نور روح الله: اقتدوا بعدالة علي عليه السلام

2016-04-04
0
1777

نتحدّث في هذا اليوم عن حكومة أمير المؤمنين عليّ عليه السلام التي علينا أن نأخذ وضعها بنظر الاعتبار، وعلينا أن نأخذ سيرة هذا العظيم بنظر الاعتبار أيضاً. طبيعيّ أن لا تكون لنا قدرة على عمل شخصٍ كأمير المؤمنين عليه السلام، حيث يروى أنّه كتب إلى كاتبه عبيد الله بن أبي رافع: "... وأطِلْ جِلْفَةَ قَلَمِكَ(1)، وفرِّجْ بَيْنَ السُّطُورِ، وقرْمِطْ (2) بَيْنَ الحُرُوفِ"(3)، وهذا أمر صادر للجميع، لكلّ الأشخاص الذين لهم يدٌ في بيت المال. يُصدره الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، في أيام حكومته بهدَف الاقتصاد.

 

* الشمعة.. من بيت المال

 كان عليه السلام يتضايق من كتابة خمسة أسطر في الصفحة التي يمكن كتابة عشرة أسطر فيها، و[يطلب] أن يكون القلم الذي كان يُستعمل فيه الحبر دقيق الرأس كيلا يَصرف الكثير من الحبر، وأن لا تُكتب الحروف والكلمات بشكل غير طبيعيّ كي يقتصد في الأوراق. كما نقل عنه عليه السلام أنّه كان يراجع حسابات بيت المال وقد أضاء شمعة يستنير بها، فدخل عليه شخص ليتحدّث إليه فيما لا علاقة له ببيت المال، فأطفأ عليه السلام الشمعة، وقال: إنّها من بيت المال وحديثك خارج عنه.

ما هو واجب الحكومة تجاه بيت مال المسلمين؟ المسألة ليست مسألة عهد حكومة أمير المؤمنين عليه السلام، إنّه أمر يجري على مدى التاريخ، بالنسبة إلى الأشخاص الذين يتكفّلون إدارة الحكومة بأن لا يتصرّفوا ما أمكنهم ذلك في بيت المال. فدرهمٌ واحدٌ يستوجب الحساب هناك. يجب علينا أن نُعِدَّ جواباً، أمام الله تعالى، عن الأعمال التي نقوم بها والتصرّفات التي نقترفها في بيت المال، فالإسراف له عقوبة والاعتدال فيه ثواب.

 

* الحدُّ من إنفاق بيت المال

 على الحكومات الإسلامية أن لا تصرف من بيت مال المسلمين على إجلالها وجبروتها، بل عليها أن تصرفه فيما ينفع المسلمين. والوزارات حين ترى أن الموظفين مسلمون، وأنّهم يتسلّمون رواتبهم، ويرتزقون من بيت مال المسلمين، وأن الإدارة هي إدارة بيت مال المسلمين، خاصّة في تلك المسائل التي أمر الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام بملاحظتها، فعليهم أن لا يستصغروا مسألة بيت مال المسلمين وتعليمات الإسلام إلى الحدّ الضروريّ. وعندما يكون شخص رئيساً لبلاد ممتدّة الأطراف، فإنّ أهواءه ستمتدّ وتزداد ولا يقنع بما عنده، فلا حدود لرغباته وأهوائه. فطموح الإنسان لا حدّ له في كلّ شيء. فلا تظنّوا أن إنساناً يعيش في مكان ويجد مكاناً آخر أفضل منه سيرتاح، بل هذا بداية امتداد رغبته في الحصول على مرتبة أعلى ومكان أفضل.

 

* الأهواء النفسيّة منشأ جميع المفاسد

 إنّ الأعمال التي نؤدّيها لا تنقضي، فهي ثابتة في سجلّات الله، فما نعمل من خير مردُّه علينا وما نعمل من سوء فمردُّه علينا. كلّ شيء من عند أنفسنا وعَودُه علينا، وهذا هو ردُّ الفعل.

