السبت ٢٥ / فبراير / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » الوحدة الإسلامية في فكر الإمام الخميني(ره) »

الوحدة الإسلامية في فكر الإمام الخميني (قدس سره)

24 نوفمبر 2014 | في الفئة: الوحدة الإسلامية في فكر الإمام الخميني(ره) | لا توجد تعليقات | الزیارات: 480

الوحدة الإسلامية  في فكر الإمام الخميني (قدس سره)

الوحدة الإسلامية

في فكر الإمام الخميني قدس سره

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

 

الحمد لله ربَّ العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وموحداً لكلمة المستضعفين، وعلى آله الأطهار حجج الله على العباد.

 

إنها من الأماني الكبرى التي دغدغت أماني كل مسلم، والوسيلة الأجدى لمواجهة المخاطر الكبرى، إنها نموذجٌ عن سياستنا التي هي عين ديانتنا.

 

إنها الوحدة الإسلامية التي أحاياها الإمام الخميني الراحل قدس سره، والتي أفنى شطراً من عمره المبارك في الدعوة إليها والسعي لتحقيقها.

 

إنها الكلمة الواحدة في وجه العدو الواحد.

 

إنها البنيان المرصوص الذي أكده كتاب الله، والأخوة التي أكد على وصف المسلمين بها، والتآخي الذي أسسه رسول الإنسانية، وخاتم الرسالات الإلهية صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن هاجر إلى المدينة.

 

حول هذه الوحدة الإسلامية في فكر رائدها الإمام الخميني قدس سره، نتحدث في فصول هذا الكتاب سائلين الله تعالى أن يوفقنا للعمل في خدمة دينه ووحدة أمته إنه سميع الدعاء قريب مجيب.

جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول: أهمية الوحدة

 

أهمية الوحدة

الإمام الخميني ( قدس سره ) رائد الوحدة

الجذر القرآني للوحدة الإسلامية

الوحدة الإسلامية في السنة الشريفة:

مخاطر التفرق

 

أهمية الوحدة:

 

من الأمور التي كثر الحديث عنها في أيامنا، مسألة الوحدة الإسلامية، والتي تغص المنابر الإعلامية والثقافية بالدعوة لها ومحاولة تثبيتها في فكر الناس، وتجسيدها عملاً بين المسلمين.

 

ومن المناسب في هذا التمهيد أن نذكر الجذر الإسلامي لهذه الفكرة، فالفكرة أساساً لم تكن منطلقة من فكرِ شخصي واجتهاد واستنساب يُظنُّ فيه المصلحة للناس، بل إن أساسها وجذرها الحقيقي من قلب الشريعة الإسلامية، وهذا يميزها بأمور:

 

1 ـ أنها فكرة أصيلة بحد ذاتها وثقافة من قلب الإسلام ولم تستورد إليه ولم تخترع لظروف سياسية أو مرحلية.

 

2 ـ تمتلك هذه المسألة بعداً ثقافياً يجعلها فكرة قابلة للإقناع لأنها تعني كلَّ مسلم، وكل ذي ثقافة إسلامية أصيلة.

 

3 ـ أنها مسألة قابلة للدوام بسبب كونها أصيلة بخلاف الثقافات التي لا تعتمد على أساس ثابت، ولهذا فإن الوحدة الإسلامية يمكن أن تكون حلاً لمسائل المسلمين في جميع العصور.

 

 

 

الإمام الخميني قدس سره رائد الوحدة

 

في الوقت الذي كانت الأمة الإسلامية في حالة من الاحتضار على كل مستوياتها، قامت ثورة مباركة، قام بها شعب أعزل بقيادة العالم الزاهد الشجاع القائد السيد روح الله الموسوي الخميني قدس سره في إيران، والتي كانت مرتعاً للمخابرات الأجنبية ولا سيما الأمريكية والصهيونية، وأرضا مسلوبة الخيرات مسخرة لتنفيذ المآرب الكبرى لقوى الاستكبار العالمي وأذنابه من الحكام الذين باعوا ضمائرهم وشعوبهم ليصبحوا مجرد أداة بيد أسيادهم الإمبرياليين الطامعين بالسيطرة على مقدرات العالم.

 

قيام هذه الثورة المباركة أحبط الكثير من المؤامرات، وأهمها التي كانت تحاك لتوسعة الشق الكبير في الأمة الواحدة، فلطالما كانت التفرقة بين مذاهب الأمة من الأساليب الدنيئة التي ينتهجها العدو الطامع للسيطرة على الأمم الأخرى، فقاعدة فرق تسد تاريخيا لم يخل عهد ولا زمان من رموز انتهجت هذه القاعدة كأسلوب ناجح تتوصل به إلى الهيمنة في بعض الأحيان، ولاستتباب الهيمنة في موارد أخرى، فإن السيطرة على أمة ممزقة، ومتكالبة على أطرافها غافلة عما يحاك لها أمرٌ في غاية السهولة، ولا يكلف العدو إلا عناء جني الثمار بعد أن أنضجتها الخلافات والنزاعات.

 

ولوعي الإمام الخميني قدس سره في تلك الفترة لخطورة الأمر على الأمة، فقد ركز في الكثير من توجيهاته وخطاباته على مسألة الوحدة الإسلامية، ولم يألُ جهداً في تذكير الأمة دائماً بخطر الاختلاف والتشرذم، وهذا ما سنحاول الإضاءة على أبعاده حيث يصح القول بحق إن أفضل من دعا إلى الوحدة وكرسها عملا ً في حياته وأورثها للأجيال هو الإمام الخميني وهذا ما سيتبين لنا خلال هذا الكتاب.

 

الجذر القرآني للوحدة الإسلامية

 

يقول الله تعالى في محكم قرآنه:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾[1].

 

إن الآية الشريفة تتحدث بوضوح عن التوحد ونبذ الاختلاف بين المسلمين، حيث تدعوهم للاعتصام أي التمسك جميعاً بحبل الله، والاعتصام يكون طلباً للعصمة وهي الحفاظ والغطاء، وهذا يعني أن في ترك هذا الاعتصام الهلاك الحتمي وهذا ما يكون من خلال التفرق والاختلاف على الأمور الصغيرة.

 

كما أن الله سبحانه وتعالى يمتن علينا بنعمة الإسلام هذا الدين الذي يجمعنا جميعاً على كل اختلافاتنا في دائرة واحدة، بعد أن كانت تفرقنا القوميات والعشائر والمناطق والشعب، فحين هدى الله تعالى الناس برسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، أخرجهم من ظلام هذه القواقع الفارغة إلى رحابة الإسلام دين الإنسانية والرحمة والسلام، وهذا من أكبرِ نعم الله تعالى علينا.

 

وكذلك نجد في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تتحدث عن الوحدة وتحذر من الإختلاف وسنستعرض بعضها، فمنها قول الله تعالى:

 

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[2].

 

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[3].

 

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[4].

 

﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَا هُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾[5].

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾[6].

 

﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾[7].

