«دروس في الحكومة الإسلامية»؛ الدرس الخامس عشر الأحاديث المأثورة عن المعصومين عليهم السلام في موضوع البيعة

2016-04-17
0
530

وبعد ذلك تصل النوبة إلى البحث عن الروايات الأخر الواردة في موضوع البيعة.

أما روايات البيعة فعديدة، ومقصودنا الأصيل من ذكر الروايات تحقيق أنها هل فيها دلالة على اشتراط فعلية ولاية المعصومين عليهم السلام بالبيعة؟ أو على اشتراط وجوب الإطاعة عنهم بالبيعة حتى تكون مخالفة لإطلاق الأدلة الكثيرة الماضية بل ولدلالة بعض الأدلة بالصراحة أم لا؟

ويتبع هذا المقصود أمران آخران، أحدهما: أنه إذا بايع المكلف أحداً ممن له ولاية الأمر حقاً فهل هذه المبايعة أيضاً توجب عليه وجوب الوفاء ووجوب طاعة هذا الولي بحيث كانت نفس البيعة موضوعاً تاماً لوجوب الإطاعة أم أنها أمر لا أثر له شرعاً؟ وثانيهما: أنه هل الإقدام بالمبايعة لمن هو وليّ الأمر واجب شرعاً أم لا؟

فالأمر الأول من هذين الأمرين: نتعرض له أيضاً ـ كما تعرّضنا له ذيل بعض الآيات الثلاث الماضية ـ وأما الأمر الثاني فبإذن الله تعالى سنتعرّض له بعد البحث عن تلك الأمور الثلاثة، فنقول: إن الروايات الباقية المتعرّضة للبيعة وإن كانت موجودة في مجاميعنا الحديثية إلا أن أكثر ما ظفرنا به فهو مذكور في نهج البلاغة ولاسيما في تمام نهج البلاغة المؤلف والمطبوع جديداً.

    فمن هذه الروايات قوله عليه السلام في الخطبة الشِقشِقيّة ـ وقد مضت ـ : فما راعني إلا والناس (إرسالاً) إليَّ كعُرف الضبُع ينثالون عليَّ من كل وجه وجانب (يسألوني البيعة) حتى لقد وُطئ الحسنان وشُقّ عِطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم، فلما نهضتُ بالأمر نكثت طائفة ومرقت أخرى (وفسقت شرذمة) وقسط آخرون، كأنهم لم يسمعوا كلامه سبحانه وتعالى يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، بلى والله لقد سمعوها ووعوها ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زِبرِجُها (وأعجبهم رونقها)[1].

فهذا القسم من كلامه عليه السلام إنما حكى ولوع الناس إلى بيعته عليه السلام على ولاية الأمر، ولا محالة على تعهّدهم لأن يجعلوه ولي أمرهم يطيعونه في كل ما يرجع إلى وليّ أمر الأمة. وأما أن هذه البيعة شرط شرعاً في فعلية الولاية له عليه السلام أو في وجوب طاعته على الناس فلا دلالة له على واحد منهما أصلاً.

نعم إن قوله عليه السلام في ذيلها: (فلما نهضتُ بالأمر نكثت طائفة... إلى آخره) يدل على أن نكث البيعة ونقضها قبيح ناشئ عن إرادة العلو والفساد في الأرض وعن حلي الدنيا وزبرجها في أعينهم ولا محالة يكون محرّماً، ولذلك قاتل الناكثين، فهذا القسم تام الدلالة على وجوب الوفاء بالبيعة وعدم جواز نقضها.

    ومنها قوله عليه السلام في خطبة له في أمر البيعة: أيها الناس إنكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي، وإنما الخيار للناس قبل أن يبايعوا، فإذا بايعوا فلا خيار لهم، وإن على الإمام الاستقامة وعلى الرعية التسليم، وهذه بيعة عامة من رغب عنها رغب عن دين الإسلام واتبع غير سبيل أهله، ولم تكن بيعتكم إيّاي فلتة وليس أمري وأمركم واحداً، إني أريدكم لله وأنتم تريدونني لأنفسكم[2].

فقوله عليه السلام: (... فإذا بايعوا فلا خيار لهم... وعلى الرعية التسليم وهذه بيعة عامة من رغب عنها رغب عن دين الله واتبع غير سبيل أهله) يدل دلالة واضحة على وجوب العمل بالبيعة وأن الإعراض عنها إعراض عن دين الإسلام واتباع لغير سبيل أهله، فلا محالة يكون العمل والوفاء بالبيعة لازماً والوفاء بالبيعة عبارة أخرى عن التسليم واتباع طاعة ولي الأمر الذي بايعه، فدلالة هذه الفقرة على وجوب الوفاء بالبيعة واضحة.

وأما إناطة وجوب طاعة الولي بالبيعة فربما يدّعى دلالة قوله عليه السلام: (وإنما الخيار للناس قبل أن يبايعوا فإذا بايعوا فلا خيار لهم) عليها، فإن ظاهر هذه الفقرة أنها في مقام تثبيت وجوب الطاعة على الناس، وقد صرح بأن للناس الخيار قبل المبايعة وأن المبايعة توجب عليهم التسليم وتنفي هذا الخيار عنهم.

بل حيث إن موضوع الكلام هو المبايعة على الولاية فيمكن أن يدّعى دلالته على أن للناس الخيار في المبايعة لمن يكون في مقام التصدي لولاية الأمر، وأن ولايته على الأمة أثر لهذه المبايعة، فإن بايعوه عليه ثبتت له الولاية وخرج الناس عن الخيار، وإن لم يبايعوه فلا فهم في الخيار بين أن يجعلوه ولي أمرهم وأن لا يجعلوه، فولايته تابعة لاختيار الناس له ولياً، ومن لم يختره ولياً فليس ولياً عليه، وهو عبارة أخرى عن اشتراط فعلية الولاية بالبيعة والاختيار.

والظاهر أن لهذا الاحتمال بل الاستظهار وجهاً، وستأتي عدة موارد قليلة أخرى يجيء فيها أيضاً هذا الاحتمال. ولكنه بعد دلالة الأدلة المتعددة الكثيرة السابقة من الآيات والروايات على أن ولاية أمير المؤمنين علي عليه السلام أمر سماوي إلهي أنزل إلى رسول الله من الرب المتعال وبمرتبة من الأهمية بحيث لو لم يبلغه فما بلغ رسالة الله وعلى أنه كرسول الله ولي المؤمنين وجعل ولايتهما بل وولاية سائر الأئمة المعصومين عليهم السلام عِدلاً لولاية الله تعالى ـ كما في آية الولاية ـ إلى غير ذلك مما مر، فلا محالة يكون مثل هذه الفقرة واردة لأحد الوجهين:

أحدهما: أن الوضعية والأرضية التي اعتقد الناس عليها ـ إلا للخلّص من الشيعة ـ أن الإمامة لا تتحقق إلا بالبيعة وأن الولاية حصيلة البيعة، فرعايةً ونظراً إلى هذه الأرضية تكلّم الإمام عليه السلام بهذه الفقرة والمقالة، وإن أراد أن يتكلم بالوجه الدقيق الواقعي لزمه أن يقوم قبال ما عليه عامة الناس وهو أمرٌ صعبٌ لا يحتاج إليه بالخصوص لإثبات المرام.