على الجميع أن يعلموا أنّ آفَة الإنسان هي هوى النفس الموجود لدى الجميع، وهو مستمدٌّ من فطرة التوحيد التي هي فطرة طلب الكمال. فالإنسان يطلب الكمال المطلق من حيث لا يدري. إنّه يطلب منصباً وعندما يحصل عليه يرى أنّه ليس هو مطلوبه. فلو جُمع العالم كلّه وأُودع بيد الإنسان فلن يقنع به. إنّكم تلاحظون أنّ الجبابرة الذين يتمتّعون بقدرات كبيرة يسعون إلى بسط نفوذهم وازدياد قدرتهم أكثر، فأكثر. ولا يقنعون بالتسلّط على الفضاء، والأرض، والبحار وحتّى السماء. فإن لم يستطع الإنسان أن يحدّ من أهوائه ورغباته فإنّ هذا الجموح الذي لا تحدّه حدود سيؤدّي به إلى الفناء. فيجب الحدّ من هذا الجموح وتجب السيطرة على النفس في كلّ الأمور.

 

* مصلحة الإسلام فوق كلّ اعتبار

 على الإنسان أن يلاحظ مصلحةَ الإسلام في الأمور كلّها. وعلى المسؤولين أن يأخذوا ما فيه مصلحة الإسلام، والشعب المسلم، بنظر الاعتبار، ويحدّوا من أهواء أنفسهم التي هي منبع الفساد كلّه. فقلب الإنسان يطلب القدرة المطلقة، يعني قدرة الله، ويريد أن يفنى فيها، وهذه لا حدود لها. ولسنا نفهمها لأننا غير مطّلعين عليها. ولذلك نظنّ أننا نريد هذه الأشياء. وأكثر أنواع العذاب التي يعاني منها الإنسان هو أنّه لا يدري ما يريد. فهذه الأيام المعدودة زائلة، وهذه الرئاسات زائلة، وإنَّ ما يبقى هو عَمَلُنا وموقفُنا في محضَر القدس الإلهيّ. فإن أصلحنا موقفنا هذا، فقد أصلحنا كلّ شيء.

 

* الصراط أحدّ من السيف

 وفّق الله الجميع لسلوك الطريق الإلهيّ المستقيم والتقدّم فيه، هذا الصراط الذي هو كما في الروايات (أدقّ من الشعرة وأحدّ من السيف وأشدّ سواداً من الليل المظلم)، وفي بعض الروايات أنه (ممدود على متن جهنّم)؛ أي أنّه يعبر من داخل النار والنار محيطة به وليست مواجهة له، لاحظوا أنه يجب العبور من هناك، أمّا في الدنيا فالصراط من هنا وإلى ما لا نهاية، وهذه الصورة تعرض في ذلك العالم بهذا الشكل.

 

* ربّوا الشباب على التقوى

 كونوا مستقيمين في هذا الطريق الذي تسلكونه، وليكن صراطاً مستقيماً لا شرقيّاً ولا غربيّاً. ربّوا الشبّان على أن يكونوا مستقيمين وربّانيّين.

إنّ أكبر رأس مال هو التقوى التي حثّ عليها القرآن والحديث، وأكّد على وجوب كون الإنسان مُتَّقياً، ويراقب نفسه كي لا يَظلم الناس بلسانه أو بعينه أو بأذنه.

طبّقوا العدالة، ولا تطلبوها من الآخرين فقط، بل طبّقوها أنتم، لتكن عندكم عدالة في الأفعال والأقوال. قَلّلوا من المراسيم وكونوا خُدّاماً للناس.

أسأل الله أن يوفّقنا وإيّاكم وجميع المسؤولين لنكون خدّاماً للشعب، ويوفّق الجميع لكسب رضاه في هذا العالم وأن تكون حدود تحرّكاتهم إسلاميّة وإلهيّة.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) من خطاب للإمام الخميني قدس سره في عيد الغدير 18 ذو الحجّة 1405 (هـ.ق) في حسينيّة جمران -طهران.

1- جلفة القلم: رأسه الذي يكتب به، فإنّ إطالتها تدرُّج الحبر إلى الورق، فلا يسيل الحبر مرّة واحدة.

2- قَرمِط: ضَيِّق.

3- نهج البلاغة، الحكمة (315).

المصدر: مجلة بقية الله


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق