الخميس ٣٠ / مارس / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » نفحات ملكوتية (( قبس من وصايا الإمام الخميني المعنوية والسلوكية)) »

نفحات ملكوتية ((قبس من وصايا الإمام الخميني _قدس سره_ المعنوية والسلوكية)) -3-

16 نوفمبر 2014 | في الفئة: نفحات ملكوتية (( قبس من وصايا الإمام الخميني المعنوية والسلوكية)) | لا توجد تعليقات | الزیارات: 436

نفحات ملكوتية ((قبس من وصايا الإمام الخميني _قدس سره_  المعنوية والسلوكية)) -3-

نفحات ملكوتية

 

((قبس من وصايا الإمام الخميني _قدس سره_  المعنوية والسلوكية)) -3-

بلسم الروح

 

بسم الله الرحمن الرحيم

رسالة من والدٍ هرمٍ متداعٍ، أفنى عمره في حفنة من الألفاظ والمفاهيم، وضيّع حياته في قمقم أنانيّته، وهو الآن يعدّ أنفاسه الأخيرة نادماً على ماضيه. إلى ولده الشاب، المتاحة أمامه فرصة للتفكير كعباد الله الصالحين بتحرير نفسه من قيود التعلّق بالدنيا التي ينصبها إبليس الخبيث فخّاً له.

 

دوام ذكر الله يُحرّر الإنسان من الدنيا

بنيّ:

ما أسرع كرّ الدنيا وفرّها وإقبالها وإدبارها، ثم نُسحق جميعاً تحت عجلات الزمن.

 

بنيّ:

لقد أدركت من تتبّعي ومطالعاتي في أحوال مختلف الشرائح البشرية أنّ الآلام النفسية والروحية التي يُعاني منها أفراد الشريحة

المتنفّذة[1] الموسرة، وما يُخلّفه ضياع الآمال والأماني الكثيرة فيهم، أشدّ أثراً وأكثر تقريحاً للفؤاد من الآلام التي تُعاني منها سائر الشرائح.

 

وفي هذا العصر الذي نعيش فيه، والذي يرزح فيه العالم تحت سطوة القوّتين الكبريين، لا يعدّ العذاب والألم الذي تُعاني منه الطبقات والشرائح المتوسّطة، لا، بل حتى الفقيرة منها شيئاً يذكر قياساً بما يُعانيه رؤساء تلك الدول الكبرى، وما تتجرّعه كلّ واحدة منهما من الأخرى من ألوان القلق المضني. فالتنافس بينهما ليس تنافساً متّزناً معقولاً، بل تنافس مقضّ ومهلك يقصم ظهر كلٍّ منهما، وكأنّ كلّاً منهما يقف في مواجهة ذئب مفترس يترصّد به، فاغراً فمه ومكشّراً عن أنيابه يتحيّن فرصة لافتراسه.

 

إنّ عذاب التنافس هذا يقضّ مضاجع الناس جميعاً بمختلف فئاتهم، بدءاً من المتنفّذين الموسرين ونزولاً إلى سائر الطبقات، إلا أنّه يزداد شدّة وتأثيراً كلّما زاد الثراء والقدرة بنفس النسبة وليس من سبيل إلى نجاة البشرية، وتحقيق الاطمئنان في القلوب، والتحرّر من الدنيا وأنواع التعلّق بها، سوى بالمداومة على ذكر الله تعالى[2].

إنّ أولئك الساعين إلى تحقيق التفوّق بأيّ ثمن سواء أكان سعيهم ذلك في العلوم -حتى الإلهية منها - أو في القدرة والشهرة والثروة، إنّما يسعون في زيادة آلامهم. في حين أنّ المتحرّرين من القيود المادّية، والذين حفظوا أنفسهم - إلى حدٍّ ما - من الوقوع في شرك إبليس، يُحبرون في جنّة وسعادة ورحمة حتى في عالمنا الدنيوي هذا.

 

موازين العرفان الحقيقي

في عهد رضا خان البهلوي[3] وتحديداً في تلك الأيام التي كانت تُمارس فيها ضغوط شديدة بهدف تغيير زيّ العلماء، وكان العلماء والحوزات العلمية يعيشون الاضطراب والقلق نتيجة هذا الأمر - لا أعاد الله مثل تلك الأيام على الحوزات العلمية[4] - صادفتُ شيخاً من المتحرّرين إلى حدٍّ ما من رقٍّ الأغيار يجلس قرب دكّان الخبّاز مشغولاً بأكل قطعة من الخبز الخالي، وعند التحادث قال: "أمروني بنزع عمامتي، فنزعتها ووهبتها لشخصٍ يخيط له منها قميصين، وها أنذا قد أكلت رغيفي وشبعت، وإلى الليل.. الله كريم".

 

ولدي.. إذا أخبرتك أنّي أُفضِّل الفوز بهذه الحالة على الفوز بجميع مقامات الدنيا فصدِّق، ولكن هيهات أن يكون لي ذلك وأنا الواقع في شراك إبليس والنفس الخبيثة.

 

بنيّ:

أمّا أنا فلا أمل لي "يشيب ابن آدم وتشبّ فيه خصلتان الحرص وطول الأمل"[5]. والأمل أن توفّق أنت إلى سلوك طريق الصالحين بما لديك من نعمة الشباب وقوّة الإرادة.

 

ولست أرمي من قولي هذا دفعك إلى أن تترك خدمة المجتمع والاعتزال لتكون كَلّاً على خلق الله، فإنّ هذه صفات الجاهلين المتنسّكين أو الدراويش أصحاب الطرائق[6]. ولنا في سيرة الأنبياء العظام (صلى الله على نبيّنا وعليهم أجمعين) والأئمة الأطهار عليهم السلام - صفوة العارفين بالله والمتعلّقين بساحته المتحرّرين من كلّ القيود والأغلال - من القيام بكلّ ما أوتوا من

قوّة بوجه الحكومات الطاغوتية وفراعنة الزمان، وما عانوا من الآلام والمتاعب في سبيل تحقيق العدالة في العالم، وما بذلوا من الجهود، عبرة ودروس. فإذا كانت لنا أعينٌ مبصرةٌ وآذان واعية فسيكون شعارنا: "من أصبح ولم يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم"[7].

 

بنيّ:

إنّ الميزان في الأعمال هو النوايا التي تستند إليها. فلا الاعتزال الصوفي دليل على الارتباط بالحقّ، ولا الدخول في خضم المجتمع وإقامة الحكومة شاهد على الانقطاع عن الحقّ. فما أكثر ما يكون العابد والزاهد واقعاً في شراك إبليس التي تشتدّ وتتوسّع بما يناسب ذلك العابد، كالأنانية والغرور والعجب والتكبُّر واحتقار خلق الله والشرك الخفي وأمثال ذلك مما يُبعده عن الحقّ ويجرّه نحو الشرك. وما أكثر ما يرتقي المتصدّي لشؤون الحكومة فيحظى بمعدن قرب الحقّ، لما يحمله من دافع إلهي، كداود وسليمان عليهما السلام، بل وأفضل منهما وأسمى منزلة، كالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وخليفته بالحقّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام وكحضرة المهديّ (أرواحنا لمقدمه الفداء) في عصر حكومته العالمية.

 

فميزان العرفان والحرمان إذن هو الدافع. وكلّما كانت الدوافع أقرب إلى نور الفطرة وأكثر تحرُّراً من الحجب، حتى النورية منها، كانت أكثر التصاقاً بمبدأ النور، وإلى المستوى الذي يصبح فيه الحديث عن الارتباط كفراً أيضاً.

 

بنيّ:

لا تتنصّل من مسؤوليتك الإنسانية التي هي خدمة الحقّ في صورة خدمة الخلق، فإنّ مكر الشيطان وكيده في هذا المضمار ليس أقلّ من مكره وكيده بين المسؤولين والمتصدّين للأمور العامة. ولا تتهالك للحصول على مقام مهما كان -سواء المقام المعنوي أو المادّي - متذرّعاً بالرغبة في الاستزادة من المعارف الإلهية، أو خدمة عباد الله، فإنّ مجرد الاهتمام بذلك من الشيطان، فما بالك ببذل الجهود للوصول إليه!

 

استمع إلى الموعظة الإلهية الفريدة التي يعظنا بها الله، وأرهف لها سمع القلب والروح، ثم عِها تماماً وسر في خطّها. يقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾[8].

 

فالميزان في بدء الحركة إنّما هو في كونها "قياماً لله"[9] سواء في الأعمال الشخصية والفردية أو في الفعاليات الاجتماعية.

 

فاسعَ أن تكون موفّقاً في هذه الخطوة الأولى. فإنّ ذلك في أيّام الشباب أسهل وإمكانية التوفيق فيه أكثر. وإياك أن يفاجئك الهرم مثل أبيك وأنت إمّا مراوح في مكانك أو متراجع القهقرى، والأمر محتاج من أجل تفاديه إلى المراقبة والمحاسبة.

 

إذا سعى الإنسان مدفوعاً بدوافع إلهية إلى ملك الجن والإنس، بل إذا حصل عليه، فسيبقى عارفاً بالله وزاهداً في الدنيا. أما إذا كان الإنسان مدفوعاً بدوافع نفسانية وشيطانية فان كلّ ما يناله - حتى وأن كان مجرد مسبحة - سوف يبعده عن الله تعالى بقدر سوء تلك الدوافع.

الاتقاء من مخالفة الأحكام الظاهرية

بني:

طالع سورة الحشر المباركة، فإنّ فيها كنوزاً من المعارف التربوية ممّا يستحقّ أن يمضي الإنسان عمراً بحاله يتفكّر فيها، ويتزوّد بالمدد الإلهي منها بأنواع الزاد، وخصوصاً آياتها الأواخر حيث يقول سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾[10].

 

ففي هذه الآية الصغيرة في لفظها، البالغة العمق في معناها، احتمالات بنّاءة نشير إلى بعضها:

يمكن أن تكون الآية خطاباً لمن وفّقوا لأول مراتب الإيمان، مثل إيمان العامّة[11]. وبناءً عليه فإنّ الأمر بالتقوى هو أمر بأولى مراتبها التي هي "التقوى العامة"، وهي اجتناب مخالفة الأحكام الإلهية الظاهرية، وهي بذلك ناظرة إلى شكل الأعمال. وعلى هذا الاحتمال، فإنّ جملة ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ تحذير من عواقب أعمالنا، ودليل على أنّ الأعمال التي نقوم بها سوف تحضر بذاتها لكن بما يناسبها من شكل في النشأة الأخرى، وستلحق بنا[12].

 

وقد وردت آيات وروايات كثيرة حول هذا الأمر، التفكير فيها يكفي القلوب المتيقظة، بل يوقظ القلوب المؤهلة، وقد يكون خطوة نحو الارتقاء في المراتب والمقامات الأرفع والأسنى. والدليل على ذلك هو تكرار التأكيد على الأمر بالتقوى، وإن أمكن وجود احتمال آخر. وأما قوله: ﴿إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾[13] فهو تحذير آخر أيضاً من أن أعمال البشر لا تخفى على محضر الحقّ، لأنّ العالم أجمع محضره تعالى.

 

الاتقاء من التأثُّر بالتهم والشائعات الكاذبة

يمكن أن تكون الآية خطاباً لأولئك الذين أوصلوا الإيمان إلى قلوبهم. فما أكثر ما يكون الإنسان مؤمناً معتقداً بالشهادتين في ظاهره، إلّا أنّ قلبه بعيد عن ذلك، أو يكون عالماً معتقداً بأصول الدين الخمسة[14]، إلا أنّ هذا العلم لم يصل إلى قلبه. ولعلّ الجميع هم كذلك عدا الندرة من خواصّ المؤمنين.