والشاهد لانعقاد هذه الأرضية ما روي عنه عليه السلام من عدّ ابتلائه ببدع وتخلفات دينية جرى عليها المتصدون للخلافة قبله عليه السلام وارتكز عليها وعلى صحتها أذهان الناس، ولذا قال فيه ما حاصله إني لو أردت إرجاع هذه الأمور إلى ما ينبغي أن تكون عليها لنادى الناس وطلبوا الخلفاء السابقة ولتفرّق الجند عني. فمثل هذه الأرضية تقتضي التكلم هنا معهم والاستدلال عليهم بهذه المقالة.

وثانيهما: أنه وإن لم يفرض هذه الأرضية إلا أن لإثبات وجوب إطاعتهم وقبولهم لولاية ولي الأمر الذي هو وجوده الشريف طريقين، طريقاً مبيناً على مقدمات برهانية واقعية، وطريقاً مقبولاً عليه بناء المخاطبين. والإمام عليه السلام اختار هنا الطريق الثاني، فيكون استدلاله استدلالاً كالجدل وبه يتم ويثبت مدّعاه، فاكتفى به وترك الطريق الآخر الذي ربما يحتاج إلى بعض مقدمات غير واضحة للمخاطب.

وليكن هذا على ذكرٍ منك حتى يجيء بيان أتم وأوضح في كلماتنا الآتية إن شاء الله تعالى.

    ومنها قوله عليه السلام في خطبة له قبل أيام من استشهاده: فأما حقكم عليَّ فالنصيحة لكم ما صحبتكم والعدل وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كي لا تجهلوا وتأديبكم كيما تعلموا، وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة والنصيحة في المشهد والمغيب والإجابة حين أدعوكم والطاعة حين آمركم...[3].

فقد جعل عليه السلام من حقه على الأمة الوفاء بالبيعة ومن لوازم الحق عند العقلاء أيضاً وجوب أدائه إلى صاحبه، فهذه الفقرة تامة الدلالة على وجوب الوفاء بالبيعة إذا كانت مع من هو حق للولاية.

وأما إناطة فعلية ولايته أو وجوب الإطاعة عنه إلى المبايعة له فلا دليل فيها عليها كما لا يخفى.

ثم إنه عليه السلام أوضح في كلامه هذا قبل هذه الفقرة بصفحتين سرّ ثبوت هذا الحق له فقال: أما بعد أيها الناس فقد جعل الله سبحانه لي عليكم حقاً بولايتي أمركم ومنزلتي التي أنزلني الله عز ذكره بها من بينكم، ولكم عليَّ من الحق مثل الذي لي عليكم، والحق أوسع الأشياء في التواصف وأضيقها في التناصف، وأن الحق لا يجري لأحد إلا جرى عليه ولا يجري عليه إلا جرى له...[4].

فدلّ بهذه الفقرات على أن كل ما له من الحق فقد جعله الله له بلحاظ ولايته أمر المسلمين وهذه المنزلة الإلهية التي أنزله الله تعالى بها، فالحق إلهي كالمنزلة التي هي ولايتهم لأمورهم.

    ومنها قوله عليه السلام في نفس هذه الخطبة أيضاً: يا معشر المهاجرين والأنصار وجماعة من سمع كلامي! أوَ ما أوجبتم لي على أنفسكم الطاعة؟ أما بايعتموني على الرغبة؟ ألم آخذ عليكم العهد بالقبول لقولي؟ أما كانت بيعتي لكم أوكد من بيعة أبي بكر وعمر؟ فما بال من خالفني لم ينقضّ عليهما حتى مضيا ونقض عليَّ ولم يف لي؟ أما تعلمون أنّ بيعتي تلزم الشاهد منكم والغائب؟ فما بال معاوية وأصحابه طاعنين في بيعتي؟ ولم لم يفوا بها لي وأنا في قرابتي وسابقتي وصهري أولى بالأمر ممن تقدّمني...[5].

فهذه الفقرات أيضاً كما ترى تدل بوضوح على لزوم الوفاء بالبيعة إذا كانت بيعة لمن يستحق الولاية، وهو عليه السلام يحتج بهذا اللازم البيّن عليهم، فهذا المدلول لها مسلّم إلا أنها لا دلالة لها على نفي وجوب الطاعة أو نفي الولاية عنه عليه السلام إذا لم يبايع له، بل الفقرة التالية لها بلا فصل ـ أعني قوله عليه السلام: (أما سمعتم قول رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الغدير في ولايتي وموالاتي؟!) ـ تدل على ثبوت هذه الولاية ووجوب الطاعة بقول الرسول صلى الله عليه وآله فيه الذي هو قوله الله تعالى وتبليغ لما أنزل عليه من ربه كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾.

وبالجملة: فدلالة هذه الفقرات على وجوب الوفاء بالبيعة واضحة وإن لم تدلّ على اشتراط الولاية أو وجوب الطاعة بها، بل ربما دلّت بقرينة الفقرة التالية على خلافه.

ومنها قوله عليه السلام لمروان بن الحكم لما أسر يوم الجمل واستشفع له الحسن والحسين عليهما السلام إلى أمير المؤمنين وكلّماه فيه، فاستجاب عليه السلام لهما، ثم قالا له: يبايعك يا أمير المؤمنين: فقال عليه السلام:

 (ألم يبايعني بعد قتل عثمان؟ لا حاجة لي في بيعته، إنها كفٌّ يهودية لو بايعني بكفه عشرين مرة لغدر بسُبَّته[6].

فقوله الأخير ظاهرٌ في أن ما يترتب على البيعة إنما هو الوفاء بها، وإن الوفاء بها لازم، إلا أن مرواناً غادر بإسته على خلاف ما يقتضيه بيعته بكفّه، فإذن فلا حاجة إلى بيعته.

فهذا الذيل دالّ على وجوب الوفاء بالبيعة إلا أنه لا دلالة فيه على اشتراط فعلية الولاية الإلهية ولا وجوب طاعة الوليّ الإلهي أصلاً.

