الخميس ٣٠ / مارس / ٢٠١٧
الإمـام الخميني » كــتـــب » وصايا الإمام للشباب »

وصايا الإمام للشباب؛ وصايا اخلاقية ومعنوية مقتطفة من الوصايا العرفانية

19 يناير 2015 | في الفئة: وصايا الإمام للشباب | تعليق | الزیارات: 2769

وصايا  الإمام للشباب؛ وصايا اخلاقية ومعنوية مقتطفة من الوصايا العرفانية

وصايا

الإمام للشباب

وصايا اخلاقية ومعنوية مقتطفة من الوصايا العرفانية

للإمام الخميني تنير طريق الشباب المليء بالفتن

 

 

مركز بقية الله الاعظم(ع) للدراسات

بيروت

 

 

 

 

مجموع هذه الوصايا تم اختيارها

من الوصايا العرفانية السبع للامام

الخميني، التي كتبها بشكل خاص

لابنه المرحوم السيد أحمد وزوجة

السيد أحمد. وضمنها أهم وأعلى

المواعظ القلبية التي لا يفهمها إلا

من اشتعل قلبه بحب الله وطلب لقائه.

 

 

 

 

 

 

 

 

بني:

إعلم، أنّ العالم سواءٌ كان أزلياً وأبدياً أم لا، وساوء كانت سلاسل الموجودات غير متناهية أم لا، فإنّها جميعاً محتاجةٌ، لأنّ الوجود ليس ذاتياً لها. ولو تفكّرت وأحطت عقلياً بجميع السلاسل غير المتناهية فإنك ستدرك الفقر الذاتي والاحتياج في وجودها وكمالها إلى الوجود الموجود بذاته والذي تمثل الكمالات عين ذاته. كذلك فإن أيّ كمال أو جمال ينطوي عليه أيّ موجود ليس منه ذاتاً، إنما هو مظهر لكمال الله تعالى وجماله {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى } .

هذه حقيقة تصدق على كل شيء وكل فعل وكل قول.

 

 

وإن كلّ من يدرك هذه الحقيقة ويتذوقها، لن يتعلّق قلبه بغير الله تعالى، ولن يرجوَ عيره تعالى. هذه بارقةٌ إلهية، حاول أن تفكّر فيها في خلواتك، ولقن قلبك الرقيق وكررها عليه إلى أن ينصاع اللسان لها، وتسطع هذه الحقيقة في ملك وملكوت وجودك.

وارتبط بالغنيّ المطلق حتى تستغني عمن سواه، واطلب التوفيق من حتى يجذبك من نفسك ومن جميع من سواه، ويأذن لك بالدخول والتشرّف بالحضور.

 

بني:

نحن ما زلنا في قيد الحجب الظلمانية، وبعدها الحجب النورية، ونحن المحجوبون ما زلنا عند منعطف زقاق ضيّق.

 

بني:

إن لم تكن من أهل المقامات المعنوية، إسعَ أن لا تُنكر المقامات الروحانية والعرفانية.

 

لأن الإنكار من أخطر مكائد الشيطان والنفس الأمارة بالسوء التي تصدُّ الإنسان عن بلوغ جميع المراتب الإنسانية والمقامات الروحانية.

وهو يدفع الإنسان إلى إنكار السلوك إلى الله والاستهزاء به أحياناً، مما يجرُّ إلى الخصومة والمعاداة لهذا الأمر. وبهذا فإن ما جاء به جميع الأنبياء العظام(صلوات الله عليهم) والأولياء الكرام (سلام الله عليهم) والكتب السماوية خصوصاً القرآن الكريم. كتاب بناء الإنسان الخالد، سيموت قبل أن يولد.

فالقرآن الكريم ــ كتاب معرفة الله وطريق السلوك إليه تعالى حُرِّف على أيدي الأصدقاء الجهلة عن طريقه وعُزل جانباً، فجعلوا يصدرون عنه الآراء المنحرفة، ويفسّرونه بالرأي ــ الأمر الذي نهى عنه جميع أئمة الإسلام عليهم السلام ـ وراح كل واحد منهم يتصرف فيه بما تُمليه نفسانيته.

وإن من أعظم وأسمى معاجزه هي هذه المسائل العرفانية العظيمة التي لم تكن معروفة لدى فلاسفة اليونان.

فقد عجزت كتب أرسطو وأفلاطون ـ أعظم فلاسفة تلك العصورـ عن بلوغها.

وحتى أنّ فلاسفة الإسلام الذين ترعرعوا في مهد القرآن الكريم، وانتهلوا منه ما انتهلوا من مختلف المعارف لجأوا إلى تأويل الآيات التي صرّحت بحياة الموجودات في العالم مثلاً.

والحال أن عرفاء الإسلام العظام إنما أخذوا ما قالوه منه، فكل شيء أخذوه من الإسلام ومن القرآن الكريم.

فالمسائل العرفانية الموجودة في القرآن الكريم ليست موجودة في أيّ كتاب آخر.

ولدي العزيز:

هدفت مما ذكرته لك ـ غم أني لا شيء، بل أقلُّ حتى من اللاشيءـ أن ألفت نظرك إلى أنّك إن لم تبلغ مقاماً ما فلا تُنكر المقامات المعنوية والمعارف الإلهية.

وكن من أولئك الذين يحبّون الصالحين والعارفين، وإن لم تكن منهم.

ولا تغادر هذه الدنيا وأنت تكنّ العداء لأحباب الله تعالى.

بني:

تعرّف إلى القرآن. كتاب المعرفة العظيم ـ ولو بمجرد قراءته، وشق منه طريقاً إلى المحبوب.

ولا تتوهمنّ أن القراءة من غير معرفة لا أثر لها، فهذه وسواس الشيطان.

فهذا الكتاب كتابٌ من المحبوب إليك وإلى الجميع ـ وكتاب المحبوب محبوبٌ، وإن كان العاشق المحب لا يدرك معنى ما كُتب فيه.

وقد جاء إليك هادفاً خلق هذا الأمر لديك: ((حب المحبوب)) الذي يمثل غاية المرام، فلعله يأخذ بيدك.

وأعلم أننا لو انفقنا اعمارنا بتمامها في سجدة شكر واحدة على أن القرآن كتابنا : لما وفّينا هذه النعمة حقها من الشكر.

 

بني:

إن الأدعية والمناجات التي وصلتنا عن الأئمة المعصومين عليهم السلام هي أعظم أدلة إلى معرفة الله جلّ وعلا، وأسمى مفاتيح العبودية، وأرفع رابطة بين الحق والخلق.

كما أنها تشتمل في طيّتها على المعارف الإلهية، وتمثّل أيضاً وسيلة ابتكرها أهل بيت الوحي للأنس بالله جلت عظمته، فضلاً عن أنها تمثل نموذجاً لحا أصحاب القلوب وأرباب السلوك.

فلا تصدنّك وساوس الجاهلين عن التمسك أو الأنس بها.

إننا لو أمضينا أعمارنا بتمامها نقدم الشكر على أن هؤلاء ـ الأحرار الواصلين إلى الحق ـ هم أئمتنا ومرشدونا؛ لما وفينا.

من الأمور التي أودّ أن أوصيك بها، وأنا على عتبة الموت، أصعّد الأنفاس الأخيرة ـ:أن تحرص ـ ما دمت متمتعاً بنعمة الشباب ـ على دقة اختيار من تعاشر وتصاحب.

 

فليكن انتخابك للأصحاب من بين أولئك الصالحين والمتدينين والمهتمّين بالأمور المعنوية، ممن لا تغرهم زخارف الدنيا ولا يتعلقون بها، ولا يسعون في جمع المال وتحقيق الآمال أكثر مما هو متعارف، أو أكثر من حدّ الكفاية، وممن لا تلوِّث الذنوب مجالسهم ومحافلهم، من ذوي الأخلاق الكريمة.

فإن تأثير المعاشرة على الطرفين من إصلاح وإفساد أمر لا شك في وقوعه.

واسعَ أن تتجنب المجالس التي تُوقع الإنسان في الغفلة عن ذكر الله، فإن ارتياد مثل هذه المجالس قد يؤدّي إلى سلب الإنسان التوفيق، الأمر الذي يعدّ ـ بحدِّ ذاته ـ خسارة لا يمكن جبرانها.

إن ما يطمئن الجميع ويخمد نيران النفس المتمردة ويحدّ من إلحاحها واستزادتها في الطلب، إنما هو الوصول إليه تعالى.

والذكر الحقيقي له جلّ وعلا؛ إذا كان مظهراً له، فإن الاستغراق فيه يبعث الطمأنينة والهدوء، وكأنّ قوله تعالى {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} هو نوع من الإعلان أن : انتبه انتبه! عليك أن تلجأ إلى ذكره حتى تحصل على الطمأنينة لقلبك الحيران الذي يواصل القفز من مكان إلى مكان والطيران من غصن إلى غصن.

فاستمع يا ولدي العزيز ـ الذي أسأل الله أن يجعل قلبك مطمأناً بذكره ـ لنصيحة أبٍ قلق محتار، ولا تتعب نفسك بالانتقال بطرق هذا الباب أو ذاك الباب، للوصول إلى المنصب أو الشهرة التي تشتهيها النفس.

فأنت مهما بلغت من مقام، فإنك سوف تتألم وتشتد حسرتك وعذاب روحك لعدم بلوغك ما فوق ذلك.

وإن سألتني: لِمَ لم تعمل أنت بهذه النصيحة؟ أجبتك بالقول: أنظر إلى ما قال، لا إلى من قال فما قلته لك صحيح، حتى وإن صدر عن مجنون أو مفتون.

يقول تعالى في محكم كتابه العزيز{مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } ثم يتبع ذلك بقوله{لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ }.

فالإنسان في هذا العالم عرضة للتحولات، أحياناً تنزل به المصائب، كما أنه قد يلاقي إقبالاً من الدنيا، فيبلغ فيها المقام والجاه ويحصل على المال ويحقّق أمانيه وينال القدرة والنعمة.

وكلا الحالين ليس بثابت، فلا ينبغي أن تحزنك المصائب والنقائص فتفقدك صبرك، لأنها قد تكون أحياناً في نفعك وصلاحك{وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}.

كما لا ينبغي أن تدفعك الدنيا بإقبالها عليك وتحقيقها ما يُشبع شهواتك إلى أن تتكبر وتفتخر على عباد الله، فما أكثر ما تعدّه أنت خيراً، وهو شرٌ لك.

 

بني:

إن ما هو مذموم، وأساس ومنشأ جميع ألوان الشقاء والعذاب والمهالك، ورأس جميع الخطاياو الذنوب إنما هو ((حب الدنيا)) الناشئ من ((حب النفس)).

إن عالم المُلك ليس مذموماً بحدِّ ذاته، فهو مظهر الحق ومقام ربوبيته تعالى، ومهبط ملائكته، ومسجد ومكان تربية الأنبياء والأولياء عليهم السلام ومعبد الصلحاء، وموطن تجلي الحق على قلوب عشاق المحبوب الحقيقي.

فإن كان حب ((عالم الملك)) ناشئاً من حب الله ـ باعتباره مظهراً له جلَّ وعلا ـ فهو أمر مطلوب ويستوجب الكمال.

أما إذا كان منشؤه حب النفس، فهو رأس الخطايا جميعاً.

فالدنيا المذمومة هي في داخلك أنت، والتعلق بغير صاحب القلب، هو الموجب للسقوط.

وجميع المخالفات لأوامر الله وجميع المعاصي والجرائم والجنايات التي يُبتلى بها الإنسان، كلها من ((حب النفس)) الذي يولِّد ((حب الدنيـــا)) وزخارفها، وحب المقام والجاه والمال ومختلف الأماني.

وفي الوقت نفسه فإن أيّ قلبٍ لا يمكنه ـ فطرياً ـ أن يتعلق بغير صاحب القلب الحقيقي لكن هذه الحجب الظلمانية والنورانية هي التي تجعلنا نَميلُ خطأ واشتباهاً نحو غير صاحب القلب، وهي ظلماتٌ فوقها ظلمات.

نحن أيضاً، ما دمنا في حجاب النفس والأنانية، فنحن شيطانيّون مطرودون من محضر الرحمن.

وما أصعب تحطيم هذا الصنم الذي يعدُّ ((أمّ الأصنام)).

فنحن ما دمنا خاضعين له مطيعين لأوامره، فنحن غير خاضعين لله(جل وعلا) ولا مطيعين لأوامره.

وما لم يُحطَّم هذا الصنم؛ فإن الحجب الظلمانية لن تتمزق ولن تُزال.

علينا أن نعرف ما هو الحجاب أولاً، فنحن إذا لم نعرفه، لن نستطيع المبادرة إلى إزالته، أو تضعيف أثره ـ إو في الأقل ـ الحدَّ من تزايد رسوخه وقوّته بمرور الوقت.

عليك أن تنتبه! فهناك خطرٌ قد يتعرض الإنسان في اللحظات الأخيرة من عمره، وهو يهمّ بمغادرة هذا العالم، والانتقال إلى مستقره الأبدي.

فإن ذلك قد يجعل المبتلى بحب النفس وما يولّده من حب الدنيا ـ بأبعادها المختلفة ـ يرى وهو في حال الاحتضار، وحيث تتكشف للإنسان بعض الأمور فيراها عياناً، أن((مأمور الله)) جلَّ وعلا يريد فصله عن محبوبه ومعشوقه! فيرحل عن هذه الدنيا وهو غاضب على الله جلَّ وعلا متنفرٌ منه!

وهذه عاقبة وثمرة حب النفس والدنيا، وقد أشارت إلى ذلك الروايات المختلفة.

يُروى((أن الله تعالى خاطب أحد أنبيائه، فطلب إليه أن يأتيه بمخلوق أسوأ منه، فقام النبي عليه السلام بعدها بسحب رفاة حمار قليلاً إلا أنه ندم فتركها، فخوطب بالقول: لو أنك أتيتني بتلك الجيفة، لكنت سقطت من مقامك)).

وإني لا أعرف مدى صحة الحديث، ولكن لعلَّ الأمر بالنسبة لمقام الأولياء، يعدّ سقوطاً حينما يرون الأفضلية لأنفسهم على غيرهم.

فتلك أنانية وغرور ـ وإلا فلِمَ كان النبي الأكرم (ص) يأسف ذلك الأسف المرير على عدم إيمان المشركين، إلى الحد الذي خاطبه الله بقوله تعالى:{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا } فليس هذا سوى أنه عشق جميع عباد الله، وعشق الله هو عشقٌ لتجلّياته.

بني:

إذا استطعت ـ بالتفكر والتلقين ـ فاجعل نظرتك إلى جميع الموجودات ـ وخصوصاً البشر ـ نظرة رحمة ومحبة.

أوليست الموجودات كافة ـ والتي لا حصر لها ـ واقعة تحت رحمة رب العالمين من جهات عديدة؟ ثم أليس وجود حياتها وجميع بركاتها وآثارها من رحمة الله ومواهبه على الموجودات؟ وقد قيل: ((كل موجود مرحوم)) فهل يمكن لموجود ممكن الوجود أن يكون له شيءٌ من نفسه؟

أو أن يستطيع موجود (ممكن الوجود) مثله أن يعطيه شيئاً ما؟

وعليه، فإن الرحمة الرحمانية هي الشاملة لعالم بأسره.

ثم إن الله الذي هو رب العالمين، وتربيته التي تشمل العالم.

أوليست تربيته مظهراً للرحمة؟

وهل يمكن أن تكون الرحمة والتربية شاملة للعالم دون اقترانها بالعناية والألطاف الإلهية؟

إذن لِمََ لا يكون من شملته العنايات والألطاف والمحبة الإلهية موضعاً لمحبتنا؟

وإذا لم يكن هذا الأمر منا، أليس هو نقص فينا؟ أليس هو ضيق أفق وقصر نظر من قبلنا؟

وأنت يا بني:

استفد من شبابك وعش طوال عمرك بذكر الله ومحبته(جلَّ وعلا)، والرجوع إلى فطرة الله.

فذكر المحبوب لا يتنافى مع النشاطات السياسية والاجتماعية في خدمة دينه وعباده، بل إنّه سيعينك، وأنت تسلك الطريق إليه.

ولكن اعلم بأن خدع النفس الأمارة والشيطان الداخلي والخارجي كثيرٌ.

فما أكثر ما تبعد الإنسان عن الله باسم الله واسم الخدمة لخلق الله وتسوقه نحو نفسه وآمالها.

لذا كانت مراقبة النفس ومحاسبتها في تشخيص طريق الأنانية عن طريق الله من جملة منازل السالكين، وفّقنا الله وإياكم لبلوغ ذلك.

وما أكثر ما يخدعنا شيطان النفس ـ نحن الشيّب وأنتم الشبّان ـ بوسائل مختلفة.

فنحن الشيوخ يواجهنا بسلاح اليأس من الحضور وذكر الحاضر فينادي: لقد فاتك العمر، وتصرّم وقت الإصلاح ومضت أيّام الشباب التي كان ممكناً فيها الاستعداد والإصلاح، ولا قدرة لكم في أيام ضعف الشيخوخة هذه على الإصلاح، فقد استحكمت جذور شجرة الأهواء والمعاصي في جميع أركان وجودكم وتشعّبت فروعها، فأبعدتكم عن اللياقة لمحضره جلًّ وعلا، وضاع كلُّ شيء! فما أحرى أن تستفيدوا من هذه الأيام الباقية من أعماركم أقصى ما يمكن من الاستفادة من الدنيا.

وقد يتصرف معنا أحياناً بنفس الطريقة التي يتصرف بها معكم أيها الشبان.

فهو يقول لكم: أنتم شبانٌ، ووقت الشباب هذا هو وقت التمتع والحصول على اللذات، فاسعوا الآن بما يساهم في إشباع شهواتكم، ثم توبوا إن شاء الله في إواخر أعماركم فإن باب رحمة الله مفتوح والله أرحم الراحمين، وكلما زادت ذنوبكم، فإن الندم والرغبة في الرجوع إلى الحق سيزداد، وسيكون التوجه إلى الله تعالى أكبر والاتصال به جلَّ وعلا أشدّ، فما أكثر ألئك الذين تمتعوا في شبابهم، ثم امضوا آخر أيامهم بالعبادة والذكر والدعاء وزيارة الأئمة عليهم السلام والتوسل بشفاعتهم، فرحلوا عن هذه الدنيا وهم سعداء!

تماماً هكذا يتصرف معنا نحن الشيوخ، فيأتينا بأمثال هذه الوساوس فيقول لنا: ليس معلوماً أن تموتوا بهذه السرعة، فالفرصة ما زالت موجودة وأجّلوا التوبة إلى آخر العمر، فضلاً عن أن باب شفاعة الرسول(ص) وأهل بيته(ع) مفتوح، وإن أمير المؤمنين(ع) لن يتخلى عن محبيه ويتركهم يتعذبون، فسوف ترونه عند الموت، وسوف يأخذ بأيديكم، وأمثال هذه الوساوس الكثيرة التي يلقي بها في سمع الإنسان.

بني:

أتحدث إليك الآن وأنت ما زلت شاباً.

عليك أن تنتبه إلى أن التوبة أسهل على الشبان، كما إن إصلاح النفس وتربيتها يتم بسرعة أكبر عندهم.

في حين أن الأهواء النفسانية والسعي للجاه وحب المال والغرور أكثر وأشد بكثير لدى الشيوخ منه لدى الشبان.

أرواح الشبان رقيقة شفافة سهلة القياد، وليس لدى الشبان من حب النفس وحب الدنيا بقدر ما لدى الشيوخ.