 

والسبب في ارتكاب بعض المؤمنين لبعض المعاصي هو هذا. فلو تيقّن القلب بيوم الجزاء والعقاب وآمن به، فمن المستبعد جدّاً التمرُّد وارتكاب المعصية. كما أنّ القلب إذا آمن بعدم وجود إله غير الله فإنّ الإنسان لن يتوجّه إلى غير الحقّ تعالى، ولن يحمد سواه، كما لن يعتريه خوف أو خشية من غيره تعالى.

بنيّ:

أرى أنّك تظهر الانزعاج والقلق أحياناً من التهم الباطلة والشائعات الكاذبة. لذا وجب أن أقول لك أولاً: بأنّك ما دمت حيّاً تُرزق وما دمت تتحرّك وذا تأثير بنظر الآخرين فلا مناص من توجّه الانتقاد والتهمة والشائعات المختلفة نحوك. فالعقد كثيرة والتوقّعات متزايدة والحسد كثير. من كان له دور فاعل حتى إذا كانت فعاليته خالصة لله، لن يمكنه تفادي تجريح أصحاب الأهواء السيئة.

 

أنا شخصياً أعرف عالماً تقياً جليلاً، لم يكن يُذكر - قبل تسلُّمه منصباً بسيطاً - إلا بالخير - نوعاً ما - وكان أهل العلم وغيرهم سلماً له تقريباً، حتى إذا توجّهت إليه النفوس، وحصل على مكانة دنيوية - ولو أنّها لا تكاد تذكر بالنسبة إلى علو مقامه المعنوي - أصبح هدفاً للتهمة والأذى، وتأجّجت نيران الحسد[15] والعقد بألوان مختلفة وظلّ حاله هكذا إلى آخر عمره.

كما يجب أن تعلم ثانياً: أنّ الإيمان بوحدة الإله[16] ووحدة المعبود[17] ووحدة المؤثِّر[18] لم يلج قلبك كما ينبغي. ابذل الجهد لتصل "كلمة التوحيد" -التي هي أعظم وأسمى جملة- من عقلك إلى قلبك، فإنّ حظّ العقل لا يعدو ذلك الاعتقاد البرهاني القاطع، الذي إن لم تصل نتيجته إلى القلب بالمجاهدة والتلقين فإنّ أثره وفائدته يكاد أن لا يذكر. وما أكثر ما يكون البعض من أصحاب البرهان العقلي والاستدلال الفلسفي أشدّ عرضة من غيرهم للوقوع في شراك إبليس والنفس الخبيثة، "أرجل الاستدلاليين خشبية"[19]، ولا تتبدّل هذه الخطوة البرهانية والعقلية بخطوة روحانية وإيمانية، إلا حين انتقالها من أفق العقل إلى مقام القلب، وقبول القلب بما أثبته الاستدلال عقلياً.

 

بنيّ:

عليك بالمجاهدة[20] لتُسلِم قلبك بين يدي الله، فلا ترى بعد ذلك مؤثّراً سواه. وإلا أفلا يُصلّي عامّة المسلمين المتعبّدين عدّة مرّات في اليوم والليلة - وهي الصلاة وما تزخر به من التوحيد والمعارف الإلهية - ويقولون في اليوم والليلة عدّة مرّات: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾[21] فيخصّون الله تعالى قولاً بالعبادة والإعانة، إلا أنّهم يتذلّلون لكلّ عالم أو قوي أو ثري ويعاملونهم أحياناً بما لا يعاملون به حتى المعبود. ويستعينون بأيٍّ كان ويستمدّون منه العون، ويتوسّلون بكلّ تافه في سبيل تحقيق مقاصدهم الشيطانية غافلين عن قدرة الحقّ. ولا يُستثنى من ذلك سوى ثلّة من المؤمنين حقّاً وخواصّ الله.

 

وبناءً على احتمال أنّ الخطاب موجّه إلى الذين بلغ الإيمان قلوبهم، فإنّ الأمر بالتقوى يختلف عنه في الاحتمال الأول. فهذه التقوى ليست اتقاء الأعمال غير اللائقة، بل هي التقوى عن التوجّه إلى الأغيار، تقوى عن استمداد من غير الحقّ، وعن العبودية لغيره، تقوى عن فسح المجال لغيره جلّ وعلا إلى القلب، تقوى عن الاتكال والاعتماد على غير الله.

 

وهذا الذي ترى أننا وأمثالنا مبتلون به، والذي يبعث في نفسي ونفسك الخوف من الشائعات ونشر الأكاذيب، أو الخوف من الموت وإسلام الروح والتحرُّر من رقّ الطبيعة، إنّما هو الذي يجب الاتقاء منها.

وعلى هذا فإنّ المراد من قوله تعالى ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾[22] هو الأفعال القلبية التي لها صورة في الملكوت، وصورة فوقها أيضاً، والله خبير بخطرات قلوب الجميع.

 

بَيْدَ أنّ هذا لا يعني أن تترك الحركة والسعي وتُصبح مهمِلاً، وتختار العزلة عن كلّ شخص وكلّ شيء، فهذا خلاف السنّة الإلهية وسيرة الأنبياء العظام والأولياء الكرام، فقد بذلوا عليهم السلام كلّ ما في وسعهم في سبيل تحقيق الأهداف

الإلهية والإنسانية، إلا أنّهم يختلفون عنّا نحن عمي القلوب في اعتمادنا على الأسباب على نحو الاستقلال. فهم يعتبرون كلّ الأمور في هذا المجال منه جلّ وعلا، وهذا الإدراك إنّما هو أحد مقاماتهم العادية. إنّهم يرون الاستعانة بأيّ شيء، استعانة بالمبدأ[23]، وهذا أحد الفوارق بينهم وبين الآخرين.

 

أنا وأنت وأمثالنا حينما نعتمد على الخلق ونستعين بهم، فإنّنا نكون حينها غافلين عن الحقّ تعالى. أمّا هم فيرون هذه الاستعانة بالآخرين استعانة به تعالى في الواقع، وإن كانت في صورة الاستعانة بالأدوات والأسباب، كما أنّهم يرون ما يقع لهم من حوادث منه تعالى رغم أنّ الأمر في الظاهر عند أمثالنا غير ذلك. ومن هنا كان وقع الحوادث حلو المذاق على أرواحهم، وإن كان مرّاً في نظرنا.

الاتقاء من مدح المادحين

بني:

هنالك أمر هام بالنسبة لنا نحن المتخلّفين عن "قافلة الأبرار"، وأرى أنّه قد يكون ذا أثر في بناء النفس لمن كان بصدد ذلك. علينا أن نُدرك أنّ منشأ ارتياحنا للمدح والثناء واستيائنا من الانتقاد ونشر الشائعات إنّما هو "حبّ النفس" الذي يُعدّ من أخطر الشراك التي ينصبها إبليس اللعين.

 

نحن نرغب أن يكون الآخرون مادحين لنا، حتى وإن أظهروا أنّ لنا أفعالاً صالحة وحسنات وهمية تفوق بمئات المرّات حقيقة ما نحن عليه. كما أنّنا نرغب أن تكون أبواب الانتقاد - ولو بالحق - موصدة دوننا أو أن يتحوّل انتقادنا إلى مديح وثناء.

 

ونحن لا يزعجنا الحديث عن معايبنا لأنّه ليس حقّاً، كما لا يسرّنا المديح والثناء لأنّه حقّ، بل لأنّ هذا العيب هو "عيبي أنا" وهذا المدح لي "أنا". وهو أمر سائد في أوساطنا وفي كل مكان.

 

وإذا أردت أن تتأكّد من صحة هذا الأمر، فتأمّل بما يُصيبك من الانزعاج إذا انبرى المدّاحون لمدح أحد الأشخاص على فعلٍ قام به وكنت قد قمت بذات الفعل، ستنزعج حتى إذا كان ما قام به أفضل ممّا قمت به أنت، وخصوصاً إذا كان الشخص من أقرانك وزملائك. وأدهى من ذلك عندما ترى أنّهم حوّلوا عيوبه إلى مدائح. ففي تلك الحال، تيقّن أنّ للشيطان وللنفس - التي هي أسوأ من الشيطان - يداً في الأمر.

 

بني:

ما أحسن أن تُلقّن نفسك وتُقنعها بحقيقة أنّ مدح المدّاحين وإطراء المطرين ناهيك عن أنّه يُهلك الإنسان ويجعله أكثر بعداً عن التهذيب - البعيد عنه هو في الأساس -، فإنّ الأثر السيّئ للثناء الجميل في نفوسنا الملوّثة سيكون أيضاً منشأ لجميع أنواع التعاسة بالنسبة لنا، كما سيُلقي بنا - نحن ضعاف النفوس - بعيداً عن المحضر القدسي للحقّ جل وعلا.

 

ولعلّ الناقدين ومروّجي الشائعات ضدّنا يكونون ذا نفع في علاج معايبنا النفسية، ولا غرابة في ذلك، فالأمر شبيه بالعملية الجراحية المؤلمة التي تؤدّي بالنتيجة إلى سلامة المريض.

 

إنّ أولئك المادحين يُبعدوننا بمدائحهم عن جوار الحقّ، وهم أصدقاء إلا أنّهم يؤذوننا بصداقتهم. أمّا أولئك الذين يتوهّمون أنّهم يُحاربوننا بالانتقاد والسبّ واختلاق الشائعات، فإنّهم يساهمون في إصلاحنا رغم أنّهم أعداء لنا - ذلك إذا كنّا أهلاً للصلاح- وهم يحسنون إلينا رغم ظهورهم بمظهر الأعداء.

 

وإذا اقتنعنا أنا وأنت بهذه الحقيقة وإذا أتاح لنا الشيطان والنفس فرصة لرؤية الأمور على حقيقتها فإنّنا سنضطّرب حينها من مدح المادحين وثناء أهل الثناء، تماما كاضطّرابنا اليوم من ذمّ الأعداء ومفتعلي الشائعات المغرضين. كما أنّنا سنفرح بالانتقاد تماماً كما نفرح اليوم بمدائح وإطراء المادحين.

 

وإذا بلغ قلبك شيء ممّا ذكرت فلن تُزعجك بعد ذلك المنغّصات، ولن يؤلمك اختلاق المختلقين، وسوف تنال طمأنينة القلب. فإنّ أكثر الآلام والقلق إنّما هي نتيجة الأنانية. رحمنا الله تعالى جميعاً بإنقاذنا منها.

 

التقوى عن رؤية المظاهر الخَلقيّة

3- الاحتمال الآخر هو كون الخطاب موجّهاً إلى أصحاب الإيمان من خواصّ أهل المعرفة، المتعلّقين بمقام الربوبية وعاشقي الجمال الجميل، الذين يرون بعيون قلوبهم وبالمعرفة التي تنطوي عليها نفوسهم، أنّ جميع الموجودات مظهر للحقّ[24]، ويعاينون نور الله في جميع المرئيات، ويدركون معنى الآية الكريمة: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[25] بالمشاهدة المعنوية[26] والسلوك القلبي[27] رزقنا الله ذلك وإيّاكم.

