من‌ المؤكد أن‌ في‌ الإسلام‌ ضمانات‌ لا توفرها الديمقراطية‌ الأوروبية‌ وأهمها: استقلال‌ التشريع‌ عن‌ الدولة‌، وسيادة‌ مبادئ الشريعة‌ التي‌ تحمي‌ حقوق‌ الإنسان‌ وكرامته‌ من‌ طغيان‌ الحكام‌ وأصحاب‌ السلطان‌. وكذلك‌ وجود مبدأ الأمر بالمعروف‌ والنهي‌ عن‌ المنكر الذي‌ يوجب‌ على‌ الأمة‌ وأهل‌ الحل‌ والعقد فيها المبادرة‌ إلى‌ وقف‌ كل‌ تجاوز على‌ الدستور أو القيم‌.

وقد أثار البعض‌ إشكالية‌ مفادها أن‌ النظام‌ الإيراني‌ فيه‌ دكتاتورية‌ طبقة‌ الفقهاء، وقد رد الدكتور توفيق‌ محمد الشاوي‌ على‌ هذه‌ الإشكالية‌ بقوله‌: "نحن‌ لا نصدق‌ الإعلام‌ العالمي‌ الذي‌ يروّج‌ لهذه‌ الاتهامات‌، لكن‌ إن‌ صح‌ شي‌ء منها، فهو لا يُبرر اتهام‌ الإسلام‌؛ لأن‌ هذه‌ التجاوزات‌ ـ إن‌ وجدت‌ ـ فهي‌ دكتاتورية‌ أغلبية‌ برلمانية‌ ديمقراطية‌ منتخبة‌ من‌ قبل‌ الشعب‌، وهي‌ من‌ نتائج‌ مبدأ حكم‌ الأغلبية‌ وسيادة‌ الشعب‌ الذي‌ تمثله‌ هذه‌ الأغلبية‌، وهي‌ مبدأ ديمقراطي‌ معروف‌ في‌ العالم‌ أجمع‌، ولم‌ يبتكره‌ الإيرانيون‌ ولا المسلمون‌.

ومن‌ الإنصاف‌ للإمام‌ الخميني‌(قدس‌) أن‌ نذكر أنه‌ أشار في‌ مواضع‌ كثيرة‌ من‌ دروسه‌ أن‌ الإسلام‌ لا يقر دكتاتورية‌ الأغلبية‌ البرلمانية‌ التي‌ يمكن‌ أن‌ تمارسها أحزاب‌ الأغلبية‌ في‌ النظم‌ النيابية‌ أو البرلمانية‌، وأن‌ سيادة‌ الشريعة‌ الإسلامية‌ هي‌ ضمان‌ يحول‌ دون‌ هذه‌ الدكتاتورية‌ البرلمانية‌، لأن‌ البرلمان‌ وجميع‌ سلطات‌ الدولة‌ تلتزم‌ بعدم‌ مخالفة‌ أحكام‌ الشريعة‌، أو تجاوز حدود السلطات‌ التي‌ تقررها.

وإذا ما تعمقنا في‌ دراسة‌ مواد الدستور الإيراني‌ فسوف‌ نجد ضمانات‌ عديدة‌ تكفل‌ سلامة‌ الحريات‌ والحقوق‌ السياسية‌ للمواطنين‌، وهي‌ ضمانات‌ تبعث‌ على‌ الأمل‌ والرَّجاء في‌ هذا الوقت‌ الذي‌ يعلو فيه‌ عواء الأعداء لإقصاء أول‌ تجربة‌ إسلامية‌ معاصرة‌ ينص‌ دستورها على الحريات‌ العامة‌ بصورة‌ لا لبس‌ فيها، ويُنشي‌ء مؤسسات‌ سياسية‌ وقانونية‌ من‌ أجل‌ المحافظة‌ عليها.

وسوف‌ نستعرض‌ أدناه‌ أبرز هذه‌ الضمانات‌، ضمن‌ النقاط‌ التالية‌:

 

1ـ مبدأ الفصل‌ بين‌ السلطات‌

وأكدت‌ المادة‌ (57) على‌ هذا المبدأ بصراحة‌، وجاء فيها: "السلطات‌ الحاكمة‌ في‌ جمهورية‌ إيران‌ الإسلامية‌، هي‌: السلطة‌ التشريعية‌، والسلطة‌ التنفيذية‌، والسلطة‌ القضائية‌، وتمارس‌ صلاحياتها تحت‌ إشراف‌ ولي‌ّ الأمر وإمام‌ الأمة‌... وتعمل‌ هذه‌ السلطات‌ مستقلة‌ عن‌ بعضها البعض‌، ويتم‌ التنسيق‌ فيما بينها بواسطة‌ رئيس‌ الجمهورية‌" ويتضح‌ من‌ ذلك‌ أن‌ هذه‌ السلطات‌ مستقلة‌، ولكن‌ لا يعني‌ ذلك‌ أنها متقاطعة‌، بل‌ هناك‌ تنسيق‌ مستمر فيما بينها، وذلك‌ يتفق‌ مع‌ أحدث‌ النظريات‌ السياسية‌ التي ‌ترى‌ أن‌ الاستقلال‌ للسلطات‌ الثلاث‌ ليس‌ معناه‌ عدم‌ الالتقاء، بل‌ أن‌ لا تهيمن‌ إحداها على‌ الأخرى‌ وتطوّعها لإرادتها، أو أن‌ تخضع‌ السلطات‌ لسلطة‌ واحدة‌ تنفرد بالقرار.

 

2ـ مبدأ سيادة‌ القانون‌

فقد منح‌ الدستور السلطة‌ القضائية‌ صلاحيات‌ واسعة‌ من‌ أجل‌ تطبيق‌ العدالة‌ وإحقاق‌ الحق‌، ومن‌ مصاديق‌ ذلك‌ تنص‌ المادة‌ (156) على‌ أن‌ السلطة‌ القضائية‌ هي‌: سلطة‌ مستقلة‌، تدافع‌ عن‌ الحقوق‌ الفردية‌، والاجتماعية‌، وعليها مسؤولية‌ إحقاق‌ العدالة‌.

ضمن‌ هذا الإطار نصت‌ المادة‌ (20) على‌ أن‌ حماية‌ القانون‌ تشمل‌ جميع‌ أفراد الشعب‌ ـ نساءً ورجالاً ـ بصورة‌ متساوية‌، وهم‌ يتمتعون‌ بجميع‌ الحقوق‌ الإنسانية‌ والسياسية‌ والاقتصادية‌ والاجتماعية‌ والثقافية‌ ضمن‌ الموازين‌ الإسلامية‌.

 

3ـ مجلس‌ صيانة‌ الدستور

ويقوم‌ بمهمة‌ إعطاء الرأي‌ النهائي‌ في‌ مدى‌ مطابقة‌ أي‌ قانون‌ يصادق‌ عليه‌ مجلس‌ الشورى‌، فقد أوجبت‌ المادة‌ (94) على‌ مجلس‌ الشورى‌ أن‌ يرسل‌ جميع‌ ما يصادق‌ عليه‌ إلى‌ مجلس‌ صيانة‌ الدستور خلال‌ عشرة‌ أيام‌. أما المادة‌ (98) فقد اعتبرت‌ تفسير الدستور من‌ اختصاص‌ مجلس‌ صيانة‌ الدستور، ويتم‌ التفسير بمصادقة‌ ثلاثة‌ أرباع‌ الأعضاء. وللمجلس‌ المذكور وظيفة‌ ثالثة‌، وهي‌ الإشراف‌ على انتخاب‌ رئيس‌ الجمهورية‌، وانتخابات‌ أعضاء مجلس‌ الشورى‌، وعلى‌ الاستفتاء العام‌، نصت‌ على‌ ذلك‌ المادة‌ (99) من‌ الدستور.

وعليه‌ فهو يحظى‌ بمكانة‌ رفيعة‌، لكونه‌ المرجع‌ الوحيد في‌ معرفة‌ مدى‌ دستورية‌ القوانين‌، وفي‌ تفسير مواد الدستور والإشراف‌ على‌ الانتخابات‌ بغية‌ الحيلولة‌ دون‌ أي‌ تجاوزات‌ أو تسلل‌ عناصر غير جديرة‌ بالمناصب‌ الهامة‌، فتكون‌ معاول‌ هدم‌ للنظام‌.

 

4ـ السماح‌ بتشكيل‌ الأحزاب‌ والجمعيات‌ والنقابات‌

نصت‌ على‌ ذلك‌ المادة‌ (26) فقد منحت‌ الحرية‌ لهذه‌ التنظيمات‌ في‌ ممارسة‌ نشاطها السياسي‌ والاجتماعي‌، بشرط‌ أن‌ لا تنقض‌ أسس‌ الاستقلال‌ والحرية‌، والوحدة‌ الوطنية‌.

فمن‌ المعروف‌ "أن‌ الأحزاب‌ هي‌ إحدى‌ السُّبل‌ التي‌ تعبر عن‌ سيادة‌ الشعب‌، فهي‌ عبارة‌ عن‌ تجمع‌ الأفراد في‌ تنظيمات‌ تتولى‌ مهمة‌ اختيار ممثلي‌ الأمة‌. فالأحزاب‌ هي‌ أداة‌ حكم‌ ووسيلة‌ معارضة‌ بالقدر الذي‌ تملك‌ فيه‌ الأكثرية‌ النيابية‌ أو الأقلية‌، فتسهم‌ بذلك‌ بصنع‌ إرادة‌ الأمة‌.. وبما أن‌ الأحزاب‌ وبرامجها لا تعبّر بصدق‌ وأمانة‌ عن‌ جميع‌ ميول‌ الشعب‌ ونزعاته‌ واتجاهاته‌، فكان‌ من‌ الضروري‌ في‌ المجتمعات‌ الحرّة‌ السماح‌ بتكوين‌ التجمعات‌ المتعددة‌ التي‌ تعكس‌ مختلف‌ التيارات‌"، ونظراً للمعطيات‌ الإيجابية‌ لهذه‌ التنظيمات‌، وخاصة‌ الحزبية‌ منها، أضفى‌ الدستور الصفة‌ القانونية‌ على‌ إنشائها، وهي‌ بدورها شكلت‌ دعامة‌ أساسية‌ لضمان‌ الحرية‌.

 

5ـ علماء الدين‌

يتميز المجتمع‌ الإيراني‌ بسعة‌ نفوذ المؤسسة‌ الدينية‌، وقوة‌ تأثيرها على‌ الشعب‌، وقد دعم‌ علماء إيران‌ الحركة‌ الدستورية‌ منذ بداية‌ القرن‌ التاسع‌ عشر "كانوا من‌ دعاة‌ الالتزام‌ بالمبادئ‌ التي‌ طرحها دستور 1906م‌ الذي‌ أيدته‌ الأغلبية‌ الساحقة‌ من‌ فقهاء الشيعة‌ في‌ إيران‌ والعراق‌، ونصت‌ مادته‌ الأولى‌ على‌ أن‌ دين‌ الدولة‌ الرسمي‌ هو الإسلام‌، وأن‌ الجعفرية‌ (الشيعة‌ الأثني‌ عشرية‌) هو مذهبها ومذهب‌ رئيسها. كما نصت‌ مادته‌ الثانية‌ على‌ تشكيل‌ مجموعة‌ من‌ الفقهاء ـ ستة‌ أشخاص‌ ـ لهم‌ الحق‌ في‌ مناقشة‌ أي‌ قانون‌ ورده‌ إذا كان‌ مخالفاً للشريعة‌ الإسلامية‌. وكان‌ الالتزام‌ بالمادة‌ الثانية‌ من‌ الدستور ـ التي‌ لم‌ تنفذ ـ هو أقصي‌ ما تطالب‌ به‌ المؤسسة‌ الدينية‌".

فكانت‌ ثورة‌ الدستور بقيادة‌ الفقهاء قد أرغمت‌ الشاه‌ مظفر الدين‌ شاه‌ علي‌ قبول‌ دستور 1906م‌، غير أنه‌ عطّله‌ بعد الجلسة‌ الأولى‌! وقد وصل‌ (رضا خان‌) إلى‌ السلطة‌ في‌ ظل‌ تعليق‌ الدستور .

فمنذ بداية‌ الثورة‌ الدستورية‌ وحتى‌ قيام‌ الثورة‌ عام‌ 1979م‌ "كان‌ همّ العلماء الشيعة‌ في‌ إيران‌، هو أن‌ يكون‌ الناس‌ أحراراً في‌ بلادهم‌ وأسياداً عليها، ولم‌ يكونوا يرون‌ للسلطان‌ أي‌ حق‌ في‌ أن‌ يمنح‌ الأجانب‌ امتيازات‌ تمكنهم‌ من‌ مصادرة‌ الحرية‌ والكرامة‌ فضلاً عن‌ الثروات‌. وبما أن‌ الاستبداد كان‌ يمنع‌ من‌ مشاركة‌ الناس‌ ويحول‌ دون‌ ممارسة‌ حق‌ الحرية‌، وبما أن‌ الغرب‌ قد حقق‌ هذه‌ المشاركة‌ التي‌ يؤكد عليها الإسلام‌. فما كان‌ عليهم‌ إلا العمل‌ على‌ إزالة‌ الاستبداد وإقامة‌ نظام‌ دستوري‌ كبديل‌ عن‌ النظام‌ المطلق‌؛ لكي‌ يحقق‌ الآمال‌ المعقودة‌ والأهداف‌ المنشودة‌، ولم‌ يروا في‌ ذلك‌ مخالفة‌ للإسلام‌ باعتبار أن‌ هذه‌ البضاعة‌ ـ أي‌ الدستور ـ ردت‌ إلينا، وعلينا الاستفادة‌ من‌ كل‌ الأطروحات‌ الفكرية‌ والسـياسية‌ التي‌ ساهـمت‌ في‌ تحرير الإنـسان‌ وتطوره‌ أينما كان‌.

وهكذا نجد أن‌ بعض‌ الفقهاء في‌ النجف‌ وقم‌ دعموا الدستور لتأمين‌ الحرية‌ بذكاء بالغ‌، كالإمام‌ النائيني‌ الذي‌ رأى‌: أن‌ الحاكم‌ الظالم‌ الذي‌ لا يُقيد بدستور أو مجلس‌ شعبي‌ (برلمان‌) يغتصب‌ أمرين‌ معاً في‌ آن‌ واحد؛ حق‌ الإمام‌ الغائب‌، وحرية‌ الناس‌. أما الحاكم‌ الذي‌ يقيد بدستور ومجلس‌ شعب‌، فهو يغتصب‌ حق‌ الإمام‌ وحده‌، بينما يؤمن‌ حريات‌ الناس‌، ولهذا فيجب‌ أن‌ يظل‌ حكمه‌ هو المفضل‌ طالما أن‌ غيبة‌ الإمام‌ مستمرة‌".

علماً بأن‌ الموقف‌ الأساسي‌ للمراجع‌ في‌ قم‌، ظلّ ملتزماً بحدود الإصلاح‌ الدستوري‌، ويستبعدون‌ فكرة‌ التغيير الكلي‌ للنظام‌ الشاهنشاهي‌، ناهيك‌ عن‌ تولي‌ السلطة‌ ومباشرة‌ الحكم‌، كانوا من‌ دعاة‌ الالتزام‌ بالمبادئ‌ التي‌ فرضها دستور 1906م‌ الذي‌ أيدته‌ الأغلبية‌ الساحقة‌ من‌ فقهاء الشيعة‌، ولكن‌ الإمام‌ الخميني‌(قدس‌)؛ وجد أن‌ الإصلاح‌ لا يكفي‌، وينبغي‌ قلب‌ النظام‌ رأساً على عقب‌، وإقرار دستور جديد يمنح‌ الولاية‌ للفقيه‌ العادل‌ بدلاً من‌ السلطان‌ الجائر، وهو ما حصل‌ بالفعل‌.

ومن‌ هنا بمقدورنا أن‌ نقول‌: أن‌ علماء الدين‌ في‌ إيران‌ هم‌ من‌ أهم‌ الضمانات‌ لدعم‌ الدستور وصيانته‌؛ وذلك‌ لأن‌ لديهم‌ القدرة‌ على تحريك‌ الرأي‌ العام‌ في‌ كل‌ مجال‌ يخدم‌ الصالح‌ العام‌، ولا يغرب‌ عن‌ بالنا حادثة‌ تحريم‌ شراء وبيع‌ التبغ‌ الداخلي‌ والخارجي‌ لبريطانيا من‌ خلال‌ تاجر انكليزي‌ يدعى‌ (رجي‌) حيث‌ سلّط‌ الشاه‌ الظالم‌ الكفار على‌ جانب‌ اقتصادي‌ حيوي‌، الأمر الذي‌ دفع‌ الميرزا الشيرازي‌ إلى‌ إصدار فتواه‌ المعروفة‌، القائلة‌: "إن‌ استعمال‌ التبغ‌ ومشتقاته‌ حرام‌ اليوم‌، وإنه‌ يعدّ بمثابة‌ إعلان‌ الحرب‌ ضدّ الإمام‌ المهدي‌(عج)" فاضطر الشاه‌ بفعل‌ ضغط‌ الشارع‌ الإسلامي‌ إلى إلغاء الصفقة‌.

وقد حدث‌ في‌ عام‌ 1879م‌ أن‌ منح‌ البارون‌ (جوليوس‌ دي‌ ريتر) مؤسس‌ وكالة‌ الأنباء البريطانية‌ المعروفة‌ (رويتر) حق‌ احتكار كافة‌ مصادر التعدين‌ والاتصالات‌ في‌ إيران‌ لمدة‌ خمسين‌ سنة‌، فقاد الفقهاء حملة‌ واسعة‌ للاحتجاج‌ على‌ تلك‌ الاتفاقية‌ والدعوى‌ إلى‌ إلغائها، وإزاء الضغط‌ الشعبي‌ الكبير تراجع‌ الشاه‌، وألغى‌ الامتياز.

ولما اشترط‌ في‌ معاهدة‌ الكابيتولاسيون‌ (أي‌ الاشتراط‌) أن‌ لا تُطبق‌ على‌ السكان‌ الأجانب‌ في‌ إيران‌ إلاّ قوانين‌ دولهم‌، حيث‌ يتولى القنصل‌ التابع‌ للدول‌ المذكورة‌ تطبيقها، وكانت‌ نوعاً من‌ الحصانة‌ القضائية‌ للأجانب‌، وتسليطهم‌ على‌ رقاب‌ المسلمين‌، نهض‌ العلماء الأعلام‌ وفي‌ طليعتهم‌ الإمام‌ الخميني‌(قدس‌)؛ واعترضوا على‌ هذه‌ المعاهدة‌ التي‌ عقدها الشاه‌ المقبور عام‌ 1963م‌، فاضطر الشاه‌ إلى‌ إلغائها، وقد أبعد الإمام‌ الخميني‌(قدس‌)؛ على‌ أثرها إلى‌ تركيا. هذه‌ الشواهد تثبت‌ بما لا يدع‌ مجالاً للشك‌ مدى‌ قدرة‌ العلماء على‌ التأثير في‌ مجرى‌ الأمور.

 

6ـ الوعي‌ العام‌

كنا قد تحدثنا سابقاً عن‌ أن‌ الوعي‌ الجماهيري‌ هو من‌ الضمانات‌ المهمة‌ لصيانة‌ الحريات‌. فمن‌ الجدير بالذكر أن‌ حكام‌ الجور يحاولون‌ تسطيح‌ وعي‌ الناس‌ من‌ أجل‌ مصادرة‌ حرياتهم‌ وضمان‌ طاعتهم‌، يقول‌ عبد الرحمن‌ الكواكبي‌: "فالمستبد يود أن‌ تكون‌ رعيته‌ كالغنم‌ ذلاً وطاعة‌، وكالكلاب‌ ذلاً وتملقاً، وعلى‌ الرعية‌ أن‌ تكون‌ كالخيل‌ إن‌ خُدمت‌ خَدمت‌، وإن‌ ضُربت‌ شرست‌، بل‌ عليها أن‌ تعرف‌ مقامها هل‌ خلقت‌ خادمة‌ للمستبد أم‌ جاءت‌ به‌ ليخدمها فاستخدمها..."

وبطبيعة‌ الحال‌ أنّ نظام‌ الحكم‌ العادل‌ على‌ العكس‌ من‌ ذلك‌ يسعى‌ إلى‌ رفع‌ مستوى‌ وعي‌ الجماهير بشتى‌ السُّبل‌ والوسائل‌، ويعمل‌ على‌ دفعهم‌ للمشاركة‌ في‌ خدمة‌ قضايا وطنهم‌. وإيمانا من‌ النظام‌ الإسلامي‌ بأن‌ الجماهير هي‌ صاحبة‌ القرار وعليها الدور الأكبر في‌ عملية‌ النهوض‌ الحضاري‌، فقد ضمن‌ الدستور فقرةً تؤكد على‌ أهمية‌ رفع‌ الوعي‌ العام‌ بعدما مارس‌ حكام‌ إيران‌ السابقون‌ سياسة‌ تجهيل‌ الأمة‌ وخفض‌ وتيرة‌ وعيها بغية‌ تطويع‌ إرادتها وتهميش‌ دورها. جاء في‌ المادة‌ (3) الفقرة‌ (2) من‌ الدستور: "رفع‌ مستوى‌ الوعي‌ العام‌ في‌ جميع‌ المجالات‌، بالاستفادة‌ السليمة‌ من‌ المطبوعات‌، ووسائل‌ الإعلام‌، ونحو ذلك"‌.

من‌ جميع‌ ما تقدم‌ نخرج‌ بمحصلة‌ نهائية‌ هي‌ أن‌ دستور الجمهورية‌ الإسلامية‌ هو دستور سليم‌، قد أشار إلى‌ تقسيم‌ السلطات‌ وتوازنها، وتطرق‌ لأنواع‌ الحريات‌ العامة‌، وحوى‌ على‌ الضمانات‌ الكافية‌ لصيانتها.

المصدر: موقع تبيان