؤمن، في النهاية، إلا بمبدأ الحق للقوة، لا مبدأ القوة للحق؟.

 وهل كان الإمام إلا داعية الى نظام انساني عادل معترف بالحرية الإنسانية "في حدودها التكاملية وبحقوق الإنسان الطبيعية"([51]).

 ألم يقدم الإمام نفسه النموذج غير الطوباوي للعلاقات الدولية بمعاييرها الإسلامية، عندما قرر للسياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية أن ترفض المساومة على المبادئ الإسلامية التي قامت عليها تلك السياسة، حتى ولو كان لإيران مصلحة تتحقق بالمساومة تلك؟… أما زالت الجمهورية الإسلامية تتحمل كل أنواع الحصار والمصادرة لأموالها إلى اليوم، بالرغم من مصاعبها الاقتصادية الجمة، من غير أن تتراجع قيد أنملة عن مواقفها من القضية الفلسطينية مثلاً، ومن تقديم أنواع الدعم كلها لمقاومة الاحتلال الصهيوني للأراضي العربية، ومن قضايا الشعوب المستضعفة في أربع جهات الأرض، ومن التجديف على مقدسات المسلمين؟…الخ.

 وإذا كان يحلو لبعض الباحثين أن يفترضوا أن نظرة الإمام الى العلاقات الدولية والصراع الدولي محكومة "بالمنهج الفلسفي المثالي المنطلق من مقدمات عقيدية أو ميتافيزيقية ثابتة"([52]) والمنطلق مما يجب أن يكون، لا مما هو كائن([53]) وذلك قبالة "المنهج الواقعي المعاصر" على طريقة هانس مورغانثو([54])… إذا كان ذلك يحلو لهم، فإن تطبيق الإمام عملياً لتصوره الإسلامي للعلاقات الدولية ومبادئ ممارسة فعل الصراع الدولي، خير دليل على أن الإمام قد زاوج بين ما ينبغي له أن يكون وبين ما هو كائن، مقدماً من خلال ذلك أفضل مثال على اقتران النظرية بالممارسة في المشروع الحضاري الإسلامي والشريعة التي يعتد بها. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لمَ تقولون * ما لا تفعلون كبُرَ مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}([55])… أما ربط المثالية بالميتافيزيقية الثابتة فمسألة تجاوزها الزمن عند الذين يعيشون "زمانهم"، وهي بالطبع ليست كذلك عند من يعيش في زمان غيره، وهو يظن أنه زمانه.

 وأخيراً، لا نخشين من صراع حضاري بالمواصفات التي أكدنا صدقيتها؛ فالصراع حقيقة إنسانية تكوينية شاخصة في الذات البشرية، وفي حركة الحياة وحراكها كل لحظة. فأي شيء في الإنسان وفي علاقات الناس لا يقوم على الصراع والتحدي والاستجابة والمقاومة؟ ألا يتأسس "المابعد" على "الماقبل" المعمد دائماً بالصراع؟!

 أليست الديمقراطية الغربية نفسها مؤسسة على مضمون الصراع بالمواصفات التي حددنا حدوده بها؟

 إننا ونحن نؤكد على فعل الحضاري بضوابطه الإسلامية، نعتقد بأن وجه القرن الواحد والعشرين، هو وجه تعددي لا يبدو أن الوحدانية، الحضارية والثقافية، قادرة على اكتساحه ومصادرته بالكامل. وفي ظننا أن للمشروع الحضاري الإلهي مصلحة في عدم إكراه الناس على اختيار "نظرتهم الخاصة الدينية والسياسية"([56])، وفي منحهم حق الاختلاف عن الآخر في ظل ما يمكن لنا أن نسميه: "الديموقراطية الحضارية"([57])، أو بتعبير آخر: "المشاركة الحضارية" والصيغتان بالمحصلة، ومن غير ما دعاوة تسطيحية للديمقراطية، الغربية، أو بعيداً عن الاتهام بها بالأقل، هما بمثابة تنظيم وتقنين للصراع بين المشروعين الحضاريين: المادي والإلهي، يستندان إلى التنافس السلمي والحضور "الدائم" للفكرة الأخرى في التوجه إلى الاختيار النهائي الذي لن يكون، بالوعد الإلهي، في مصلحة الحضارة المادية ومشروعها. ولعلنا لا نفتأ على الحقيقة إذا زعمنا، أن مفهوم الشورى الإسلامي غير بعيد عن أن يكون صيغة عقلانية رائدة لتنظيم "الصراع" والاختلاف والاعتراف بهما في المجتمع الإسلامي على طريق تقرير ما فيه صلاح أهله، وما يدرأ المفاسد عنهم، ويكون فيه دواء لتبايناتهم وحل لمشاكلهم، وترشيد لصيرورتهم ومسيرتهم. ولعل ما يصح في إدارة الصراع داخل المجتمع المسلم يحسن إسقاطه على إدارته خارجه، مادام "الصراعان" انبثاقان من حقيقة واحدة… وذلك عن طريق الدعوة السواء الى بعض أعظم اهداف المشروع الحضاري الإلهي: عولمة العدالة، لاعولمة السوق وأنماط الهيمنة والاستكبار.

ــــــــــــــــــ

([1]) لعل أحدث ما عرفناه في هذا المجال على سبيل المثال لا الحصر، البون الشاسع بين مفهومين/ تحديدين لمصطلح/ مفهوم "الحضارة": أحدهما لصامويل هانتغتون، والثاني للسيد محمد خاتمي. فبينما يرى الأول "أن الحضارة هي كيان ثقافي… وأن الحضارات هي أعلى تجمع ثقافي للناس… وهي تتحدد في آن معاً بالعناصر الموضوعية المشتركة مثل اللغة والدين والتاريخ والعادات والمؤسسات، وبالهوية…"، فإن الثاني يقرر أن "الحضارة… هي الآثار المادية للحياة الاجتماعية وجميع المراكز والمؤسسات التي تنبض الحياة فيها، أي المؤسسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية… أما الثقافة فهي المعتقدات والعادات والتقاليد والتراث الفكري والعاطفي المتجذر في المجتمع".

 … والواضح أن تحديدي الحضارة هذين، متباعدان إلى حد كبير، ولعل الحضارة عند هانتغتون هي أقرب ما تكون إلى الثقافة عند خاتمي.

 أما ما جرى تدبيجه، وبكل اللغات، في الكلام على مصطلح/ مفهوم الحوار ومصطلح/ مفهوم الآخر ـ وأيضاً على سبيل المثال، لا الحصر ـ فما أغنى عن إعادة طرح السؤال المنهجي التأسيسي: وما الحوار، والآخر؟… وليس في علمنا أن ثمة تناغماً بين العلماء والباحثين ـ أو حتى أكثرهم ـ على تحديد مفهوم موحد للمصطلحين. ولا نريد في هذا السياق التذكير بما قبلهما: ما الأنا؟

 ( ـ راجع:

 ـ هانتغتون، صامويل ـ في: "صدام الحضارات" ـ م.س. ص.ص/ 18 ـ 19.

 ـ وخاتمي، السيد محمد ـ "خصائص الحضارات: تولد وتزدهر وتموت" ـ جريدة الحياة ـ بيروت، تاريخ 26/5/1997).

 ـ انظر للكاتب نفسه أيضاً: "مطالعات في الدين والإسلام والعصر" ـ (م.س.) ـ ص/49.

 ([2]) هانتغتون، صامويل ـ في "صدام الحضارات" ـ (م.س.) ـ ص/20.

 ([3]) انظر: ـ سعدي، محمد ـ "الجنوب في التفكير الاستراتيجي الأميركي" ـ مجلة "المستقبل العربي" ـ بيروت، 1/10/1998.

 وأيضاً: نشرة "المقتطف الثقافي" ـ المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق ـ بيروت ـ العدد/ 191ـ تاريخ 28/10/1998 ـ ص/10 ـ 11.

 ([4]) انظر: هوليداي، فرد ـ نشرة "المقتطف الثقافي" ـ المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق ـ بيروت ـ العدد/219، تاريخ 6/5/1999.

([5]) راجع في: (م.ن.): تاريخ 28/10/1998.

    _R. Servoise _ (L Islam en marche…) _ Le Monde Paris 7/1/1988: et Francois Burgat _ (L Islamisme au Maghreb: La voix du Sud) _ Collection les Afrqiues _ Karthala _  Paris _ 1988.

 ([6]) راجع: محبوباني، كيشوري ـ "أخطار التفسخ" ـ في كتاب: "صدام الحضارات" ـ (م.س) ـ ص/62.

 ([7]) المقصود بهذا المصطلح المنحوت من لفظتي "الحرب" و "الايديولوجيا"، الإشارة الساخرة إلى المتاجرين بالحروب من أصحاب الرؤوس الحامية، وأولئك المستفيدين من إيقاد وإذكاء نارها، وأولاء وهؤلاء مشهود لهم بارتفاع النبرة والقدرة على التأثير.. ـ وأحياناً على التهويل ـ … ألا يعلو صوت الحرب دائماً على ما عداه؟!

 ([8]) خاتمي، السيد محمد ـ "خصائص الحضارات…" ـ (م.س).

 ([9]) يذهب المطهري في تفسيره للجهاد إلى اعتباره مماثلاً للصراع، إذا أخذنا بالتفسير المعنوي له. (راجع: الهجرة والجهاد ـ الترجمة العربية ـ ص/27).

 ([10]) الخميني، الإمام روح الله ـ "مختارات…" ـ (م.س.) ـ ج/2 ـ ص/87.

 ([11]) (م.ن).

 ([12]) راجع ـ خاتمي، السيد محمد ـ "م.س" … وفي جريدة الحياة، بيروت ـ بتاريخ 28/5/1997، وبتاريخ 11/7/1997، وبتاريخ 24/4/1997و 13/3/1997، وفي جريدة القبس الكويتية بتاريخ 18/1/1998.

 ([13]) انظر: غارودي، روجيه ـ "الإسلام" ـ (م.س.) ص16.

 ([14]) سروش، عبد الكريم ـ نقلاً عن: بتول خدابخش في بحث أعد بإشرافنا عن إشكاليات الصراع بين الحضارات، تحضيراً لنيل دبلوم الدراسات العليا من الجامعة اللبنانية ـ كلية الآداب والعلوم الإنسانية 1998.

 ([15]) عجمي، فؤاد ـ "الاستدعاء" ـ في كتاب "صدام الحضارت" ـ (م.س.) ص/ 45 وما بعدها.

 ([16]) بينيان، ليو ـ "تطعيم الحضارة ـ الحضارات ليست جزراً" ـ في: (م.ن) ـ ص/65 وما بعدها.

 ([17]) كوثراني، وجيه ـ "صدام الحضارات، أم إدراة أزمات" ـ في: (م.ن.) ـ ص/91 وما بعدها.

([18]) Huntigton Samuel _ (The Erosion of American National Interests)  _ Affairs _ (september _ october 1997). Foreign

 ([19]) هانتغتون، صامويل ـ في: "صدام الحضارت" ـ (م.س.) ص/83.

 ([20]) (م.ن.).

 ([21]) خاتمي، السيد محمد ـ جريدة الحياة ـ بيروت ـ بتاريخ 26/5/1997 ـ (م.س.).

 ([22]) خاتمي، السيد محمد ـ "التدين في عالم اليوم" ـ جريدة الحياة ـ بيروت ـ تاريخ 28/5/1997، (م.س)… وانظر للكاتب نفسه أيضاً: "مطالعات في الدين والإسلام والعصر" ـ (م.س.) ص/71.

 ([23]) خاتمي، السيد محمد ـ "مطالعات…" ـ (م.ن).

 ([24]) المطهري، مرتضى، ـ "مفاهيم إسلامية" ـ الترجمة العربية ـ ص 43 و 48 و67.

 ([25]) (م.ن.) ص/42.

 ([26]) راجع مجلة: (l Express) _ Paris 20mai (1999).

 ([27]) راجع: الطباطبائي، السيد محمد حسين ـ "الميزان…" (م.س.) ـ مجلد/2 ـ ص/130.

 ([28]) سورة الحجرات: الآية/13.

 ([29]) انظر: الطباطبائي، السيد محمد حسين ـ "الميزان…" (م.س) ـ مجلد/18 ـ ص/326.

 ([30]) Huntington  Samuel _ (L Occident  et le choc des civilisations) _  Defense Nationale _ No . 4_ Paris Avril 1996 _ p.23.

 ([31]) راجع: غارودي، روجيه ، "مؤامرة على الثورة الإسلامية" ـ (م.س.) ـ ص/3.

 ([32]) راجع نصنا/ المقدمة للكتاب الذي وضع بإشرافنا تحت عنوان: "العلاقات الإسلامية ـ المسيحية، قراءات مرجعية في التاريخ والحاضر والمستقبل" ـ ص.ص./23 ـ 24و15. راجع أيضاً: خاتمي، محمد "مطالعات في الدين والإسلام والعصر" (م.س.) ـ ص/71. وراجع للكاتب نفسه "بيم موج" ـ (م.س.) ص/156 وما بعدها.