وبناءً على هذا الاحتمال فإنّ الأمر بالتقوى لهذه الطائفة من العشّاق والخواصّ يختلف عن الأمر بها للآخرين. فلعلّ التقوى المقصودة هنا، هي تقوى عن رؤية الكثرة[28]، وشهود المرئيات والرائي[29]. تقوى عن التوجُّه إلى الأغيار[30] حتى وإن كان في صورة التوجّه إلى الحقّ من الخلق[31]. تقوى عن "ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيت الله قبله وبعده ومعه وفيه"[32]  الذي لا يعدو كونه مقاماً عادياً لخلّص الأولياء، حيث إنّ "للشيئية"[33] دخل في الأمر. تقوى عن مشاهدة: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[34]. تقوى عن مشاهدة: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ

مَا كُنتُمْ﴾[35] و﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾[36]. تقوى عن مظهر جمال الحقّ في الشجرة[37]، إلى سائر ما يرتبط برؤية الحقّ في الخلق. وعلى هذا يكون المراد من الأمر بالنظر فيما قدّمناه لغد هو هذه الحالات من مشاهدة الحقّ في الخلق والوحدة في الكثرة التي تجيء على الصورة التي تناسبها في العوالم الأخرى.

 

التقوى عن رؤية المظاهر الأسمائية

احتمال أن يكون الخطاب موجّهاً لأولئك الخُلَّص من الأولياء الذين تجاوزوا مرحلة رؤية الحقّ في الخلق، وجمال حضرة الوحدة في الكثرة الفعلية، والذين لم يبق على مرآة مشاهداتهم أثر لغبار الخلق، وتخلّصوا من الشرك الخفي في هذه المرحلة، إلا أنّهم أسلموا قلوبهم لتجليات أسماء الحقّ، فصاروا عشّاقاً متيّمين لحضرة الأسماء، والتجلّيات الأسمائية، وهم فانون عن الغير، لا يشاهدون سوى مظاهر الأسماء.

 

وعلى هذا الاحتمال يكون الأمر بالتقوى أمراً بالتقوى عن رؤية الكثرات الأسمائية، والمظاهر الرحمانية والرحيمية، وسائر أسماء الله. وكأنّ صوتاً يرنّ في مسامعهم من الأزل إلى الأبد: أن ليس هناك إلا مظهر واحد لا غير. وتُفسّر على هذا سائر الفقرات بما يناسب هذا المعنى. وإذا اجتازوا ذلك فلا وجود بعدها للشاهد والمشاهدة والشهود. وهو الفناء في "هو المطلق" و"لا هو إلا هو".

 

أمّا أشمل الاحتمالات الواردة فهو, أن يُحمل كلّ لفظ مثل "آمنوا" و"اتقوا" "ولتنظر" و"ما قدّمت" وهكذا... على معانيها المطلقة، فهي جميعاً مراتب لتلك الحقائق. فالألفاظ موضوعة للمعاني غير المقيّدة بقيد والمطلقة من الحدّ والحدود[38].

 

وحتى إذا كانت ثمّة احتمالات أخرى فهي داخلة ضمن هذا الاحتمال وضمن هذه المراتب. فهو شامل لكلّ فئة وطائفة من المؤمنين شمولاً تاماً، وجميع تلك الفئات مصاديق للعنوان المطلق.

 

وهذا التفسير يفتح الباب لفهم الكثير من الأخبار التي طبقت الآيات على فئة بعينها أو شخص بذاته، فيُتوهّم الاختصاص، في حين أنّ الأمر ليس كذلك. بل هو ذكر للمصداق أو المصاديق المتعدّدة.

نسيان الحقّ سبب لنسيان النفس

وبناءً على ما ذكرنا من الاحتمالات يتسنّى لنا فهم الآية المباركة: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾[39] التي تلي الآية موضوع البحث.

 

فالآية الشريفة تنطوي أيضاً - وحسب ما ذكرنا من احتمالات - على احتمالات تناسب مع تلك الاحتمالات المختلفة المراتب والمتّحدة الحقيقة، ممّا لا مجال للتفصيل فيه. وأكتفي فقط بذكر نكتة واحدة، وهي أنّ نسيان الحقّ يوجب نسيان النفس، سواء أكان نسياناً بمعنى عدم التذكُّر أو بمعنى الترك. وفي كلا المعنيين إنذار مروّع.

 

إنّ لازم نسيان الحقّ تعالى أن ينسى الإنسان نفسه، أو قل يجرّه الحقّ تعالى إلى نسيان نفسه. وهو أمر يَصدُق على جميع المراحل السابقة. فمن ينسى الله وحضوره جلّ وعلا في مرحلة العمل، سيُبتلى هو بنسيان نفسه، أو أنّه يجرّ إلى ذلك. ينسى عبوديّته فيخرج من مقام العبودية[40]. ومن لا يعرف ما هو، ومن هو، وما هي وظيفته[41]، وما هي العاقبة التي تنتظره[42]، فإنّ الشيطان حالٌّ فيه وجالس بدلاً من نفسه، والشيطان عامل عصيان وطغيان.

وإذا لم يثب ذلك الإنسان إلى رشده، ويرجع إلى ذكر الحقّ، وغادر هذا العالم وهو على هذه الحال من الطغيان والعصيان، فقد يأتي في ذلك العالم على شكل شيطان مطرود من قِبَل الحقّ تعالى.

 

أمّا إذا كان النسيان بمعناه الآخر (أي الترك)، فإنّ الأمر سيكون أشدّ إيلاماً، لأنّه إذا ترك الحقّ وترك إطاعة الحقّ، فإنّ ذلك سيستوجب أن يتركه الحقّ ويكله إلى نفسه ويقطع عنه عناياته. ولا شكّ أنّ الأمر سينتهي به إلى الخذلان في الدنيا والآخرة.

 

لذا نرى في الأدعية المأثورة عن المعصومين التأكيد على الدعاء بأن لا يكلنا الله إلى نفوسنا، لأنّهم عليهم السلام يعلمون نتائج هذه المصيبة في حين أنّنا غافلون عنها.

 

العالم كلّه مظهر رحمة الحقّ

بنيّ:

استعظم الذنوب مهما كانت صغيرة بنظرك و"انظر إلى من عصيت"[43] فكلّ الذنوب تُصبح بهذا المنظار كبيرة[44] وخطيرة. ولا يُغرّنك أيّ شيء. وإيّاك أن تنسى حضور الله تبارك وتعالى على أيّة حال، فكل شيء منه.

 

ولو أن عنايته الرحمانية انقطعت لحظة عن موجودات عالم الوجود بأسرها، فلن يبقى أثر حتى للأنبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين. فالعالم أجمع "مظهر" رحمانيّته جلّ وعلا. ورحمته ورحمانيّته جلّ وعلا هي المبقية لنظام الوجود بتواصلها - مع قصور اللفظ والتعبير-، فلا تكرار في تجلّيه[45] جلّ وعلا الذي يُعبّر عنه أحياناً "ببسط وقبض الفيض المتواصل".

 

على أيّ حال لا تنسى حضوره، ولا تغترّ برحمته، ولكن أيضاً لا ينبغي أن تيأس منها. ولا تغترّ بشفاعة الشافعين عليهم السلام، لأنّ لكلّ ذلك موازين إلهية نجهلها نحن.

 

وليكن التأمّل في أدعية المعصومين عليهم السلام وتحرّقهم وتفجّعهم خوفاً من الحقّ وعذابه ديدنك في أفكارك وسلوكاتك. واعلم أنّ الأهواء النفسانية وشيطان النفس الأمارة بالسوء تدفعنا نحو الغرور وتردينا بذلك في المهالك.

ترك الدنيا حتى حلالها

بني:

لا تسع للحصول على الدنيا أبداً، حتى الحلال منها[46]، فإنّ حبّ الدنيا حتى حلالها رأس جميع الخطايا، وهي حجاب سميك تجرّ الإنسان مرغماً إلى الحرام منها. فأنت شابٌّ تستطيع بما حباك الله به من القوّة أن تمنع أول خطوة نحو الانحراف، ولا تدعها تنجرّ إلى خطوات أخرى.

 

فلكلّ خطوةٍ خطوةٌ أخرى تتلوها، وكلُّ ذنب - مهما صَغُر - يجرّ المرء نحو ذنوب أكبر، حتى تستحيل الذنوب الكبيرة في نظره ليست شيئاً يذكر. بل قد يبلغ الأمر بالبعض أن يفتخروا بارتكاب بعض الكبائر، لا بل قد يصل الوضع بالبعض الآخر حدّاً -أحياناً - يجعلهم يرون المنكر معروفاً والمعروف منكراً، بسبب تكاثف الظلمات والحجب الدنيوية.

 

أسأل الله تعالى جلّ اسمه أن يُنير قلبك بجماله الجميل، ويُزيل الحجب من أمام بصرك، ويُنجيك من القيود الشيطانية والإنسانية حتى لا تأسف - مثل أبيك - على ماضيك بعد تصرّم الشباب وحلول الشيخوخة.

واربط قلبك - بني - بالحقّ، حتى لا تستوحش في الطارئات من الصدوف، وحرّره من الأغيار لتستنقذ نفسك من الوقوع في الشرك الخفي والشرك الأخفى[47].

 

وبعد هذه الآيات وإلى آخر السورة فإنّها تنطوي على أمور غاية في العذوبة والجمال، يحول دون التعرّض لها سوء الحال وضيق المجال.

 

اللهم! اجعل أحمد عندك محموداً، وافطم فاطمة عن الذنوب، واجعل حسناً أحسن، وبلّغ ياسراً يسراً، وتولّ هذه العائلة

المنتسبة إلى أهل بيت العصمة عليهم السلام بلطفك وعناياتك، واحفظها من شرّ شياطين الباطن والظاهر، ومُنّ عليهم بالسعادة في الدارين.

 

لا يفوتني - بني - أن أختم وصيّتي هذه بالتأكيد عليك في السعي لخدمة الأرحام لا سيما "أمّك" التي لها في أعناقنا جميعاً حقوقاً كثيرة، واحرص على إرضائهم جميعاً.

 

والحمد لله أولاً وآخراً والصلاة على رسول الله وآله الأطهار واللعن على أعدائهم.

 

17 / شوال / 1404 هـ.ق

روح الله الموسوي الخميني

 

 

 

رؤية الحقّ

 

بسم الله الرحمن الرحيم

إهداء

أهدي كتابي "آداب الصلاة"[48] - الذي لم أجن منه أنا شخصياً سوى الأسف على قصوري وتقصيري في ما خلا أيام عمري التي كنت قادراً فيها على بناء النفس، والحسرة والندامة في مرحلة الشيخوخة حيث يدي خالية وحملي ثقيل والسفر بعيد والبلاء شديد، ولحن الرحيل يتردّد في سمعي - إلى ولدي العزيز "أحمد" لعلّه إن شاء الله ينتفع - وهو يتمتّع بقوّة الشباب - بمحتواه، ممّا جُمع من كتاب الله والسنة المطهرة وما أُوثر عن الأولياء العظام فيلج - مستفيداً من إرشادات أهل المعرفة - المعراج الحقيقي، ويستنقذ قلبه من هذه الظلمة، ويوفّق لبلوغ مقصد الإنسانية الأصلي الذي سلكه أنبياء الله العظام وأولياؤه الكرام عليهم السلام وأهل الله، ودعوا الآخرين إليه.