روايات طلحة والزبير وما إليها:

    ومنها روايات متعددة نقلها عنه عليه السلام تمام نهج البلاغة أو نهج البلاغة أيضاً ناظرة إلى مسألة طلحة والزبير ونكثهما للبيعة وإلى حرب الجمل.

والأولى أن نلتفت أوّلاً إلى زمان وقوع هذه الحرب وعلتها وذكر ما فعل طلحة والزبير إلى أن انتهى إلى حرب الجمل، فنقول:

إن المحدّث الكبير المجلسي صاحب البحار قدس سره نقل في الباب الأول من تاريخ علي أمير المؤمنين من كتابه القيّم (بحار الأنوار) عن الكامل لابن الأثير (أن أمير المؤمنين عليه السلام بويع يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة)[7] إلا أن المستفاد مما نقله هو أيضاً عن ابن أبي الحديد في شرح النهج نقلاً عن أبي جعفر الإسكافي أن هذا اليوم هو يوم الجمعة السابق على هذه الجمعة؛ فإنه بعد نقل بيعة الناس بالولاية له عليه السلام قال: (ثم بويع وصعد في اليوم الثاني من يوم البيعة وهو يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقين من ذي الحجة فحمد الله وأثنى عليه... ثم ذكر خطبته[8]. فهما متفقان في الشهر مختلفان في يومها بأسبوع واحد.

وفيما نقله عن الكامل لابن الأثير: (وكان أول من بايعه عليه السلام من الناس طلحة ابن عبيد الله... فبايعه الزبير، وقال لهما عليّ عليه السلام: (إن أحببتما أن تبايعا لي وإن أحببتما بايعتكما، فقالا: بل نبايعك، وقالا بعد ذلك: إنما صنعنا ذلك خشية على أنفسنا وعرفنا أنه لا يبايعنا، وهربا إلى مكة بعد قتل عثمان بأربعة أشهر، وبايعه الناس (بعدما بايعه طلحة والزبير)[9] وسيأتي في كلامه عليه السلام أيضاً أن أول من بايعه طلحة والزبير.

أقول: فضمّ هذا الأخير إلى ما قاله أولاً من أن زمان البيعة له عليه السلام شهر ذي الحجة أن طلحة والزبير دخلا مكة في شهر ربيع الثاني من السنة الست والثلاثين.

وفي البحار عن كتاب العدد القوية تأليف عليّ بن سديد الدين العلامة يوسف بن علي بن مطهّر الحلّي أنه قال: في تاريخ المفيد: في النصف من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين من الهجرة كان فتح البصرة ونزول النصر من الله تعالى على أمير المؤمنين عليه السلام[10].

وهو قدس سره روى عن المناقب لابن شهر آشوب أنه نقل عن جمل أنساب الأشراف: أنه زحف علي عليه السلام بالناس غداة يوم الجمعة لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين على ميمنته الأشتر وسعد بن قيس ـ فذكر كيفية تركيب العسكر ـ[11]. وتاريخ جمادى الآخرة مذكور في كتاب له عليه السلام إلى أهل الكوفة سيأتي تحت الرقم 8، فبين النقلين خلاف في مدته بشهر لكنّهما متفقان في أنه كان في سنة ست وثلاثين.

وهو قدس سره روى عن إرشاد الشيخ المفيد قدس سره أنه عليه السلام قال في كلام له بذي قار: (نحن أهل البيت وعترة الرسول وأحق الخلق بسلطان الرسالة ومعدن الكرامة التي ابتدأ الله بها هذه الأمة، وهذا طلحة والزبير ليسا من أهل النبوة ولا من ذرية الرسول حين رأيا أن الله رد علينا حقنا بعد أعصر، لم يصبرا حولاً واحداً ولا شهراً كاملاً حتى وثبا على دأب الماضين قبلهما ليذهبا بحقي ويفرّقا جماعة المسلمين عني، ثم دعا عليه السلام عليهما[12].

فهذا المقال منه عليه السلام إنما يدل على أن فتنتهما كانت سنة ست وثلاثين.

ونقله أيضاً عن احتجاج الطبرسي أنه عليه السلام قاله في كلام ولم يذكر مكانه[13].

ونقل أيضاً فيه عن كتاب الكافية للشيخ المفيد قدس سره عن أبي مخنف... عن محمد بن بشير الهمداني أن أمير المؤمنين عليه السلام ذكر في كتاب له إلى أهل الكوفة في قصة حرب الجمل: أما بعد فإنا لقينا القوم الناكثين لبيعتنا والمفارقين لجماعتنا الباغين علنيا في أمتنا فحججناهم فحاكمناهم إلى الله فأدلّنا عليهم فقتل طلحة والزبير... إلى آخر الكتاب، وفي آخره: (كتب عبيد الله بن أبي رافع في رجب سنة ست وثلاثين)[14].

فمن ملاحظة هذه التواريخ يعلم زمن وقوع حرب الجمل ويعلم أنه كان بعد خمسة أو ستة أشهر من مبايعة الناس له عليه السلام وأن هذا الحرب أول حرب وقعت في زمان ولايته عليه السلام وأن طلحة والزبير أول من قاما في مقابله وأساءا الاستفادة من وجود عائشة زوجة الرسول صلى الله عليه وآله مع ما كانت عليه من سوء النظر والحقد لعلي أمير المؤمنين عليه السلام بعدما كانت مطّلعة بحسن سابقته الإسلامية وعلوّ مكانه عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وآله.

فبعد هذه التبصرة نذكر الروايات الواردة فيهما وفي حرب الجمل ونجتهد في أن نسردها بحسب ترتيب الزمان:

1/6 ـ فمنها قوله عليه السلام في كلام له رداً على زعم الزبير أنه بايع توريةً: يزعم أنه قد بايع بيده ولم يبايعه بقلبه، فقد أقر بالبيعة وادعى الوليجة فليأت عليها بأمر يعرف وإلا فليدخل فيما خرج منه[15].

فظاهر هذا الكلام أنه عليه السلام قاله في أوائل أمر الزبير حين ما كان يدّعي أنه لم يبايع الأمير عليه السلام فرد عليه السلام مقالته بأنه مقرّ بأصل البيعة لكنه يدعي خلاف ما ظاهرها، وظاهر البيعة الدالة على موافقة القلب معها حجة على هذا الوفاق فيثبت بيعته بقلبه أيضاً فعليه أن يدخل فيما تقتضيه البيعة الموافقة للقلب من إطاعة ولي أمره الذي بايعه.