 ([33]) الطباطبائي، السيد محمد حسين ـ "الميزان…" ـ (م.س) ـ مجلد/2 ـ ص/118.

 ([34]) السيد حسين، عدنان ـ (م.س) ـ ص/41.

 ([35]) (م.ن).

 ([36]) سورة الأنفال ـ الآية/24.

 ([37]) سورة المؤمنون ـ الآية/73.

 ([38]) الطباطبائي، السيد محمد حسين ـ "الميزان" ـ (م.س.) ـ ج/9 ـ ص/48.

 ([39]) (م.ن.) ـ ص/45.

 ([40]) هانتغتون، صامويل ـ في "صدام الحضارات" ـ (م.س) ـ ص/21.

 ([41]) سورة الكهف ـ الآية/54.

 ([42]) راجع: ـ دورتي، جيمس، وبالستغراف، روبرت ـ "النظريات المتضاربة في العلاقات الدولية" ـ الترجمة العربية ـ ص/77 وما بعدها.

 ـ ذكره أيضاً: سعدي، محمد ـ "الجنوب في التفكير الاستراتيجي الأميركي…" ـ (م.س) ـ ص/14.

 ([43]) سورة القلم ـ الآية/9.

 ([44]) الطباطبائي، السيد محمد حسين…"الميزان…" ـ ج/19 ـ ص/371.

 ([45]) سورة سبأ ـ الآية/ 24.

 ([46]) ستيفنس، فيليب ـ "هل يقتنص الديمقراطيون الاشتراكيون الفرصة.." ـ الفايننشال تايمز ـ نقلاً عن جريدة السياسة ـ الكويت، تاريخ 11/ 10/1998.

 ([47]) راجع بو طالب: عبد الهادي ـ "نظام العولمة يواجه التعثر" ـ جريدة "الشرق الأوسط" ـ لندن، تاريخ 15/10/1988.

 و: داليما، ماسيمو ـ "عالم يعيش فترة استثنائية" ـ جريدة الشرق الأوسط، تاريخ 24/10/1998، بالاتفاق مع "ولوس أنجلس تايمز".. "وجهة نظر عالمية..".

 و: كيسنجر، هنري ـ "وصفات صندوق النقد الدولي تضر ولا تنفع" ـ جريدة الاتحاد ـ تاريخ 12/10/1998، نقلاً عن "لوس أنجلوس تايمز سينديكيت".

 ([48]) واضح أن رأي الرئيس كلينتون يكاد يتطابق مع وجهة نظر فوكوياما المتعلقة بفقدان سياسة القوة أهميتها في بلاد العالم الذي يسميه فوكوياما "الما بعد تاريخي" / الغرب. وذلك لمصلحة التفاعل الاقتصادي بين دول هذا العالم. وكنا قد ألمحنا إلى هذه الحقيقة في مكان آخر سابقاً.

 انظر: فوكوياما، فرانسيس ـ (م.س.) ـ ص/258.

 ([49]) الخميني، الإمام روح الله ـ "مختارات…" ـ (م.س.) ـ جزء/2 ـ ص/121.

 ـ راجع أيضاً: كتابنا ـ "الإمام الخميني والمشروع الحضاري الإسلامي" ـ (م.س.) ـ ص/ 87 ـ 88.

 ([50]) المحمصاني، صبحي ـ "القانون والعلاقات الدولية في الإسلام" ـ ص/162 وما بعدها.

 ([51]) التسخيري، محمد علي ـ (م.س) ـ ص115.

 ([52]) حسين، عدنان السيد ـ "العلاقات الدولية" ـ (م.س.) ـ ص/26ـ27.

 ([53]) (م.ن).

 ([54]) ذكره: (م.ن.) ـ ص/26.

 ([55]) سورة الصف، الآيتان: 2 ـ 3.

 ([56]) اسبوزيتو، جون ـ مقابلة معه ـ جريدة السفير، بيروت، تاريخ 10 حزيران ـ يونيو، 1998.

 ([57]) انظر في هذا السياق: _ Juravski Alexie _ (Tehran Times) _ 17 Des. 1998. _ (O.P.Cit.).

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

التعليقات مغلقة.

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©