الدخول في ولاية الله

بنيّ:

اسع للعثور على نفسك المعجونة بفطرة الله، واستنقذها من مستنقع الضلالة وأمواج العجب والأنانية، واركب "سفينة نوح" التي هي "ولاية الله"، فإنّ من "ركبها نجا ومن تخلّف عنها هلك"[49].

 

بنيّ:

اجهد أن يكون سيرك في "الصراط المستقيم" - صراط الله - وإن كان ذلك بخطى وئيدة بطيئة. واسع أن تكون حركات وسكنات قلبك وسائر جوارحك في إطار المعنوية والارتباط بالله. واحرص على السعي في خدمة الخلق لأنّهم خلق الله، فرغم أنّ أنبياء الله العظام والخواص من أوليائه تعالى كانوا يمارسون الأعمال كالآخرين، إلا أنّهم لم يتعلّقوا بالدنيا قط، وذلك لأنّ عملهم كان بالحقّ وللحقّ، إلّا أنّه روي عن خاتم النبيّين صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "إنّه ليغان على قلبي، وإنّي لاستغفر الله في كلّ يوم سبعين مرّة"[50]، ولعلّه كان يرى رؤية الحقّ في الكثرة كدورةَ.

بنيّ:

تهيّأ بعدي لمواجهة مختلف مشاعر الجفاء، والضغائن التي أكنّتها الصدور لي، فسوف تنعكس عليك، وإذا كان حسابك مع ربّك سليماً، وتحصّنت بذكر الله، فإنّك لن تخشى الخلق. فأمر الخلق وحسابهم هيّنٌ سريع الانقضاء، ويبقى الحساب أمام الحقّ تعالى.

 

لا قيمة للمقامات والمناصب الدنيوية

بني:

قد تعرض عليك بعدي المناصب، فإن كانت نيّتك خدمة الجمهورية الإسلامية والإسلام العزيز فلا ترفض، ولكن إذا كانت نيّتك - لا سمح الله- إطاعة هوى النفس وإرضاء الشهوات، فاجتنب القبول، إذ لا قيمة للمقامات والمناصب الدنيوية حتى تضيّع نفسك من أجلها.

 

اللّهمّ مُنَّ على أحمد وذرّيته وأهل بيته - وهم عبادك ومن نسل رسولك الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم - بالسعادة في الدنيا والآخرة، واحفظهم من شرّ الشيطان الرجيم.

 

اللّهمّ، خذ بأيدينا نحن الضعفاء العاجزين المتخلّفين عن قافلة السالكين.

 

اللّهمّ عاملنا بفضلك ولا تعاملنا بعدلك.

 

والسلام على عباد الله الصالحين.

 

23 ربيع الاول 1405 هـ.ق

روح الله الموسوي الخميني

 

معراج الروح

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

 

وصيّة من والد هرم قضى عمراً بالبطالة والجهالة، وهو يسير الآن نحو الدار الأبدية بكفٍّ خالية من الحسنات، وبصحيفة أعمال سوّدتها السيئات، لكنّ قلبه مفعم بالأمل بمغفرة الله والرجاء بعفوه.

 

إلى ابنٍ شابٍّ تتجاذبه مشاكل الزمان، وهو مخيّر بين انتخاب الصراط الإلهي المستقيم (هداه الله إليه بلطفه المطلق) وبين اختيار الطريق الآخر - لا سمح الله - حفظه الله من مزالقه برحمته.

 

معراج العارفين

أي بني، الكتاب الذي أهديه إليك هو نبذة من صلاة العارفين ونزر من السلوك المعنوي للسالكين، رغم أنّ قلم من هو مثلي عاجزٌ عن تبيان مسيرة هذا السفر، وأعترف بأنّ ما كتبته لا يخرج عن حدِّ بعض الألفاظ والعبارات، فأنا لم أحصل إلى الآن على بارقة من هذه النفحة.

ولدي، إنّ ما في هذا "المعراج"[51] هو الغايةُ القصوى لآمال أهل المعرفة، وقد قصرت أيدينا عنها: "اسحب الشباك فالعنقاء لا تكون صيداً لأحد"[52].

 

ولكن!! لا ينبغي لنا اليأس من ألطاف الله الرحمن, فهو - جلّ وعلا - الآخذ بأيدي الضعفاء، ومعين الفقراء.

 

عزيزي, الكلام هو في السفر من الخلق إلى الحقّ تعالى[53]، ومن الكثرة إلى الوحدة، ومن الناسوت[54] إلى ما فوق الجبروت، إلى حدّ الفناء المطلق الذى يحصل في السجدة الأولى، والفناء عن الفناء - الذي يقع في السجدة الثانية - بعد الصحو[55]. وهذا هو تمامُ قوس الوجود من الله وإلى الله[56]، وفي تلك الحال ليس من ساجد ومسجود له، ولا عابد ومعبود، فـ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾[57].

التحرّر من قيود الأنا

ولدي، ما أوصيك به - بالدرجة الأولى - هو أن لا تُنكر مقامات أهل المعرفة[58]، فالإنكار سُنَّةُ الجُهّال، واتَّقِ معاشرة مُنكري مقامات الأولياء، فهم قُطّاع طريق الله تعالى.

 

بني:

تحرّر من حبِّ النفس والعجب، فهما إرثُ الشيطان. فبالعُجب وحبّ النفس تمرَّدَ (الشيطان) على أمر الله بالخضوع لوليّ الله وصفيه.

 

واعلم!! أنّ جميع ما يحلّ ببني آدم من مصائب ناشىءٌ من هذا الإرث الشيطاني، فهو أصل الفتنة. وربما تشير الآية الكريمة: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾[59] في بعض مراحلها إلى الجهاد الأكبر[60]، وقتال أساس الفتنة وهو الشيطان وجنوده. ولهؤلاء فروعٌ وجذورٌ في أعماق قلوب بني الإنسان كافة، وعلى كلّ إنسان أن يجاهد ﴿حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ داخل نفسه وخارجها، فإذا حقّق النصر في هذا الجهاد، صلحت الأمور كافة وصلُح الجميع.

بنيّ:

اسعَ لتحقيق هذا النصر أو بعض درجاته. واجتهد واعمل للحدّ من الأهواء النفسانية التي لا حدّ لها ولا حصر. واستعن بالله - جلّ وعلا - فإنّه لا يصل أحد إلى شيء من دون عونه.

 

والصلاة -معراج العارفين وسفر العاشقين - سبيل الوصول إلى هذا المقصد. ولو كان لك ولنا توفيقُ تحقُّق ركعة واحدة منها، ومشاهدة الأنوار المكنونة فيها، ومعرفة أسرارها الخفية - ولو على قدر ما نطيقة نحن - لحصلنا على نفحة من مقصد أولياء الله ومقصودهم. ولشاهدنا صورةً مصغّرة لصلاة معراج سيد الأنبياء والعرفاء عليه وعليهم وعلى آله الصلاة والسلام.

 

نسأل الله أن يمنّ علينا وعليكم بهذه النعمة العظمى.

 

الطريق إذاً طويل وخطيرٌ جداً، ويستلزم الراحلة والكثير من الزاد، وزادُ أمثالي إمّا معدوم أو قليلٌ جداً، فما من أمل إلا أن يشملنا لطف الحبيب جلّ وعلا فيأخذ بأيدينا.

 

الشباب فرصة حقيقية للتحرّر من الأنا

عزيزي، استثمر ما بقي من الشباب، ففي الشيخوخة يضيع كلّ شيء، حتى الالتفات إلى الآخرة والتوجُّه إلى الله تعالى. إنّ من كبريات مكايد الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، أن تُمنّي الشباب بوعود الصلح والإصلاح عند حلول الشيخوخة، فتُخسرهم شبابهم الذي يضيع بالغفلة. وأما الشيبة، فتُمنّيهم بطول العمر حتى اللحظات الأخيرة، وتصدّ الإنسان - بوعودها الكاذبة - عن ذكر الله والإخلاص له، إلى أن يأتي الموت، وعندها تأخذ منه الإيمان، إن لم تكن قد أخذته منه كاملاً قبل ذلك الحين.

 

إذن, فانهض للمجاهدة وأنت شابٌّ تمتلك قوة هائلة، واهرب من كل شيء ما عدا الحبيب جلّ وعلا، وعزِّز ما استطعت ارتباطك به تعالى، إن كان لديك ارتباط. أمّا إذا لم يكن لديك ذلك - والعياذ بالله - فاسعَ للحصول عليه، واجتهد في تقويته. فليس هناك ما يستحقّ الارتباط به سواه تعالى. وإذا لم يكن التعلُّق بأوليائه تعلّقاً به تعالى ففيه مكيدةٌ من حبائل الشيطان الذي يصدُّ عن السبل إلى الحقّ تعالى بكلّ وسيلة.

 

ولا تنظر أبداً إلى نفسك وعملك بعين الرضا، فقد كان أولياء الله الخُلّص يرون أنفسهم لا شيء، وأحياناً كانوا يرون حسناتهم من السيئات.

 

الوجود منحصر به تعالى

بني، كلّما ارتفع مقام المعرفة، تعاظمَ الإحساس بحقارة ما سواه جلّ وعلا.

 

في الصلاة, التي هي مرقاةُ الوصول إلى الله، هناك تكبير[61] وارد بعد كل ثناء كما أنّ دخولها بالتكبير، وتلك إشارةٌ إلى أنّه تعالى أكبر من كلّ ثناء، حتى من أعظم ثناء وهو الصلاة.

 

وبعد الخروج هناك "تكبيرات" تشير إلى أنّه أكبر من توصيف الذّات والصفات والأفعال.

 

ماذا أقول؟! من الذي يصف وبأيِّ وصف؟! وكلّ العالم من أعلى مراتب الوجود إلى أسفل سافلين هو لا شيء، إذ إنَّ كلّ ما هو موجودٌ هو تعالى لا غير؟! فماذا يمكن أن يُقال عن الوجود المطلق؟!

 

ولولا أمر الله وإذنه جلّ وعلا ربما لم يقدر على ذكره أحد من الأولياء، وإن كان كلّ ما هو موجود هو حديث عنه تعالى لا عن سواه!! والكلُّ عاجز عن التمرّد عن ذكره، فكلّ ذكر ذكرُه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾[62].

 

و﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾[63] لعلها خطاب بلسان الحق تعالى إلى جميع الموجودات: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ..﴾[64]. وهذه أيضاً بلسان الكثرة، وإلا فإنّه هو الحمد والحامد والمحمود، "إنَّ ربَّك يُصلِّي"[65]، و﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾[66].

التأدُّب في محضر الله

ولدي, إنّنا ما دُمنا عاجزين عن شكره وشكر نعمائه التي لا نهاية لها، فالأفضل لنا أن لا نغفل عن خدمة عباده، فخدمتهم خدمة للحقّ تعالى، فالجميع منه!

 

علينا أن لا نرى أنفُسنا - أبداً - دائنين لخلق الله عندما نَخدِمُهُم، بل هُم الذين يمنُّون علينا حقاً، لكونهم وسيلة لخدمة الله جلّ وعلا.

 

ولا تسعى لكسب السمعة والمحبوبيّة من خلال هذه الخدمة، فهذه بحدِّ ذاتها من حبائل الشيطان التي يُوقعنا بها.

 

واختر في خدمة عباد الله ما هو الأكثر نفعاً لهم وليس ما هو الأنفع لك ولأصدقائك، فمثل هذا

 

إختيار ما يقرّب إلى الله

ولدي العزيز, إنّ الله حاضرٌ، والعالم محضره، ومرآة نفوسنا هي إحدى صحائف أعمالنا، فاجتهد لاختيار كلِّ عمل يُقرّبك إليه، ففي ذلك رضاه جلّ وعلا.

 

لا تعترض عليَّ - في قلبك - بأن لو كُنت صادقاً، فلماذا أنت نفسُك على غير هذه الحال؟! فأنا نفسي على علم بأنّي لا أتَّصف بأيٍّ من صفات أهل القلوب، ولديّ خوفٌ من أن يكون هذا القلم في خدمة إبليس والنفس الخبيثة, فأُحاسَبُ على ذلك غداً. ولكن أصل هذه المطالب حقُّ، وإن كانت مكتوبةً بقلم من هو مثلي ممّن لم يبتعد عن الخصال الشيطانية.

 

وألجأ إلى الله تعالى في أنفاسي الأخيرة آملاً من أوليائه النجاة والشفاعة.

 

اللّهمّ خُذ أنت بيد هذا العجوز العاجز، وأحمد الشاب، واجعل عواقب أمورنا خيراً.

 

واجعل لنا سبيلاً إلى جلالك وجمالك، برحمتك الواسعة.

 

والسلام على من اتبع الهدى.

 

ليلة 15 ربيع المولود 1407 هـ ق

روح الله الموسوي الخميني

شراب العشق

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مخاطر الغوص في المصطلحات

 

عزيزتي فاطمة:

أخيراً حملتني على كتابة عدّة أسطر ولم تقبلي عذر شيخوختي وما أحمل من المعاناة وما أنا فيه من الابتلاءات...

 

إذن فلأبدأ بالحديث عن ابتلاءات الشيخوخة والشباب، فقد أدركت أنا المرحلتين أو إن شئت فقولي طويتهما، وأنا الآن منحدر نحو البرزخ أو النار تتلاقفني أيدي أعوان ملك الموت، غداً ستعرض عليّ صحيفة أعمالي السوداء وأحاسب على عمري الضائع وأُسأل ولا جواب عندي وليس لي سوى الأمل برحمة من وسعت رحمته كلّ شيء، الذي أنزل على من هو رحمة للعالمين: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾[67].

ولكن لو فرضنا أنّي صرت مشمولاً بهذه الآية الكريمة وأمثالها ومن مصاديقها، فماذا عن العروج إلى حريم الكبرياء والارتقاء إلى جوار المحبوب والوفود إلى ضيافة الله التي كان ينبغي عليّ بلوغها بنفسي، والحال أنّي وقعت في مرحلة الشباب فريسة للشيطان وخادمه المطيع النفس الأمارة بالسوء، ورحتُ أُشغل نفسي - حين كانت لديّ نعمة القوة والنشاط - بالمفاهيم والاصطلاحات الطنّانة والمنمّقة، فلم أحصل على الانسجام معها أو على رقيّ الحال، بل لم أحاول أبداً أدراك معانيها والوصول إلى لُبّها، ولا إرجاع ظاهرها إلى باطنها وملكها إلى ملكوتها، فرحت أقول:

 

مدرستي لم تغن بعد الجهد أو كلّ اجتهادي         وازدحام القيل والقال سوى غـمّ الفـؤاد[68]

 

وهكذا غصتُ في عمق الاصطلاحات والعبارات، وانكببت على جمع الكتب بدلاً من رفع الحجب، وكأنّه ليس في الكون والمكان وجود سوى لحفنة من الورق المبعثر الذي يصدّ الطالب المفطور بفطرة الله - باسم العلوم الإنسانية والمعارف الإلهية والحقائق الفلسفية - عن بلوغ مقصده، بل وتُغرقه في الحجاب الأكبر.

 

فقد حالت "الأسفار الأربعة"[69] بطولها وعرضها بيني وبين السفر

نحو المحبوب، ولم أحصل على ايّ فتحٍ من "الفتوحات"[70]، ولا على أيّ حكمة من "فصوص الحكم"[71]، فضلاً عن غيرها ممّا له قصة محزنة...

 

وحينما بلغت المشيب، صرت عرضة للاستدراج في كلّ خطوة حتى بلغت الشيخوخة وما فوقها مما أنا فيه الآن: ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾[72].

 

البحث عن الله هو الهدف

وأنت يا ابنتي، لأنّك بعيدة فراسخ عن هذه المرحلة ولم تتذوّقي طعمها - أوصلك الله إليها محفوظة من بلاياها - تتوقّعين منّي الكتابة والحديث نثراً ونظماً، ولا تعلمين أنّي لست كاتباً ولا شاعراً ولا خطيباً.

 

اعلمي يا ابنتي العزيزة - وأنتِ لم تخبري الحياة بعد - أنّك سوف تنوئين يوماً - لا سمح الله - تحت عبء الندم الثقيل على الشباب الذي ضاع منك بتلك الأمور أو بما هو أكثر منها، مثلي تماماً حيث تخلّفت عن قافلة عشّاق الله.

فاستمعي إذن لهذا الهرِم البائس الذي ينوء تحت هذا العبء منحنياً ظهره من ثقله. لا تغتري بهذه الاصلاحات التي تُمثّل الفخّ الكبير لإبليس، وحثّي الخطى في البحث عنه جلّ وعلا، فأيام الشباب وأنسها وملذّاتها سريعة الأفول، وقد طويت أنا مراحلها جميعاً وأمسيت أُصارع الآن عذابها الجهنّمي، والشيطان الداخلي مصرّ على إبقاء روحي في قبضته كي - والعياذ بالله - يُسدّد الضربة الأخيرة، غير أنّ اليأس من رحمة الله الواسعة يعدّ في حدّ ذاته من الكبائر العظيمة، نسأل الله أن لا يُبتلى العصاة بهذا الذنب العظيم.

 

يقال إنّ مجرم التاريخ الحجّاج بن يوسف الثقفي[73] قال في آخر عمره: "اللهم اغفر لي رغم قول الجميع أنّك لن تغفر لي". ويقال إنّ الشافعي[74] عندما سمع بذلك قال: إذا كان قال ذلك فعسى ولعلّ يكون هذا الشقي قد وفّق للتوبة[75]! ولست أعلم إن كان ذلك الشقيّ قد وفقّ لهذا الأمر أم لا، كلّ ما أعلمه أنّ اليأس هو أسوأ من كلّ شيء.

بنيّة:

لا تغترّي برحمة الله فتغفلي عنه، ولا تيأسي فتخسري الدنيا والآخرة.

 

اللهم بحقّ أصحاب الكساء الخمسة، احفظ أحمد وفاطمة وحسن ورضا وعلي -أولئك الذين أفتخر ويفتخرون أنّهم من سلالة الرسول العزيز ووصيّه (صلوات الله وسلامه عليهما) - من الشرور الشيطانية والأهواء النفسانية.

 

انتهى كلامي وتمّت عليّ حجّة الحقّ والسلام.

ربيع الثاني 1407 هـ.ق

 

براعم الهداية[76]

 

بسم الله الرحمن الرحيم‏

 

عدم القنوت من رحمة الله

ابنتي العزيزة فاطمة: طلبتِ منّي كتابة شي‏ء لك, ما عسى أن يكتب من ابتُلي بالنفس الأمارة بالسوء، فلم يتمكّن بل لم يشأ أن يُحطّم هذا الوثن الضخم الجاثم على صدره على الإطلاق. نحن الآن على أعتاب شهر الله ومنزلة ضيافة الله، وأنا أُقر بأنّني لست حرياً بهذه الضيافة, شهر شعبان العظيم الذي هو شهر الأئمة الكرام على وشك الانقضاء، ولم يتسنّى لنا إعداد أنفسنا لشهر الله.

 

لا تعدو قراءتي للأدعية أحياناً عن لقلقة اللسان، فلم أجنِ منها شيئاً، وأقول في أواخر هذا الشهر: "اللهم إن لم تكن غفرت لنا فيما مضى من شعبان فاغفر لنا فيما بقي منه"[77].

لم أقنط من رحمة الله تعالى ولا تقنطي, إيّانا وبلوغ يوم تجعلنا فيه ذنوبنا آيسين من رحمة الله تعالى.

 

الكلّ يبحثون عن الحقّ

ابنتي: سوف تنقضي هذه الأيام المعدودة سواء باللهو واللعب أم بالمشقّة والتعب، وسواء بالغفلة عن الفطرة أم بالالتفات إليها.

 

عزيزتي: أضمر الله جلّ وعلا نور هدايته في كافّة مخلوقاته لا سيّما الإنسان, فطرة الله تُشغل بالنا شئنا أم أبينا، ولا تتطلّع جميع المخلوقات مهما بلغت وإلى أيّ مذهب رغبت سوى إلى الحقّ تعالى وكماله المطلق بحسب فطرتها، وإن لم تلتفت إلى ذلك، واعتقدت بغيره.

 

فإنّ الإنسان يبغي الكمال المطلق ويرومه، سواء من عبد الأوثان توهُّماً أم من أنكر الله جلّ وعلا واقتفى أثر الرئاسة.

 

يظنّ الملحدون أنّهم يهوون الدنيا ويطلبون الرئاسة والزعامة، لكنّهم وفقاً للواقع يطلبون الاقتدار المطلق، ويبحثون عن الكمال المطلق، وهم في غفلة عن هذا ويعتقدون بخلافه. ومن المحتمل أن يكون عذابهم وعقابهم من أجل هذا الجهل والوهم.

 

أنتِ - على سبيل المثال - لما ترغبين بارتداء الملابس الفاخرة والحلية الباهرة، لأنّك عن الحقّ تبحثين. وكذلك الأمراء والملوك‏ يريدون بلوغ القدرة المطلقة: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾[78]، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾[79].

 

إنّ هذا الموضوع ذو نطاق واسع، فمن الأفضل أن نوجز في الكلام ونستودعك الله، والسلام عليك وعلى عباد الله الصالحين.

 

روح الله الموسوي الخميني‏

شعبان 1407 هـ ق

 

مستودع السرّ

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، الذي لا رحمن ولا رحيم غيره، ولا يُعبد ولا يُستعان إلا به، ولا يُحمد سواه، ولا ربّ ولا مربّي إلا إيّاه. وهو الهادي إلى الصراط المستقيم ولا هادي ولا مرشد إلا هو، ولا يُعرف إلا به. ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾[80]. والصلاة والسلام على سيّد الرسل ومرشد الكلّ الذي ظهر من غيب الوجود إلى عالم الشهود وأتمّ الدائرة وأرجعها إلى أولها، وعلى آل بيته الطاهرين الذين هم مخازن سرّ الله ومعادن حكمة الله وهداة ما سوى الله.

 

وبعد...

هذه وصية من عجوز عاجز، أمضى زهاء التسعين عاماً من عمره غارقاً في مستنقع الضلالة وسكر الطبيعة، يطوي الآن أيام أرذل عمره منحدراً نحو قعر جهنّم غير آمل بالنجاة، وغير آيس من روح الله ورحمته فلا أمل له سواه تعالى. يرى نفسه عاجزاً، لما اشتغل به من عقد العلوم المتعارفة والقيل والقال، حتى أضحت معاصيه ممّا يعجز سوى الله تبارك وتعالى عن إحصائها.

 

إلى شاب يؤّمل له أن يشقّ طريقه نحو الحقّ وينجو- بتوفيق الله وهداية الهداة - من المستنقع الذي سقط فيه أبوه.

 

الخشية من الله وحده

ولدي العزيز أحمد، انظر - سلّمك الله - في هذه الأوراق نظر ناظر إلى ما يُقال، لا إلى من يقول، فإنّي أهدف ممّا أقول تنبيهك رغم أنّي بريء ممّا أقول، بعيد عنه.

 

أعلم أن ليس لأيّ موجود من الموجودات - بدءً من غيب عوالم الجبروت إلى ما فوقها أو تحتها - شيء من القدرة أو العلم أو الفضيلة، وكلّ ما فيها من ذلك إنّما هو منه جلّ وعلا، فهو الممسك بزمام الأمور من الأزل إلى الأبد، وهو الأحد الصمد. فلا تخش من هذه المخلوقات الجوفاء الخاوية الخالية ولا تُعلّق آمالك عليها أبداً لأنّ التعويل على غيره تعالى شرك، والخوف من غيره جلّت عظمته كفر.

 

تهذيب النفس وإصلاحها

بنيّ:

اسع في إصلاح نفسك ما دمت تحظى بنعمة الشباب، فإنّك ستخسر كلّ شيء في الشيخوخة، فمن مكائد الشيطان - ولعلّها أخطر مكائده - التي سقط فيها أبوك وما زال، إلا إذا أدركته رحمة الحقّ تعالى - هي "الاستدراج".

 

ففي أوائل الشباب يسعى شيطان الباطن - أشدّ أعداء الشاب - في ثنيه عن إصلاح نفسه ويُمنّيه بسعة الوقت، وأنّ الآن هو أوان التمتُّع بالشباب. ويستمرّ في خداعه بالوعود الفارغة ليصدّه عن فكرة الإصلاح تماماً.

 

وساعة بعد ساعة يوماً بعد يوم يتصرّم الشباب ويرى الإنسان نفسه فجأة في مواجهة الهرم الذي كان يؤمّل فيه إصلاح نفسه، وإذا به ليس بمنأى عن وساوس الشيطان أيضاً، إذ يمنّيه آنذاك أيضاً بالتوبة في آخر العمر، لكنّه حينما يحسّ بالموت في آخر العمر، يُصبح الحقّ تعالى أبغض موجود إليه لأنّه يريد انتزاع الدنيا - التي هي محبوبه المفضّل - منه. وهذه حال أولئك الذين لم ينطفئ نور الفطرة فيهم تماماً. وهناك من أبعدهم مستنقع الدنيا عن فكرة الإصلاح كلّياً وسيطر عليهم غرور الدنيا بشكل تام، وقد رأيت أمثال أولئك بين أهل العلوم المتعارفة، ما زال بعضهم على قيد الحياة، وهم يرون أنّ الأديان ليست سوى خرافة وترّهات.

 

بنيّ:

انتبه جيّداً، إلى أنّ أيّ أحد منّا لا يمكنه أن يكون مطمئناً إلى عدم وقوعه في حبائل هذه المكيدة الشيطانية.

كيفية صدور أدعية المعصومين عليهم السلام

عزيزي, اقرأ أدعية الأئمة المعصومين عليهم السلام وانظر كيف أنّهم يعتبرون حسناتهم سيئات وكيف يرون أنّهم يستحقّون العذاب الإلهي، ولا يفكّرون سوى برحمة الحقّ تعالى. وأهل الدنيا وتلك الفئة من المعمّمين اللاهثين وراء بطونهم[81] إنّما يؤوّلون هذه الأدعية، لأنّهم لم يعرفوا الحقّ جلّ وعلا.

 

بنيّ:

والأمر في ذلك فوق ما نتصوّره، فهم بين يدي عظمة الحقّ، فانون عن أنفسهم، لا يرون غيره تعالى، وفي تلك الحال ليس هناك كلام أو ذكرٌ أو فكر وليس هناك ذات.

 

وهذه الأدعية الكريمة والمناجات إنما صدرت منهم في حال الصحو قبل المحو[82] أو بعد المحو، حيث إنّهم حينها كانوا يرون

 أنفسهم في محضر الحاضر. ونحن والجميع - عدا أولياء الله الخلّص - قاصرون عن ذلك.

 

احتجابنا عن الكمال المطلق سبب معاناتنا

إذن فسأبدأ الحديث عن تلك الأمور التي لا تليق بأمثالي المضطّربة أوضاعهم، وإنّما الأمل بفضل الله وإمداد أوليائه عليهم السلام أن يعينك أنت يا ولدي لعلّك تصل إلى تلك الحال، وهي "فطرة التوحيد" ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾[83]، فهو أمر فُطر عليه جميع الناس بل جميع الموجودات.

 

فما يبحث عنه ويجري وراءه، الجميع سواء في العلوم والفضائل والفواضل، أو في المعارف وأمثالها، أو في الشهوات والأهواء النفسانية، أو في التوجّه إلى كلّ شيء وأيّ شخص من قبيل أصنام المعابد، والمحبوبات الدنيوية والأخروية، الظاهرية والخيالية، المعنوية والشكلية، كحبّ النساء والبنين والقبيلة والقادة الدنيويين كالسلاطين والأمراء وقادة الجيوش، أو القادة الأخرويين كالعلماء والمفكّرين والعرفاء والأنبياء عليهم السلام، كلّ ذلك هو ذات التوجّه إلى الواحد الكامل المطلق.

فليس من حركة تقع الاّ له تعالى وفي سبيل الوصول إليه جلّ وعلا، وليس من قدم تخطو إلا نحو ذلك الكمال المطلق، ونحن وأمثالنا - ممّن حجبتنا الحجب الظلمانية المتراكمة بعضها فوق بعض - إنّما نُعاني ونتعذّب نتيجة هذا الاحتجاب.

 

الخطوة الأولى باليقظة والعلم

وأوّل خطوة تكون مقدّمة لرفع الحجب هي أن نعتقد أنّنا محجوبون، وأنّ علينا أن نصحو تدريجياً من خدر الطبيعة الذي شمل كامل وجودنا من السرّ والعلن والباطن والظاهر، وهي "اليقظة", التي عدّها بعض أهل السلوك "المنزل الأوّل" من منازل السالكين، إلّا أنّها ليست كذلك، فهي حالة عودة الوعي والاستيقاظ وهي مقدّمة فقط للبدء في السير ورفع جميع الحجب الظلمانية، ثم الحجب النورانية والوصول إلى أوّل منزل "التوحيد".

 

والأمر سيّان إذا التزمنا إطار العقل، أو الأطر الأخرى بأسرها، فجميعها تُفصح عن أن الكمال المطلق هو جميع الكمالات، وإلا فهو ليس بمطلق. ولا إمكان لظهور أيّ كمال أو جمال في غير الحقّ، لأنّ الغيرية هي عين الشرك إن لم نقل أنّها إلحاد.

 

عزيزي: ينبغي أولاً أن تخطو بقدم العلم رويداً رويداً، فإنّ أي علم كان هو الحجاب الأكبر، وبالدخول بهذا الحجاب ستتعلّم رفع الحجب. تعال إذن ننطلق معاً نحو الوجدان، لعلّ ذلك يفتح الطريق أمامنا.

كنز الإنسان الحقيقي

إنّ أيّ إنسان، بل أيّ موجود عاشق للكمال بالفطرة ومتنفِّر من النقص. فأنت إنّما تطلب العلم لأنّك تطلب الكمال، لذا فأنت ترى أنّ فطرتك لا تقنع أبداً بأيّ علم تناله، وهي بمجرّد أن تُدرك وجود مراتب أرقى وأعلى في هذا العالم فإنّها ستبحث عنها وتُطالب بها، وسوف تتنفّر ممّا لديها من العلم الذي نالته لما سترى به من محدودية ونقص.

 

فما تعشقه الفطرة هو كمال العلم لا نقصه، ولو أنّ مقتدراً اهتمّ بقدرته فهو إنّما يسعى إلى كمال القدرة لا إلى نقصها. لذا نرى المقتدرين يسعون دوماً لقدرةٍ أعظم وأعلى، غافلين عن أنّ القدرة المطلقة إنّما هي الموجود المطلق. وأنّ جميع "دار التحقُّق" إنّما هي مظهر ذلك الموجود المطلق. وأينما تولّ وجهك بالوجدان فلا يمكن أن تتوجّه إلى غير الموجود المطلق، وذلك هو الكنز الذي يُغني الإنسان عن الحاجة إلى غيره تعالى، ويُصبح كلّ ما يصل إليه من المحبوب المطلق، وكلّ ما سُلِبَه إنّما سَلَبَه إيّاه المحبوب المطلق.

 

حينها ستستشعر اللذّة حينما ترى من يبحثون عن سقطاتك وعيوبك، لأنّ ذلك كلّه من المحبوب وليس منهم، وحينها أيضاً لن تُعلّق القلب بأيّ مقام غير مقام الكمال المطلق.

الحرب الثقافية للشرق والغرب

ولدي العزيز: دعني أتحدّث إليك الآن بقلمي ولساني العاجزين:

أنت والجميع تعلمون بأنّكم تحت ظلّ نظام وقفت بوجهه جميع القوى الشيطانية بيُمن القدرة والتوفيق الإلهيين وبدعاء وتأييد بقية الله - أرواحنا لتراب مقدمه الفداء - وبتضحيات الشعب الإيراني الثوري روحي - فداهم واحداً واحداً- نظام مرّغ بالتراب أنف نظام الفوضى الملكية الذي لم يحسن خلال آلاف السنين غير الظلم وإلحاق الأذى بأبناء الشعب وغير القتل والنهب.

 

وفي هذا الخضمّ تعرّض أولئك الطفيليون، أتباع النظام الفاسد ممّن مارسوا أنواع الظلم والتعدّي والسلب، إلى السقوط من أوج قدرتهم إلى أسفل السافلين - كما حصل لتلك القوى الشيطانية وشبكات إعلامها المضلّل - وتفرّق الكثير منهم الآن في مختلف البلدان الأجنبية عدا من بقي منهم في داخل البلاد وقلبه متعلّق بالأجانب، وقد عقدوا مع الغرب عقد الوئام. فهم جميعاً قد خسروا مصالحهم على المستوى الدولي، وأصبحوا حديث الناس بما أصابهم من الخزي والعار.

 

واليوم فإنّ لهؤلاء - خصوصاً أمريكا الناهبة - مؤيّدين في العالم وبين الشعوب المستضعفة والغافلة عن حقيقة القدرة التي يمتلكها الإسلام. وفي مجتمعنا نحن أيضاً، العديد من المأسورين بأمريكا

يعيشون بيننا وقد امتشقوا سيوفهم بوجه هذه الجمهورية المباركة والمسؤولين فيها، ينتظرون زوالها، لما يرون من خطر يُهدّد منافع الغرب، بسبب الإسلام العظيم، القدرة الوحيدة التي تسبّبت في تعرُّضهم لهذا الخطر.

 

كذلك فإنّ الشرق الملحد - الذي يقف بوجه أيّة محاولة تمسّ قدرته، وبعد أن سيطر هو الآخر على نصف العالم - يحسّ أنّه وأصدقاءه في معرض الخطر أيضاً من هذا الإسلام المتنامي القدرة. هذا الشرق الملحد له في داخل البلاد وخارجها مؤيّدون أيضاً يقفون تبعاً لمعبودهم الكبير بوجه الإسلام العظيم والجمهورية الإسلامية ومسؤولي النظام، وهم يسعون جاهدين للقضاء عليها وعلى أيّ أثر لها.

 

في مثل هذا المحيط وفي مثل هذه الأوضاع، هل تتوقّع أن يُشدَّ على يد الجمهورية الإسلامية وينبري المادحون لمدحها والترحيب بها وبالمسؤولين فيها؟

 

إن طبيعة التفكير البشري الفاسد تقتضي إزالة ما يُعتبر عوائق من الطريق، واستخدام أيّة وسيلة لتحقيق ذلك، وأحد أساليبهم التي يلجأون إليها علاوة على الأسلوب العسكري والاقتصادي والقضائي، هو "الأسلوب الثقافي".

 

فالثقافة المنحطّة للغرب والشرق تقتضي استخدام كلّ الإمكانات الإعلامية المتاحة لهم لنشر الأكاذيب على مدار الساعة وإلصاق الاتهامات والافتراء على الثقافة الإسلامية الإلهية، واستغلال كلّ فرصة للقضاء على القوانين الإلهية للجمهورية الإسلامية وعلى أصل الإسلام، واعتبار المرتبطين بالإسلام رجعيّين وفاقدين للحسّ السياسي، إلى غير ذلك من القول بعدم مناسبة القوانين الإسلامية لعصرنا الحاضر، على أساس أنّها قوانين مضى عليها ألف وأربعمائة عام فلا تنفع في إدارة الأمور في وقتنا الحاضر الذي يمتلئ بالمستجدّات ممّا لم يكن موجوداً في تلك العصور، وقد كرّر بعض مدّعي الإسلام هذه الأمور أيضاً وما زالوا.

 

الاستمداد من العلماء في المواجهة

في مثل هذا المحيط ينبغي الوقوف بوجه هذه المؤامرات الواسعة استناداً إلى الثقافة الإلهية الإسلامية والثبات بوجهها. فينبري لذلك الكتّاب الملتزمون، والخطباء والفنّانون للاستفادة من هذه الفرصة العظيمة، وباستمداد من العلماء العارفين بالفقه الإسلامي والقرآن الكريم، ممّن يستنبطون الأحكام الإلهية المناسبة لكلّ عصر، بالاجتهاد الصحيح من القرآن الكريم والسنّة النبوية المطهّرة والأخبار الفيّاضة بالمعارف الإلهية والفقه الأصيل، وعرضها للعالم أجمع.

ولا تخشوا أولئك الذين لا همّ لهم سوى البحث عن عيوب الآخرين، والمنحرفين ووعّاظ السلاطين والمعمّمين المرتبطين ببلاط الملوك. ولتفهموا أولئك القشريّين من الروحانيّين أو غيرهم ممّن يقفون بوجه الحكومة الإسلامية جهلاً أو عمداً أو بباعث الحسد أو عدم الفهم- وبما اتبعه النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام وسائر الأئمًة من أساليب وبالموعظة الحسنة - بأنّ هذه الانحرافات إذا أدّت إلى إلحاق ضرر ما - لا سمح الله - بالجمهورية الإسلامية التي تهدف إلى إحياء الإسلام الذي تعرّض للظلم على مدى التاريخ، فإنّ الإسلام سيتعرّض إلى ضربة من الغرب والشرق والمرتبطين بهما، ستؤدّي إلى أن نواجه ـ قروناً من الفساد تفوق عصر الملكية المقبور الظالم ظلمة وفساداً.

 

الاستعداد لتحمُّل الأذى دائماً

والآن جاء دور تقديم النصيحة الأبوية إلى ولدي أحمد:

بنيّ:

رغم أنّك لم تتصدّ لأية مسؤولية ممّا تصدّى لها القادة الإسلاميون المسؤولون - أيّدهم الله تعالى- إلا أنّك تتعرّض للكثير من الطعنات، وما ذلك إلا لأنّك ابني. فبحسب ثقافة الغرب والشرق، ينبغي أن أُصبح أنا وكل من هو قريب منّي - خصوصاً أنت لما تُمثّله من القرب الشديد منّي- موضعاً للتهمة والأذى والافتراء.

فجريرتك الحقيقية هي أنّك ابني وهذا ليس بالجرم القليل في نظرهم. ولا شكً أنّهم سيُعرّضونك إلى أشدّ من هذا، وعليك أن تستعدّ لتحمّل المزيد. ولكنّك إذا تمسّكت بالإيمان وبالاعتقاد بالحقّ تعالى واطمأننت إلى حكمة الباري ورحمته الواسعة، فإنّك سترى هذه التهم والافتراءات والمتاعب المتزايدة هدايا من محبّ يريد إعانتك على ترويض نفسك، وابتلاء وامتحاناً إلهياً لتنقية نفوس عبيده. تحمّل الصدمات إذن واشكر الله تعالى على رعايته لك واسأله المزيد.

 

الدفاع عن مظلومية أحمد

ابني العزيز: رجوتني مرّات عديدة أن لا أتحدّث عنك بما يدلّ على تبرئتك من التهم المنسوبة إليك، وقلتَ إنّ ذلك لأجل الإسلام ومصلحة الجمهورية الإسلامية، ولكن إذا رايت في هذه الوريقات، أنّي خالفت قولك هذا وقلت عنك شيئاً غير ما طلبت منّي، فاعلم أنّ ذلك عمل بالتكليف الإلهي والتصدّي للدفاع عن شخص مسلم أو عن أحد عباد الله ممّن تحمّلوا في سبيلي كلّ هذه التهم والأذى، دون أن أقول أنا ما أعرف عنهم.

 

أُشهد الله القاهر الحاضر المنتقم بأنّ (أحمد) ومنذ اليوم الذي تصدّى فيه لمساعدتي وأصبح مسؤولاً عن علاقاتي الخارجية وإلى الآن - حيث أكتب هذه الكلمات - لم يخط خطوة، أو يكتب حرفاً واحداً خلافاً لقولي، أو لما أكتبه، وقد سعى بحرص شديد على عدم تغيير كلمة واحدة بل حتى حرف واحد أحياناً ممّا قلته أو كتبته ممّا يرى هو حاجة إلى إصلاحه دون إذن منّي، رغم أنّي أجزته هو وبعض أعضاء مكتبي الخاص ممّن تكفّلوا مسؤولية العلاقات الخارجية - حفظهم الله - أن يلفتوا نظري إلى أيّ شيء يرون فيه خلاف الصلاح. وقد كان ابني (أحمد) دوماً في مجريات هذه الأمور وما زال، إلّا أنّه إلى الآن لم يُقدم على إضافة أو إنقاص كلمة دون الرجوع إليّ، والله على كلّ ذلك شهيد.

 

إلهي! رغم عدم رغبتي في كتابة أو قول أيّ شيء حول أقربائي ممّا يُشمّ منه رائحة المديح، إلا أنّك تعلم يا إلهي بأنّ السكوت إزاء التهم الباطلة جرم وذنب، وإنّي لم ألمس من إخواني ممّن يعملون في مكتبي أيّة مخالفة تستوجب عدم رضاي. هؤلاء كان لهم ماض طويل معي، وقد تعرّض من بينهم الشيخ الصانعي[84] إلى مختلف الطعنات على مدى حياتي بسبب ارتباطه بي، وإنّي أدعو لهم جميعاً بالأجر الجزيل والصبر الجميل.

 

لا يفوتني أن أقول في الختام بأنّ أحمد لم يستلم إلى الآن ديناراً واحداً من بيت المال، وأنّي أنفق من أموالي الخاصّة لأمور معاشه.

اللهم اغفر لنا، نحن عبيدك الغارقون في الذنوب، ولا تحجب عنّا رحمتك الواسعة، وإن كنّا لسنا أهلاً لذلك ولكنّا مخلوقاتك.

 

اللهم! احفظ هذه الجمهورية الإسلامية والمسؤولين فيها، ومقاتلينا الأعزاء، وارعهم بعين رعايتك، وارحم الشهداء والمفقودين الأعزاء وعوائلهم برحمتك، وردّ الأسرى والمفقودين إلى أوطانهم بحق محمد وآله الأطهار عليهم السلام.

 

27 ربيع الثاني 1408 هـ.ق

روح الله الموسوي الخميني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  

[1]صاحبة النفوذ والاقتدار.

[2]إشارة إلى قوله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ سورة الرعد، الآية:28.

[3]رضا خان البهلوي: هو رجل قاس متجبّر أسّس في إيران حكومة ملكية عام 1924م، التحق بالمجموعات المسلّحة الشقية المتجبّرة وهو في الرابعة عشر من عمره، وسرعان ما بلغ أعلى مستويات القيادة لهذه المجموعات بسبب قساوة قلبه وتهوّره، فلفت انتباه البريطانيين واهتمامهم، وبما أنّهم كانوا يسعون إلى إيجاد حكومة قوية في إيران تحفظ مصالحهم، فقد وجدوا فيه ضالّتهم المنشودة. وبالفعل فقد استطاع وبمساعدة الإنجليز أن يُنهي حكم "القاجار" وأن يتربّع على العرش الملكي مدّة ستة عشر عاماً، وعندما شاهد التقدّم السريع لجيش هتلر، وسقوط الدول الأوروبية واستسلامها، بُهت بذلك، ومدّ يده لهتلر طمعاً في أن يكون النصر حليفه. لكن دول الحلفاء اجتاحوا إيران، وعزلوا رضا خان، ونقلوه بسفينة بريطانية إلى منفاه في "جزيرة موريس" شرق أفريقيا، ثم إلى "جوهانسبرغ" جنوبي إفريقيا، إلى أن مات فيها عام 1944م.

[4]الحوزة العلمية: هي المؤسسة الدينية التي تُعنى بتعليم الشريعة الإسلامية على اختلاف تخصُّصاتها ومجالاتها بناء لمدرسة أهل البيت عليهم السلام الاجتهادية والفقهية.

[5]بحار الأنوار، ج73،ص22.

[6]أصحاب الطرائق: أصحاب الطرق الصوفية التي اشتهرت بالزهد والتنسُّك.

[7]أصول الكافي، ج2، ص163.

[8]سورة سبأ، الآية:46.

[9]خالصة لوجه لله.

[10]سورة الحشر، الآية:18.

[11]إيمان العامة هو الإيمان الظاهري وهو إيمان المبتدئين في تديُّنهم والتزامهم.

[12]إشارة إلى تجسُّم الأعمال في النشأة الآخرة حيث ورد في العديد من الآيات والروايات أنّ للأعمال صوراً غيبية تلحق صاحبها بعد الموت وتلازمه في عالمه الجديد منها قوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ (سورة الكهف، الآية: 49). ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ (سورة النجم، الآيتان: 39-40). وعن الإمام الصادق عليه السلام: "إِذَا دَخَلَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ كَانَتِ الصَّلَاةُ عَنْ يَمِينِهِ وَالزَّكَاةُ عَنْ يَسَارِهِ وَالْبِرُّ مُطِلٌّ عَلَيْهِ وَيَتَنَحَّى الصَّبْرُ نَاحِيَةً فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْمَلَكَانِ اللَّذَانِ يَلِيَانِ مُسَاءَلَتَه قالَ الصَّبْرُ لِلصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْبِرِّ دُونَكُمْ صَاحِبَكُمْ فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْهُ فَأَنَا دُونَهُ"(الكافي، ج2، ص90). وعن الإمام الصادق عليه السلام قال:"إِذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ مُثِّلَ لَهُ شَخْصٌ فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا كُنَّا ثَلَاثَةً كَانَ رِزْقُكَ فَانْقَطَعَ بِانْقِطَاعِ أَجَلِكَ وَكَانَ أَهْلُكَ فَخَلَّفُوكَ وَانْصَرَفُوا عَنْكَ وَكُنْتُ عَمَلَكَ فَبَقِيتُ مَعَكَ أَمَا إِنِّي كُنْتُ أَهْوَنَ الثَّلَاثَةِ عَلَيْكَ" (الكافي، ج3، ص240).

[13]سورة المائدة، الآية:8.

[14]أصول الدين: هي العقائد التي تُمثِّل أسس وقواعد الدين، والتي بمجموعها تؤلّف رؤية كونية متناسقة حول الكون والإنسان بل حول الوجود بصورة عامة. وهي خمسة أصول: التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، المعاد.

[15]الحسد: حالة نفسية يتمنّى معها صاحبها النعمة التي يراها عند الآخرين مع تمنّي سلبها عنهم وخسارتهم لها. بعكس الغبطة التي تعني تمنّي النعمة التي لدى الآخرين ولكن من دون سلبها عنهم.

[16]وحدة الإله: إشارة إلى التوحيد في الألوهية، بمعنى أنّه لا إله إلا الله.

[17]وحدة المعبود: إشارة إلى التوحيد في العبودية، بمعنى أنّه لا معبود إلا الله.

[18]وحدة المؤثّر: إشارة إلى التوحيد في المؤثّرية، بمعنى أنّه لا مؤثّر في الوجود إلا الله.

[19]صدر بيت من الشعر للشاعر مثنوي وعجزه "والأرجل الخشبية لا يقرّها قرار".

[20] مجاهدة النفس وتزكيتها قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ سورة الشمس، الآيات: 7-10.

[21]سورة الفاتحة، الآية: 5.

[22]سورة الحشر، الآية: 18.

[23]المبدأ: هو الله جلا جلاله وعز سلطانه.

[24]مظهر للحقّ: تجلٍّ للحقّ، وآية من آياته: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ سورة فصّلت، الآية:53.

[25]سورة النور، الآية: 35.

[26]المشاهدة المعنوية: هي الكشف والرؤية القلبية التي تحصل للسالك أثناء سيره وسلوكه إلى الله بعد خروجه من حجاب النفس والأنا.

[27]السلوك القلبي: هو السير والسلوك المعنوي إلى الله.

[28]الكثرة: الكثرة هي مقابل الوحدة، وتُسمّى بالتعيّنات الخلقية، وهي كلّ ما سوى الحقّ سبحانه وتعالى.

[29]أي شهود الكثرة والوحدة معاً، وهو إشارة إلى مقام رؤية الكثرة في عين الوحدة والوحدة في عين الكثرة.

[30]الأغيار: الأغيار من الغير والمقصود منه كلّ ما سوى الله تعالى.

[31]إشارة إلى السفر الأول من الأسفار المعنوية، حيث قسّمها صدر الحكماء والمتألّهين المولى صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي المتوفّى سنة 1050 في كتابه الحكمة المتعالية إلى أربعة أسفار: الأول السفر من الخلق إلى الحقّ، الثاني السفر بالحقّ في الحقّ، الثالث السفر من الحقّ إلى الخلق، الرابع السفر بالخلق في الحقّ.

[32]مسند الإمام علي، السيد حسن القبانجي، ج1، ص150. وعلم اليقين، ج 1، ص 49.

[33] الشيئية: أي الشيء، وهي إشارة إلى كلمة الشيئية الواردة في رواية الإمام علي عليه السلام:"ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيت اللهـ قبله وبعده ومعه وفيه"، فطالما أنّ هناك لحاظاً للشيء يعني أن هناك لحاظاً لما سوى الله تعالى، وهذا ما ينبغي أن يتقي السالك منه أيضاً أثناء عروجه وسيره نحو التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شيء على الإطلاق.

[34]سورة النور، الآية: 35.

[35]سورة الحديد، الآية: 4.

[36] سورة الأنعام، الآية: 79.

[37]الشجرة: الشجرة عند أرباب المعرفة والسلوك تعني عالم الكثرة والمظاهر الخلقية.

[38]الألفاظ موضوعة للمعاني والمفاهيم الواقعية لا المعاني المقيّدة بما براه العرف، أو تحد بحدود العرف أو إدراكه.

[39]سورة الحشر، الآية: 19.

[40]مقام العبودية: مقام الطاعة لله تعالى والالتزام بأحكامه وتشريعاته.

[41]تكليفه الشرعي.

[42]الحياة الآخرة.

[43]مستدرك ‏الوسائل،ج11، ص329. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"يا أبا ذرٍّ إنّ المؤمن ليرى ذنبه كأنّه تحت صخرة يخاف أن تقع عليه والكافر يرى ذنبه كأنّه ذباب مرّ على ذنبه يا أبا ذرٍّ إنّ الله تعالى إذا أراد بعبد خيراً جعل الذّنوب بين عينيه مُمَثَّلَة، يا أبا ذرٍّ لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى من عصيت، يا أبا ذرٍّ إنّ الرّجل لَيُحرَم الرِّزق بالذّنب يصيبه".

[44]الذنوب الكبيرة: وتُسمّى بالكبائر ويقابلها ما هو أدنى رتبة منها وهي الصغائر. والكبائر هي الذنوب التي توعّد الله تعالى عليها في الآخرة العذاب والعقاب ووضع لها في الدنيا حدّاً ونهى عنها.

[45]نظرية عند الفلاسفة والعرفاء مفادها أنّ التجلّي والفيض الإلهي يستحيل أن يتكرّر، بمعنى أن يكون هناك فيضين متماثلين في نفس الظروف والحيثيات. فالفيض الإلهي دائم ومتواصل وكلّ يوم هو في شأن جديد.

[46]أي المباحة والتي لم يرد نهي شرعي عنها.

[47]الشرك على نحوين: شرك جلي وهو الشرك الظاهر الذي يُظهر فيه صاحبه عقيدته المنافية للتوحيد بشكل علني. أمّا الشرك الخفي وهو التوجُّه إلى غير الله مع الاعتقاد بألوهيته وتوحيده، وهو الشرك الذي غالباً ما يخفى على الإنسان، فيحسب أنّه غير مبتلى به وهو في الحقيقة مبتلى به، كالرياء الذي يُعدّ صاحبه مشركاً لتوجّهه إلى الناس بدل الله من أجل كسب المنزلة في قلوبهم والمدحة لديهم.

[48]هذا الكتاب ألّفه الإمام الخميني قدس سره عام 1942 م بعد كتاب سر الصلاة، وهو شرح لآداب الصلاة وأسرارها المعنوية، وهو غنيٌّ بالمعارف الأخلاقية والعرفانية.

[49]إشارة إلى حديث السفينة المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:"إنّما مَثَلُ أهل بيتي فيكم مَثَلُ سفينة نُوحٍ من دخلها نجا ومن تَخَلّفَ عنها هلك" بحار الأنوار، ج23، ص121.

[50]مستدرك الوسائل، ج5، ص320.

[51]أي الصلاة.

[52]جزء من بيت شعر لحافظ الشيرازي.

[53]السفر الأول من الأسفار الأربعة التي ذكرها صدر المتألّهين الشيرازي في كتابه الحكمة المتعالية.

[54] الناسوت: عالم الظاهر، عالم الملك والشهادة.

[55]الصحو: هي حالة إذا ترسّخت أصبحت مقاماً، تحصل للسالك بعد الفناء في الحقّ. فالصحو عبارة عن الاستيقاظ من حالة السكر والفناء في الحقّ تعالى، فيرجع السالك إلى الإحساس بعد الغيبة التي طرأت عليه، ويعود إلى دنيا الأفعال والأقوال.

[56](كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) سورة الأعراف، الآية:29. (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ) سورة البقرة، الآية:156.

[57] سورة الحديد، الآية:3.

[58]إشارة إلى المقامات المعنوية التي عرفناها سابقاً.

[59]سور البقرة، الآية: 193.

[60]الجهاد الأكبر: هو جهاد النفس.

[61] قول "الله أكبر" في افتتاح الصلاة وقبل وبعد كل فعل من أفعال الصلاة.

[62]سورة الإسراء، الآية:23.

[63]سورة الفاتحة، الآية: 5.

[64]سورة الإسراء، الآية: 44.

[65]الكافي،ج1، ص442. سأل أبو بصير أبا عبد الله عليه السلام وأنا حاضر فقال: "جعلت فداك كم عُرِجَ بِرَسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال مرتين فأوقفه جبرئيل موقفاً فقال له مكانك يا محمّد فلقد وقفت موقفاً ما وقفه ملكٌ قطّ ولا نبيّ إنّ ربّك يُصلِّي فقال يا جبرئيل وكيف يصلّي قال يقول سبُّوح قدّوس أنا ربّ الملائكة والرّوح سبقت رحمَتي غضبي...".

[66]سورة النور، الآية: 35.

[67]سورة الزمر، الآية: 53.

[68]مضمون بيت من الشعر.

[69]إشارة إلى كتاب الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية لصدر المتألّهين الشيرازي.

[70]إشارة إلى كتاب الفتوحات المكّية لمحي الدين ابن عربي.

[71]إشارة إلى كتاب فصوص الحكم لابن عربي.

[72]سورة النحل، الآية: 70.

[73]الحجّاج بن يوسف الثقفي: أحد أمراء بني أمية البارزين اشتهر بأسلوبه الدموي في مواجهة خصومه. استخدمه الخليفة عبد الملك بن مروان لإعادة دولة الأمويين وانتزاع الخلافة من عبد الله بن الزبير وثبت أركان حكم بني أمية، واستمر في الحكم عشرين سنة.

[74] محمد بن إدريس الشافعي، أحد أئمة المذاهب السنية الأربعة.

[75]إحياء علوم الدين، ج4، ص697.

[76]صحيفة الإمام، ج‏20،ص209.

[77]وسائل الشيعة، ج10، ص301.

[78]سورة الإسراء، الآية: 44.

[79]سورة الإسراء، الآية: 23.

[80]سورة الحديد، الآية: 3.

[81] إشارة إلى علماء السوء الذين ورد التحذير الشديد منهم في كلمات أهل بيت العصمة والطهارة. عَنْ الإمام الصادق عليه السلام قَالَ:"إذا رأيتم العالم مُحِبّاً للدّنيا فاتّهموه على دينكم فإنّ كلّ مُحِبٍّ يَحُوطُ ما أحبّ" بحار الأنوار، ج2، ص107. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"من تعلّم علماً لِيُماري به السّفهاء أو لِيُباهي به العلماء أو يصرف به النّاس إلى نفسه يقول أنا رئيسكم فَلْيَتَبَوَّأ مقعده من النّار إنَّ الرِّئاسة لا تصلح إلّا لأهلها فمن دعا النّاس إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه لم ينظر الله إليه يوم القيامة" بحار الأنوار، ج2، ص110. أوحى الله عزّ وجلّ إلى داود عليه السلام:"لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدّنيا فيصُدَّك عن طريق محبَّتي فإنّ أولئك قُطَّاعُ طريق عبادي المريدين إنّ أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة منَاجاتي من قلوبهم" بحار الأنوار، ج2، ص107.

[82] المحو: الفناء في الله.

[83]سورة الروم، الآية: 30.

[84] هو الشيخ حسن الصانعي أحد العلماء المجاهدين الذين رافقوا الإمام ونذروا أنفسهم لخدمتهم.

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©