فالشباب يستطيع بسهولة ـ نسبياً ـ أن يتخلص من شر النفس الأمارة بالسوء، ويتوجّه نحو المعنويات.

وفي جلسات الوعظ والتربية الأخلاقية يتأثر الشبان بدرجة كبيرة لا تحصل لدى الشيوخ.

فلينتبه الشبان، وليحذروا من الوقوع تحت تأثير الوساوس النفسانية والشيطانية.

فالموت قريب من الشبان والشيوخ على حدٍّ سواء وأيّ من الشبان يستطيع الاطمئنان إلى أنه سيبلغ مرحلة الشيخوخة؟

وأيُّ إنسان مصونٌ من حوادث الدهر؟ بل قد يكون الشبان أكثر تعرضاً لحوادث الدهر عن غيرهم.

 

بني:

لا تضيَّع الفرصة من يديك، واسع لإصلاح نفسك في مرحلة الشباب.

بني:

إحرص على أن لا تغادر هذا العالم بحقوق الناس فما أصعب ذلك وما أقساه.

واعلم أن التعامل مع أرحم الراحمين أسهل بكثير من التعامل مع الناس ـ نعوذ بالله تعالى أنا وأنت وجميع المؤمنين من التورط في الاعتداء على حقوق الآخرين، أو التعامل مع الناس المتورطين.

ولا أقصد من هذا دفعك للتساهل بحقوق الله والتجرؤ على معاصيه.

وصيتي إليك يا بنيّ أن لا تدع الفرصة تضيع من يديك ـ لا سمح الله ـ.

وأن تسعى في إصلاح أخلاقك وتصرفاتك وإن كان بتحمل المشقة والترويض.

وعليك بالحدّ من التعلق بالدنيا الفانية.

وتختار طريق الحق أينما اعترضك مفترقٌ للطرق.

وأن تجتنب طريق الباطل، وتطرد شيطان النفس عنك.

كذلك فإن من الأمور الهامة التي ينبغي أن أوصي بها:

الحرص على إعانة عباد الله، خصوصاً المحرومين والمساكين المظلومين، الذين لا ملاذ لهم في المجتمعات.

فابذل ما في وسعك في خدمتهم، فذلك خير زاد، وهو من أفضل الأعمال لدى الله تعالى، ومن أفضل الخدمات التي تُقدم للإسلام العظيم.

اسع في خدمة المظلومين، وفي حمايتهم من المستكبرين والظالمين.

واعلم أن المشاركة في أمور السياسة السلمية والاجتماع، هي تكليف في هذه الحكومة الإسلامية.

كذلك فإن مساعدة المسؤولين والمتصدين لإدارة أمور الجمهورية الإسلامية ودعمهم مسؤولية إسلامية وإنسانية ووطنية.

وأملي أن لا يغفل الشعب المجيد والواعي عن هذه المسؤولية ـ وعليعم أن يواصلوا ـ وكما هو شأنهم حتى الآن، إذ كانوا حاضرين في الساحة دوماً، حتى الحكومة الإسلامية والجمهورية ما استطاعت الاستقرار والبقاء إلا بدعمهم ـ عليهم أن يواصلوا دورهم هذا في المستقبل أيضاً.

وإني مفعم بالأمل أن يواصل الجيل الحاضر والأجيال القادمة وقوفهم بوفاء مع الجمهورية الإسلامية ودعمها ما استطاعوا إلى ذلك سبلاً، ليكونوا سبباً في ديمومتها واستقرارها.

وعلينا جميعاً أن نعلم بأننا ما دمنا على عهدنا مع الله تعالى، فإنه معنا.

وكما قضى سبحانه وتعالى إلى الآن على مؤامرات المجرمين في الداخل والخارج وبشكل إعجازي، فإنه سيُقضي عليها مستقبلاً بتأييداته إن شاء الله تعالى.

والأمل أن يكون الجيش وحراس الثورة وأبناء قوات التعبئة الشعبية وسائر القوات العسكرية والأمنية، وجماهير شعبنا قد تذوقوا حلاوة الاستقلال والخروج من أسر القوى الدولية الكبرى الناهبة، وآمل أن يرجحوا تحررهم من أسر الأجانب على أيّ شيء وعلى أية حياة مرفهة، وأن لا يقبلوا بحمل عبء عار الارتباط بالقوى الشيطانية على كواهلهم. وأن يقبلوا بالموت المشرّف ـ برجولة وعزة ـ في سبيل الأهداف السامية وفي سبيل الله، إذا أريدت لهم الحياة بذلّة. وأن يختاروا السير على طريق الأنبياء العظام وأولياء الله عليهم السلام.

وأدعو الله خاضعاً معرباً عن عجزي، أن يزيد من وعي وحب والتئام صفوف الرجال والنساء والأطفال والشيوخ من أبناء شعبنا العزيز، وأن يفيض عليهم برحمته، فيقفوا بثبات في طريق الله، وأن ينشروا الإسلام العزيز وأحكامه النورانية في مختلف أنحاء العالم.

بني:

أشدُّ ما أود أن أوصيك به ولدي العزيز، هو الاهتمام بوالدتك الوفية.

إن الحقوق الكثيرة للأمهات، أكثر من أن تُحصى أو أن يُؤدي حقها.

فليلة واحدة تسهرها الأم مه وليدها تفوق سنوات من عمر الأب المتدين.

فيجسد العطف والرحمة في عيونها النورانية بارقة من رحمة وعطف رب العالمين.

فالله تبارك وتعالى قد أشبع قلوب وأرواح الأمهات بنور رحمة ربوبيته بشكل يعجز عن وصفه الواصفون، ويعجز عن إدراكه سوى الأمهات.

وإن رحمة الباري هي التي تجعلهن يقفن ويتحملن بثبات عجيب المتاعب والآلام منذ استقرار النطف في الأرحام، وطوال فترة الحمل، وحتى ساعة الولادة. ثم منذ عهد الطفولة، وحتى آخر العمر.

وهي المتاعب والآلام التي يعحز الآباء عن تحملها ليلة واحدة.

فالتعبير الرقيق الوارد في الحديث الشريف ((الجنة تحت أقدام الأمهات)) حقيقة تشير إلى عظم دور الأم، وتنبه الأبناء إلى أن السعادة والجنة تحت أقدام الأمهات.

فعليهم أن يبحثوا عن الجنة والسعادة تحت التراب المبارك لأقدامهن، ويعلموا أن حرمتهن تقارب حرمة الله تعالى، وأن رضا الباري جلت عظمته إنما هو في رضاهن.

وأوصيك يا ولدي أحمد: أن تحرص على معاملة أرحامك وأقربائك وخصوصاً أخواتك وأبناء إخوانك بالعطف والمحبة والصفاء والسلام والإيثار، وبمراعاة السلوك الحسن.

