السبت ٢٥ / فبراير / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » القدس‏ في فكر الإمام الخميني‏ »

مقدمة

13 يوليو 2013 | في الفئة: القدس‏ في فكر الإمام الخميني‏ | لا توجد تعليقات | الزیارات: 99

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم‏

لم تشغل قضية ذلك الحيّز في وجدان الإمام الخميني قدس سره واهتماماته كالذي شغلته قضية القدس وفلسطين، وقلما يجد الباحث في كلمات الإمام الخميني قدس سره السياسية والتعبوية قضية حاضرة وفاعلة كقضية القدس وفلسطين ففي البداية كان الهدف الأساس الذي استوطن عقل الإمام قدس سره ورافقه في درب الجهاد هو إسقاط الشاه، هذا الهدف الذي سيطر وحكم على جميع الأولويات وكان متصدراً الخطابات والبيانات والمواقف الصادرة عن الإمام الخميني قدس سره في رحلة جهاده الطويلة، سواء في مرحلة تواجده بين الجماهير في إيران أو خلال مسيرة النفي المتعددة البلدان، لكن بعد أن تحقق الهدف الأساس وسقط الشاه وتدحرج تاج التسلط، وانكسرت هيبة الطاغوت ومعه إرادة أمريكا التي كان لها في إيران موطئ قدم تمارس من خلاله عدوانيتها على الشعوب في منطقة الشرق الأوسط، بعد ذلك تصدرت الأولوية الثانية التي قرأناها في ثنايا الكلمات التي بثتها شفتا الإمام العظيم قدس سره، وعنوانها أولوية تحرير القدس وفلسطين، ففي ذلك الزمن حيث الإمام حطّم عرش الطاغوت واقتلع سارية العلم الأمريكي ورماها أرضا، واحرق الراية الزرقاء وعليها نجمة داوود، كانت أولى القبلتين للمسلمين ترزح تحت الاحتلال عينه الذي كان محتلاً لإيران بالسياسة والثقافة والاقتصاد، لكنه في فلسطين احتلال عسكري وإرهابي وتسلطي، فاعتبر الإمام قدس سره أن إكمال الثورة عينها وتمامية حركيتها لا يتحققان إلا بإزالة "إسرائيل" من الوجود وليس فقط بطرد الصهاينة من طهران وأرجاء إيران، فتوجه شطر المسجد الأقصى ورماه بوعده الجبار مؤكداً له انه سيتحرر ولو بعد حين، وقد أعطى الإمام الخميني "قده هذه المسألة أي تحرير فلسطين، بكامل ترابها، كل الاهتمام الذي تستحق وكل الأبعاد التي ترمز إليها كإسلامية وقومية ووطنية فضلاً عن كونها رمزاً لإرهاب الصهاينة من جهة ولمظلومية الشعب الفلسطيني من جهة ثانية، كما أشار الإمام في كلماته وبياناته إلى خلفيات الصراع مع العدو الذي يربض في قلب الأمة ويتمدد يميناً وشمالاً لينهش من لحمها ويقطع من جسدها، فقد بيّن الإمام الخميني‏قدس سره انه صراع عقائدي ديني وانه صراع قومي وانه صراع حضاري فكري هذا فضلاً عن جزئيات الأبعاد والرؤى التفصيلية التي تلامس أطراف القضية أو جوهرها والتي عمل الإمام الخميني قدس سره ليبعدها عن المصالح السياسية والتكتيكية للدول والأمصار، لأنها إن دخلت في هذا المضيق فإنها لن تصل إلى عمق الصراع وستبقى تقارب الهوامش والحواشي، هذا فضلاً عن إمكانية ضياع فلسطين حال الالتفات إلى المصالح الذاتية المؤقتة للبلدان العربية والإسلامية التي تربطها مصالح مع أمريكا حامية "إسرائيل" مما يفرض عليها نوعاً من المهادنة والمسالمة مع "إسرائيل" على حساب حقوق الأمة وحقوق الشعب الفلسطيني وذلك تحت ذريعة حماية او تحقيق المصالح الوطنية، هذه المصالح التي عادة ما تخضع لتكتيكات تنتهجها الدول من اجل بلوغ الأهداف المسماة وطنية اعتبرها الإمام الخميني قدس سره متنافية مع القضية الساطعة الحقانية وهي قضية فلسطين وها هو الإمام الخميني قدس سره نفسه لم يلتفت إلى مصالح إيران في هذه المسألة طالما أنها مبدئية وجلية ولا يمكن إخضاعها أو إدخالها في ترهات المصالح التكتيكية التي يمكن أن تخضع لها القضايا الجزئية الهادفة الى تحصيل المكاسب الفضلى بحسب طبيعة كل قضية، إنما هنا فيما يتعلق بفلسطين لا مجال للمجاملة ولا لإنصاف الحلول ولا للطروحات المجتزأة هنا: يجب أن يتم طرد الاحتلال وتحرير فلسطين وإزالة "إسرائيل" من الوجود مهما كانت التضحيات ومن دون الالتفات إلى العواقب، فعند الإمام الخميني قدس سره نفس وجود "إسرائيل" في هذا المكان من العالم الإسلامي يعني الهوان لهذه الأمة فإذا قامت ونهضت ولم تقدر على أن تفعل شيئاً وضحت بنفسها فلا ضير طالما أنها محكومة بالفناء على كل حال، كيف وان الأمور مختلفة تماماً فهناك الإمكانية الكبيرة لتحقيق هدف التحرير، فلو قام جزء من الأمة بمسؤولية وواجب الجهاد، فهناك وعد الهي محسوم بان الله ينصر من ينصره وان الله يدافع عن الذين امنوا وان الله يخزي الكافرين..