 

ومن هنا فإن الإمام الخميني قدس سره طالما أكد على أهمية وعي الأساس الديني والقرآني للوحدة ومما قاله في هذا الإطار:

 

"القرآن وضع عقد الأخوة بين جميع المسلمين، وإنني آمل أن يكون جميع إخواننا في أطراف إيران سواء الأخوة أهل السنة أو إخواننا أهل التشيع ـ وجميع أبناء هذا الشعب من الأقليات الدينية متّحدين فيما بينهم، ويتعاملون كالأخوة، حتى تتقدم البلاد، وتطبق فيها أحكام الإسلام، ويتحقق رفاه جميع المسلمين وجميع الذين يسكنون في هذا البلد الإسلامي. وأنا آمل أن لا تتصور الشعوب الإسلامية إننا في زاوية وأنهم في زاوية أخرى، فالقرآن اعتبركم إخوة جميعاً، ووضع عقد الأخوة بينكم، فالمؤمن والمسلم الذي يتواجد في آخر نقطة من العالم وذلك المؤمن والمسلم الذي يتواجد في أول نقطة من العالم وبينهما ما بين المشرق والمغرب هما أخوان ولا يفصلهما شيء عن بعضهما، ويجب أن يكون إخوة ـ كما يحكم الإسلام بذلك ـ ولا يتفرقوا، وأن يعتبروا مصالحهم هي مصالح الإسلام ومصالح جميع الشعوب، وأن يعتبر كل شعب أن مصلحة الشعب الآخر هي مصلحته أيضاً، وأن يكون المؤمنون أينما كانوا أخوة فيما بينهم ويتعاملون بأخوة، وأن يعتبروا اعتداء أي ظالم على دولة إسلامية اعتداءً عليهم. وإنني آمل ـ ومن خلال النظر لهذا الحكم الإسلامي الذي يعتبر جميع الناس، جميع المسلمين، أخوة فيما بينهم ـ أن تسيطر هذه الدول على مصالحها، وأن تنتصر جميع الدول الإسلامية على القوى العظمى، ويوفقوا لتطبيق الأحكام الإسلامية حتى النهاية".

 

ولطالما حذَّر مما حذر منه القرآن الكريم وهو التنازع والتناحر حيث يقول قدس سره:

 

"اليوم على الجميع أن يتحدوا مع بعضهم، وأن لا يتنازعوا بموجب تعليمات الإسلام والقرآن الكريم. فالتنازع ممنوع حسب أوامر القرآن مهما كان نوعه. وإذا تنازعوا فإنه يؤدي إلى الفشل، وتذهب ريحهم، سواء الأشخاص أو الشعوب. وهذه أوامر الله. إن الذين يدعون الإسلام، ويسعون من أجل زرع الفرقة والتنازع لم يجدوا ذلك الإسلام الذي كتابه القرآن، وقلبته الكعبة، ولم يؤمنوا بالإسلام. إن الذين آمنوا بالإسلام إنما هم الذين يقبلون القرآن ومحتوى القرآن الذي يقول (إنمّا المؤمنون إخوة) فيلتزمون بكل ما تقتضيه الأخوّة. تقتضي الأخوة أن يتأثر جميع الإخوان أينما كانوا إذا ألمّت بكم مشكلة، وأن يفرحوا جميعاً لفرحكم".

 

الوحدة الإسلامية في السنة الشريفة

 

تظافرت الروايات الشريفة الكثيرة التي تحذر من الخلاف والفرقة من خلال التأكيد على منع الأساليب التي تؤدي إليها وسنذكر بعضا من هذه الأساليب التي نهت عنها الروايات:

 

1ـ التكفير:

 

والتكفير من أخطر الأمور التي يمكن تصورها في هذا المجال، فهو الحائط والسد الكبير الذي يطيح بالحوار الهادف للوصول إلى الحق، ويحل مكانه إخراج من الدين وقطع للتواصل، ومن الروايات التي نهت عن التكفير ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ذا قال الرجل لأخيه يا كافر فهو كقتله"[8].

 

ويروي بلال الحبشي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يا بلال ناد في الناس من قال لا إله إلا الله قبل موته بسنة دخل الجنة أو شهر أو جمعة أو يوم أو ساعة"[9].

وعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: " المرء مع من أحب، ومن قال لا إله إلا الله دخل الجنة"[10].

2 ـ التقاتل:

 

والتقاتل فيما بين المسلمين هو الذروة التي ينتظرها كل شامت أو مقتنص للنيل من الأمة والدين، وهذا ما حذرت منه الروايات أيضاً، فعن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رؤيت بهجته عليه، وكان رداؤه الإسلام اعتراه إلى ما شاء الله، انسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك، قال: قلت: يا نبي الله، أيهما أولى بالشرك المرمي أم الرامي؟ قال: بل الرامي".

 

وفي رواية أخرى عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في إحدى خطبه في الحج: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا لا ترجعوا بعدي ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت ألا ليبلغ الشاهد الغائب منكم"[11].

 

وهكذا كان إمامنا الراحل قدس سره على منهاج نبيه الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يحذر دائماً من هذه الأساليب التي تزرع الشقاق بين أبناء الأمة الواحدة، وما أبلغ قوله حين يقول قدس سره:

 

"من أيّ لسان انطلق الاختلاف، فإن ذلك اللسان لسان شيطان"[12].

 

ومن أقواله أيضاً:

 

ـ الفرقة من الشيطان، والاتحاد ووحدة الكلمة من الرحمن.

ـ أعزائي... اجتنبوا الاختلاف فإنّه من إلهام إبليس.

 

ـ إذا واجهنا بعضنا بعضاً فإنّنا لن نجني شيئاً سوى استغلال الآخرين لوضعنا.

 

ـ إذا كنا مختلفين في الأسلوب أو الرأي، فعلينا أن نجلس لنتحاور ونطرح مشاكلنا ونحلّها في جو هادئ.

 

ـ فإذا اشتبكنا فيما بيننا، وكفّرت أنا فلاناً، وكفّرني هو، فإنّ كلينا سنسقط في نظر الشعوب، وستنفضّ عنا الجماهير[13].

 

 

مخاطر التفرق

 

لو دققنا النظر فيما يجلبه التفرق من المخاطر على الأمة لألفيت كل أفراد الأمة يتحملون المسؤولية في الحفاظ على توحدها وعدم حصول النزاعات فيها، فالمشكلة الأساسية هي في عدم الوعي لدى الكثيرين بأن هذه الإختلافات لا تستدعي نزاعاً ولا ملاحاة بين أفرادها، ولا يصل الأمر حتى للتكفير والإخراج من الدين، وهذا الأمر يعتبر سهل العلاج نسبة إلى غيره من المخاطر، فالخطورة الكبرى متمثلة في الرؤوس الكبيرة المسيطرة على مراكز المسؤولية في بلداننا الإسلامية، فرغم أنهم واعون كل الوعي لهذه المؤامرة الكبرى التي يحاك لها في الليل والنهار، رغم هذا فإنهم لا يهبون لمقارعة هذا المشروع الخطر على حاضرها ومستقبلها، وعلى كراسيهم أيضاً، ويخلص الإمام قدس سره في نهاية المطاف إلى تشخيص مكامن الخطر على الأمة في مشكلتين أساسيتين يقول قدس سره:

 

" إننا نعلم، وكذلك المسلمون، بل المهم أن الحكومات الإسلامية تعلم أيضاً، أن ما لحق ويلحق بنا ناتج عن مشكلتين:

 

الأولى:

 

هي المشكلة بين الدول ذاتها، حيث لم تتمكن حتى الآن ـ ومع الأسف ـ من حلها، وهي مشكلة الاختلاف فيما بينهم. ويعلمون أن سبب جميع مصائب المسلمين هي هذه الاختلافات، ونحن تحدثنا عن هذا الموضوع منذ ما يقرب من عشرين سنة، وقلنا وكتبنا ودعونا قادة هذه الدول للاتحاد، ولكن مع الأسف لم يحصل شيء حتى الآن.

 

والمشكلة الثانية:

 

هي مشكلة الحكومات مع شعوبه، فنرى أن الحكومات تعاملت معها بحيث أن الشعوب لم تعد سنداً للحكومات، وبسبب عدم التفاهم بين الطرفين فإن الشعوب لا تساهم في حلِّ المشاكل التي تواجه الحكومات، والتي يجب رفعها بيد الشعوب، فتقف الشعوب موقف اللامبالاة، هذا إنْ لم تزد في مشاكل الدول"[14].

 

ولو تم تجاوز هاتين المشكلتين، وكانت كلمة الشعوب والحكام سواء في مواجهة المؤامرات التي تحاك للأمة لأفضى الأمر إلى عزة الأمة وانتصارها يقول قدس سره:

 

"لو أن الشعوب الإسلامية وحكومات البلدان الإسلامية بكل ما تمتلكه من إمكانات إنسانية وذخائر حياتية ضرورية للمقتدرين تتخذ منهم موقفاً من موضع القوة، وتتجنب الخوف من ضجيج وجعجعة أصحاب القصور، وتبتعد عن التأثر بأكاذيب وسائل الإعلام المؤيدة الأجيرة للمتجبرين، وترفع صوتها بوجه أولئك (الطواغيت)

اتكالاً على قدرة الله اللامتناهية وشكراً لنعمه المغدقة عليهم، وتهددهم بإغلاق حدودها بوجههم وقطع مساعداتها النفطية وغير النفطية عنهم، (لو فعلت ذلك) فما من شك أنّ هؤلاء (المتجبرين) سيستسلمون لهذه القدرة التي لا نقدرها حق قدره".

 

وفي نهاية المطاف وبعد معرفتنا لمخاطر التفرق والتشتت فلا بد وأن ننطلق لنسلط الضوء على مكامن القوة في الأمة لكي نسعى للتمسك بها صوناً لها من الوصول إلى الوقت الذي لا يمكن التدارك فيه حيث لا يبق لنا من قوتنا أي شيء لندافع به عن أنفسنا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني: سبل الوحدة ودعائمها

الحج والوحدة

العدو المشترك للمسلمين والمستضعفين

القرآن الكريم

شخصية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم

تمهيد

 

تتفق المذاهب الإسلامية جميعاً حول الكثير من المسائل، وما يجمعها أكثر مما يفرقها، ولو أرادت الاجتماع حول ما يجمع لوجدت نفسها أقوى الأمم على الإطلاق، إلا أن إثارة نقاط الخلاف فيما بينها هو العمل الأكبر الذي تقوم به القوى المستكبرة والمستعمرة، وتسخر له الكثير من الوسائل الدعائية والإعلامية، والأبواق والأقلام المأجورة، فلماذا نترك هذا الكم الهائل من عناصر الوحدة والاعتصام، ونتلهى بتفاصيلنا الصغيرة، فبدل من أن نكون الأمة الأكثر تماسكاً، وإذ بنا نصير بسبب هذا الاختلاف أمما متفرقة متصارعة فيما بينها؟

 

يقول الإمام الخميني قدس سره:

 

"إن الذين يدعون الإسلام، ويسعون من أجل زرع الفرقة والتنازع لم يجدوا ذلك الإسلام الذي كتابه القرآن، وقلبته الكعبة، ولم يؤمنوا بالإسلام. إن الذين آمنوا بالإسلام إنما هم الذين يقبلون القرآن ومحتوى القرآن الذي يقول ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾[15] فيلتزمون بكل ما تقتضيه الأخوّة. تقتضي الأخوة أن يتأثر جميع الإخوان أينما كانوا إذا ألمّت بكم مشكلة، وأن يفرحوا جميعاً لفرحكم"[16].

ويقول حول وسائل الإعلام التي تروج للمسائل الخلافية بين المذاهب الإسلامية:

 

"إنهم يحاولون عبثاً زرع الفرقة. إن المسلمين إخوة فيما بينهم ولا يتفرقون من خلال الأعلام السيى لبعض العناصر الفاسدة. أصل هذه المسألة وهي الشيعة والسنة، أن السنة في طرف والشيعة في طرف آخر، قد وقعت بسبب الجهل والإعلام الذي يمارسه الأجانب، مثلما نلاحظ بين الشيعة أنفسهم وجود أشخاص مختلفين فيما بينهم، يحارب أحدهم الآخر، ووقوف طائفة ضد أخرى بين نفس الإخوة أهل السنة.

 

جميع طوائف المسلمين تواجه اليوم قوى شيطانية تريد اقتلاع جذور الإسلام.

 

هذه القوى التي أدركت أن الشيء الذي يهددها هو الإسلام، وإن الشيء الذي يهددها هو وحدة الشعوب الإسلامية.

 

على جميع المسلمين في كل بلدان العالم أن يتحدوا اليوم فيما بينهم، لا أن تقف طائفة هنا وتطرح نفسها، وتقف طائفة أخرى في مكان آخر وتطرح نفسها أيض"[17].

 

وسنتحدث عن بعض مراكز الوحدة التي يمكن للمسلمين استغلالها بشكل كبير ليرتقوا معاً إلى المكان الذي أرادهم الله تعالى أن يكونوا فيه:

 

1 ـ الحج والوحدة الإسلامية:

 

"الحج هو تنظيم وتدريب وتأسيس لهذه الحياة التوحيدية، والحج هو ميدان تجلي عظمة طاقات المسلمين واختبار

قواهم المادية والمعنوية.

 

الحج كالقرآن، ينتفع منه الجميع، ولكن العلماء والمتبحّرين والعارفين بآلام الأمة الإسلامية، إذا فتحوا قلوبهم لبحر معارفه، ولم يرهبوا الغوص والتعمق في أحكامه وسياساته الاجتماعية، فسيصطادون من أصداف هذا البحر جواهر الهداية والوعي والحكمة والرشاد والتحرر، ولارتووا من زلال الحكمة والمعرفة إلى الأبد"[18].

 

الحج فريضة إلهية لها أبعاد توحيدية كبيرة، وهي مؤتمر كبير يجمع المسلمين من كل الأقطار وكما يقول الإمام الخميني قدس سره، أنه لا تقدر أي دولة في العالم أن تنظم هكذا مؤتمر حاشد يوحد بين أصحاب المذاهب المختلفة في مناسك متحدة نحو قبلة واحدة وبيت واحد، في طاعة إله واحد مستنين بسنة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، يقول قدس سره:

 

"والآن وبينما يتوجه مسلمو الدول المختلفة في العالم إلى كعبة الآمال وحج بيت الله الحرام وإقامة هذه الفريضة الإلهية العظيمة والمؤتمر الإسلامي الكبير، في أيام مباركة ومكان مبارك، فإنه يجب على المسلمين المبعوثين من قبل الخالق تعالى أن يستفيدوا من المحتوى السياسي والاجتماعي للحج إضافة إلى محتواه العبادي، ولا يكتفوا بالظاهر. فالكل يعلم أن أي مسؤول وأية دولة لا يمكنها إقامة مثل هذا المؤتمر العظيم، وهذه هي أوامر الباري جل وعلا التي أدت إلى انعقاد هذا المؤتمر. ومع الأسف فإنّ المسلمين على طول التاريخ لم يتمكنوا من الاستفادة بشكل

جيد من هذه القوة السماوية والمؤتمر العظيم لصالح الإسلام والمسلمين"[19].

 

ولأجل ما في الحج من القدرة على التوحيد بين المسلمين فإن علينا أن نسعى بكل طاقاتنا لاستثمار هذه الفرصة التي تمر علينا في كل عام مرة، لتوحيد المسلمين وتحديد الخطر الذي يواجههم جميعاً للتعاضد والتكاتف في مواجهته، يقول قدس سره:

 

"ومن جملة الوظائف في هذا الاجتماع العظيم دعوة الناس والشعوب الإسلامية إلى وحدة الكلمة وإزالة الاختلافات بين طبقات المسلمين، ويجب على الخطباء والكتّاب المساهمة في هذا الأمر المهم وبذل الجهد من أجل إيجاد جبهة المستضعفين، فيمكن ـ من خلال وحدة الجبهة، واتحاد الكلمة، وشعار لا إله إلا الله ـ التخلص من أسر القوى الشيطانية للأجانب والمستعمرين والمستغلين، والتغلب على المشاكل من خلال الأخوة الإسلامية"[20].

 

كما أن الأبعاد السياسية لمناسك الحج لا تكاد تخفى كيف لا وقد سمي الحج بالحج السياسي العبادي، وقد كتبت العديد من المؤلفات التي تعالج الأبعاد السياسية لهذا المؤتمر الإلهي الكبير.

 

يقول الإمام قدس سره:

 

"وثمة أبعاد سياسية عديدة في الاجتماعات، والجماعات والجمعة وخاصة اجتماع الحج الثمين، منها الاطلاع على مشاكل الإسلام والمسلمين الأساسية والسياسية، فيمكن من خلال اجتماع العلماء والمثقفين والمتدينين الزائرين لبيت الله الحرام، طرحها ودراستها وإيجاد الحلول لها،

وتقديم تلك الحلول لدى العودة إلى البلدان الإسلامية، في الاجتماعات العامة، وبذل الجهد لرفعها[21].

 

2 ـ العدو المشترك للمسلمين والمستضعفين

 

لا شك أن وحدة العدو الذي يواجهه المسلمون من أهم المسائل التي تلزمنا بالاتحاد ونفي الاختلاف، فوحدة العدو يطال الأمة المتشرذمة بشكل أفضل كما نراه اليوم في الحروب التي يقوم بها الإستكبار العالمي على البلدان الإسلامية محاولاً الاستفراد بكل بلد منه على حدة ثم ينتقل منه إلى آخر، فإذا اتحدت الأمة وكانت صفاً واحداً شكلت بذلك سدا منيعا يخلق الرعب في نفوس الأعداء يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾[22].

 

وقد أكد الإمام الخميني قدس سره على هذه المسألة في الكثير من الخطابات التي توجه بها للعالم الإسلامي، يقول قدس سره:

 

"في مرحلة هجوم القوى الكبرى على البلدان الإسلامية مثل (هجوم السوفيت) على أفغانستان وقتل المسلمين الأفغانيين دون رحمة وبوحشية لمعارضتهم تدخل الأجنبي في مقدراتهم، أو أمريكا الضالعة في كل فساد، ومع الهجوم الشامل (الذي تشنه) إسرائيل المجرمة على المسلمين في فلسطين ولبنان العزيز، ومع (تنفيذ) المشروع الإسرائيلي الإجرامي الرامي إلى نقل عاصمتها إلى بيت المقدس وتوسيع جرائمها ومذابحها الوحشية بين المسلمين المشردين من أوطانهم، وفي هذا الوقت الذي يحتاج فيه

المسلمون أكثر من أي وقت آخر إلى وحدة الكلمة، عملاء قوى الاستكبار في مركز القوة في بلاد المسلمين، إلى التفرقة بين المسلمين، ولا يألون جهداً في ارتكاب كل جريمة على هذا الطريق، يأمر بها سيّدهم"[23].

 

وما أكثر النداءات التي وجهها الإمام الخميني قدس سره إلى المسلمين منبهاً إياهم إلى العدو المشترك الذي يواجههم وأنهم باتحادهم يقفون كسد منيع أمام أطماعه فها هو الإمام يخاطب المسلمين وكأنه يعيش اليوم فيما بينهم:

 

"أيها البحر العظيم من المسلمين! اهدروا، وحطموا أعداء الإنسانية، فإن اتجهتم إلى الله والتزمتم بتعاليم السماء فالله تعالى وجنده العظام معكم. إن أهمّ وأمضّ مسألة تعاني منها الشعوب الإسلامية، وغير الإسلامية في البلدان الخاضعة هي مسألة أمريكا. الحكومة الأمريكية باعتبارها (حكومة) أقوى بلد في العالم لا تألوا جهداً في ابتلاع المزيد من الذخائر المادية للبلدان الخاضعة. أمريكا العدو الأول للشعوب المحرومة والمستضعفة في العالم، أمريكا لا تتردّد في ارتكاب أية جريمة من أجل فرض سيطرتها السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية على العالم الخاضع لها. إنها تستثمر الشعوب المظلومة في العالم بدعاياتها الواسعة التي تدبلجها الصهيونية العالمية. إنها ورموزها المشبوهة الخائنة تمصّ دماء الشعوب المقهورة حتى كأن حق الحياة خاص بها وبأتباعها.

 

أيها المسلمون المتضرّعون (إلى الله) جوار بيت الله، ادعوا

للصامدين أمام أمريكا وسائر القوى الكبرى"[24]10.

 

ويقول أيضا في نداءٍ آخر للمسلمين الحجاج:

 

"إن شرط تحقق الآمال الفطرية والإنسانية في كل المناسك والمواقف هو اجتماع كل المسلمين في هذه المراحل والمواقف ووحدة كلمة جميع الطوائف الإسلامية دون أن تفرق بينهم اللغة واللون والقبيلة والطائفة والوطن والعصبيات الجاهلية، وشرط ذلك النهوض المنسجم بوجه العدوّ المشترك.. وهو عدّو الإسلام العزيز، هذا العدو تلقى في عصرنا صفعة من الإسلام، ولذلك يرى الإسلام سداً أمام أطماعه، ويسعى عن طريق بث التفرقة والنفاق لأن يزيل هذا المانع المحسوس من طريقه، ويحرك عملاءه، وعلى رأسهم رجال الدين الحسّاد الدنيويون المتملّقون على أعتاب السلطان، كي ينفّذوا أهدافه في كل مكان وفي مختلف الأوقات وخاصة في موسم الحج والاجتماعات المقدسة.

 

على المسلمين المجتمعين في مواقف هذه العبادة الرامية إلى تجميع المسلمين من كل أرجاء الأرض ليشهدوا منافع لكل المستضعفين في العالم، وأيّ منافع أعظم من قطع يد الطامعين عن البلدان الإسلامية؟ عليهم أن يراقبوا بحذر الأعمال المعادية للإسلام والقرآن الصادرة من هؤلاء العملاء الخبثاء ورجال الدين المفرّقين، وعليهم أن يطردوا الذين لا يقبلون النصيحة منهم ولا يعيرون أهمية للإسلام ولمصالح المسلمين، فهؤلاء أفظع من الطواغيت وأخبث منهم"[25].

 

3ـ القرآن الكريم:

 

ليس من الغريب أن يكون القرآن الكريم من أهم مصادر الوحدة الإسلامية، إذ أنه:

 

أولاً: كتاب المسلمين جميعهم.

 

وثانياً: هو الجذر الأساس وآياته الكثيرة داعية للوحدة وعدم التنازع والاختلاف.

 

وثالثاً: لم يخاطب مسلماً دون مسلم بل خاطب المسلمين جميعاً على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم وقومياتهم وألوانهم.

 

من هنا كانت دعوة الإمام الخميني قدس سره الدائمة للمسلمين لئلا يهجر القرآن بين ظهرانيهم وكيف لا وهو الذي يصدح بهم ليل نهار ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾[26].

 

يقول قدس سره:

 

"إني أذكِّر الحجّاج المحترمين أن لا يغفلوا في جميع المواقف المعظّمة وطيلة فترة سفرهم إلى مكة المكرمّة والمدينة المنوّرة عن الاستئناس بالقرآن الكريم، هذه الصحيفة الإلهية وكتاب الهداية، لأن كل ما عند المسلمين وما سيكون، على طول امتداد التاريخ الماضي وكذلك في المستقبل، إنما هو من بركات هذا الكتاب المقدّس".

