الشهيد السيد مصطفى الخميني.. مصداق الألطاف الإلهية الخفية

2017-10-22
0
346

مقدمة

حياة الشخصيات الكبرى صفحات ذهبية وبارزة في التاريخ تشد إليها أنظار الأجيال المبصرة للحقيقة، والضمائر الحية والنقية لأبناء الإنسانية.

كان الشهيد آية الله سيد مصطفى الخميني (قدّس سرّه) كوكباً ظل نوره القدسي مشعلاً يهتدي به أنصار الإمام (قدّس سرّه) والسائرون على خطّه إلى حين انبلاج فجر الثورة في سماء إيران التي كانت ملبّدة بالظلام.

دراسة الآثار العلمية والنشاطات السياسية والسجايا الأخلاقية للشهيد مصطفى الخميني (قدّس سرّه) حسنة مؤجّلة إذ بقيت الكثير من آفاق شخصيته مجهولة حتى بعد مرور عشرين سنة على استشهاده.

كان هذا الرجل، الذي قال فيه إمام العارفين: انه كان أملاً لمستقبل الإسلام، فقيهاً متعمقاً ذا أساس راسخ، وفي علم الأصول عميق الغور ومتضلع ومبدع، إضافة إلى كونه فيلسوفاً ناقداً وعميق الفهم ومفسراً. وقد استطاع بفكره الواسع استيعاب القرآن وتفسيره بأفق جديد.

ومع أنّ الأيدي الأثيمة الجائرة تسببت في طمس الكثير من آثار هذا الفقيه المجاهد إلاّ ان المتبقّي منها يعد بحد ذاته سبيلاً موثوقاً للتعرف على مدى عظمته العلمية ونبوغه الفائق.

استشهد العلاّمة  سيد مصطفى الخميني في الأول من شهر آبان عام 1356 للهجرة الشمسية بنحو غامض في النجف الأشرف على يد جلاوزة السافاك (مديرية مخابرات وأمن النظام الشاهنشاهي) وكانت شهادته حسب التعبير العرفاني لوالده الجليل سماحة الإمام الخميني، من الألطاف الإلهية الخفية وبمثابة حلقة وصل بين الخامس عشر من خرداد عام 1342 والثاني والعشرين من بهمن عام 1357.

يوم قال  سيد مصطفى: «سنقدّم المزيد من الشهداء على طريق الحرية، وأن ثمرة النصر لا تأتي إلاّ بالصمود» طالما كان يأمل حينها أن يكون هو أحد هؤلاء الشهداء، ولكن لعله لم يكن يحسب أن سيغدو بمثل هذه السرعة حاملاً راية شهداء فصل انتصار الثورة. ومع كل هذا لم تنل شخصيته السياسية والعلمية نصيبها المطلوب من التحليل والدراسة.

 

الشهيد السيد مصطفى الخميني(ره) في كلام القائد الخامنئي (حفظه الله)

كان النجل الأكبر لسماحة الإمام(ره) يتمتع بخصائص بارزة، فهو بالإضافة إلى الجانب العلمي أظهر براعة واستعداداً باهراً في الفقه والأصول والعلوم العقلية على مستوى الحوزة العلمية.

لقد طالع الشهيد جميع الكتب المهمّة في عهده. لقد كان شخصية شمولية ومتعددة الجوانب.

وكان يبدو أن جميع الصفات الايجابية كانت تنمو في شخصيته نحو التطوّر والتكامل.

لقد سطعت شخصية الإمام الخميني(ره) أمام أنظار الشعب الإيراني كالشمس المشرقة في صبره وتحمله فقدان نجله السيد مصطفى. ومعنى هذا أنّ تكريم منزلة ومكانة السيد مصطفى تمثل في الواقع احتراماً لسماحة الإمام(رض) وتكريماً للقيم الإسلامية والثورية.

 

محطات علمية في حياة الشهيد

 

* ولد في مدينة قم المقدسة يوم 12 رجب 1349 هـ ق.

* ابتدأ دراسته في المدارس العصرية الحديثة في السابعة من عمره.

* بسبب شغفه الشديد للدراسة في الحوزة العلمية، انضم إلى مسلك العلم والعلماء ولم يتجاوز الثانية عشر من عمره.

* أنهى مرحلتي المقدمات والسطوح في مدة تقل عن تسع سنوات.

* شرع حضور بحث الخارج في الواحدة والعشرين من عمره.

* بلغ مرتبة الاجتهاد ولم يتجاوز سن الثلاثين.

* ألقى دروس بحث الخارج في النجف الأشرف لمدة تسع سنوات وتربى على يده جمع من الفضلاء.

* اشتهر بذكائه الخارق وذاكرته القوية وتضلّعه في مختلف العلوم.

* كانت له اليد الطولى في علم المعقول وكان له تعمق وتبحر في التفسير والتاريخ وعلم الرجال.

* خلف كتباً كثيرة في مختلف المجالات العلمية.

 

مجتهد بمعنى الكلمة

 

مقتطفات من مذكرات آية الله سيد عباس خاتم اليزدي

...عند قدومي من يزد إلى قم لأجل الدراسة حصل نوع من المعرفة بيني وبين السيد مصطفى، إلا أن معرفتي به تعمّقت أثناء وجودنا في النجف الأشرف.

كان سيد مصطفى معروفاً بسعة مؤهلاته وقوّة ذاكرته، وكنّا آنذاك نعرفه عن بُعد بهذا المقدار، كان متوهج الذكاء وشديد التواضع، وسريع التفاعل مع طلاب العلوم الدينية على الخصوص.

كان الإمام يشعر بحالة من الغربة الحقيقية في النجف؛ فالفضلاء لم يحيطوا به كما كان ينبغي. كان يتردد عليه بعض الطلبة الذين تحدوهم رغبة عميقة إلى التعلم. الشبان الذين أحاطوا بالإمام هم أولئك الطلاب الذين قدموا من إيران إلى النجف وراء التوجهات السياسية للإمام. وهناك تجلّت شخصية المرحوم سيد مصطفى في الجانب السياسي وفي مجال علمه وفضله؛ إذ كان ناشطاً في كلا المجالين السياسي والعلمي.

في الجانب العلمي يمكن القول انه كان عالماً بمعنى الكلمة؛ فقد كان عالماً حقاً في أبواب الفقه، والأصول، والفلسفة، والأدب العربي، والأدب الفارسي، وقد كان مجتهداً في درجة عالية من الاجتهاد، أي كان مجتهداً بمعنى الكلمة، ويمكن القول انه قل نظيره في عصره في باب الفقه والأصول.

إحدى السجايا التي كانت فيه هي شدّة حبّه للإمام وحرصه على عدم حصول أي إزعاج له. ذكر في أحد الأيام، أنّه دخل على الإمام يوماً فقال له الإمام: لقد جاءت رسالة من الحاج مهدي الحائري ابن المرحوم الحاج الشيخ عبدالكريم الحائري بعثها من أمريكا ويقول فيها: لو إنني أعلم شخصاً على وجه الأرض يمكنني أن أعرض عليه سؤالي هذا لما عرضته عليك؛ تقديراً لكثرة مشاغلكم ولأنكم تعيشون في النجف ظروف النفي والغربة، ولكني لا أعرف على وجه الأرض شخصاً أسأله سواكم. وكان في رسالته يسأل عن معنى عبارة لابن العربي.

يقول: ناولني الإمام الرسالة وقال لي: انظر ما فيها.

وبعد أن قرأتها سألني الإمام عن فحوى الإجابة، فعرضت عليه الجواب، فقال: هذا هو الصحيح.

لقد كان سيد مصطفى بارعاً حقّاً في الفقه والأصول، كما انه كان بارعاً في علم الرجال أيضاً.

 

أستاذ في شتّى العلوم

 

آية الله محمد حسن قديري

المرحوم آية الله سيد مصطفى الخميني (قدس سره الشريف) من روّاد هذا الطريق، بل ومن قادة الأمة الإسلامية، ومصداق لهذه الآية المباركة. لقد استقبل مفهوم «ربّنا الله» عن اخلاص وظل يُنافح عنه بصلابة حتى نهاية عمره الشريف، ولم يكن يخشَ الطاغوت، وواجه كل مصاعب الحياة بإيمان بالله وعزم راسخ. ويمكن القول بحق انه عاش سعيداً ومات سعيداً. اسأل الله أن يحشره مع أجداده الطاهرين.

ومع إنني لا أدّعي الإحاطة بكل أبعاد حياته ونشاطاته السياسية والاجتماعية والعلمية وسلوكه الأخلاقي والعملي والعرفاني، ولكن بما إنني عاشرته مدّة في النجف الأشرف وكنت معجباً به، أرى من حقّه عليَّ أن أتحدث عمّا أعرفه عنه.

أنا أرى أنّ المرحوم سيد مصطفى كان من الأركان الأساسية في النهضة الإسلامية، وكان له دور مؤثر في تلك النهضة وديمومتها، وكان استتار دوره أمراً طبيعياً بسبب أنّ دوره الفاعل كان في مرحلة الكبت أولاً، وثانياً لأن الشمس الساطعة لوالده الكريم حينذاك كانت تغني عن اشراقات الشموس الأخرى؛ وإلاّ فانَّ الخدمة التي أداها المرحوم سيد مصطفى للنهضة في عهده لم تكن أقل مما قدّمه الآخرون؛ فقد كان نصير الإمام وعضده، وكان هو المعين له في غربته، بل كان هو أنيسه الوحيد.

أتذكر جيّداً إنني كنت في مدرسة المرحوم آية الله البروجردي في النجف الأشرف، حين بلغنا في عصر أحد الأيام خبر قدوم الإمام من تركيا إلى العراق وأنّه في الكاظمية، واتصل المرحوم سيد مصطفى بدار المرحوم آية الله العظمى الخوئي هاتفياً طالباً تهيئة دار لسماحة الإمام. فتوجهنا في اليوم نفسه إلى بغداد ووصلنا ليلاً إلى الكاظمية إلى حيث الفندق الذي نزله الإمام؛ فكان سماحته في غرفة، وفي غرفة أخرى كان سيد مصطفى وحده مستيقظاً، وكانت عمامة الإمام في غرفة السيد مصطفى.

لم نستطع مقابلة الإمام في تلك الليلة. وفي صباح اليوم التالي ذهب الإمام برفقة سيد مصطفى لزيارة ضريح الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام. وهناك التقى به عدد من العلماء وبقوا في رفقته.

وقد سمعت من الإمام نفسه أنه قال عن أهمية وجود سيد مصطفى إلى جانبه أثناء وجوده في تركيا: «كان وجود سيد مصطفى إلى جانبي في تركيا ضرورياً بالنسبة لي». أضف إلى أن وجوده معه في النجف أزال عنه مشاعر الغربة. وكان هو الأمين على أسراره في شؤون النهضة، وهو ثقته وموضع اعتماده. وهو وان كان لا يتدخل في الأمور ظاهرياً، لكنه في الحقيقة هو الذي يتولى إدارة الشؤون السياسية والاجتماعية للإمام.

وخلاصة القول هو انه لولا وجود سيد مصطفى إلى جانب الإمام لكثرت عليه المشاكل، وان للسيّد مصطفى حقاً على الثورة. وإذا كان سماحة الإمام قد قال إنّ مصطفى كان أملاً لمستقبل الإسلام، فانه لم يكن يُثني على مجرد رجل عالم أو عابد أو عارف، بل كان يشير بذلك إلى دوره الفاعل في الثورة.

كان سيد مصطفى عالماً ومجتهداً، وكان يبدي اهتماماً كبيراً للعبادات والزيارات، ويساعد المساكين والمعوزين، وكان ملاذاً لأصحاب الإمام الذين لم يكن لهم ملاذ يومذاك إلاّ أميرالمؤمنين(ع) ودار الإمام.

وفي مجال البحث كانت له اليد الطولى، ومع براعته في النقاش إلاّ أنه كان منصفاً في قبول الحق؛ فان رأى المقابل على صواب أذعن لرأيه.

كان استاذاً كفوءاً في مختلف العلوم. ومن جملة الذكريات العالقة في ذهني منه، هو انني رافقته عند الذهاب إلى كربلاء سيراً على الأقدام حيث كُنّا وصلنا إلى بساتين كربلاء وقضينا تلك الليلة هناك، وتحلّق حوله رفاق السفر، وتقرر أن يعرض له كل واحد منهم سؤالاً في أحد أبواب العلوم.

ولا أنسى أنهم عرضوا عليه أسئلة في شتى مجالات العلوم وكان هو يجيب عنها، واستمر ذلك المجلس حوالي أربع ساعات. وفي الحقيقة إني لازلت إلى الآن أتعجب عند استذكار ذلك الموقف، وان يكون لمثل هذا الشخص كل تلك الكفاءة في الإجابة على تلك الأسئلة كافّة بدون مطالعة.

 

آثار العلامة الشهيد سيد مصطفى الخميني

بسم الله الرحمن الرحيم

كان الشهيد سيد مصطفى الخميني رحمة الله عليه من النوابغ والشخصيات البارزة في الحوزات العلمية، وقد بلغ مدارج رفيعة في طريق العلم والعمل.

كان وارثاً للنبوغ الذاتي لسماحة الإمام(قده) وكان مثالاً له في الجلال والهيبة.

وكان متصلاً من جهة الأم بأسرة الثقفي المشهورة بالعلم والعمل. جدّه لأمه هو آية الله «آقا ميرزا محمد الثقفي» صاحب تفسير «روان جاويد»، و«الحاشية على درر الفوائد» الذي كتبه آية الله الشيخ عبدالكريم الحائري، وجدّه الأعلى هو الميرزا «أبو الفضل الطهراني» مؤلف كتاب «شفاء الصدور في شرح زيارة عاشوراء»، وهو ابن الميرزا «أبو القاسم كلانتر» الذي كتب تقريرات الشيخ الأعظم الأنصاري رحمة الله عليه، والمسمّاة بـ«مطارح الأنظار».

أدّى النبوغ الذاتي للعلاّمة الشهيد إضافة إلى جدّه ومثابرته في الدراسة إلى بروزه المفاجئ في الأوساط العلمية، حتى اعتبره جميع علماء وفضلاء الحوزة العلمية في قم خلال مدّة وجيزة شخصاً كفوءاً وممن تعقد عليه الحوزة آمالها.

ومع أن العلامة الشهيد لم يكن عمره عام 1343 ـ حين إلقاء القبض عليه ونفيه إلى تركيا من قبل نظام الشاه، بعد نفي أبيه ـ قد تجاوز الرابعة والثلاثين، ولكن يستشف من مجمل كتاباته انه ألف عدّة كتب خلال هذه الفترة القصيرة. والكتب التي ألّفها العلامة الشهيد في قم هي كالآتي:

1ـ كتاب الإجارة: وقد جاء مشروحاً بالتفصيل في دفترين.

2ـ كتاب القواعد الحكمية: وهو كتاب عن القواعد العامة للفلسفة، ويبدو انه كان كبيراً ومشروحاً بالتفصيل، ولهذا السبب جاء ذكره في الكثير من مؤلفات الشهيد ويتضمن مواضيع فلسفية شتّى.

3ـ كتاب القواعد الفقهية: يبدو أنّ العلامة الشهيد قد بحث عدداً من القواعد الفقهية على حدة، وهو يشير في مؤلفاته إلى وجود مثل هذه الكتابات، ويمكن الإشارة من جملتها إلى قاعدة «لا ضرر» و«لا تُعاد».

4ـ حاشية على الأسفار الأربعة.

وقد درس الأسفار على يد أكابر عصره في هذا الفن؛ وكان أستاذه في قسم من الأسفار آية الله السيد أبو الحسن رفيعي القزويني. وهو الأستاذ الذي درس عنده الإمام الراحل(ره) في سنوات شبابه شرح المنظومة بين عامي 1304 ـ 1308 هـ. ش. وقد أثنى على المواضيع التي وردت في ذلك الكتاب بـ« أقول: أنها في غاية الجودة».

كما ودرس الشهيد قسماً آخر من الأسفار عند العلاّمة الأكبر فيلسوف عصرنا، العارف الواصل الإمام الراحل، حشرهُ الله مع النبي الأكرم. وإلى جانب دراسته دوّن في حاشيته آراءه وتحقيقاته.

5 ـ حاشية على «المبدأ والمعاد»:وهو كتاب من تأليف صدر المتألهين.

وهذه الحواشي إضافة إلى قلّتها، تَلف معظمها أثناء عملية التجليد، حتى فقدت فائدتها.

6 ـ رسالة في بحث قضاء الصلوات.

7 ـ رسالة في بحث الخلل في الصلاة: وهذه الرسالة كتبت في قم، ولم نحصل عليها. كما انه كتب رسالة أخرى تحمل نفس الاسم في النجف الأشرف، وسنتحدث عنها بمزيد من التفصيل في ختام هذه المقالة.

8 ـ الفوائد الرجالية: وهو كتاب ألّفه في بعض بحوث علم الرجال. والمؤلَّف في كتبه الأخرى يحيل القارئ إلى تلك المباحث.

من البديهي أنّ تعيين البحوث والفهارس المحتملة للكتب المفقودة لهذا الشهيد تستلزم التقصي التام في آثاره الأخرى، نأمل آن تُبذل مثل هذه الجهود على يد الطلبة الراغبين في هذا المجال.

 

الكتب التي ألّفها العلامة الشهيد في منفاه:

في عام 1343 وبعد اعتقال الإمام الراحل ونفيه إلى تركيا، أصبحت مهمّة تنسيق العمل الثوري وتوجيه الثورة الإسلامية الكبرى على عاتق نجله الشاب، الذي أبدى كفاءة في هذا المضمار، دفعت بالسلطة الحاكمة إلى اعتبار وجوده وحرّيته في العمل مغايرة لأهدافها؛ فسجنته ونفته إلى جوار الإمام.

اغتنم سيد مصطفى الفرصة التي أتيحت له في المنفى للدراسة واستلهام الفيض من أستاذه. وكما نقل الشهيد نفسه انه كانت هنالك بين الأب والابن نقاشات علمية ساخنة جعلت شرطة الأمن في تركيا يتوهمون أنّ جدالاً وقع بينهما، فيسارعون إلى تفقد الوضع في تلك الغرفة.

بادر سماحة الإمام (س) خلال فترة النفي في تركيا ـ والتي لم تدم طويلاً ـ إلى تدوين كتابه «تحرير الوسيلة» الذي قلّ نظيره، في حين لم يكن تحت تصرّفه من الكتب الفقهية إلا كتابي «وسيلة النجاة» و«العروة الوثقى»، ولم يكن معه من الكتب الروائية إلاّ دورة من كتاب «وسائل الشيعة».

هذه النقطة المهمّة التي تعكس تبحر سماحة الإمام (س) في المسائل الفقهية، تتضح ومن بداية رسالة «الواجبات في الصلاة» التي كتبها آية الله الشهيد أثناء وجوده في تركيا.

يتضمن كتاب «تحرير الوسيلة» دورة كاملة في المسائل الفقهية التي لا وجود لبعض أبوابها لا في «العروة الوثقى» ولا في «وسيلة النجاة» والتي كتبها في نص منفصل. ولكن ليس من الصعب على من يطالعها أن يدرك أنّ الكثير من البحوث الفقهية المهمة التي وردت في «تحرير الوسيلة» لا وجود لها في أيٍّ من الكتابين الفقهيين اللذين كانا تحت تصرف الإمام، وعلى الرغم من هذا فقد دوّن كتابه ذلك مع ذكر الكثير من الفروع.

خلّف العلاّمة الشهيد أثناء فترة وجوده في تركيا رسالتين:

9 ـ الواجبات في الصلاة: عرض في هذه الرسالة أقوالاً مختلفة واحتمالات شتّى استند في أكثرها إلى ذاكرته.

أشار العلامة الشهيد في هذا الكتاب إلى بعض الأحداث التاريخية، ومنها: قدوم ممثلين عن نظام الشاه إلى سماحة الإمام وأعلامه بقرار إخراجه من تركيا.

10 ـ الفوائد والعوائد: وتتضمن هذه الرسالة معلومات متفرقة في مواضيع الأصول، والفقه، والكلام، والعرفان. وتتضمن أيضاً جملاً مقتضبة ولكنّها تستعصي على الفهم في مجال الدراسة والتمحيص. وقد أورد في هذا الكتاب على سبيل المثال بحث استصحاب الكُلّي وأقسامه، واستدل على عدم إمكانيّة حصول مثل هذا الاستصحاب.

وبحث في فائدة أخرى موضوع المعاد الجسماني، وفي فائدة أخرى موضوع الدعاء، وتحدث في فائدة أخرى عن الثواب والعقاب.

وتنطوي إحدى هذه الفوائد على موضوع مثير لا تتطرق إليه كتب الأصول عادة، وهو تأثير الظروف الزمانية والمكانية في تغيير الأدلة والحُجج. يقول في هذا الصدد: بعد تصرّم عهود طويلة على مختلف العلوم واتضاح حقيقة وقوع الكثير من الأخطاء فيها، لم يعد بالإمكان انجاز التحقيقات العلمية لوحدها وبدون استشارة المختصين الآخرين، ولو أنّ أحداً أدلى برأيه بدون الاستنارة بآراء الآخرين واستشارتهم، لا يعتبر رأيه ذلك حجّة عند العقلاء.

إنّ رأياً كهذا لابدّ وان يقود إلى تقليص التشتت في الآراء، ويؤدي إلى نضوج وتكامل الوضع العلمي في الحوزات.

أشار في ختام هذه الفائدة إلى تاريخ تدوينها وهو يوم 22 جمادى الأولى.

 

كتب العلامة الشهيد في النجف الأشرف:

بعد مغادرة سماحة الإمام ونجله لتركيا وتوجهه صوب النجف الأشرف، بدأ الشهيد العزيز نشاطه السياسي على شتّى الأصعدة.

فمن جهة وجود الإمام في العراق وفي مهد الحوزات العلمية الشيعية العريقة، قد أثار حسّاسية فئة من الجهلة الذين سعوا إلى عزله عن سائر علماء النجف، وإظهاره وكأنه رجل حريص على نيل منصب المرجعية.

ومن جهة أخرى كانت سعة علاقات السيد الإمام مع إيران والبلدان الإسلامية وغير الإسلامية تستلزم إيجاد تنسيق واسع بين الشخصيات الثورية وأنصار النهضة الإسلامية. وكان ذلك التنسيق ينتهي بأجمعه إلى العلامة الشهيد سيد مصطفى، وكان حضوره إلى جانب الإمام بمثابة حلقة الوصل بين الإمام ومختلف الشخصيات.

كما ودأب المرحوم سيد مصطفى إلى كسر طوق العزلة عن الإمام، وتعريفه كمجتهد بارع، وفقيه متبحّر في مختلف العلوم الإسلامية.

أدّى حضوره في حلقات درس الأساتذة الكبار في النجف إلى شد الأنظار إليه وإلى أستاذه ووالده سماحة الإمام (س)، ونتج عنه كثرة توافد الطلبة على درس الإمام.

كان لأسلوب الإمام في التدريس، والتحقيق في المواضيع، وتقصي مختلف الآراء والأدلة، وإحاطته بجميع القواعد العامّة، وتبحّره في العلوم العقلية، ودراسته لكتب وآراء الأساتذة والشخصيات المعاصرة، إضافة إلى كثرة الأسئلة والأجوبة بينه وبين تلاميذه، دوراً في إضفاء نكهة خاصّة على درس الإمام (س)، وهذا ما كان يُعتبر ظاهرة فريدة في الحوزات العلمية في العراق يومذاك.


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق