دراسة تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية

الثورة الإسلامية في إيران طرحت نموذجا سياسيا جديدا باسم (الديمقراطية الدينية) وهي تحظى بأهمية خاصة لدى من يسعى لإيجاد اتصال بين الدين والمؤسسات الجديدة.

فكرة الديمقراطية الدينية تشكل أزمة لنظريات (نهاية التاريخ) و(نهاية الإيديولوجية). في الحقيقة هذا النموذج طرح نفسه بمثابة فلسفة سياسية ونموذج حكومة خاص ومستقل أمام الفلسفات السياسية والنماذج الحكومية البديلة، ويشكل مأزقاً للادعاءات التي تعتبر عصر الحداثة عصر انتهاء حضور الدين والإيديولوجية في الصعد العامة لحياة البشرية.

في هذه المقالة سوف نسعى للإجابة على الأسئلة التالية: ما هي الأسس النظرية لهذا النموذج السياسي؟ وما هي خصوصيات نموذج الديمقراطية الدينية في إيران بعد الثورة؟

للإجابة على هذه الأسئلة بداية نتطرق لدراسة النتائج المختلفة في مجال الدين والسياسة من الجانب النظري.

ألف- وجهات النظر المختلفة حول علاقة الدين بالديمقراطية:

فيما يتعلق بعلاقة الدين بالديمقراطية يوجد وجهات نظر مختلفة، البعض ومع التأكيد على عدم التوافق بين أسس الديمقراطية والدين يحكمون عليهما بالتناقض والاختلاف.

ويعتقد البعض أن الديمقراطية لا تتناقض أبداً مع الإسلام ويمكن للإسلام والديمقراطية أن يتماشيا ويتسايرا مع بعضهما البعض. لكن هناك وجهة نظر ثالثة أيضا في مجال علاقة الدين بالديمقراطية يعتقد أصحابها نظرا إلى انه لا يوجد فهم واحد فقط لمفهومي الدين والديمقراطية لذا يجب القول بأنه نظرا إلى نوع التفسير والنظرة إلى مفهومي الديمقراطية والدين يمكن طرح وجهات نظر مختلفة حول تفاعل وتوافق أو عدم تفاعل وتعارض الدين والديمقراطية.

هذه المجموعة تعتقد بأنه لا يوجد أساساً فهم واحد للديمقراطية ويمكن ذكر أنواع وأصناف مختلفة للديمقراطية ومن جهة أخرى لا توجد نظرة واحدة للدين ومن الطبيعي أن كلاً من هذه الرؤى يمكنها أن ترتبط بالرؤى الأخرى بنسب مختلفة فيما يخص القضايا الجديدة كالديمقراطية، لذلك لا يمكن الحديث عن التوافق أو التعارض الكامل للإسلام والديمقراطية بل يجب دراسة توافق أو تعارض بعض وجهات النظر الإسلامية مع بعض تعاريف الديمقراطية.

على هذا الأساس، تعتقد هذه المجموعة من المفكرين أنه لو اعتبرنا الديمقراطية أسلوبا من أجل إدارة المجتمع الذي يحتوي مجموعة من المؤسسات والاهم من ذلك قاعدة اللعب السياسي التي ينحصر هدفها بالحفاظ على أفراد المجتمع من مخاطر الاستبداد، لكان من الممكن ربط الديمقراطية مع القراءة العقلية للإسلام ويمكن عندها الحديث عن نوع من الديمقراطية الإسلامية.

في الحقيقة لو اعتبرنا أن مغزى الديمقراطية هو حاكمية الإرادة الشعبية، ففي هذه الصورة تبلور الحاكمية الشعبية لكل مجتمع سيكون له علاقة وثيقة بالهوية الثقافية وأصول وقيم ذلك المجتمع، حيث ستكون حاكمية الإرادة الشعبية في المجتمع العلماني مختلفة عن حاكمية الإرادة الشعبية في المجتمع الديني. حسب أقوال بعض العلماء (المفكرين) أن الديمقراطية بصفتها أداة، تحتاج إلى الثقافة السياسية المكملة لكي تستطيع أن تحظى بالثبات في كل مجتمع. ومن الطبيعي أنه لتكون الديمقراطية ثابتة في المجتمعات الدينية نحتاج إلى الربط بين الديمقراطية والأعراف الدينية.

بناء على هذا ما يعين اختلاف الأنظمة الديمقراطية مع بعضها الآخر هو الأرضية الثقافية التي تجري عليها الديمقراطية.

في الحقيقة كما أن الديمقراطية الليبرالية تجري في إطار القيم الليبرالية، والفعاليات السياسية والاجتماعية يمكنها أن تستمر إلى حد لا تهدد فيه القيم المجسدة لهوية الديمقراطية بخطر، ولا يقبل أي فعل يؤدي إلى كسر القيم الليبرالية، وفي الديمقراطية الدينية فإن الديمقراطية تجري ضمن إطار القيم الدينية، والقيم الحاكمة على هذين النوعين من الديمقراطية هي أهم أوجه تمايزهما.

بناء على هذا ، يمكن أن تكون الديمقراطية الدينية بما لها من جذور في الأعراف الدينية نموذجا مناسبا وأكثر استمراراً في المجتمعات الدينية من أجل استقرار الحكومات الجديرة والرائدة والشعبية، هذا وتم السعي في إيران بعد الثورة الإسلامية لإيصال هذا النموذج السياسي إلى طور التطبيق وسوف نتطرق فيما يلي إلى خصوصيات هذا النموذج في إيران.

ب- الأسس النظرية وخصوصيات نموذج الديمقراطية الدينية في إيران:

عندما أسقطت القوى الثورية النظام الحاكم بعد الثورة الإسلامية في إيران طرح الإمام الخميني وقسم مهم من القوى الإسلامية نموذج الجمهورية الإسلامية، وفي الحقيقة دافعوا عن نموذج جديد يعمل على إيجاد علاقة مناسبة بين الإسلام والديمقراطية ودافعوا عن الديمقراطية الدينية. فرضيات هذه المجموعة هي في الحقيقة النظرة الثالثة، أي أنهم كانوا يعتقدون أنه يمكن استخدام والاستفادة من الديمقراطية بصفتها أداة جديدة لتحقيق الإرادة الشعبية في المحيط الديني.

الإمام الخميني كونه فقيها عقلياً، حيث يحظى العقل والاجتهاد في فكره الفقهي بمكانة خاصة، تطرق إلى الدفاع عن الديمقراطية الدينية. كان يعتقد في دفاعه عن الديمقراطية أن الديمقراطية الحقيقية هي في الإسلام والمساواة والحية لهما جذور في عقيدة التوحيد. من حيث أن جميع الناس هم عباد الله لذلك فهم بالنسبة لبعضهم البعض سواسية وأحرار ولا يستطيع أي إنسان أن يضع القيود لباقي الناس. ويستنبط من هذه القضية حق تحديد المصير وهو (الإمام الخميني) بالنظر إلى الاعتقاد بحجة العقل وسيرة العقلاء يعتقد كذلك أن رأي الأكثرية في القضايا الاجتماعية أقرب إلى الواقع وفي المواضيع التي لا يوجد فيها نص يمكن أن يصبح رأي الأكثرية معياراً للعمل الاجتماعي. على أساس هذه النظرة للدين، يدافع الإمام الخميني عن الديمقراطية بصفتها أداة سياسية وبناء على هذا وحسب قوله (للجمهورية نفس المعنى في كل مكان فيه جمهورية). لكنه أكد أن هذه الجمهورية تستند إلى قانون أساسي وهذا القانون هو الإسلام، وأضاف تشكل الجمهورية ظاهر وشكل الحكومة والإسلام مضمونها وهو عبارة عن القوانين الإلهية.

حسب ما يقول فإن الاختلاف الأساسي بين الديمقراطية الإسلامية والديمقراطيات الأخرى ليس في تضاد الإسلام مع المساواة والحرية بل في اختلاف نظرة الإسلام والمذاهب المادية الأخرى لهذه القضايا وحسب ما يقول أيضا فإن المذاهب الإلهية تقدم تعريفا أكثر واقعية للحرية والمساواة بين الناس لأنها تملك فهماً اشمل للأبعاد الوجودية للإنسان حيث أنها تدافع عن حرية الأبعاد الإنسانية للإنسان لكن المذاهب المادية نظراً إلى نظرتها للإنسان تدافع عن نوع من حرية الأبعاد الحيوانية للإنسان. على هذا الأساس فإن الاختلاف المهم بين الديمقراطية الإسلامية والديمقراطيات الأخرى يكمن في الأسس المعرفية والنظرة إلى العالم والانثروبولوجيا لدى الليبرالية والإسلام، لأنه من حيث علم المعرفة فتعتمد الليبرالية فقط على العقل الفيزيائي في حين أن الإسلام يعتقد أن العقل والوحي يستطيعان إلى جانب بعضهما الآخر أن يقدما للإنسان فهما صحيحا للحقيقة. كذلك الليبرالية فهي من حيث علم الوجود فهي تركز على الإنسان كما أنها دنيوية في حين أن الإسلام يركز على الرب والآخرة، وبالنسبة للانثروبولوجيا فأن الليبرالية أيضا تنظر فقط إلى ميول الإنسان ورغباته المادية والغريزية في حين ينظر الإسلام إلى الأبعاد المادية والمعنوية للإنسان وإلى كماله وسعادته أيضا.

بناء على هذا، فإن مجال عمل الديمقراطية الليبرالية أولا هو الميول والرغبات الإنسانية في حين مجال عمل الديمقراطية الإسلامية هو القوانين الإلهية القائمة على أساس المتطلبات المادية والمعنوية للإنسان والتي أتت في سبيل حركته التكاملية، وثانياً الاختلاف الآخر للديمقراطية الإسلامية يمكن اعتباره كامنا في وجود الأهداف السامية (مثل سعادة الإنسان وبنائه). في حين أن الديمقراطية الليبرالية لا تملك أهدافاً سامية وهي عبارة عن سعي لحفظ الوضع الموجود.

لنموذج الديمقراطية في إيران والقائم على هذه الأسس النظرية، الخصائص التالية:

-قبول قاعدة تأسيس النظام السياسي الديني من قبل الشعب.

-قبول القانون الأساسي القائم على ضرورة حكم القوانين الإلهية من قبل الشعب.

-وجود آليات المشاركة السياسية المتساوية والحرة لجميع طبقات الشعب.

-وجود آليات الرقابة على القوى السياسية.

-إيجاد الآليات اللازمة من اجل الربط بين قانون الشريعة ورأي الأكثرية.

 

استنتاج:

بشكل عام، نموذج الديمقراطية الدينية في إيران يقوم من جهة على الأسس المعرفية الدينية وعلى النظرة الدينية للعالم والانثروبولوجيا الدينية والنظرة الاجتهادية والمعقولة والإنسانية للدين. ومن جهة أخرى قائم على نظرة مصلحية وسلوكية للديمقراطية. وفي المحصلة الادعاء الأساسي للديمقراطية الدينية هو انه يمكن إقامة حكومة شعبية قائمة على القيم الدينية وفي إطار الأحكام الإلهية بدلا من الديمقراطية القائمة على الأسس العرفية والمركزة على الإنسان والفردية والتجارية، ويعتقد أن (الديمقراطية يمكنها أن تدوم وتكون مثالية فقط في حال أنها تجاوزت المجال السياسي وأصبحت جزءا من الحياة الفردية والاجتماعية). وسوف يحدث هذا الأمر في المجتمعات الإسلامية عندما تتجذر الديمقراطية في الأعراف والتقاليد والمعتقدات الإسلامية. بعبارة أخرى بالنظر إلى الظروف الثقافية والحقائق الموجودة في المجتمعات الإسلامية فإن الديمقراطية الدينية هي أدوم وأنسب أشكال الديمقراطية بالنسبة لهذه المجتمعات.