 

وفي أحد النداءات التي وجهها لحجاج بيت الله الحرام قال قدس سره:

 

"ينبغي على الحجّاج لبيت الله الحرام المحترمين لأي مذهب أو قومية انتموا أن يرضخوا لأحكام القرآن الكريم، ويقفوا في مواجهة سيل الشياطين الذين يريدون اقتلاع الإسلام الذي طهر الشرق والغرب وعملاءهم الذين لا إرادة لهم، ويمدوا يد الأخوة الإسلامية لبعضهم البعض وينتبهوا للآيات الكريمة التي تدعوهم إلى الاعتصام بحبل الله، وتنهاهم عن الاختلاف والتفرقة، وينبغي الاستفادة أكثر عضوياً وسياسياً من هذه الفريضة العبادية السياسية الإسلامية، في تلك الأمكنة الشريفة التي شيّدت بحق لأجل مصالح الموحدين والمسلمين في العالم، والإلتفات إلى سر التضحية والفداء الإبراهيمي ـ الإسماعيلي، حيث يجب الوقوف في سبيل الله إلى حد التضحية والفداء بأعز وأغلى ثمرة وجوده والدفاع عن الأهداف الإلهية".

 

كما أن الإمام الخميني قدس سره يعتبر أن مشكلة المسلمين الكبرى هي في هجرهم لهذا الكتاب الإلهي العظيم الذي يتضمن الهداية للبشر جميعاً:

 

"إنّ مشكلة المسلمين الكبرى تتمثل في هجرهم القرآن، والانضواء تحت لواء الآخرين".

 

"المهم هو أن يعمل المسلمون بالإسلام والقرآن، فالإسلام ينطوي على كلّ المسائل المرتبطة بحياة البشر في الدنيا والآخرة، وفيه كلّ ما يرتبط بتكامل الإنسان وتربيته وقيمه"[27].

 

والأخطر من هذا أن يصير القرآن الكريم مستغلاً بشكل سيء من قبل أعداء الإسلام وهذا أخطر ما يمكن أن يتعرض له القرآن والمسلمون على حد سواء وهذا ما حدا بإمام الأمة الراحل قدس سره إلى أن يحذر بشكل متكرر منه إذ يقول:

 

"واأسفاه أن القرآن وهو كتاب الهداية لم يعد له من دور سوى في المقابر والمآتم، بسبب الأعداء المتآمرين والجهلة من الأصدقاء. كان الحال كذلك وما زال، فأصبح الكتاب ـ الذي ينبغي أن يكون وسيلة لتوحيد المسلمين والعالمين، ودستوراً لحياتهم أصبح وسيلة للتفرقة وإثارة الخلاف، أو عُطّل دوره كلياً.

 

نحن نفخر، ويفخر شعبنا المتمسك بالإسلام والقرآن بأننا أتباع مذهب يهدف إلى إنقاذ حقائق القرآن الممتلئة دعوة إلى الوحدة بين المسلمين، بل البشرية من المقابر باعتبارها أنجع علاج منقذ للإنسان من القيود المكبلة لرجليه ويديه وقلبه وعقله، والسائقة له إلى الفناء والعدم والرق والعبودية للطواغيت"[28]14.

 

وإضافة إلى أن القرآن مصدر للوحدة وآياته داعية لها فإن القرآن فيه من الآيات المنبهة للغافلين عن أمور الأمة من قصص حرب النبي مع المشركين وجهاد المؤمنين ما ينبه المسلمين إلى وجوب النهوض والقيام إلى جبهات الحق يقول الإمام الخميني قدس سره:

 

"ومن مطالب هذه الصحيفة النورانية أحوال الكفار والجاحدين والمخالفين للحق والحقيقة والمعاندين للأنبياء والأولياء عليهم السلام ، وبيان كيفية عواقب أمورهم وكيفية بوارهم وهلاكهم كقضايا فرعون وقارون ونمرود وشدّاد وأصحاب الفيل وغيرهم من الكفرة والفجرة. ففي كل واحدة منها مواعظ وحكم، بل معارف لأهله. ويدخل في هذا القسم قضايا إبليس الملعون، ويدخل في هذا القسم أيضاً أو أنه قسم مستقل قضايا غزوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي فيها أيضاً مطالب شريفة مذكورة، منها كيفية مجاهدات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لإيقاظ المسلمين من نوم الغفلة، وبعثهم للمجاهدة في سبيل الله، وتنفيذ كلمة الحق وإماتة الباطل"[29].

 

4 ـ شخصية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم

 

إن رسول الإسلام وخاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم شخصية تجمع المسلمين بكافة مللهم وأعراقهم، فهو رسولهم جميعاً، وكلهم متفقون على أنه القائد الأول والملهم، والقدوة والرجل الإلهي الأكمل، وأنه دعا إلى أن يكون المسلمون يداً واحدة في مواجهة أعدائهم وقوى الشر الطامعة، وهذا ما بينه الإمام الخميني قدس سره في الكثير من الخطابات:

 

"أراد رسول الإسلام أن يحقق وحدة الكلمة في كل العالم، أراد إخضاع جميع بلدان العالم لكلمة التوحيد، أراد أن يخضع الربع المسكون بكامله لكلمة التوحيد، بيد أن أغراض سلاطين تلك الفترة من جهة، وأغراض علماء النصارى واليهود وأمثالهم من جهة أخرى، منعته من تحقيق ذلك، والآن فإنهم يمنعون ذلك أيضاً...

 

إن تكليف رؤساء الإسلام الآن وسلاطين الإسلام ورؤساء الجمهوريات الإسلامية أن يضعوا هذه الاختلافات البسيطة الموسمية جانباً، فلا يوجد عرب وعجم، ولا ترك وفرس، بل هناك الإسلام، كلمة الإسلام، يجب عليهم أن يتبعوا رسول الإسلام في طريقته في المواجهة والصراع، ويكونون تبعاً للإسلام. إنهم إذا حافظوا على وحدة كلمتهم، إذا وضعوا هذه الاختلافات الموسمية البسيطة جانباً، إذا كانوا جميعاً يداً واحدة. ويقال أن عدد المسلمين 700 مليون نسمة، لكن هذا العدد المتفرق لا يعادل مليوناً، فلا فائدة في 700 مليون إنسان متفرق، وإن آلاف الملايين المتفرقة لا تنفع أيض، أما لو كان 200 مليون من هذا العدد أو 400 مليون متّحدين، ويداً واحدة أخوية، ومحافظين على ثغورهم، وقاموا بحماية حدودهم، واشتركوا جميعاً في كلمة التوحيد المشتركة بين الجميع، وفي المصالح الإسلامية المشتركة بين الجميع، ووحّدوا كلمتهم، فإذا وحّد هؤلاء كلمتهم، فإن اليهود لن يعودوا ليطمعوا في فلسطين، فسبب هذه الأمور أنهم لا يسمحون لكم بالاتحاد"[30].

 

فدعوة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هي دعوة لنا جميعا لنبذ خلافاتنا وهل هناك أفضل من كلمة التوحيد التي زرعها في نفوسنا كلمة باقية خالدة لتوحدنا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث: الإمام الخميني وإرساء دعائم الوحدة

البراءة

فلسطين القضية المركزيَّة

يوم القدس العالمي

تمهيد

 

لقد بذل الإمام الخميني قدس سره جهوداً عمليَّة كثيرة وفي شتى الميادين في إرساء دعائم الوحدة الإسلامية حتى يمكننا أن نقول أنه رائد الوحدة الإسلامية في القرن العشرين وما تلاه، كيف لا وهو الذي أخرج مفردة الوحدة من جدث الظلام إلى مجامع الأمة ومسامع المسلمين عامة، حيث استغل كل فرصة لينبه المسلمين إلى هذا الأمر الذي به خلاصهم من المآسي والنكبات المتلاحقة التي مرت بهم، لاسيما النكبة الكبرى عندما سقطت فلسطين بأيدي الصهاينة، والعرب والمسلمون حينها لم يرفَّ لهم جفن حتى ليظن المرء أنهم لا وجود لهم، يقول قدس سره:

 

"إن كثيراً من حكومات البلدان الإسلامية ونتيجة للانهزام النفسي أو لعمالتها تنفذ المخططات الخيانية والرغبات المشؤومة الاستعمارية المعادية للإسلام والتي تهدف إلى ترسيخ هذه الأوضاع المأساوية للمجتمع الإسلامي والى تسليط "إسرائيل" على أرواح وأموال وأراضي الأمة الإسلامية"[31].

"لو اجتمعت هذه القدرة أي قدرة المائة مليون عربي فإن أمريكا لن تستطيع أن تفعل شيئ".

فما هي الدعائم التي أرساها هذا الإمام العظيم في الأمة الإسلامية والتي بعثت فيها روح الوحدة وأيقظت الضمائر؟

 

إن أهم الخطوات التي قام بها الإمام الخميني قدس سره في هذا الإطار أنه أحيا الفريضة الميتة في شعائر الحج وهي إعلان البراءة من المشركين وأعداء الله تعالى، ومن ثمّ وجّه أنظار الأمة نحو فلسطين واعتبرها القضية التي تحتل الأولوية لدى المسلمين جميعاً، ومن أجل هذا جعل لها يوم القدس كمناسبة تعني المسلمين جميعهم.

 

هذه النقاط سنحاول أن نبيّنها فيما يلي إن شاء الله تعالى.

 

1 ـ البراءة من المشركين في الحج

 

تحول الحج عبر العصور المتلاحقة ومن خلال سعي الأعداء إلى فريضة عادية لا تحمل في عمقها الأبعاد السياسية التي أرادها الله تعالى ليستفيد منها المسلمون، وقد نجح العدو لسنين طويلة أن ينسي الناس هذه الأبعاد العظيمة لهذه الواقعة الهامة والاستثنائية من عبادات المسلمين السياسية.

 

أدرك الإمام الخميني قدس سره خطر هذه المسألة فأعاد للحج بعده السياسي سيما بإعلانه أن البراءة من قوى الكفر العالمية ركن من أركان الحج ولا بد أن تؤدّى ليكون الحج حجاً حقيقياً يقول قدس سره:

 

"إن إعلان البراءة من المشركين تعتبر من الأركان التوحيدية والواجبات السياسية للحج. فحاشا أن يتحقق إخلاص الموحدين في حبهم بغير إظهار السخط على المشركين والمنافيين، وأي بيت هو أفضل من الكعبة البيت الآمن والطاهر. بيت الناس لنبذ كل أشكال الظلم والعدوان والاستغلال والرق والدناءة اللاإنسانية قولاً وفعلاً، وتحطيم أصنام الآلهة تجديداً لميثاقه "ألست بربكم" وذلك إحياءً لذكرى أهم وأكبر حركة سياسية للرسول التي عبر عنها القرآن بقوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾[32].

 

ذلك أن سنّة الرسول وإعلان البراءة لن يبليا لأن إعلان البراءة لا يقتصر فقط على أيام الحج. إذ على المسلمين أن يملئوا أجواء العالم بالمحبة والعشق للبارى. وبالبغض والاستياء والرفض لأعداء الله ويجب ألا يصغوا إلى وسوسة الخنّاسين وشبهات المشككين والجهّال والمنحرفين وألا يغفلوا لحظة واحدة عن هذا النشيد التوحيدي المقدس والشامل"[33].

 

ويعتبر الإمام الخميني قدس سره أن إعلان البراءة من المشركين في هذه الفريضة التي تجمع المسلمين من كل أقطار العالم فرصة كبيرة لتفعيل الطاقات الخامدة وتنشيط النفوس الخاملة والناسية لقضاياها الأساسية، والساهية عن عدوها المتربص بها:

 

"إننا بإعلاننا البراءة من المشركين كنا وما نزال مصممين على تحرير الطاقات المتراكمة للعالم الإسلامي، وبإذن الله الكبير وبهمّة أبناء القرآن سيأتي اليوم الذي يتحقق فيه هذا العمل. وإنشاء الله سيتحقق أيضاً اليوم الذي يصرخ فيه جميع المسلمين والمتألمين ضد ظالمي العالم ويثبتوا أن القوى العظمى وأذنابهم والنفعيين هم أكثر موجودات العالم بغضاً ولعناً.

 

إن صرخة براءتنا هي صرخة جميع الذين لم يقدروا على تحمّل تفر عن أمريكا وتواجدها السلطوي ولا يريدون أن تخمد صرخة غضبهم وسخطهم وتذمرهم، وتُخنق في حناجرهم إلى الأبد وعقدوا لعزم على العيش حياة حرة كريمة والموت أحراراً وأن يكونوا الصرخة المدوية للأجيال"[34].

 

"بينما يتوجه مسلمو الدول المختلفة في العالم إلى كعبة الآمال وحج بيت الله الحرام وإقامة هذه الفريضة الإلهية العظيمة والمؤتمر الإسلامي الكبير، في أيام مباركة ومكان مبارك، فإنه يجب على المسلمين المبعوثين من قبل الخالق تعالى أن يستفيدوا من المحتوى السياسي والاجتماعي للحج إضافة إلى محتواه العبادي، ولا يكتفوا بالظاهر. فالكل يعلم أن أي مسؤول وأية دولة لا يمكنها إقامة مثل هذا المؤتمر العظيم، وهذه هي أوامر الباري جل وعلا التي أدت الى انعقاد هذا المؤتمر. ومع الأسف فإنّ المسلمين على طول التاريخ لم يتمكنوا من الاستفادة بشكل جيد من هذه القوة السماوية والمؤتمر العظيم لصالح الإسلام والمسلمين. وثمة أبعاد سياسية عديدة في الاجتماعات، والجماعات والجمعة وخاصة اجتماع الحج الثمين، منها الاطلاع على مشاكل الإسلام والمسلمين الأساسية والسياسية، فيمكن من خلال اجتماع العلماء والمثقفين والمتدينين الزائرين لبيت الله الحرام، طرحها ودراستها وإيجاد الحلول لها، وتقديم تلك الحلول لدى العودة إلى البلدان الإسلامية، في الاجتماعات العامة، وبذل الجهد لرفعه".

 

وما يميز هذه الفريضة أنها لا تختص بزمن دون آخر، بل هي  فريضة للحج في كل الأزمان، إذ أنها لن تتوقف ما دام الحج موجوداً وما زالت الفريضة قائمة يقول قدس سره:

 

"إن صرخة البراءة من المشركين لم تختص بزمان خاص. هذا دستور خالد، وإن انقرض المشركون من الحجاز "فنهضة الناس" ليست مختصّة بزمان بل هي دستور كل زمان ومكان. في هذا التجمع البشري العالم تعتبر سنوياً من جملة العبادات المهمة الخالدة إلى الأبد. وهنا تكمن النكتة التي أكّد عليها أئمة المسلمين عليهم السلام في إقامة مجالس العزاء لسيد المظلومين إلى الأبد وبقاء صرخة مظلوميَّة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وظلم بني أميّة ـ عليهم لعنة الله ـ مع أنهم انقرضوا… "[35].

