من كتاب المواعظ الحسنة للإمام الشهيد الخامنئي؛ الموعظة الأولى: البكاء على النفس
التاريخ: 12-07-2026
إن الذي قصم ظهر المجتمعات البشرية البالغة التمدن والتطور، والتي سخّرت كل ما في الطبيعة لخدمتها ورفاهيتها، هو فراغها من القيم الأخلاقية. لقد حققت هذه المجتمعات جميع متطلبات الحياة المادية ـ وبمختلف كمالياتها ـ حتى بلغت حدّ الرفاهية، ولكنها رغم ذلك لم تكتف ولم تحصل على مطلوبها.
إلى الذين سلكوا طريق ذات الشوكة
فاقتلعوا كل أشواك الطريق
إلى الذين يكتبون بجهادهم حروف النور
فتضيء للأمة طريق المسير
وإنسان المجتمع المادي يعترف بذل صراحة. ففي الوقت الذي كانت تتراوح ساعات العمل فيه ما بين أربع عشرة إلى ستة عشرة ساعة من العمل الشاق يومياً باتت اليوم تتراوح ما بين خمس إلى ست ساعات، الأمر الذي سمح بازدياد أوقات الفراغ إلى 18ـ19 ساعة يومياً مع إمكانية ملئها بكافة وسائل الراحة والترفيه المتطورة جداً، بفضل التطور الصناعي والتكنولوجي، وبالرغم من كل ذلك فإن الإحساس بلذّة العيش لا زال يتضاءل يوماً بعد يوم.
وتأتي الإحصاءات لتكشف الواقع المرير الذي تعيشه المجتمعات "الراقية". فكثرة جرائم القتل وحالات العنف، وارتفاع نسبة الانتحار وتزايدها. وتفكك العائلة ـ النواة الأساسية في المجتمع البشري ـ وتمزقها، مضافاً إلى الاضطرابات النفسية وتزايد عدد مراكز العلاج النفسي، وفقدان حالة الأمن والاستقرار الاجتماعي، كل ذلك يدلّل بوضوح على ما نقول.
لقد انحصر كل ما يسعى إليه إنسان اليوم في تسخير الطبيعة لإشباع رغباته وغرائزه، وأهملت المعنويات والحاجات الروحية. لكننا بحمد الله وببركة الإمام الراحل (قده) ازددنا توجهاً واهتماماً بالجانب الفطري المعنوي وبتنا ندرك أصالة هذا التوجه وأولويته. والقيادة الواعية في يومنا هذا تؤكد دائماً على أهمية ضرورة ملء الفراغ الروحي لدى كافة فئات المجتمع وطبقاته، وهي تنتهز كل الفرص لأجل أداء هذه المهمة العظيمة.
الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم هو بعضٌ من بيانات القائد (دام ظله) والتي كان قد وجهها لمجموعة من الأخوة المجاهدين بلسان الناصح المشفق تماماً كما كانت نصائح الإمام الراحل (قده) من قبل، نضعها بين أيديكم وكلنا أمل أن نخطو باتباعها نحو بناء الذات وتزكية النفس بإذن الله تعالى.
ويمثل الكتاب الذي نقدمه لقرائنا الأعزاء مجموعة دروس ألقاها سماحة الإمام القائد على مسمع مجموعة من الأخوة المجاهدين العاملين في قسم الحراسات.
وهذه الدروس عبارة عن سلسلة من المواعظ الأخلاقية اللطيفة التي تحاكي الروح بكل سلاسة وبساطة. وأهميتها تكمن في أنها صادرة عن المربي الأول في الأمة الإسلامية. فكل موعظة فيها تمثل برنامجاً عملياً لتهذيب النفس وتنبيه الغافلين .
لأجل المزيد من الفائدة قام مركز بقية الله الأعظم (ع) بعد ترجمة هذه الدروس بإضافة هوامش، كل واحدٍ منها يتضمن مجموعة من الأحاديث المتعلقة بالدرس.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتمسكين بولاية الفقيه العادل الجامع للشرائط.
والحمد لله رب العالمين
البكاء على النفس
من الأمور التي حثّ عليها شرع الإسلام المقدس أن يبكي الإنسان على نفسه. ولاشك أننا سنبكي جميعاً على أنفسنا فيما لو أدركنا واقعنا. فنحن في الحقيقة في غفلة عن حالنا.
لقد خلق الله الإنسان لأجل هدف محدد، وهو يتحمل المسؤولية، وعليه أن لا يقضي حياته وعمره في غفلة عن ذلك الهدف وتلك المسؤولية.
إن ما تسمعونه من أن أئمتنا الأطهار (ع) كانوا يبكون، مع أنهم أهل الصلاة والعبادة، وأهل العرفان والبصيرة، ولم يكن يخفى عليهم شيء من المعارف الإلهية، إنما كان بسبب عرفانهم وإدراكهم للواقع.
أئمتنا (ع) ـ مع ما هم عليه ـ يبكون! فمن أجل أي شيء، ولماذا؟ وبالطبع، إن عدم البكاء يعدّ تقصيراً عند من وصل إلى تلك المقامات. أما بالنسبة لنا، فالأمر ليس كذلك. نحن ننشغل في تأمين مستلزمات الحياة من طعام وشراب وترفيه وغيرها، ومع أن طلب هذه المباحات لا إشكال فيه، وقد يصبح مرجحاً في بعض الحالات بالنسبة لأمثالنا، إلا أن من وصل إلى تلك المقامات من القرب الإلهي سيكون صعباً عليه جداً أن يصرف لحظة واحدة من حياته في غفلة، حتى ولو كانت لتأمين متطلبات الحياة الضرورية. وهو لأجل ذلك يبكي : يبكي لأجل تلك اللحظة. أنا وأنتم ـ طبعاً ـ لا ندرك حقيقة هذا البكاء، ولذلك نتعجب كيف تكون لحظة واحدة من الغفلة سبباً لكل هذا البكاء!!.. أجل، فهم يرون ما وراء الحجاب، أما نحن فمحجوبون عن الرؤية..
يوم الحسرة والندامة
يقول الله تعالى في إشارة إلى يوم القيام: {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر}... إن كل لحظة واقعية، والتي قد تكون أقل من ثانية واحدة، تصنع لكم الدرجات العليا في الآخرة، ولكنكم يوم القيامة سترون كيف أن آلاف ملايين اللحظات قد ضاعت في الدنيا مقابل لا شيء، أفلا يورث هذا الأمر ندماً؟!
يوم الحسرة هو هذا؛ حيث ترون أن قسماً من لحظات عمركم قد صُرفت في مسيرة البعد عن الهدف والبعد عن الله تعالى. ولهذا، فإن البكاء على النفس من خير الأعمال. بكاء الإنسان على العاقبة بعد الموت ويوم القيامة، هذا اليوم الذي قد يكون عذابه أشد بكثير من عذاب القبر وآلامه، هذا البكاء هو من الأعمال الصالحة... فهل عسانا، ونحن نرى الموت من حولنا، ونستطيع أن نتصور ظلمات القبر ووحدته، أن نستيقظ قبل فوات الأوان؟!
نحن الآن نعيش بين الأصدقاء والأحباء، وننعم بملذات الدنيا وسعاداتها، ولكن سيأتي زمان، من الممكن أن يكون بعد ساعة واحد أو سنة أو عشرين سنة، نفقد فيه كل أعزائنا وملذاتنا، ونبقى في وحدتنا تحت التراب.
في ذلك الحين، ستكون تلك الغربة وذلك البعد عما اعتاد عليه الإنسان طيلة حياته من أصعب الأمور، خاصة عندما يرى جميع أعماله في الدنيا حاضرة ومحيطة به، ويعلم أن سؤال منكر ونكير حق، كما نقرأ في زيارة آل يس.
يوم القيامة الذي قد يبدو لنا، بمنظارنا الدنيوي صعباً، هو في الواقع أصعب بالآلاف المرات مما نتصوره، ولكن بما أنه بعيد عن أنظارنا في الوقت الحاضر، فإننا لن ندرك قيمة البكاء على هذه المسائل، ولن نعرف فطاعة يوم الحسرة .
أنتم تحبون البكاء على أنفسكم، ولكنكم تتركون هذا خجلاً. والله يأمرنا أن لا نترك هذا الأمر حياء. إن كنتم تحبون العبادة تعبّدوا. ولا يقولن أحدكم إنني إذا صليب ركعتين سيقول الآخرون عني: هذا مراء! فليقولوا ذلك وليرتكبوا هم الخطأ، ولكن لا ينبغي أن تتركوا هذا العمل بسبب الناس.
أحاديث النور
عن الإمام علي (ع) قال: "طوبى لصورة نظر الله إليها تبكي على ذنب من خشية الله عز وجل، لم يطلع على ذلك الذنب غيره". الرسول (ص) / البحار، ج93، ص331
"كل عين باكية يوم القيامة غير ثلاث: عين سهرت في سبيل الله، وعين فاضت من خشية الله، وعين غضَت عن محارم الله". الإمام الباقر (ع) / البحار، ج7، ص195
"ما من قطرة أحب إلى الله عز وجل من قطرتين: قطرة دم في سبيل الله، وقطرة دمعة في سواد الليل لا يريد بها عبد إلا الله عز وجل". الإمام زين العابدين (ع) / البحار، ج69، ص378
"البكاء من خشية الله ينير القلب، ويعصهم من معاودة الذنب". أمير المؤمنين (ع) / غرر الحكم
"سبعة في ظل عرش الله عز وجلَ يوم لا ظلَ إلا ظله: ................. ورجل ذكر الله عز وجل خالياً ففاضت عيناه من خشية الله". الرسول (ص) / البحار، ج84، ص2
"بكاء العيون وخشية القلوب من رحمة الله تعالى ذكره، فإذا وجدتموها فاغتنموا الدعاء". أمير المؤمنين (ع) / البحار، ج93، ص336
إن من أعظم النعم الإلهية التي وهبها الله للإنسان نعمة الدعاء. يكفي أن الله سبحانه وتعالى هو خالقنا ومولانا، ونحن عباده الضعفاء، وقد أجاز لنا أن نطلب منه ونطلبه، فهذا من أكبر نِعَم الله وأعظم مننه على الإنسان. ولولا نعمة الدعاء لكان الإنسان في سجن خانق، كما هو حال الذين لا يؤمنون بالله عز وجل. ولا يقولن أحد انه إذا كان هؤلاء في سجن خانق، فلماذا لم يختنقوا بعد! كلا، فهم يختنقون بالفعل.
يعيش الإنسان حياته اليومية دون أن يلتفت إلى نفسه وإلى ربه ما دامت جميع أموره تسير على ما يرام. لكن يكفي أن يقع في مأزق واحد حتى يعلم أهمية ذكر الله ودعائه، وقيمة مخاطبته وطلبه.
نحن قد رأينا الكثيرين من المساكين الذين عانوا من السجون والشدائد ولم يكونوا مؤمنين بالله، وكنا نشفق لحالهم. ففي تلك الحالات التي تنسد جميع الأبواب على الإنسان وتشتد عليه الدنيا، لا ينجو ولا يفلح إلا من كان مع الله، حاضراً بين يديه، مسموحاً له بالتكلم مع ربه.. فأمثال هذا هم الذين ينعمون بالأمن والطمأنينة والراحة الحقيقية، وكل من عداهم مسكين خاسر.
يعيش الإنسان حياة صعبة. والدعاء نعمة الله وباب الفرج. وويل لمن أغلق هذا الباب على نفسه، وويل للغافلين الذين لا يطلبون من الله شيئاً.
ليس الطلب من الله أن يقول المرء بلسانه "اللهم ارحمني واقضِ دَيني وافعل بي كذا وكذا..." فليس هذا هو الطلب، إنه بعض تموجات وذبذبات صوتية لا قيمة لها. الطلب الحقيقي هو عندما يكون القلب وجميع الحواس مع الله وتحت تصرفه، ففي هذه الحال يُستجاب الدعاء قطعاً. إن قيمة الدعاء بالنسبة للداعي أسمى من استجابته، فنفس حالة الدعاء أعظم من استجابة الدعاء. وقد نُقل عن أحد كبار العرفاء قوله: "أنا مِنْ أنْ أُحرم من الدعاء أخوف مِنْ أنْ أُحرم من الإجابة".
إن المسكين هو المحروم من الداء والغافل عن التكلم مع ربه. أنتم الشباب يجب أن تدعوا وتتضرعوا وتتكلموا مع الله، وتطلبوا منه حوائجكم، اطلبوا منه كل شيء، وكل ما يحلو لكم.
وبالطبع، إن من يعيش حالة الأنس مع الله لن تتبادر إلى ذهنه الأمور الصغيرة، بل سيكون منصرفاً بشكل تام إلى ما هو أعظم وأكبر. القليل هو عشرة آلاف ليرة (مثلاً)، والأكثر هو عشرة ملايين، ولكن الأغلى والأثمن هو طلب المغفرة من الله. وفي المناجاة الشعبانية، يقول الإمام (عليه السلام): "إلهي، ما أظنك تردني في حاجة قد أفنيت عمري في طلبها منك". فما هي؟ إنها "في ما ادَّخر".
احدث الاخبار
من كتاب المواعظ الحسنة للإمام الشهيد الخامنئي؛ الموعظة الأولى: البكاء على النفس
قائد معركة الريملاند.. شاهد عيان على “مهرجان” التشييع بطهران
الحرس الثوري الإيراني: دمرنا حظائر طائرات MQ-9 الأمريكية في الأردن
قائد الثورة الإسلامية: الثأر مطلب شعبي، ويجب تحققه حتماً
صدق الوعد وقضى شهيداً على طريق القدس
ماذا قالوا في الشهيد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي(قدس سره)؟
إرث الوعي والبصيرة: المناقب العلمية والمؤلفات الأممية للشهيد القائد السيد علي الخامنئي
إقامة مراسم تأبين قائد الثورة الشهيد في العتبة الرضوية المطهرة
الوداع الأكثر خلوداً في التاريخ؛ تشييع قائد الثورة الشهيد وتغيير رواية وسائل الإعلام العالمية
المطالبة بالثأر للشهداء ومعاقبة الجناة مطلب حتمي لا يُنسى
الاكثر قراءة
أربعون حديثاً عن الإمام الكاظم (عليه السلام)
ما أنشده الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري في حق الإمام الخامنئي
أحكام الصوم للسيد القائد الخامنئي
أربعون حديثا عن الإمام الهادي (ع)
مختارات من كلمات الإمام الخامنئي حول عظمة السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)
أربعون حديثاً عن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)
مبادئ الإمام الخميني العرفانية
شهيد المحراب (الثالث) آية الله الحاج السيد عبد الحسين دستغيب
ماذا يقول شهداء الدفاع عن العقيلة؟.. الشهيد السيد إبراهيم في وصيته: لقد ذهب زمان ذل الشيعة+ صور
أربعون حديثا عن الإمام الباقر(ع)