الأحد ٢٦ / فبراير / ٢٠١٧
الفكر السياسي » مـــقــالات »

الثورة الإسلامية وضرورة تلاحم الزعامتين في ايران

13 فبراير 2017 | في الفئة: مـــقــالات | لا توجد تعليقات | الزیارات: 634

الثورة الإسلامية وضرورة تلاحم الزعامتين في ايران

ما كان لإيران أن تستعيد هيبتها وشأنها التاريخي والحضاري وموقعها الإستراتيجي إلا بعد أن قرر ملوكها أن يقفوا عند باب العلماء فيطلبوا منهم العون والمشورة، في مقابل أن يكون الملوك الحمى والسند للعلماء.

كان ذلك في بداية تأسيس الدولة الصفوية (مطلع القرن السادس عشر الميلادي) يوم طلب الشاه إسماعيل الأول الصفوي من علماء جبل عامل أن ينتقلوا إلى إيران لينشروا التشيع فيها و يكونوا بمثابة المستشار للسلطة، مقابل أن يعلن الملك التشيع مذهبا رسميا للبلاد ويكون الحامي لهم، ولينهوا بذلك حقبة مريرة من الاضطهاد والتضييق والتشريد والقتل، راح ضحيتها علماء ومراجع عظام أمثال الشهيد الأول والشهيد الثاني، على يد سلاطين الدولة العثمانية وعمّالها

ومنذ هجرة بعض علماء جبل عامل إلى إيران أمثال "المحقق الكركي" و"الشيخ بهاء الدين العاملي" وغيرهما، واستجابتهم للعمل في دائرة السلطة، دخلت إيران مرحلة إستعادت بها وحدة أراضيها و سيادتها وهيبة حضارتها، وفرضت سطوتها على القوى المحيطة بها كقوة ضاربة على الصعيد العسكري والإقتصادي، ولها هويتها المرموقة والمتألقة في مجال العلم و الأدب والعمارة، مرغمة بذلك أعداءها ومنافسيها بالرضوخ لهذا الواقع حربا تارة وسلما تارة أخرى.

ولما كان لعالم الدين الشيعي إستقلاله المقدس الذي لا يمكن أن يخترقه لا ملك ولا سلطان ولا رئيس دولة، مهما علا شأنه ونما سلطانه وزاد بطشه، لم يغب عن ذهن الملك الإيراني منذ العهد الصفوي وفي كل العهود الملكية التي تلته، أن يحمل هاجس الخوف من تمدد سطوة شخصية عالم الدين الشيعي على قلوب الإيرانيين، كمرجع ديني يعود إليه الناس في كل شؤون الدين والدنيا، وكنائب عن الإمام المعصوم في زمن الغيبة. ومع مرور الزمن أذعن الملوك الذين تعاقبوا على حكم إيران بعد الحقبة الصفوية لهذا الواقع، ودئبوا على حفظ هذا التوازن : كلما كان البلاط أكثر قربا من المؤسسة الدينية والمرجع في النجف أو في قم، كلما كسب الشاه شرعية أكثر لسلطانه، و زاد إطمئنانا لديمومة ملكه وإنقادت الرعية أكثر لحكمه، وكان أكثر قوة بوجه عدوه . تلك كانت معادلة الحكم في إيران، وقد فهمها العدو قبل الصديق، لذا لم يدخر (العدو) جهدا و لا دهاء في إيجاد الخلل فيها.

 

في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي و في السنوات الأولى من بدأ حكم السلالة القاجارية، وعندما كان لإيران حدود ممتدة وطويلة مع أكبر وأغنى مستعمرة بريطانية (الهند)، كان يرى البريطانيون أن لا أمان لمستعمرتهم العظمى إلا بمنع الإيرانيين من العودة إلى قوتهم وجبروتهم في العهد الصفوي، لذا ركزوا كل قواهم على تحقيق هدفين؛

أولا: إفساد الملك إذ لا يهنئ له عيش إلا في "حرم سرا" وفي رحلاته السياحية إلى أوربا المدفوعة الثمن من خلال الامتيازات التي كانت تُعطى إما لشركة أو لرجل أعمال بريطاني أو روسي ، وإبعاد مؤسسة الحكم في ايران عن المؤسسة الدينية والمرجع الشيعي في النجف الأشرف، من خلال تغلغل رجالات السياسة الذين لا قبلة لهم إلا السفارات الأجنبية والمنضوين في غالبهم إلى المحافل الماسونية.

ثانيا: ضعضعة إيمان الناس وتمسكهم بالدين، من خلال نشر الأفكار التنويرية تحت شعارات براقة من جانب، ومن جانب آخر دعم انتشار المذاهب الطارئة والمنسلخة عن الإسلام كالبابية والبهائية، التي كاد الوزير الأعظم القاجاري أن يقتل مدعي نبوتها لو لا لجوئه الى السفارة الروسية ومن ثم احتضانه من قبل البريطانيين ونمو دينه في أحضانهم!

وبينما كانت إيران تكابد تخبط ملوكها القاجاريين، ونهب ثرواتها من قبل المستعمر البريطاني والروسي، والجوع الضارب في أغلب طبقات المجتمع، كان الملاذ الأول للشعب الإيراني وبعض زعاماته الوطنية هم علماء الدين و الفقهاء ، فبفتواهم واجهت إيران روسيا القيصرية في حربين طاحنتين استمرتا ١٢ عاما، وبتحفيز الفقهاء خرج الإيرانيون المكبلون بالفقر وظلم الملوك لمواجهة أيادي بريطانيا في هرات، وبفتوى المراجع قاطعوا البضائع الأجنبية وأفشلوا امتياز التنباك عام ١٨٩١م، وبزعامة علماء الدين وحضورهم المباشر وفتاوى المراجع انتفضوا في الثورة المشروطة الدستورية وأسسوا البرلمان، وغيرها من الثورات والنهضات التي شكلت منعطفا في التأريخ السياسي الإيراني. لكن في كل ثورات التغيير والإصلاح تلك، كانت تُجنى الثمار منقوصة فاسدة، لا تتناسب ومستوى التضحيات، وذلك بسبب فساد الطبقة السياسية وانقيادها إلى أجندات أجنبية أو ضعفها وانجرارها خلف تآمر أيادٍ عميلة .

في مطلع القرن العشرين بدأ الشعب الإيراني حراكه الثوري المتطلع إلى تغيير نظام السلطة، لاستعادة استقلاله وسيادته على ثروات أرضه الغنية. لكن توغل بعض رجالات السياسة المدعومة من قبل سفارات الدول الاستعمارية، أو سقوط بعض الزعامات السياسية في فخ أنغلو أمريكي، كان ينتهي بانحراف بوصلة الثورة ووضع ثمارها في سلة المستعمر.

 

في عام ١٩٠١م إنطلقت الثورة الدستورية بقيادة علماء الدي

ن أمثال "الشيخ فضل الله النوري" و"السيد محمد الطباطبائي" و غيرهما ودعم المرجعية الدينية في النجف الأشرف، لتشكيل برلمان ينهي استبداد الملك ويجعل القرار السياسي في البلاد مشروطا بموافقة البرلمان ومطابقته للشريعة الإسلامية ، لكن المحصلة كانت هي تشكيل برلمان يضم أغلبية ماسونية تخضع لإملاءات أجنبية، صادقت على دستور كان بمثابة ترجمة للدستور البريطاني والبلجيكي وأعدمت شيخ الثورة الأول (فضل الله النوري).

في عام ١٩٥٠م عندما قرر الإيرانيون تأميم ثروتهم النفطية وإخراجها من سطوة الاستغلال البريطاني، كانت النهضة تتزعمها زعامتين منفصلتين في الرؤية والمبدأ، متفقتين في الآليات والهدف، الأولى تجسدت في زعامة "الدكتور مصدق" السياسي المحنك وزعيم التيار القومي الإيراني، وزعامة ثانية تجسدت في شخصية "آية الله السيد أبو القاسم الكاشاني" الفقيه الذي قارع الاستعمار البريطاني منذ شبابه في العراق وفي ثورة العشرين. بذل الزعيمان كل ما لهما من ثقل سياسي وديني لتحريك الشارع وتحشيد الطبقة السياسية والدينية، فنجحا في استصدار قانون تأميم النفط ومصادقة البرلمان الإيراني عليه. لكن المحصلة كانت سقوط حكومة "مصدق" من خلال انقلاب عسكري خطط له ودعمه الأمريكان في لحظة حاسمة ظن فيها "مصدق" أنه يستطيع الإتكاء على الأمريكان الذين كانوا في تنافس محموم مع البريطانيين للهيمنة على إيران، أما النفط فوضع في سلة مجموعة شركات أمريكية وبريطانية وفرنسية تدفع لإيران ٥٠ بالمائة من عائدات النفط فقط .

في عام ١٩٦١م كان الشعب الإيراني على موعد مع ظهور قيادة جديدة تبلورت فيها كل التجربة التأريخية التي مرت بها إيران في كفاحها لإسترداد حريتها و استقلالها. قيادة إجتمعت فيها كل مقومات الزعامتين الدينية و السياسية. إنه سماحة الإمام "روح الله الموسوي الخميني" ، رجل عاش مؤامرة تسليم العرش الإيراني إلى السلالة البهلوية في شبابه (عام ١٩٢٥م) فشهد بكل وجوده كيف حشدت بريطانيا كل قواها ورجالاتها داخل إيران لإقامة حكم عسكري ديكتاتوري يُغرب الإيرانيين ويُبدل دينهم ويُنهي تمسكهم بالإسلام، وكانت من أهم إنجازاته قتل علماء الدين وعلى رأسهم "آية الله السيد حسن مدرس" الفقيه الشهيد الذي كانت كلمته الشهيرة :"سياستنا من صلب ديانتنا وديانتنا هي ذات سياستنا" راسخة في قاموس الإمام الخميني السياسي. كما عاش تأسيس الحوزة العلمية في مدينة قم وشهد عن كثب معاناة أستاذه المؤسس (آية الله عبد الكريم الحائري) وحكمته في إدارة الحوزة العلمية لحفظها من بطش الملك البهلوي الأول (رضا خان) ، وفي عهد الملك البهلوي الثاني (محمد رضا) لامس الامام الخميني (رحمة الله عليه) مدى تبعيت الملك الشاب لبريطانيا ومن ثم أمريكا، والإنحدار الثقافي والاجتماعي الذي يسوق إيران نحوه . فواكب كفاح آية الله السيد الكاشاني، وكانت له لقاءات أسبوعية معه حتى عده الكاشاني، القائد والمرجع الجامع للشرائط، يوم سأله الناس بعد وفاة المرجع البروجردي (رحمة الله عليه): الى من نعود .

عُرف الإمام الخميني ومنذ اليوم الأول لتصديه للمرجعية الدينية، بدخوله المباشر في المعترك السياسي وتصديه للشؤون السياسية ضمن سياق دروسه الحوزوية، لذا فهو كان بالمرصاد لأي إنحراف ولأي سياسة خاطئة تصدر من نظام الشاه، وقد كانت بياناته وخطاباته هي الفيصل في تحديد التكليف الشرعي والسياسي للجماهير في إيران، دون أي تشويش يكترث به من شخصية أو زعامة سياسية أو دينية أخرى ، هذا إلى جانب توضيحه الدائم لنظرية ولاية الفقيه في دروسه التي قدمها لطلابه في حوزتي النجف الأشرف وقم المقدسة، وكتابه "كشف الأسرار" الذي كان يتداوله الشباب المثقف منذ أربعينيات القرن الماضي، كل هذا جعل من الإمام الخميني (رحمة الله عليه) مرجعا دينيا وزعيما سياسيا، تعمل الجماهير بما يطابق قراره السياسي، بواعز الإيمان والأداء للتكليف الديني والشرعي لها . ولهذا كانت للإمام سطوة على قلوب وضمير الجماهير في إيران وتأثير في تحريكها، ظل باقيا حتى بعد مرور ١٤ عاما على نفيه من البلاد على يد نظام الشاه، ففي عام ١٩٧٨م إرتكب الشاه خطأه الذي أتى على حكمه، إذ أوعز بكتابة مقال ينال فيه من شخصية الإمام ، فما أن نُشر المقال في الصحافة الإيرانية حتى خرجت الحشود الغاضبة في أكبر المدن الإيرانية لتعم البلاد ثورة تهتف بموت الشاه وإسقاط نظامه ، ثورة شملت الشعب الإيراني بكل أطيافه ومشاربه وإنتماءاته، بزعامة موحدة تمسك بزمام القيادة من جميع أبعادها، فحققت نصرا عام ١٩٧٩م أبهر العالم، وعجزت عن منعه أمريكا وبريطانيا بكل ما لهما من مؤسسات أمنية وإستخبارية .

وبفضل تلك القيادة تخطت إيران بعد إنتصار الثورة الإسلامية أزمات تكفي كل واحدة منها لإسقاط حكم عتيد، فضلا عن ثورة طرية ونظام حكم فتي .

واليوم؛ و بعد مرور 38 عام على الانتصار، يُعتبر القائد والمرشد في إيران هو الولي الفقيه ، وصمام أمانها من كل أزمة، والحافظ لها جمهوريتها وإسلاميتها في آن ، ولتكون الجمه

ورية الإسلامية الإيرانية من أقوى دول العالم، وأسرع بلدان المنطقة حركة نحو النمو والتطور العلمي والصناعي، لا يشوب حريتها وإستقلالها شائبة شرقية أو غربية . حقيقة يعترف بها العدو قبل الصديق .

بقلم: الإعلامي ليث جعفر

حصة هذه المادة:

اخبار ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخبار و مقالات مختارة
اصدارات جديدة
الولاية الثقافية
صحيفة الامام الخمينی
فهرس الخطابات
مکتبة الفيديو
الواتس آب

أعلى الصفحة

جميع الحقوق محفوظة لدار الولایة للثقافة والإعلام ©