 

2 ـ فلسطين القضية المركزيَّة

 

وجّه الإمام الخميني قدس سره أنظار المسلمين نحو مشكلةٍ اعتبرها أم المشاكل وأم القضايا بل القضية المركزية الأهم، ألا وهي القضية الفلسطينية، حيث اعتبر الإمام قدس سره أن هذه القضية ينبغي أن تحتل الحيز الأكبر والمرتبة الأولى من بين قضايا الأمة والشعوب، وكذلك الحكام، مشخصاً داء الأمة الراهن بتجاهل هؤلاء الحكام لهذه القضية وإخراجها من حساباتهم، وإلا فلو كان الحكام والشعوب يعملون جهودهم العادية لحل هذه القضية وإزالة الورم الصهيوني من خاصرة الأمة لأمكنهم ذلك بأقل الإمكانات متى ما توفرت لديهم الإرادة الجديَّة لذلك، يقول قدس سره:

 

"ثمة موضوع أشعر بأنه يشكّل لغزاً بالنسبة لي، وهو أن جميع البلدان الإسلامية والشعوب المسلمة تعلم ما هي المشكلة، وتعلم أن يد الأجنبي تريد زرع الفرقة بين صفوفها، وتشاهد أن نصيبها من هذه التفرقة هو الضعف والزوال، وتشاهد أن دولة إسرائيل التافهة تقف بوجه المسلمين. ولو كان المسلمون مجتمعين وألقى كل واحد منهم دلْواً من الماء على إسرائيل لقضى عليها السيل، ومع ذلك يقفون أذلاء أمامها. واللغز أنهم لماذا لا يلجأون إلى العلاج الحتمي، والذي هو اتحادهم واتفاقهم رغم علمهم بكل ذلك؟! لماذا لا يحبطون تلك المؤامرات التي يضعها المستعمرون من أجل إضعافهم؟! متى ينبغي حل هذا اللغز؟! ومن يتمكن من حلّه؟! من المسؤول عن إحباط هذه المؤامرات سوى الحكومات الإسلامية والشعوب المسلمة؟ هذا لغز لو وجدتم جواباً وحلاً فاذكروه لنا. اعلموا ( وتعلمون أيضاً) أن الأيدي التي تريد أخذ ثرواتكم منكم ونهبها، ومصادرة كل ما تملكون من خيرات سواء فوق الأرض أو تحتها، إن هذه الأيدي لا تسمح باتّحاد إيران مع العراق، ولا إيران مع مصر، ولا إيران مع تركياأ يريدون ألاّ تتحقق وحدة الكلمة. ولكن هذا ليس تكليفكم. إن مسؤولية الرؤساء أن يجلسوا مع بعض، ويتفاهموا ويحفظوا حدودهم وثغورهم، ويحافظوا على وحدة الكلمة بوجه العدو الأجنبي الذي يريد إلحاق الضرر بكم. ولو حافظتم على وحدة الكلمة لما أمكن لمجموعة من اليهود اللصوص في فلسطين أن تفرق ملايين المسلمين لمدة أكثر من عشر سنوات، والدول الإسلامية جلست مع بعضها تقيم المآتم. لو كان هناك توحيد في الكلمة فكيف يستطيع هؤلاء، هذه العدة من اليهود اللصوص، كيف يستطيعون أن يأخذوا فلسطين منكم، ويخرجوا المسلمين من فلسطين، ولا تستطيعون أن تعملوا شيئاً؟!".

 

فالإمام قدس سره ينبهنا بأن محاولة تفريق الأمة إنما هو بسبب إضعافنا عن مطالبتنا بحقوقنا ولا سيما حق المسلمين في الأراضي المقدسة في فلسطين.

 

ثم يخاطب الإمام قدس سره الحكام المسلمين والمتسلطين على ثرواتهم الطائلة، منبها لهم إلى الخطوات التي ينبغي اتخاذها في سبيل إرجاع حقوقنا السليبة فيقول قدس سره:

 

"هذه الأمور من الواضحات، لكن يجب التذكير. وإن أولئك يعلمون بهذا الأمر أيضاً ولكن عليهم الاجتماع والتفكير ووضع هذه الاختلافات البسيطة جانباً. فالإسلام هو بأيديكم الآن. وليعلم رؤساء الإسلام، وسلاطين الإسلام، ورؤساء الجمهورية، والشيوخ، وأصحاب المناصب في الإسلام أن لهذه الرئاسة التي منحها الله تبارك وتعالى لهم مسؤولية. فعندما يصبح الإنسان رئيساً لقوم معينين، ولشعب ما، فإنه مسؤول عن ذلك الشعب وأولئك القوم، ومسؤول عن حياتهم، والحوادث التي تمر عليهم. إنّ الآخرين هم الذين يحتاجون لهؤلاء، إن هذا الأمر من العجائب، ومن العجائب أن الثروة بيد الشرق، إن ثروة النفط المهمة بيد الشرق وبيد المسلمين والبلدان الإسلامية، وإن سبب تقدم أي دولة في العالم هي هذه المعادن والثروات، وكان انتصار الدول في الحروب بواسطة النفط، وهذه الثروات كلها بأيديكم! والحمد لله فان العراق يملك النفط، وإيران تملك النفط، والكويت تملك النفط، والحجاز تملك النفط، والنفط بيد المسلمين. ينبغي لأولئك أن يتملّقوا لكم ويقبّلوا أياديكم وأقدامكم، ويشتروا هذه الثروات بأسعار باهظة. يجب عليكم أن لا تتملّقوا لهم، وإن شاء الله لستم كذلك، بل يجب عليهم أن يتملّقوا لكم الآن، فالثروة بأيديكم. ولكن تصرّف المستعمرون بشكل خدعوا فيه بعض البلدان، فتصورت أن الأمر ليس كذلك، بل عليها أن تتملق أيضاً لهم، وأن تجاملهم حتى يأخذوا ثرواتها، وهذا يستلزم الأسف الشديد".

 

وبغياب وحدة الكلمة، وعدم إيجاد رؤساء الإسلام لوحدة الكلمة بين صفوفهم، وعدم التفكير بمصائب الشعوب المسلمة، وشقاء الإسلام، وشقاء الأحكام الإسلامية، وغربة الإسلام والقرآن الكريم فإنه لا يمكن لهم السيادة. يجب أن تفكروا وتعملوا حتى تسودو، وسوف تكونون سادة العالم لو علمتم بهذا الموضوع.

 

فالسيادة ستكون لكم لو عّرفتم الإسلام كما هو وعملتم به كما ينبغي (العزة لله ولرسوله وللمؤمنين).

 

ومن هنا فإن الجمهورية الإسلامية في إيران وبتوجيهات من الإمام الخميني الراحل قدس سره وضعت في قمة سلم أولوياتها دعم القضية الفلسطينية، وإيجاد حالة من الاتحاد بين البلدان الإسلامية، يقول الإمام الخميني قدس سره عن هذا الأمر:

 

"إننا جاهزون في جميع الأحوال للدفاع عن الإسلام والبلدان الإسلامية واستقلالها. إن برنامجنا هو برنامج الإسلام، وتحقيق وحدة كلمة المسلمين، واتحاد البلدان الإسلامية، وتحقيق الأخوة مع جميع طوائف المسلمين في كل العالم، والاتحاد مع جميع الدول الإسلامية في سائر أنحاء العالم، والوقوف بوجه الصهيونية وإسرائيل، والوقوف بوجه الدول المستعمرة التي تريد نهب ذخائر هذا الشعب الفقير مجاناً وتركه ليعاني من الفقر والبطالة والبؤس. وتتحدث الدول دائماً عن الترقي والتطور الاقتصادي مع وجود هذه الوجوه الصفراء بسبب الجوع والفقر. وإننا نشعر بالأسى لهذه الحقائق المرة، ويشعر علماء الإسلام بالألم بسببها، ولو كان هذا يسمى بالرجعية السوداء، فلنكن رجعيين!".

 

3-يوم القدس العالمي

 

وفي سبيل هذه القضية ولكونها محوريَّةً تهمُ جميع المسلمين، ويمكن لها أن تساهم بشكل كبير في توحيد المسلمين، كان يوم القدس العالمي وذلك في يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان المبارك من كل عام، وأطلق الإمام قدس سره هذا اليوم بعد أربعة أشهر من قيام الجمهورية الإسلامية أي في تموز من العام 1979م مما يؤكد على مدى حضور هذه القضية وعلى حيّز الأولوية الذي شغلته في فكر الإمام قدس سره.

 

وجاء في نص الإعلان:

 

"أدعو جميع مسلمي العالم إلى اعتبار آخر جمعةٍ من شهر رمضان المبارك التي هي من أيام القدر ويمكن أن تكون حاسمة في تعيين مصير الشعب الفلسطيني يوماً للقدس، وان يعلنوا من خلال مراسم الإتحاد العالمي للمسلمين دفاعهم عن الحقوق القانونية للشعب الفلسطيني المسلم"[36].

 

ويقول الإمام الخميني قدس سره عن دلالات يوم القدس:

 

1 ـ يوم التعبئة الإسلامية العامة:

 

"لقد كان يوم القدس يوماً إسلاميا، ويوماً للتعبئة الإسلامية العامة".

 

2ـ يوم المستضعفين:

 

"آمل أن يكون هذا الأمر مقدمة لتأسيس حزب للمستضعفين في كل أنحاء العالم، وأتمنى أن يظهر حزب باسم المستضعفين في العالم".

 

3 ـ يوم الإسلام وحكومته:

 

"يوم القدس، ليس فقط يوما لفلسطين، انه يوم الإسلام، يوم الحكومة الإسلامية يوم يجب أن تنشر فيه الجمهورية الإسلامية اللواء في كل أنحاء العالم".

 

4ـ يوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

 

"إنني اعتبر يوم القدس يوماً للإسلام ويوماً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويوم يجب أن نجهّز فيه كل قوانا لإخراج المسلمين من العزلة"7[37].

 

وقد لاقى إعلان الإمام الخميني قدس سره ترحيباً كبيراً في العالم الإسلامي، إذ يحي المسلمون في كل عام وفي الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك هذا اليوم بمسيرات واحتفالات شعبية في سائر الدول الإسلامية.

 

 

خاتمة:

 

* إن وحدة المسلمين بكافة شرائحهم، أمر في غاية الأهمية بل هو الأساس في أي تقدم يحرزه المسلمون، وهو الأساس لاسترجاع حقوقهم المهدورة، وهو الحائط المنيع أما استقواء المتكبرين عليهم، فمن هذا المنطلق لو التفت المسلمون إلى هذه النصائح الملهمة من هذا الإمام الراحل لوجدوا فيها روح التوحيد والحرص على أمر المسلمين ومقدساتهم.

 

* علينا أن لا نغفل عن القرآن الكريم الذي يصدح بنا ليل نهار في نبذ الخلاف وتوحيد الكلمة و والسعي الدائم للم الشمل، لكي لا نفشل وتذهب ريحنا.

 

* إن علينا نحن المسلمون في هذه الأيام أن لا ندع أي فرصة تجمع المسلمين على الكلمة السواء تمر من دون استثمار عملي لها ولا سيما المناسبات التوحيدية كشهر رمضان ويوم القدس، وأسبوع الوحدة الإسلامية في شهر ربيع الأول، وأيام الحج المباركة، وأن لا نغفل عن العدو المتربص بنا الدوائر.

 

نسأل الله العلي القدير أن يوفقنا للعمل بنهج هذا الإمام الذي أفنى عمره في سبيل توحيد الكلمة وإعلاء راية الإسلام خفاقة على أرجاء المعمورة إنه سميع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

 

          الفهرس
مقدمة 5
أهمية الوحدة الإسلامية وجذورها 7
أهمية الوحدة 9
الإمام الخميني ( قدس سره ) رائد الوحدة 10
الجذر القرآني للوحدة الإسلامية 11
الوحدة الإسلامية في السنة الشريفة: 14
1- التكفير 14
2- التقاتل 15
مخاطر التفرق 16
سبل الوحدة ودعائمها 19
تمهيد 21
1 ـ الحج والوحدة الإسلامية: 22
2 ـ العدو المشترك للمسلمين والمستضعفين 25
3ـ القرآن الكريم: 28
4 ـ شخصية الرسول الأكرم ( ص ) 31
الإمام الخميني ( قدس سره ) وإرساء دعائم الوحدة 33
تمهيد 35
   
1 ـ البراءة من المشركين في الحج 36
3 ـ فلسطين القضية المركزيَّة 39
يوم القدس العالمي 43
1- يوم التعبئة الإسلامية العامة 44
2- يوم المستضعفين 44
3- يوم الإسلام وحكومته 44
يوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم 44
خاتمة 45
الفهرس 47
       
الكتاب: الوحدة الإسلامية في فكر الإمام الخميني قدس سره
نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
إعداد: مركز الإمام الخميني الثقافي
الإعداد الإلكتروني: شبكة المعارف الإسلامية_www.almaaref.org
الطبعة: الثانية، آذار 2009م- 1430هـ
جميع حقوق الطبع محفوظة ©
        ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  

[1] - سورة آل عمران، الآية:103.

[2] - سورة الأنفال، الآية:46.

[3] - سورة الحجرات، الآية:10.

[4] - سورة آل عمران، الآية:104.

[5] - سورة آل عمران، الآية:105.

[6] - سورة الأنعام، الآية:159.

[7] - سورة المؤمنون، الآية:52.

[8] - بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج69، ص209.

[9] - كنز العمال، المتقي الهندي، ج1، ص64.

[10] - الصراط المستقيم، علي بن يونس العاملي، ج1، ص 199.

[11] - أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، ج 1،ص 290.

[12] - الكلمات القصار الجزء الأول.

[13] - الكلمات القصار الجزء الأول.

[14] - من خطاب له قدس سره حول اتحاد الأمة الإسلامية ودعم فلسطين.

[15] - سورة الحجرات، الآية:10.

[16] - من خطاب له قدس سره حول اتحاد الأمة الإسلامية ودعم فلسطين.

[17] - المصدر السابق.

[18] - كلمة للإمام الخميني قدس سره بعنوان: الحج وأبعاده.

[19] - كلمة للإمام الخميني قدس سره بعنوان: الحج وأبعاده.

[20] - كلمة للإمام الخميني قدس سره بعنوان: الحج وأبعاده.

[21] - كلمة للإمام الخميني قدس سره بعنوان: الحج وأبعاده.

[22] - سورة الصف، الآية:4.

[23] - نداء الإمام الخميني إلى حجاج بيت الله الحرام 2 ذي الحجة 1400هـ. ق.

[24] - مقتطفات من نداء الإمام الخميني إلى حجاج بيت الله الحرام 2 ذي الحجة 1400هـ. ق.

[25] - نداء الإمام الخميني إلى حجاج بيت الله الحرام 1 ذي الحجة 1406هـ. ق.

[26] - سورة الأنبياء، الآية: 92.

[27] - الكلمات القصار الجزء الأول.

[28] - من خطاب له قدس سره يتحدث فيه عن عظمة القرآن الكريم.

[29] - المصدر السابق.

[30] - من خطاب له قدس سره حول اتحاد الأمة الإسلامية ودعم فلسطين.

[31] - القدس في فكر الإمام الخميني (قده )، جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

[32] - سورة التوبة، الآية:3.

[33] - الحج في فكر الإمام الخميني قدس سره، جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

[34] - المصدر السابق.

[35] - المصدر السابق.

[36] - القدس في فكر الإمام الخميني قدس سره، جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

[37] - المصدر السابق.

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©