 

إذن أضحت فلسطين وقضية تحريرها الأولوية الأولى بعد سقوط الشاه لما لها من تأثير في واقع الأمة وفي مستقبلها، وقد عمل الإمام الخميني قدس سره على تجاوز كل العوائق النفسية الذاتية وتلك المصطنعة من قبل الاستكبار تهويلاً وتهديداً وافساداً والتي تحرف الشعوب عن قضايا أمتهم الأساسية، وعاش الإمام الخميني قدس سره حياته يرمق فلسطين، وفي قلبه حنين دائم إلى تلك الربوع وشوق للوصول إليها بعد اقتلاع الأشواك وثني المسافات واجتياز السدود ليتمسح الإمام بالعتبات المقدسة التي وطأتها أقدام آلاف الأطهار من النبيين والوصيين..

 

لقد كانت إيران تخوض الحرب المفروضة عليها وتتحدى العالم المستكبر، وكانت الظروف صعبة وقاسية، لكن الإمام كان يشاهد من أتون الحرب حرارة الأسى الذي يعتصر قلب فلسطين، وكان يقول إن البصرة هي طريق العبور إلى فلسطين، لم يكن العراق هدفاً للحرب، بل كان تقريب المسافة إلى فلسطين هو هدف الإمام قدس سره .

 

كما أن الإمام الخميني قدس سره وجه الشباب اللبناني المؤمن لقتال الجيش المحتل ولم تكن الأهداف التي حددها الإمام ترتبط بإخراج الاحتلال وطرده وإنما كان تحرير فلسطين هو الأمل الذي يراود عينيه ويكحلها، ومنذ ذلك الحين كان الشعار الذي طرحه الإمام وما زال مدوياً بأنه يجب أن تزول "إسرائيل" من الوجود، في ذلك الزمن حيث كان هذا الشعار ضرباً من الوهم أو نوعاً من الكهانة أو إغراقا للأمة في المصير المجهول أو دفعاً للشباب إلى الانتحار من خلال تحدي المستحيل، كان الإمام يؤكده وكأنه هدف سهل المنال قريب المسافة بالرغم من الحالة التي كانت الأمة تعيشها، الضعف والتشرذم والانقسام والتبعية والاستغراق في المصالح الذاتية ونسيان أو تناسي القضايا المصيرية للأمة، وبالرغم من انشغال إيران ومعها الإمام قدس سره بالحرب المفروضة التي شنها الاستكبار لإسقاط ثورتها وضرب نهضتها الإسلامية، وكان الجزء الأكبر من لبنان محتلاً، وكانت الأنظمة تتهاوى الواحدة تلو الأخرى في مستنقع الخيانة والاستسلام، في هذه الأجواء الحالكة التي كاد ينعدم فيها بصيص النور أشعل الإمام الخميني قدس سره ذلك السراج الذي بدا للوهلة الأولى غير قابل للحياة والديمومة بفعل الرياح العاصفة العاتية المانعة من وصول الزيت إلى الفتيل، إلا أن هذا السراج أُشعل بأيد ربانية يمدها زيت من عالم الغيب مما جعله اقوي من كل رياح العالم وكل عواصف الدنيا وأهلها، فاستمر السراج وتلاشت الرياح بالتدرج، بل إن وهج السراج تعالى وتصاعد وأضحى أكثر قدرة على الإضاءة في المدى الأوسع في حياة الأمة فكان تحرير لبنان الذي تحقق بفعل التكليف الذي حدده وأطلقه الإمام الخميني قبل عدة عقود من الزمن، وكانت الانتفاضة على وقع انتصار التكليف الشرعي الذي يحمل اسم الإمام الخميني فباتت الصلة وثيقة بين ما يجري في فلسطين وبين الفكر والرؤى التي بثها الإمام قدس سره في هذه الأمة، وسوف تنمو وتتضخم بركات ذلك النهج والفكر والخط الذي صاغه الإمام الخميني لينبت في ربوع فلسطين مجداً وسؤدداً وعزاً وحرية وسوف تشهد الأجيال اللاحقة وتعاين مدى العظمة لذلك الإمام الذي رحل عن الدنيا بعد أن صبغ هذا القرن من الزمن بألوان زاهية تحكي الإسلام المحمدي الأصيل الذي أعاده الإمام الخميني قدس سره ليحتل المكان المرموق في عالم الدنيا وليغدو من جديد حاضراً وبقوة في حياة الإنسان من اجل إحياء هذا الإنسان مقدمة لظهوره النهائي والتام بعد أن يبقى هذا الإسلام المحمدي الأصيل هو الخيار الوحيد والأوحد الذي يلبي متطلبات الإنسان وعشقه وسيره نحو السعادة اللامتناهية فتُيَمم الوجوه نحوه من كل الأصقاع تلبية لنداء الفطرة السليمة التي شهدت على الحق وأمنت به ويظهر الإسلام دين الفطرة والعقل على الدين كله ولو كره المشركون ولو كره الكافرون...

 

مركز الإمام الخميني الثقافي

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

التعليقات مغلقة.

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©