هل استطاعت الثورة الإسلامية أن تصل إلى المضامين العالية والسامية التي بعث من أجلها الرسول الأكرم (ص)؟ الإمام الشهيد السيد الخامنئي يجيب
التاريخ: 12-07-2026
يمكننا استخلاص المضامين الرسالية لهذه البعثة المباركة من بين ثنايا القرآن الكريم. وأُشير هنا إلى جانبين من جوانب هذه الرسالة العظيمة لتروا مدى أهميتها لنا - المسلمين - وكيف أنها تضع أمام أبصارنا واضح السبيل والمنهج.
{بسم الله الرحمن الرحيم * كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ}([1])؛ هو خروج الناس من الظلمة إلى النور.
ليس النور والظلمة في مختلف المجالات ممّا يتعسر على الإنسان استبانته، لكنما هدف الإسلام والمضمون الرسالي للبعثة هو انتشال الإنسان من الظلمات والعادات الذميمة، والخصال المستهجنة، والفتن المتفشية بين أبناء الجنس البشري، والخرافات السائدة على أذهان الناس التي يحيد وتحرف الإنسان عن النهج القويم.
تكرر هذا المضمون في آيات قرآنية متعددة؛ ممّا يدلّ على وجوب إيجاد تغيير في حياة الإنسان على الصعيد الاجتماعي والفردي، ومن حيث الهدفية.
المضمون البارز الآخر هو محاسن الأخلاق وتزكية النفس. وهو ما أكدت عليه الآيات الشريفة وبيّنه الحديث النبوي الشريف المعروف لدى جميع الفرق الإسلامية، وهو قوله |: «إنما بُعثت لأُتمم مكارم الأخلاق».
تصوروا ذلك المجتمع الذي تسوده الخصال الحميدة والخلق الكريم، والسجايا النبيلة كالإحسان والأُخوة والتسامح والعدل والعلم والحق والإنصاف، بعيداً عن الصفات الرذيلة والخلق المقيت، كيف يعيش في سعادة ويتقلب في نعيم.
إنّ بؤرة معاناة الإنسانية اليوم هنا، والمصائب التي يعاني منها عالم اليوم من قبيل الطغيان السياسي وتسلط الطواغيت على مقدرات الإنسان تعود في جذورها إلى علل أخلاقية، كما أن حالة الشقاء التي تعيشها الشعوب ناجمة من جهلها على الأغلب. والإسلام يقضي على مثل هذه العلل والأسباب.
على المسلمين أن يحيوا هذه المضامين. ونحن في الجمهورية الإسلامية قد وفّقنا - ويا له من توفيق عظيم - في تشييد أُسس مجتمع مرّة أُخرى على الأحكام والمعارف والتعاليم الإسلامية، وأن نصوغه ونوجهه وفقاً لهذا السبيل. وهذا توفيق قلَّ نظيره، وقد منَّ به الباري علينا.
ونحن بطبيعة الحال لا نزعم أننا استطعنا تطبيق النموذج الإسلامي الكامل، فهذا ادعاء كبير جدّاً، ولازالت تفصلنا عنه مسافة شاسعة. وما برحنا بعيدين جداً عن ذلك الإنسان وذلك المجتمع الذي يرنو إليه الإسلام ويعتبره حالة مثالية ونموذجية. ولكننا في الوقت ذاته قد ابتعدنا كثيراً ـ بفضل الله - عن الصيغ والنظم الاجتماعية الشائعة حالياً والبعيدة عن دين الله.
شططاً قال من ادعى أمام الشباب بخلو نظامنا الإسلامي من أي خلل، وإننا الآن نطبق ذات القالب الذي ينشده الإسلام؛ فليس الأمر كذلك أبداً، فنحن أناس ضعفاء. وإن كياني يرتـعد حينما يأتـي البعض بالاسم المبارك
لأمير المؤمنين × أو اسم إمام العصر $ ثم يردفون ذلك باسمنا، إن تلكم الحقائق نور مطلق وشتان ما بينها وبيننا نحن الغارقون في الظلمات، فإننا غرس دنيانا الملوثة أجواؤها، فأين نحن من أصغر تلاميذهم؟ أين نحن من قنبر؟ أين نحن من ذلك العبد الحبشي الذي فدى الحسين بنفسه في كربلاء؟ فنحن لا نرقى إلى تراب قدمي ذلك الغلام، بيد أن الحقيقة هي أننا كمسلمين عرفنا دربنا قد عقدنا العزم وكرسنا قوانا في هذا السبيل وسلكناه بكل وجودنا وسوف نواصل المسير.
هنالك نواقص في عملنا وهي قابلة للحل، وإذا ما عالجنا هذه النواقص فذلك لا يعني بلوغنا الغاية المنشودة، كلا فطريق الكمال لا ينتهي؛ والطريق الذي نسير فيه لا ينبغي التوقف فيه بل الاستمرار في المسير إلى الأمام؛ والكثير من المصاعب التي يعانيها شعبنا ووطننا ممكنة العلاج، وجانب منها أتحمله أنا وأمثالي من المسؤولين، فيما يتحمل الشعب جانبها الآخر أيضاً.
لقد استطعنا وضع أقدامنا على طريق الإسلام، والسير في الاتجاه المؤدي إليه، وإشاعة أحكام الإسلام في المجتمع والسعي جهد الإمكان لتطبيقها في واقع الحياة. ونجحنا في عرض القيم الإسلامية كأسمى وأنبل قيم في الجمهورية الإسلامية، وتمكّنا من نشر كلام الله بين أبناء الشعب وتوجيه الأفئدة نحو الله.
وهذا طبعاً من فعل الثورة، ولا يمكن لشخص أن يدّعي هذا لنفسه. ثورتنا أنتجت - بفضل الله - مثل هذا العطاء في نظامنا. ووقفنا لهذا بعون الله، وعلينا مواصلة هذا الطريق بجد؛ إذ لمسنا مكاسبه بهذا القدر، وجعل الله لنا فيه العزّة.
لقد أمتُهِنَ شَعبنا وبلدنا ومجتمعنا على مدى سنوات طويلة على يد الحكام الطواغيت، وسحقت كرامته وعانى من التخلف، ولم يكن أبناء الشعب على معرفة بحقوقهم، ورجال الدولة ما كانت تربطهم بأبناء الشعب أية صلة، ولم يَكن للنظام الحاكم أي موقف صلب أمام القوى المتجبّرة في العالم، بل كان نظاماً تابعاً بالكامل. ولم تكن للمعارف الإلهية أهميتها اللازمة في ذهن وفي رأي الناس، ولم تكن التربية والتعليم يسيران على أساس الإسلام. وظل هذا الشعب يعاني على مدى سنوات طوال من حكم الطواغيت على هذا البلد، من الفقر والفاقة والذل.
ولكن الله تعالى منَّ علينا بفضل الالتفات إلى القيم المعنوية للإسلام، وبفضل الاهتمام برسالة الإسلام السياسية، بالنجاة من تلك المعاناة. ومعنى هذا أن البعثة لا يراد بها أن تحتفظ فئة من الناس بالعقيدة في أذهانها وتؤدي واجباتها الخاصة في ضوئها، ويبقى النظام الاجتماعي تحت تسلط أعداء الله؛ فالبعثة جاءت لصياغة حياة الناس. ونحمد الله أن هذه المهمّة قد أنجزت في ظل النظام الاجتماعي للإسلام، ولمس شعبنا نتائج ذلك وذاق طعم ثمارها الطيبة.
ينبغي علينا اليوم السير باتجاه تغيير ذاتنا وباتجاه المثل التي ينادي بها الإسلام، لتغيير أنفسنا كأشخاص، أي أن يبدأ كل فرد بذاته. صحيح أن الحكومة مكلفة أمام الشعب بواجبات خطيرة في مجال التعليم والتربية، لكن هذه الواجبات لا تمنع أن يعمل كل واحد منّا على تزكية ذاته جهد المستطاع([2]).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) سورة إبراهيم, الآية: 1.
([2]) كلمة القائد أمام مسؤولي البلاد بمناسبة البعثة النبوية الشريفة, 28/11/1997م الموافق (25 رجب 1418 ﻫ).
المصدر: كتاب الثورة والنظام الإسلامي
الوسوم:
احدث الاخبار
آية اللّه العظمى مظاهريّ: صون أمانة الإمام الشهيد يكمن في طاعة القائد الحكيم الرشيد للثورة الإسلاميّة
هل استطاعت الثورة الإسلامية أن تصل إلى المضامين العالية والسامية التي بعث من أجلها الرسول الأكرم (ص)؟ الإمام الشهيد السيد الخامنئي يجيب
من كتاب المواعظ الحسنة للإمام الشهيد الخامنئي؛ الموعظة الأولى: البكاء على النفس
قائد معركة الريملاند.. شاهد عيان على “مهرجان” التشييع بطهران
الحرس الثوري الإيراني: دمرنا حظائر طائرات MQ-9 الأمريكية في الأردن
قائد الثورة الإسلامية: الثأر مطلب شعبي، ويجب تحققه حتماً
صدق الوعد وقضى شهيداً على طريق القدس
ماذا قالوا في الشهيد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي(قدس سره)؟
إرث الوعي والبصيرة: المناقب العلمية والمؤلفات الأممية للشهيد القائد السيد علي الخامنئي
إقامة مراسم تأبين قائد الثورة الشهيد في العتبة الرضوية المطهرة
الاكثر قراءة
أربعون حديثاً عن الإمام الكاظم (عليه السلام)
ما أنشده الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري في حق الإمام الخامنئي
أحكام الصوم للسيد القائد الخامنئي
أربعون حديثا عن الإمام الهادي (ع)
مختارات من كلمات الإمام الخامنئي حول عظمة السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)
أربعون حديثاً عن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)
مبادئ الإمام الخميني العرفانية
شهيد المحراب (الثالث) آية الله الحاج السيد عبد الحسين دستغيب
ماذا يقول شهداء الدفاع عن العقيلة؟.. الشهيد السيد إبراهيم في وصيته: لقد ذهب زمان ذل الشيعة+ صور
أربعون حديثا عن الإمام الباقر(ع)