كما أوصي جميع أبنائي أن يكونوا قلباً واحداً، وأن يتحركوا نحو هدف واحد، وأن يتعاملوا مع بعضهم بالمحبة والعطف، وأن يسعوا جميعاً للعمل في سبيل الله، وفي خدمة عباده المرحومين، لأن في ذلك خير وعافية الدنيا والآخرة.

***

أما ما هو أساس نجاة البشرية واطمئنان القلوب، فهو التحرر والإفلات من الدنيا وتعلقاتها ولا يحصل ذلك إلا بالذكر الدائم لله تعالى.

أولئك الذي هم بصدد العلو كيفما كان.. سواء العلة في العلوم، حتى الإلهية منها، أو في القوة والشهرة والثروة إنما يسعون في زيادة آلامهم.

المتحررون من القيود المادية الذين خلصوا أنفسهم إلى حدٍ ما من شَرَك إبليس، هم في هذه الدنيا في سعادة وجنة ورحمة..

بني:

أما أنا فقد فاتتني القافلة((يشيب ابن آدم وتشبّ فيه خصلتان: الحرص وطول الأمل))..

لكن أنت لديك نعمة الشباب وقدرة الإرادة..فالمؤمل أنت تستطيع سلوك طريق الصالحين.

ولا يعني ما ذكرت أن تترك خدمة المجتمع وتعتزل وتكون كَلاً على خلق الله فإنّ هذه صفات الجاهلين المتنسكِّين أو الدراويش أرباب الدكاكين.

سيرة الأنبياء العظام(صلى الله على نبينا وعليهم أجمعين) والأئمة الأطهار(عليهم السلام) ـ الذين هم صفوة العارفين بالله والمتحررين من كل قيدٍ وغلّ والمتعلقين بالساحة الإلهية ـ هي القيام بكل قوة ضد الحكومات الطاغوتية وفراعنة الزمان..

وقد تجرعوا كؤوس الآلام من أجل إجراء العدالة في العالم وبذلوا الجهود..التي تلقننا الدروس..وإذا كانت لنا عينٌ بصيرةٌ وأذنٌ سمعيةٌ فسنجد فيها ما يفتح أمامنا الطريق..((من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم)).

بني:

لا الاعتزال الصوفيّ دليل الارتباط بالحق، ولا الدخول في المجتمع وتشكيل الحكومة شاهد الانفصال عن الحق، الميزان في الأعمال هو دوافعها.

إذاً، ميزان العرفان والحرمان هو الدافع، كلما كانت الدوافع أقرب إلى نور الفطرة، وأكثر تحرراً من الحجب حتى حجب النور، تكون أكثر ارتباطاً بمبدأ النور.

بني:

لا تُلقِ عن كاهلك، حمل المسؤولية الإنسانية التي هي خدمة الحق في صورة خدمة الخلق..

فإن جولات الشيطان وصولاته في هذا الميدانليست بأقل من جولاته وصولاته بين المسؤولين والمتصدين لأمور (العامة).

لا تتعب نفسك للحصول على مقام مهما كان ـ سواءً المقام المعنوي أم المادي ـ متذرعاً بأني أريد أن أقترب من المعارف الإلهية أكثر.. أو أني أريد أن أخدم عباد الله. فإنّ التوجه إلى ذلك من الشيطان.. فضلاً عن بذل الجهد للحصول عليه.

الموعظة الإلهية الفريدة، اسمعها بالقلب والروح، وأقبلها بكل قوتك وسر في خطاها.(( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى)).

الميزان في أول السير هو القيام لله، إن في الأعمال الشخصية والفردية أو في النشاطات الاجتماعية.

اسعَ أن تكون موفقاً في هذه الخطوة الأولى.. فإن ذلك في أيام الشباب أسهل وإمكانية التوفيق فيه أكثر.

بني:

احياناً أرى أنك تظهر الانزعاج والقلق من التهم المؤلمة وترويج الشائعات الكاذبة..

أولاً: يجب أن أقول لك.. ما دمت حياً وتتحرك ويراك الآخرون منشأ تأثير فإن الانتقاد والتهمة واختلاق الشائعات ضدك أمور لا يمكن اجتنابها.

العُقد كثيرة.. والتوقعات المتزايدة وألوان الحسد كثيرة..

ابذل الجهد لتصل كلمة التوحيد ـ التي هي أعظم كلمة وأسمى جملة ـ من عقلك إلى قلبك..

فإن حظ العقل هو ذلك الاعتقاد البرهاني الجازم..

وإذا لم يصل حاصل هذا البرهان بالمجاهدة والتلقين إلى القلب فإن فائدته وأثره لا يكادان يذكران..

بني:

عليك بالمجاهدة لتودع القلب عند الله، ولا ترى مؤثراً غيره.. أوليس عامة المسلمين المتعبدين يصلّون في اليوم والليلة عدة مرات ـ والصلاة زاخرة بالتوحيد والمعارف الإلهية ـ ويقولون عدة مرات في اليوم والليلة{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ويتلفظون أن العبادة والإعانة مختصتان بالله.

إلا أنهم يتذللون ويتزلفون لكل عالم وقوي وثري، إلا المؤمنين بحق وخواص الحق سبحانه.

وأحياناً يأتون بأكثر مما يأتون به للمعبود.. ويستمدون العون من كل شخص ويتمسكون بكل قشة من أجل آمالهم الشيطانية وهم غافلون عن قدرة الحق..

بني:

هناك أمر يثلج أفئدتنا نحن المتخلفين عن ((قافلة الأبرار)) وهو ـ في ما أرى ـ قد يكون دخيلاً في بناء من يكون بصدد بناء نفسه..

يجب أن ننتبه إلى أن منشأ فرحنا بالمدح والثناء واستيائنا من الانتقادات والشائعات هو حب النفس الذي هو أخطر شراك إبليس اللعين.

نحن نميل أن يكون الآخرون مداحين لنا.. حتى ولو صوَّروا أفعالنا العدية، وحسناتنا المتخيّلة أكبر من حجمها بمئات المرات..

ونحب أن تكون أبواب انتقادنا ـ ولو بحق ـ موصدة أو يتحول انتقادنا إلى مديح.

ننزعج من الحديث عن معايبنا، لا لأنها ليست حقاً، ونفرح بالمدح والثناء لا لأنه حق بل لأنه ((عيبي أنا)) و ((مدحي أنا)).

إذا صدر منك امر ما، وصدر عين ذلك الأمر أو أفضل منه وأسمى من شخص آخر، خصوصاً أولئك الذين هم زملاؤك، وانبرى المادحون لمدحه سيكون ذلك مزعجاً لك..

وأدهى من ذلك إذا حولوا عيوبه مدائح. في مثل هذه الصورة، تيقَّن أن يد الشيطان والنفس الأسوأ منه هي السبب.

بني:

ما أحسن أن تلقِّن نفسك وتقنعها حقيقة واحدة وهي أن مدح المادحين وإطراء المطرين غالباً ما يهلك الإنسان ويجعله بعيداً عن التهذيب وأشدَّ بعداً..

التأثير السيء للثناء الجميل في نفوسنا الملوثة أساس تعاستنا والإلقاء بنا نحن ضعفاء النفوس بعيداً عن المحضر المقدس للحق جل وعلا..

ولعل الباحثين عن عيوبنا والمروجين للشائعات ضدنا مفيدون لعلاج معايبنا النفسية ـ وهو كذلك ـ كالعملية الجراحية المؤلمة المفيدة للمريض..

أولئك الذين يبعدوننا بمدائحهم عن جوار الحق أصدقاء يعبّرون عن عداوتهم بصورة صداقة..

وأولئك الذين يظنون أنهم يعبّرون عن عداوتهم لنا بالذم والفحش واختلاق الإشاعات هم أعداء يصلحوننا ـ إذا كنا أهلاً لذلك. إنهم يعبّرون عن صداقتهم لنا بصورة عداوة..

أنا وأنت إذا اقتنعنا بهذه الحقيقة وتركنا الحيل الشيطانية والنفسية نرى الواقعيات كما هي.. عندها سنضطرب من مدح المداحين وثناء أهل الثناء كما نضطرب اليوم من ذم الأعداء وشائعات المغرضين.. وسنتفاعل مع الذم ونتلقاه كما نتفاعل اليوم مع المدائح والإطراءات ونتلقاها.

إذا وصل إلى قلبك مما ذكر، لن تتألم من المنغِّصات واختلاق الأكاذيب وستحصل على اطمئنان القلب.. فإن أكثر المنغصات من الأنانية..

بني:

الذنوب، حتى إذا كانت صغيرة بنظرك، لا تستخف بها ((أنظر إلى من عصيت)) وبهذا المنظار كل الذنوب عظيمة وكبيرة..

لا تغتر بأي شيء، ولا تغتر بالله تبارك وتعالى الذي كل شيء منه وإذا انقطعت عنايته الرحمانية عن موجودات جميع أرجاء عالم الوجود لحظة لن يبقى أثر حتى من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين.لأن كل العالم مظهر رحمانيته جل وعلا..

على أي حال، لا تنسَ حضوره ولا تغتر برحمته،

كما يجب أن لا تيأس ولا تغتر بشفاعة الشافعين عليهم السلام. فإن لذلك كله موازين إلهية ونحن لا نعرفها.

إجعل التأمل في أدعية المعصومين عليهم السلام وتحرُّقهم وتفجُّعهم خوفاً من الحق والعذاب عنوان أفكارك وسلوكك.

بني:

لا تسعَ أبداً اثر تحصيل الدنيا حتى الحلال منها.

فإن حب الدنيا حتى حلالها رأس جميع الخطايا لأنها حجاب كبير وتجر الإنسان مرغماً إلى الدنيا الحرام.

أنت شاب وتستطيع بقوة الشباب التي أعطاك الحق أن تبتر أول خطوة انحراف ولا تدعها تنجر إلى خطوات أخرى..

لكل خطوة خطوة تتبعها، وكل ذنب ـ حتى إذا كان صغيراً ـ يجر الإنسان إلى ذنوب كبيرة وأكبر بحيث تصبح الذنوب الكبيرة في نظر الإنسان ليست شيئاً يذكر..

بل أحياناً يفتخر الأشخاص على بعضهم بارتكاب بعض الكبائروأحياناً ـ بواسطة شدة الظلمات والحجب الدنيوية ـ يصبح المنكر معروفاً والمعروف منكراً..

ابذل جهدك في خدمة الأرحام خصوصاً أمك التي لها علينا حقوقاً واحصل على رضاهم.

بني:

اسع للعثور على نفسك المعجونة بفطرة الله، واستنقذها من مستنقع الضلالة وأمواج العجب والأنانية، واركب ((سفينة نوح)) التي هي ((ولاية الله)) ((فإن من ركبها نجا ومن تخلّف عنها هلك)).

بني:

اجهد أن يكون سيرك في ((الصراط المستقيم)).

صراط الله ـ وإن كان ذلك بخطىً وئيدة بطيئة.

واسعَ أن تكون حركات قلبك وسكناته وسائر جوارحك في إطار التسامي والارتباط بالله.

واحرص على السعي في خدمة الخلق لأنهم خلق الله، فرغم أن أنبياء الله العظام والخواص من أوليائه تعالى كانوا يمارسون الأعمال كالآخرين، فإنهم لم يتعلقوا بالدنيا قط، وذلك لأن شغلهم كان بالحق وللحق.

ولدي، ما أوصيك به ـ بالدرجة الأولى ـ هو أن لا تُنكر مقامات أهل المعرفة، فالإنكار سُنَّةُ الجُهال؛ واتَّقِ معاشرة مُنكري مقامات الأولياء، فهم قُطَّاعُ طريقِ الله تعالى.

بني:

تحرَّر من حبِّ النفس والعجب، فهما إرثُ الشيطان.

فبالعُجبِ وحُبّ النفس تمرَّدَ على أمر الله بالخُضوعِ لوليّ الله وصفيّه (جلَّ وعلا).

واعلم! أنّ جميع ما يحلّ ببني آدم من مصائب ناشئٌ من هذا الإرث الشيطاني، فهو أصلُ الفتنة.

وربما تُشير الآية الكريمة {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ} في بعض مراحلها (مستوياتها) إلى الجهاد الأكبر، وقتال أساس الفتنة وهو الشيطان وجنوده.

ولهؤلاء فروعٌ وجذورٌ في أعماق قلوب بني الإنسان كافَّة.

وعلى كل إنسان أن يجاهد ((حتى لا تكون فتنة))

داخلَ نفسه وخارجها.

فإذا حقَّق هذا الجهاد النَّصر؛ صَلُحت الأمورُ كافَّة، وصَلُح الجميع.

عزيزي، استثمر ما بقي من الشباب، ففي الشيخوخة يضيعُ كلُّ شيء، حتى الالتفاتإلى الآخرة والتوجُّه إلى الله تعالى.

إنَّ من كبريات مكايد الشيطان والنفس الأمارة بالسوء؛ أن تُمَنِّي الشبابَ بوُعود الصلح والإصلاح عند حلول الشيخوخة، فتُخسرهم شبابهم الذي يضيع بالغفلة.

وأما الشيبة، فتُمنيهم بطُول العمر حتَّى اللحظات الأخيرة، وتَصُدُّ الإنسان ـ بوعودها الكاذبة ـ عن ذكر الله والإخلاص له، إلى أن يأتي الموت، وعندها تأخذُ منه الإيمان، إن لم تكُن قد أخذته منه كاملاً قبل ذذلك الحين.

إذن؛ فانهض للمجاهدة وأنت شابٌ تمتلك قوّة كُبرى، واهرب من كلّ شيء ما عدا الحبيب ـ جل وعلا ـ.

وعزِّز بما استطعت ارتباطك به تعالى إن كان لديك ارتباط.

أمّا إذا لم يكن لديك ذلك ـ والعياذ بالله ـ فاسعَ للحصول عليه، واجتهد في تقويته.

فليس هناك ما يستحقُّ الارتباط به سواه تعالى.

وإذا لم يكن التعلُّق بأوليائه تعلُّقاً به تعالى ففيه مكيدةٌ من حبائل الشيطان الذي يصدُّ عن السبل إلى الحقِّ تعالى بكلِّ وسيلة.

لا تنظر أبداً إلى نفسك وعملك بعين الرضا؛ فقد كان أولياء الله الخُلّص يرون أنفسهم لا شيء، وأحياناً كانوا يرون حسناتهم من السيئات.

بني، كلّما ارتفع مقام المعرفة، تعاظَمَ الإحساسُ بحقارة ما سواه ـ جلَّ وعلا.

علينا أن لا نرى أنفُسنا ـ أبداً ـ دائنين لخلق الله عندما نَخدِمُهُم، بل هُمُ الذي يُمنُّون علينا حقاً، لكونهم وسيلةُ لخدمة الله جل وعلا.

ولا سعى لكسب السمعة والمحبوبيّة من خلال هذه الخدمة، فهذه بحدِّ ذاتها من حبائل الشيطان التي يُوقعنا بها.

واختر في خدمة عباد الله ما هو الأكثر نفعاً لهم وليس ما هو الأنفع لك ولأصدقائك، فمثل هذا الاختبار هة علامةُ الإخلاص لله جلَّ وعلا.

ولدي العزيز؛ إنّ الله حاضرٌ، والعالم محضره، ومرآةُ نفوسنا هي إحدى صحائف أعمالنا، فاجتهد لاختيار كلّ عمل يُقربك إليه، ففي ذلك رضاه جلَّ وعلا.

بني:

اسع في إصلاح نفسك ما دمت تحظى بنعمة الشباب، فإنَّك ستخسر كل شيء في الشيخوخة.

فمن مكائد الشيطان (ولعلها أخطر مكائده) ((الاستدراج)) .

ففي أوائل الشباب يسعى الشيطان الباطن ـ أشدُّ أعداء الشباب ـ في ثنيه عن إصلاح نفسه ويمنّيه بسعة الوقت، وأن الآن هو آن التمتع بالشباب، ويستمر في خداعه بالوعود الفارغة ليصدّه عن فكرة الإصلاح تماماً.

وساعة بعد ساعة، ويوماً بعد يوم يتصرّم الشباب، ويرى الإنسان نفسه فجأة في مواجهة الهرم الذي كان يؤمِّل فيه إصلاح نفسه، وإذا به ليس بمنأى عن وساوس الشيطان أيضاً.

إذ يمنّيه آنذاك بالتوبة في آخر العمر ـ لكنه حينما يحُسُّ بالموت في آخر العمر، يصبح الله تعالى أبغض موجود إليه، لأنه يريد انتزاع الدنيا التي هي محبوبه المفضَّل منه.

عزيزي: إقرأ أدعية الأئمة المعصومين عليهم السلام وانظر كيف أنّهم يعتبرون حسناتهم سيئات، وكيف يرون أنهم يستحقّون العذاب الإلهي، ولا يفكّرون سوى برحمة الحق تعالى.

وأهل الدنيا ـ وتلك الفئة من المعمّمين والاهثين وراء بطونهم، إنما يُؤولون هذه الأدعية، لأنهم لم يعرفوا الله جلّ وعلا.

بني:

ينبغي ـ أولاً ـ أن تخطو بقدم العلم رويداً رويداً، فإن أيّ علم هو الحجاب الأكبر، وبالدخول بهذا الحجاب ستتعلم رفع الحجب.

***

ابنتي:

الانشغال بالعلوم حتى العرفان والتحويد إذا كان لاكتناز الاصطلاحات أو لأجل نفس تلك العلوم، فإنه لا يقرب السالك من الهدف بل يبعده عنه.

وإذا كان البحث عن الحق وعشقه هو الهدف ـ وهو نادرٌ جداً ـ فذلك مصباح الطريق ونور الهداية،(العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده).

وللوصول إلى يسير منه يلزم التهذيب والتطهير والتزكية؛ تهذيب النفس تطهير القلب من غيره، فضلاً عن التهذيب من الأخلاق الذميمة التي يحتاج الخلاص منها إلى كثيرٍ من المجاهدة وفضلاً عن تهذيب العمل مما هو خلاف رضاه جل وعلا، والمواظبة على الأعمال الصالحة، من قبيل الواجبات التي هي في الطليعة، والمستحبات بقدر الميسور وبالقدر الذي لا يوقع الإنسان في العُجب والأنانية.

ابنتي:

العجب والغرور نتيجتان لغاية الجهل بحقارة النفس و عظمة الخالق.

إذا فكر (الإنسان) قليلاً في عظمة الخلقة بالمقدار الذي وصل البشر ـ رغم كل هذا التقدم العلمي ـ إلى شيء يسير منه، يدرك حقارة وضآلة نفسه وكلِّ المنظومات الشمسية والمجرات.

ويفهم قليلاً من عظمة خالقها ويخجل من عُجبه وأنانيته وغروره ويشعر بالجهل.

وأوصيك أنت وجميع الشباب الطالبين للمعرفة أنكم وجميع الموجودات جلوته هو وظهوره هو.. اسعوا وجاهدوا لتعثروا على بارقة من ذلك وتذوبوا فيه فتصلوا من العدم إلى الوجود المطلق.

ابنتي:

ضعي الغرور والآمال الشيطانية الكاذبة جانباً.. وجدِّي في العمل وتهذيب نفسك وتربيتها فإنّ الرحيل قريب جداً.. وكل يوم يمر وأنت غافلة.. يجعلك متأخرة..

لا أقول اهربي من العلم والعرفان والفلسفة واقضي عمركِ بالجهل، فإنّ هذا احراف..

أقول: اسعي وجاهدي كي يكون الدافع إلهياً ومن أجل المحبوب..

وإذا عرضت(شيئاً من العلم) فليكن لله ولتربية عباده لا للرياء والتظاهر فتصبحي ـ لا سمح الله ـ من علماء السوء الذين يتأذى أهل النار برائحتهم.

أولئك الذين وجدوه وعشقوه ليس لهم دافع سواه.. وبهذا الدافع أصبحت كل أعمالهم إلهية ـ الحرب، والصلح، والضرب بالسيف، والكرّ،.... وكل ما تتصورين..

 

(ضربة عليّ في يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين)، لولا الدافع الإلهي لما كانت تعادل فلساً حتى إذا كانت سبباً لفتح كبير..

لا يُظن أنّ مقام الأولياء خصوصاً ولي الله الأعظم عليه وعلى أولاده الصلوات والسلام ينتهي هنا..

وأكثر شيء إثارة للقلوب مناجاة أئمة المسلمين وأدعيتهم الذين هم قادة إلى المقصود. يرشدون ويأخذون بيد طالب الحق ويأخذونه إليهم.

للأسف، ومائة أسف أننا هجرناهم وابتعدنا عنهم فراسخ.

ابنتي:

اسعي ـ إذا لم تكوني من أهله ولم تصبحي ـ أن لا تنكري مقامات العارفين والصالحين ولا تعتبري أن معاندتهم من الواجبات الدينية.

الكثير مما قالوه موجود في القرآن الكريم بشكل سري ومغلق.

وقد ورد في أدعية أهل العصمة ومناجاتهم أكثر وضوحاً..

ولأننا نحن الجاهلين محرومون منها (المقامات) فإننا نبادر إلى معارضتها..

أريد أن لا تنكري أصل المعنى والمعنوية..

تلك المعنوية التي ورد ذكرها في الكتاب والسنة، والمخالفون تجاهلوها أو تجاهلوهما أو أوّلوها بطريقة شعبية.

وأنا أوصيك أنّ الخطوة الأولى ـ الخروج من حجاب الإنكار ـ ليست كمالاً، إلا أنها تفتح الطريق نحو الكمال.

كما أنّ اليقظة التي تعتبر في منازل السالكين المنزل الأول لا يمكن حسابها من المنازل، بل هي مقدمة وفتح للطريق إلى سائر المنازل..

على كل حال لا يمكن مع روح الإنكار الاهتداء إلى طريق المعرفة.

أولئك الذين ينكرون مقامات العرافين ومنازل السالكين ـ لأنهم أنانيون مغرورون ـ فكل ما لا يعرفونه لا يحملونه على جهلهم(لا يقولون قد يكون صحيحاً ولكنّا نجهله) فينكرونه حتى لا تخدش أنانيتهم، ويخدش عُجبهم (بأنفسهم).

((أمّ الأصنام، صنم نفسك)) وما لم تتم إزالة هذا الصنم والشيطان القوي من الطريق فلا سبيل إليه جلّ وعلا..

ابنتي:

في الطريق آفات كثيرة.. لكل عضو ظاهر وباطن منا آفات، ولكل واحدة حجاب.. إذا لم نتخطّه ونتجاوزه فلن نصل إلى أول خطوة من السلوك إلى الله.

إني أنا المبتلى، وجسمي وروحي ألعوبة الشيطان ـ أشير إلى بعض آفات هذه العضو الصغير، هذا اللسان الأحمر الذي يطيح بالرأس النضر ويجعله ألعوبة للشيطان وأداةً فيفسد الروح والفؤاد..

لا تغفلي عن العدو الكبير للإنسانية والمعنوية هذا..

أحياناً عندما تكونين في جلسات أنس مع صديقاتك احسبي مهما استطعت الأخطاء الكبيرة لهذا العضو الصغير.

وانظري مذا يفعل في ساعة من عمرك كان ينبغي أن تنفقيها للحصول على رضا الحبيب!.

وأية مصائب يسبب. إحدى هذه المصائب غيبة الأخوة والأخوات..

انظري بماء وجه أي أشخاص تلعبين، وأية أسرار للمسلمين تفرغينها في هذا المجلس. وأية حيثيات تخدشين وأية شخصيات تحطمين..

عندها خذي هذه الجلسة مقياساً ولاحظي ماذا فعلت خلال سنة سرتها على هذا المنوال..

وفي الخمسين أو الستين سنة القادمة مذا ستفعلين.. وأية مصائب ستتسببين بها لنفسك ـ ومع هذه تعتبرين ذلك صغيراً.

وهذا الاستصغار نفسه من حيل إبليس..

حفظنا اله جميعاً منه بلطفه.

ابنتي:

نظرةً قصيرة إلى ما ورد في غيبة المؤمنين وأذاهم والبحث عن عيوبهم وكشف سرهم واتهامهم تجعل القلوب التي لم تُختم بختم الشيطان ترتجف وتجعل الحياة للإنسان علقماً..

وها أنذا ولعلاقتي بك وبأحمد أوصيك باجتناب الآفات الشيطانية خصوصاً الآفات الكثيرة للسان، واهتمي بحفظه.

طبعاً في البداية سيكون ذلك صعباً نوعاً ما لكنه بالعزم والإرادة والتفكير في عواقبه يصبح سهلاً..

اعتبري من العبارة المعبّرة جداً للقرآن الكريم حيث يقول:{ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ}.

لعلّها إخبارعن صورة العمل البرزخية.

ولعل الحديث المنقول عن حضرة سيد الموحدين في مواعظه الكثيرة التي وعظ بها نوف البكالي إشارة إلى هذا الأمر بحسب أحد الاحتمالات..

وفي ذلك الحديث طلب من المولى موعظة فقال له: ((اجتنب الغيبة فإنها أدام كلاب النار)) ثم قال: ((يا نوف كذب من زعم أنه وُلِد من حلال وهو يأكل لحوم الناس بالغيبة)).

ونقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله ((وهل يكبّ الناس في النار يوم القيامة إلا حصائد ألسنتهم)).

من هذا الحديث ومن الأحاديث التي ليست قليلة يُستفاد أنّ جهنم هي الصورة الباطنية لأعمالنا.

لا تكتفي بهذه الاصطلاحات التي هي الفخ الكبير لإبليس وكوني بصدد البحث عنه جل وعلا..

أيام الشباب وأنسها وملذاتها سريعة الزوال.. وأنا قد طويت جميع مراحلها وأصارع الآن عذابها الجهنمي .

وأنتِ يا بنيتي لا تغتّري بالرحمة فتغفلي عن المحبوب ولا تيأسي فتخسري الدنيا والآخرة.

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

رد واحد على “وصايا الإمام للشباب؛ وصايا اخلاقية ومعنوية مقتطفة من الوصايا العرفانية”

  1. فاضل قال:

    رحمك الله

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©