العلم أهم أداة للتقدم والاقتدار الوطني، يجب اعتبار هذا الشيء من المسلمات، فهذا هو الواقع حقاً. العلم بالنسبة لشعب من الشعوب أهم أدوات تحقيق السمعة الحسنة والتقدم والاقتدار. والجامعة أهم مركز لإعداد مدراء البلاد في المستقبل. طيب، وأيّ شيء أهم من هذا؟ إنكم تعدّون مدراء البلاد المستقبليين. إذا أعددتموهم بشكل جيد - وهذا ما هو الحاصل إن شاء الله - فسيدار مستقبل البلاد بصورة جيدة، وإذا لم نستطع إدارتهم بشكل جيد وقصّرنا في ذلك فسيتأثر مستقبل البلاد طبعاً بهذا التقصير. هذه هي أهمية الجامعات. طبعاً الجامعة بشكلها الحالي ظاهرة غربية - هذا ما نعلمه جميعاً - لكن الجامعة بمعنى مخرّجة النوابغ والنخبة ليست غربية بأيّ حال من الأحوال، ولها في بلادنا سابقة ألف سنة. نعم، لقد وفدت من الغرب بشكلها الحالي هذا، لكن هذا البلد كانت له مدارس خرّجت أمثال ابن سينا، والفارابي، ومحمد بن زكريا الرازي، والخوارزمي، في نفس هذا البلد. هذه الأسماء التي نذكرها هي الأسماء المشهورة، وهناك الآلاف من الأسماء غير المعروفة من أطباء ومهندسين ومخترعين وأدباء وفلاسفة وعرفاء تربّوا وتخرّجوا كلهم في هذه الأرض.

أروي عبارة عن جورج سارتون، فحينما يقول الآخرون الشيء يكون أقرب للتصديق منه عندما نقوله نحن! لهذا السبب أقول ذلك، وإلا ليس من عادتي أن أروي كلام هذا وذاك من الأجانب والغربيين. لكن جورج سارتون هذا - الذي كتب تاريخ العلم، وهو كتاب معروف، وقد ترجم وطبع، وربما شاهده الجميع - يقول: إن للعلماء الإيرانيين أكبر نصيب ودور في هذه الحضارة، وإذا حذفنا آثار العلماء الإيرانيين من هذه المجموعة، نكون قد حذفنا أجمل جانب منها. إنه مؤرخ علم. وهناك كلمة أخرى - وأروي هذه الكلمة عن ذاكرتي، فقد شاهدتها منذ أمد بعيد، ولا أستطيع التدقيق في كلماتها - لبيير روسو الذي كتب هو الآخر تاريخاً للعلم، وترجم كتابه هو أيضاً إلى الفارسية منذ سنين طويلة، وهو متوفر لدى الجميع. شاهدتُ هذا الكتاب منذ سنين، وأردتُ أن أراجعه وأطلع على قوله مرة أخرى فلم أجد الفرصة في الحقيقة، لكنني سجلتُ المصدر. أتذكّر أنني سجلتُ المصدر في مكان ما وأين قال كلمته هذه، في كتاب «تاريخ العلوم» هذا. يروي حوار تاجر أوربي - إيطالي أو فرنسي مثلاً - مع شخص ذي خبرة علمية في ذلك الزمن، في زمن القرون الوسطى. يستشيره فيقول له إنني أريد أن أضع إبني في مدرسة ليدرس فيها ويكون عالماً، فأيّ البلاد أختار له وفي أيّ الجامعات أضعه؟ فيجيبه ذلك الشخص الخبير بأنك إذا كنت قانعاً بالعمليات الأربع الأصلية في الرياضيات وتريد لإبنك أن يتعلم العمليات الرياضية الأربع الأصلية فلن يختلف الأمر بالنسبة لك وتستطيع أن تضعه في أيّ مدرسة تريدها من هذه المدارس الأوربية، ولكن إذا أردت أكثر من هذا فيجب أن تذهب للأندلس. وقد كانت الأندلس يومذاك بيد المسلمين. هذا هو تاريخ العلم في الإسلام. تلك الشهادة الأولى كانت تتعلق بإيران، وهذه تختصّ بالإسلام. أيْ إن لنا مثل هذا التاريخ والتراث، سواء في البيئة الإسلامية أو في البيئة الإيرانية. وأشير طبعاً - ولا يحمل قولي هذا على الروح القومية أو الوطنية - إلى إن إيران هي قمّة إنتاج الفكر والعلم بين البلدان الإسلامية، أي لا يوجد أي مكان آخر فيه العديد من الشخصيات الكبيرة، شخصيات مثل الكندي وهو واحد بين الفلاسفة، أما في إيران فالشخصيات من هذا القبيل متعددة. بمعنى أننا إذا تحدثنا عن تاريخ العلوم الإسلامية فستكون إيران هي القمّة أيضاً. هذا هو تراثنا وماضينا وتاريخنا...