فالحديث ظاهر في وجوب الوفاء بالبيعة وأما اشتراط وجوب طاعة ولي الأمر بها فربما يتخيل دلالة قوله عليه السلام: (فليأت عليها بأمر يعرف وإلا فليدخل فيما خرج منه) عليه، حيث اشترط وجوب الدخول في الإطاعة بأن لا يأتي على دعواه حجة مقبولة ومفهومه أنه إن أثبت عدم موافقة قلبه لا يجب عليه الطاعة وهو عين الاشتراط المذكور.

لكنه تخيّل ضعيف باطل، فإنه عليه السلام إنما يكون في مقام بيان أثر البيعة وأنه مشروط بموافقة القلب وأما الوجوب الآخر فلا تعرض لكلامه بالنسبة إليه، والمفروض أن وجوب طاعة الولي المستفاد من أدلّة الأمر بطاعته أو من كلامه من لوازم فعلية الولاية المطلقة وجوب آخر غير ناشٍ عن البيعة، فليس في كلامه (عليه السلام) هذا نفياً له ولا محالة يكون إطلاقات وجوب الإطاعة كأدلة فعلية الولاية باقية على مقتضاها.

2/6ـ ومنها قوله عليه السلام في كتاب له إلى طلحة والزبير وعائشة: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى طلحة والزبير وعائشة، سلام عليكم، أما بعد يا طلحة ويا زبير فقد علمتما وإن كتمتما أني لم أرد الناس حتى أرادوني ولم أبايعهم حتى بايعوني، وأنكما ممن أرادني وبايعني، وأن العامة لم تبايعني لسلطان غالب ولا لعرض حاضر، فإن كنتما بايعتماني طائعين فارجعا عما أنتما عليه وتوبا إلى الله عز وجل من قريب، وإن كنتما بايعتماني كارهين فقد جعلتما لي عليكما السبيل بإظهاركم الطاعة وإسراركم المعصية، ولعمري ما كنتما بأحق المهاجرين بالتقية والكتمان، إنك يا زبير لفارس رسول الله صلى الله عليه وآله وحواريه، وإنك يا طلحة لشيخ المهاجرين، وإن دفعكما هذا الأمر من قبل أن تدخلا فيه كان أوسع عليكما من خروجكما منه بعد إقراركما به، وقد عرفتما منزلتي من رسول الله صلى الله عليه وآله.

وقد زعمتما أني قتلت عثمان بن عفان فبيني وبينكما من تخلف عني وعنكما من أهل المدينة ثم يلزم كل امرئ بقدر ما احتمل.

وقد زعمتما أني آويت قتَلَة عثمان فهؤلاء بنو عثمان أولياؤه فليدخلوا في طاعتي ثم يخاصموا إلي قتَلة أبيهم، وما أنتما وعثمان إن كان قُتل ظالماً أو مظلوماً.

وقد بايعتماني وأنتما بين خصلتين قبيحتين: نكث بيعتكما وإخراجكما أمّكما من بيتها الذي أم الله تعالى أن تقرّ فيه، والله حسبكما. فارجعا أيها الشيخان عن رأيكما فإن الآن أعظم أمر كما العار من قبل أن يجتمع العار والنار[16].

وهذا المقال كما ترى يدل بوضوح على أن نكث البيعة ونقضها خصلة قبيحة يقتضي التداوم عليه وعدم التوبة من النار، فلا محالة هو معصية توجب دخول الجحيم، هذا بالنسبة إلى الفقرة الأخيرة، وقد آذن عليه السلام صدر كلامه بقوله: (فإن كنتما بايعتماني طائعين فارجعا عما أنتما إليه وتوبا إلى الله عز وجل من قريب) وهو يدل على أن التخلف عن مقتضى البيعة ذنب يجب التوبة عنه إلى الله تعالى.

فدلالة كلامه عليه السلام هذا على وجوب الوفاء بالبيعة وعلى أن نقضها معصية واضحة تامة.

وما اشتراط فعلية الولاية أو وجوب الإطاعة عن ولي الأمر الإلهي بالبيعة فلا دلالة فيه عليه إلا بزعم تحقق المفهوم لمثل قوله عليه السلام: (وإن دفعكما هذا الأمر من قبل أن تدخلا فيه كان أوسع عليكما من خروجكما منه بعد إقراركما به) بالبيان الذي في الحديث السابق الذي عرفت ضعفه، مضافاً إلى أن ترتيب الأوسعية على عدم الدخول فيه لا يقتضي نفي المعصية من رأس بل يصدق على مجرد عدم ترتيب معصية نقض البيعة وإن اشترك كلاهما في ترتب عقاب عدم إطاعة ولي الأمر عليهما.

3/6ـ ومنها قوله عليه السلام في خطبة خطب بها قبل حرب الجمل في تعليم أصحابه آداب الحرب: عباد الله، انهدّوا إلى هؤلاء القوم منشرحة صدوركم بقتالهم فإنهم نكثوا بيعتي وقتلوا شيعتي ونكّلوا بابن حنيف عاملي وأخرجوه من البصرة بعد أن آلموه بالضرب المبرح والعقوبة الشديدة وهو شيخ من وجوه الأنصار والفضلاء ولم يرعوا له حرمة، وقتلوا السبابجة، ومثّلوا بحكيم بن جبلّة العبدي ظلماً وعدواناً لغضبه لله تعالى، وقتلوا رجالاً  صالحين من شيعتي بعدما ضربوهم ثم تتبعوا من نجا منهم يأخذونهم في كل غابية وتحت كل رابية ثم يأتون بهم فيضربون رقابهم صبراً، ما لهم؟! قاتلهم الله أنى يؤفكون، فانهدّوا إليهم عباد الله وكونوا أشداء عليهم فإنهم شرار ومساعدهم على الباطل شرار...[17].

فهذا المقال منه عليه السلام دليل على وجوب الوفاء بالبيعة، فإنه أمر أصحابه بقتال أصحاب الجمل معلّلاً بأمور متعددة أولها نكثهم للبيعة، فلا محالة يكون كل من هذه الأمور معصية عظيمة توجب قتال من ارتكبها.

نعم لا مجال لتوهم دلالته على اشتراط فعلية الولاية أو وجوب الطاعة بالبيعة كما لا يخفى.

4/6ـ ومنها قوله عليه السلام في كتاب له إلى الكوفة عند مصيره من المدينة إلى البصرة: من عبد الله ووليه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة من المؤمنين والمسلمين جبهة الأنصار وسنام العرب... وكان هذان الرجلان أول من بايعني على ما بويع عليه من كان قبلي، ثم خرجا يطلبان بدم عثمان وهما اللذان فعلا بعثمان ما فعلا، والله يعلم أني لم أجد بداً من الدخول في هذا الأمر، ولو علمت أن أحداً أولى به مني لما تقدّمت إليه، وعجبت لهما كيف أطاعا أبا بكر وعمر في البيعة وأبيا ذلك عليَّ وهما يعلمان أني لست دون واحد منهما، مع أني قد عرضت عليهما قبل أن يبايعاني إذا أحبا بايعت لأحدهما، فقالا: لا ننفس على ذلك بل نبايعك ونقدمك علينا بحق فبايعا.

ثم إنهما استأذناني في العمرة وليسا إياها أرادا فأذنت لهما، فنقضا العهد ونصبا الحرب وأخرجا أم المؤمنين عائشة من بيتها ليتخذانها فئة، وقد سارا إلى البصرة اختياراً لها وقد سرت إليكم اختياراً لكم[18].

فهذا المقال أيضاً كما ترى يؤكد في تقبيح فعل طلحة والزبير بأنهما أبيا طاعته في البيعة ونقضا العهد، وهذا الإباء والنقض هو الداعي له عليه السلام إلى قتالهما وقتال أصحاب الجمل وهذا الكتاب كتب إلى أهل الكوفة وأرسل عليه السلام معه إليهم ابنه الأكبر الحسن بن علي عليهما السلام وثلاثة رجال عظماء من أصحابه ـ كما ذكره فيه ـ ليسرعوا إليه عليه السلام ويبادروا جهاد عدوهم، فلا محالة يكون مفاد الكتاب أن نقض البيعة ذنبٌ كبير يوجب قتال من ارتكبه.

فدلالة هذا المقال على وجوب الوفاء بالبيعة تامة وإن لم يكن فيه دلالة على الاشتراط المذكور.

5/6ـ ومنها قوله عليه السلام في كتاب له إلى أهل الكوفة أيضاً عند مسيره من المدينة إلى البصرة: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين، أما بعد، فإني قد خرجت مخرجي من حيي إما ظالماً وإما مظلوماً وإما باغياً وإما مبغيّاً عليه، وأنا أذكر الله عز وجل من بلغه كتابي هذا لما نفر إليّ، فإن كنت محسناً أعانني وإن كنت مسيئاً استعتبني، والله إن طلحة والزبير لأول من بايعني وأول من غدر، فهل استأثرت بمال أو بدلت حكماً؟! فانفروا فمروا بمعروف وانهوا عن منكر، والسلام[19] .

وهذا الكتاب أيضاً مع كمال اشتماله على تواضعه عليه السلام في مقام دعوة أهل الكوفة إلى قتال أصحاب الجمل علل وجه وجوب هذا القتال ما يدل عليه قوله عليه السلام: (والله إن طلحة والزبير لأول من بايعني وأول من غدر) فجعل عذرهما بعد بيعتهما هو المجوّز بل الموجب لقتالهما وقتال من سعى معهما في الأرض الفساد، فلا محالة يكون نقض البيعة ونكثها من الذنوب الموجبة للقتال للناكث.

فدلالة هذا الكتاب أيضاً على حرمة نقض البيعة تامة وإن لم يكن فيه أثر من الدلالة على ذاك الاشتراط.

6/6ـ ومنها قوله عليه السلام في خطبة يذمّ فيها أهل البصرة بعد وقعة الجمل:... خفّت عقولكم وسفهت حلومكم، شهرتم علينا سيوفكم وسفكتم دماءكم وخالفتم إمامكم، الله أمركم بجهادي أم على الله تفترون؟! يا أهل البصرة، قد نكثتم بيعتي وظاهرتم على ذوي عداوتي، فما ظنكم الآن بي وقد أمكنني الله منكم وأسلمكم بأعمالكم؟

فقام إليه رجل منهم فقال: نظن خيراً يا أمير المؤمنين ونرى أنك ظفرت وقدرت فإن عاقبت فقد أجرمنا وإن عفوت فالعفو أحب إلى رب العالمين.

فقال عليه السلام: قد عفوت عنكم فإياكم أن تعودوا لمثلها، فإنكم أول من نكث البيعة وشق عصا هذه الأمة وشرع القتال والشقاق وترك الحق والإنصاف، فأنتم غرض لنابل وأكلة لآكل وفريسة لصائل، النار لكم مدخر والعار لكم مفخر، المقيم بين أظهركم مرتهن بذنبه والشاخص عنكم متدارك برحمة من ربه وما الله بظلام للعبيد فارجعوا عن الحوبة وأخلصوا فيما بينكم وبين الله بالتوبة...[20].

فإنه عليه السلام وبخهم أولاً على نكث البيعة وعلل تحذيره الإلزامي عن عودهم لمثلها بجهات، أولها أنهم أول من نكث البيعة، وأمرهم أخيراً بأن يخلصوا إلى الله بالتوبة، وكل من هذه الجهات دليل تام كاف في الدلالة على وجوب الوفاء بالبيعة كما لا يخفى.

نعم لا مجال لتوهم دلالته على الاشتراط المذكور كما هو واضح.

7/6ـ ومنها قوله عليه السلام في كتاب له إلى أهل البصرة بعد مضي زمان على وقعة الجمل وفيه إشارة إلى تلك الوقعة:... وقد كان من انتشار حبلكم وشقاقكم أيها الناس ما لم تغبوا عنه، فعفوت عن مجرمكم ورفعتُ السيف عن مدبركم وقبلتُ من مقبلكم وأخذت بيعتكم، فإن تفوا ببيعتي وتقبلوا نصيحتي وتستقيموا على طاعتي أعمل فيكم بالكتاب والسنة وقصد الحق وأقم فيكم سبيل الهدى، فوالله ما أعلم أن والياً بعد محمد صلى الله عليه وآله أعلم بذلك مني ولا أعمل، أقول قولي هذا صادقاً غير ذام لمن مضى ولا منقصاً لأعمالهم، فإن خطت بكم الأمور المردية وسفه الآراء الجائرة إلى منابذتي وخلافي فها أنا ذا قد قرّبت جيادي ورحلت ركابي، وأيم الله لئن ألجأتموني إلى المسير إليكم لأوقعن بكم وقعة لا يكون يوم الجمل إليها إلا كلعقة لاعق وإني لظان أن لا تجعلوا إن شاء الله على أنفسكم سبيلاً...[21].

فهو كما ترى بعد فرض أخذ بيعتهم له عليه السلام قد رتب على الوفاء بالبيعة أن يعمل فيهم بالكتاب والسنة ويقيم فيهم سبيل الهدى وعلى منابذتهم له التي هي عبارة أخرى عن عدم الوفاء والاعتناء بالبيعة مقاتلتهم وإيقاع وقعة عليهم أشد بمراتب عن وقعة الجمل، فدلالته على وجوب الوفاء بالبيعة على أن ترك الوفاء بها معصية واضحة.

نعم لا دلالة فيه على أن فعلية الولاية أو وجوب الإطاعة منوطة بالبيعة.

8/6ـ ومنها قوله عليه السلام في كتاب له إلى أهل الكوفة يحكي لهم كيفية الأمر في قتال الجمل:... ثم إني أخبركم عنا وعمّن سرنا إليهم من جمع طلحة والزبير بعد نكثهما على ما قد علمتم من صفقة أيمانهما وهما طائعان غير مكرهين وتنكّبهما عن الحق، فخرجت من المدينة بمن خرجت ممن سارع إلى بيعتي وإلى الحق (من) المهاجرين والأنصار حتى أتينا ذا قار.

فبعثت ابني الحسن وعبد الله بن عباس ابن عمي وعمار بن ياسر وقيس بن سعد بن عبادة فاستنفرتكم لحق الله وحق رسوله صلى الله عليه وآله وحقنا فأجابني إخوانكم سرعاً حتى قدموا عليَّ فسرت بهم وبالمسارعة إلى طاعة الله حتى نزلت ظهر البصرة.

وقدم طلحة والزبير البصرة وصنعا بعاملي عثمان بن عفان ما صنعا، فقدمت إليهم الرسل وأعذرت كل الأعذار وأقمت الحجة وأقلت العثرة والزلة من أهل الردة من قريش وغيرهم واستتبتهم من نكثهم بيعتي وعهد الله لي عليهم وناشدتهم عقد بيعتهم فأبوا إلا قتالي وقتل من معي والتمادي في الغي.

فلقينا القوم ناكثين لبيعتنا المفرّقين لجماعتنا الباغين علينا من أمتنا فلم أجد بداً من مناصفتهم لي فاستعنت الله عليهم وناهضتهم بالجهاد في النصف من جمادى الآخرة بالخريبة فناء من أفنية البصرة، فقتل الله من قتل منهم ناكث ونصرنا الله عليهم، وقتل طلحة والزبير على نكثهما وشقاقهما، وقد تقدمت إليهما بالمعذرة وأبلغت إليهما بالنصيحة وأشهدت عليهما صلحاء الأمة ومكّنتهما في البيعة فما أطاعا المرشدين ولا أجابا الناصحين.

ولاذ أهل البغي بعائشة فقُتل حولها عالم جم لا يحصي عددهم إلا الله، ثم ضرب الله وجه بقيّتهم فأدبروا، وولى من ولى إلى مصره، فكانت المرأة أشأم من ناقة الحجر على أهل ذلك المصر مع ما جاءت به من الحوب الكبير في معصيتها لربها ونبيه من الحرب واغترار من اغتر بها، وما صنعته من التفرقة بين المؤمنين وسفك دماء المسلمين بلا بيّنة ولا معذرة ولا حجة ظاهرة لها...[22].

فهذا القول المبارك كما ترى قد ذكر أول صفة لطلحة والزبير نكثهما ونقضهما للبيعة ثم وصف جمعهما بصفة الناكثين لبيعته وقال: (فلقينا القوم الناكثين لبيعتنا) وفي المرة الثالثة الأخيرة أفاد (قُتل طلحة والزبير على نكثهما) فلا يبقى ريب في أن نكث البيعة ذنب عظيم يوجب قتال من ارتكبه، ومن الواضح أن ذكر صفات أُخر قبيحة مذمومة لهم إضافة على وصف النكث لا ينافي ظهور كلامه عليه السلام في أن النكث للبيعة ذنب عظيم بنفسه لاسيما بعد ذاك التأكيد عليه بالتكرارات المذكورة.

فدلالة هذا القول أيضاً على وجوب الوفاء بالبيعة وأن نكثها ذنب عظيم تامة وإن لم يكن فيه إشعار باشتراط فعلية ولايتهم ولا وجوب إطاعتهم بالمبايعة، ويكون مقتضى تلك الأدلة محفوظاً.

9/6ـ ومنها كلامه عليه السلام في خطبة خطب بها حين بلغه خلع طلحة والزبير بيعتهما وأنهما قدما البصرة مع عائشة:... لكني لما اجتمع عليَّ ملأكم نظرت فلم يسعني ردكم، حيث اجتمعتم فبايعتموني مختارين وبايعني في أوّلكم طلحة والزبير طائعين غير مكرهين وأنا أعرف الغدر في وجهيهما والنكث في عينيهما، ثم ما لبثا أن استأذناني في العمرة فأعلمتهما أن ليس العمرة يريدان والله يعلم أنهما أرادا الغدرة، فجددت عليهما العهد في الطاعة وأن لا يبغيا الأمة الغوائل فعاهداني، ثم لم يفيا لي ونكثا بيعتي وقضا عهدي، فسارا إلى مكة، واستخفّا عائشة فخدعاها، وشخص معهما أبناء الطلقاء فقدما البصرة وقد اجتمع أهلها على طاعة الله وبيعتي، فدعواهم إلى معصية الله وخلافي، فمن أطاعهما منهم فتنوه ومن عصاهما قتلوه.

فيا عجباً لاستقامتهما (لانقيادهما ـ خ ل) لأبي بكر وعمر وبغيهم عليَّ (خلافهما لي ـ خ ل) والله إنهما ليعلمان أني لست بدون أحد الرجلين (رجل ممن قد مضى ـ خ ل) ولو شئت أن أقول لقلت، اللهم اغضب عليهما بما صنعا في حقي وظفّرني بهما. وقد كان من قتلهم حكيم بن جبلّة ما بلغكم وقتلهم السبابجة وفعلهم بعثمان بن حنيف ما لم يخف عليكم... .

ولقد كان معاوية كتب إليهما من الشام كتاباً يخدعهما فيه فكتماه عني وخرجا يوهمان الطغام والأعراب أنهما يطلبان بدم عثمان وأن دم عثمان لمعصوب بهما ومطلوب منهما، والله أنهما لعلى ضلالة صمّاء وجهالة عمياء، واعجباً لطلحة! ألّب الناس على ابن عفان حتى إذا قُتل أعطاني صفقة يمينه طائعاً ثم نكث بيعتي وطفق ينعى ابن عفان ظالماً وجاء يطلبني يزعم بدمه، والله ما استعجل متجرّداً للطلب بدم عثمان إلا خوفاً من أن يطالَب بدمه لأنه مظنته، ولم يكن في القوم أحرص عليه منه، فأراد أن يغالط بما أجلب فيه ليلتبس الأمر ويقع الشك... .

أيها الناس، إن الله عز وجل افترض الجهاد فعظمه وجعله نصرته وناصره، والله ما صلحت الدنيا قط ولا الدين إلا به، ألا وإن الشيطان قد جمع حزبه واستجلب خيله ورجِله ومن أطاعه ليعود له دينه وسنته وحث زينته في ذلك وخُدعه وغروره وينظر ما يأتيه... .

أيها الناس، إن عائشة سارت إلى البصرة ومعها طلحة والزبير وكل واحد منهما يرجو الأمر له ويعطفه عليه دون صاحبه... والله لقد علمت أن راكبة الجمل الأحمر ما تقطع عقبة ولا تحل عقدة ولا تنزل منزلاً إلا في معصية الله وسخطه حتى تورد نفسها ومن معها موارد الهلكة، إي والله ليقتلن ثلثهم وليهربن ثلثهم وليتوبن ثلثهم، وإنها والله التي تنبحها كلاب الحوأب فهل يعتبر معتبر ويتفكر متفكر؟!...

ولقد استثبتهما قبل القتال واستأنيت بهما أمام الوقاع فغمطا النعمة وردّا العافية، وأيم الله لا فرطن لهم حوضاً أنا ماتحه لا يصدرون عنه بريّ ولا يعبون بعده في حسي ولا يلقون بعده ريّاً أبداً... .

وهذا طلحة والزبير... حين رأيا أن الله قد رد علينا حقنا بعد أعصُر لم يصبرا حولاً كاملاً ولا شهراً واحداً حتى وثبا على دأب الماضين قبلهما ليذهبا بحقي ويفرّقا جماعة المسلمين عني.

والله الذي لا إله إلا هو إن طلحة والزبير وعائشة بايعوني ونكثوا بيعتي وما استأنوا فيَّ حتّى يعرفوا جوري من عدلي وإنهم ليعلمون أني على الحق وأنهم مبطلون، ورب عالمٌ قد قله جهله وعلمه معه لا ينفعه، وحسبنا الله ونعم الوكيل... .

وإنها للفئة الناكثة الباغية فيها الحمأ والحمّة والشبهة المغدقة وقد طالت جلبتها وأمكنت من دِرها وانفكت جونتها... .

يا أيها الناس، إني قد راغبت هؤلاء القوم وناشدتهم كي يرعوا أو يرجعوا فلم يفعلوا ولم يستجيبوا (ثم) إني أتيت هؤلاء القوم ووبختهم بنكثهم وعرّفتهم بغيّهم ودعوتهم واحتججت عليهم فلم يستجيبوا وقد خرجوا من هدى إلى ضلال ودعوناهم إلى الرضا ودعونا إلى السخط فحل لنا ولكم ردهم إلى الحق بالقتال وحل لهم بقصاصهم القتل وقد كشفوا الآن القناع وآذنوا بالحرب... .

وإني مع هذا لداعيهم ومعذّر إليهم فإن تابوا وقبلوا وأجابوا وأنابوا فالتوبة مقبولة والحق أولى ما انصرف إليه وليس على الله كفران، وإن أبوا أعطيتهم حد السيف وكفى به شافياً من الباطل وناصراً للحق... .

ثم رفع أمير المؤمنين عليه السلام يديه فدعا على طلحة والزبير وقال:

اللهم احكم عليهما بما صنعا في حقي وصغرا من أمري وظفّرني بهما، اللهم خذهما بما عملا أخذةً رابية ولا تنعش لهما صرعة ولا تقلهما عثرة ولا تمهلهما فواقاً، اللهم إنهما قطعاني وظلماني وألبا الناس عليَّ ونكثا بيعتي فاحلل ما عقدا ولا تحكم لهما ما أبرما ولا تغفر لهما أبداً وأرهما المساءة في ما أمِلا وعَمٍلا.

اللهم إني أقتضيك وعدك فإنك قلت وقولك الحق: ومن بُغي عليه لينصرنّه الله، اللهم فأنجز لي موعدي ولا تكلني إلى نفسي إنك على كل شيء قدير[23].

فهذه المقالات المباركة الحاكية عن شدة ألمه وهو حليمٌ ذو أناة بعض من خطبةٍ طويلةٍ خطب بها بعد ما بلغه نكث طلحة والزبير للبيعة وقدومهما للبصرة، وقد اشتملت مواضع كثيرة منها على توبيخهما على نكث البيعة، كل منها دليل على عدم جواز النكث، وقد اشتملت على أنهما زادا على مجرد النكث بجمع قوم وأرادا البغي والفساد في الأرض لكنه معصية أخرى ولا ينافي وجوب الوفاء بالبيعة وكون النكث بنفسه ذنباً كما مر.

فترى أنه عليه السلام قد دعا عليهما وطلب من الله تعالى أن لا يغفر لهما أبداً مفرّعاً على أنهما نكثا بيعته.

وقال فيهما: إنهم تابوا وأنابوا فالتوبة مقبولة، وإن أبوا أعطيتهم حد السيف الشافي من الباطل والناصر للحق.

وقال: إنه وبخهم بنكثهم وعرّفهم بغيّهم ومع ذلك دعوه إلى السخط فحلّ قتالهم.

وقال عليه السلام منيباً إليه تعالى: إن طلحة والزبير وعائشة بايعوني ونكثوا بيعتي وهم يعلمون أني على الحق وأنهم مبطلون.

وقال عليه السلام ـ فيما إذا أتياه مستأذنين في ظاهر كلامهما للمسير إلى زيارة عمرة ـ : فجددت عليهم العهد في الطاعة وأن لا يبغيا للأمة الغوائل فعاهداني، ثم لم يفيا لي ونكثا ونقضا عهدي... إلى غير ذلك.

فذكره عليه السلام كراراً لنكث البيعة وتوبيخهما عليه واستتابتهما منه وتجويزه لقتالهم به وطلب عدم غفرانهما به من الله كل ذلك دليل على عظم أمر البيعة وكون النكث لها ذنباً عظيماً.

نعم لا دلالة في شيء من هذه الموارد ولا غيرها على اشتراط فعلية ولاية المعصومين عليهم السلام ولا وجوب الإطاعة لهم بالمبايعة ويكون مقتضى الأدلة فيهما باقياً على حاله.

10/6 ـ ومنها قوله عليه السلام في خطبة طويلة في تعريف الإسلام والإيمان والكفر والنفاق:

ففي أثناء هذه الخطبة قام إليه رجل فقطع عليه كلامه وقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا على مَ قاتلت طلحة والزبير؟

فقال عليه السلام: (قاتلتهم على نقضهم بيعتي وقتلهم شيعتي من المؤمنين: حكيم بن جبلة العبدي من عبد القيس، والسبابجة والأساورة بلا حق استوجبوه منهما ولا كان ذلك لهما دون الإمام، ولو أنهما فعلا ذلك بأبي بكر وعمر لم يرضيا ممن امتنع من بيعة أبي بكر حين بايع وهو كاره ولم يكونوا بايعوه بعدُ الأنصار، فما بالي وقد بايعاني طائعين غير مكرهين. ولكنهما طمعا مني في ولاية البصرة واليمن، فلما لم أولهما وجاءهما الذي غلب من حبهما الدنيا وحرصهما عليها لما خفت أن يتخذا عباد الله خولاً ومال المسلمين لأنفسهما دولا فلما زويت ذلك عنهما وذلك بعد أن جرّبتهما واحتججت عليهما)[24].

فترى أنه عليه السلام علل قتالهما بأنهما وقومهما نكثوا البيعة وكان سر هذا النكث حب الدنيا والحرص عليها، فهو ظاهر الدلالة في أن الوفاء بالبيعة واجب ونكثها ذنب عظيم.

لكنه لا دلالة فيه أيضاً على الاشتراط المذكور.

11/6 ـ ومنها ما ذكره عليه السلام في كتاب له إلى معاوية من قوله: ثم إن طلحة والزبير بايعاني في المدينة ثم نقضا بيعتهما، وكان نقضهما كردّتهما، فجاهدتهما على ذلك بعد ما أعذرت إليهما حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون[25].

فتراه عليه السلام ذكر عنهما نقض البيعة ورتب عليه أنه عليه السلام جاهدهما على ذلك، فجعل نقض البيعة موجباً للقتال للناقض وهو لا يكون إلا إذا كان النقض ذنباً عظيماً، فدلالته على وجوب الوفاء بالبيعة تامة.

نعم لا دلالة فيه على اشتراط فعلية الولاية أو وجوب إطاعة الولي المعصوم بالبيعة له.

12/6 ـ ومنها قوله عليه السلام في كتاب طويل أمر أن يُقرأ على الناس كل يوم جمعة:... فبايعتموني يا معشر المسلمين على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وفيكم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان، وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إياي أن ابتهج بها الصغير وهدج إليها الكبير وتحامل نحوها العليل وحسرت إليها الكعاب. فكان أول من بايعني طلحة والزبير، فقالا: نبايعك على أنا شركاؤك في هذا الأمر، فقلت: لا، ولكنكما شريكان في القوة والاستعانة وعونان على العجز والأود، فبايعاني على هذا الأمر ولو أبيا ما أكرهتهما كما لم أُكره غيرهما، وكان طلحة يرجو اليمن والزبير يرجو العراق، فلما علم أني غير مولّيهما لم يلبثا إلا يسيراً حتى استأذناني للعمرة وهما يريدان الغدرة، فأتيا عائشة واستخفاها مع شيء كان في نفسها عليَّ... .

وقادهما عبد الله بن عامر إلى البصرة وضمن لهما الأموال والرجال، فخرجوا يجرّون حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله كما تجر الأمة عند شرائها متوجّهين بها إلى البصرة، فبينا هما يقودانها إذ هي تقودهما فاتخذاها دريئة يقاتلان بها... .

فأصابوا ثلاثاً بثلاث خصال مرجعها على الناس في كتاب الله عز وجل: التبغي والنكث والمكره قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم﴾ وقال: ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ وقال: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ فقد والله بغيا علي ونكثا بيعتي ومكرا بي.

ثم أتوا البصرة في جيش ما منهم رجل إلا وقد أعطاني الطاعة وسمح لي بالبيعة طائعاً غير مكرَه، فقدموا  على عمّالي بها وخزّان بيت مال المسلمين الذي في يدي وعلى غيرهم من أهل مصري الذين كلهم مجتمعون في طاعتي وعلى بيعتي وبها شيعتي فدعوا الناس إلى معصيتي وإلى نقض بيعتي وطاعتي، فمن أطاعهم أكفروه، ومن عصاهم قتلوه، فشتتوا كلمتهم وأفسدوا عليَّ جماعتهم... .

ثم أخذوا عاملي عثمان بن حنيف أمير الأنصار غدراً فمثّلوا به كل المثلة ونتفوا كل شعرة في رأسه ووجهه ووثبوا على شيعتي من المسلمين فقتلوا طائفة منهم صبراً وطائفة منهم غدراً، وطائفة غضبوا لله ولي فعضّوا على أسيافهم فضاربوا بها حتى لقوا الله صادقين، فوالله لو لم يصيبوا من المسلمين إلا رجلاً واحداً متعمدين لقتله بل جرم جره لحل لي قتالهم وقتل ذلك الجيش كله لرضاهم بقتل من قُتل إذ حضروه فلم ينكروا ولم يدفعوا عنه بلسان ولا بيد، دع أنهم قد قتلوا من المسلمين مثل العدَة التي دخلوا بها عليهم، وقد أدال الله منهم فبُعداً للقوم الظالمين... فلما قضى الله لي بالحسنى سرتُ إلى الكوفة واستخلفت عبد الله بن عباس على البصرة...)[26].

فهذا المقال المبارك كما ترى يبين أمر طلحة والزبير بتفصيل لم نذكر كثيراً منه، وقوله عليه السلام فيهما أنهم أصابوا ثلاث خصال بيّن حكمها في الكتاب واحدها النكث الذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾[27] فهذا القول يدل على كون نكث البيعة ذنباً يقع ثقله على عنق الناكث، فدلالته على وجوب الوفاء بالبيعة تامة.

نعم لا دلالة فيه على اشتراط فعلية ولاية المعصومين عليهم السلام ولا وجوب الإطاعة لهم بالبيعة، وهو واضح.

هذه هي الموارد التي تدل على وجوب الوفاء بالبيعة مما وقفت عليه في نهج البلاغة وتمامه مما ورد في أمر طلحة والزبير، ولعل المتتبّع الدقيق يظفر ببعض مواضع أخر فيهما.

ولما كان الكلام عن مسألة طلحة والزبير فمن المناسب ذكر نقل آخر فيهما مما ليس في نهج البلاغة وتمامه فأقول:

13/6 ـ ومنها ما ورد عنه عليه السلام في رواية جابر الطويلة من قوله عليه السلام: ... وأما الخامسة يا أخا اليهود فإن المتابعين لي لم يطمعوا في تلك منّي وثبوا بالمرأة عليَّ، وأنا ولي أمرها والوصي عليها، فحملوها على الجمل... في عصبة قد بايعوني ثانية بعد بيعتهم الأولى في حياة النبي


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق