الإنسان المتّقي، يقف في النّقطة المواجهة للشيطان. قد يذنب قليلاً، لكنّه يتذكّر فوراً بأنّه أذنب وينهمك بتعويض ما خسره. (…) بمجرّد أن يعبر الشّيطان من جانبه وتهبّ عليه رياحه، يشعر على الفور بأنّه ممسوسٌ من الشّيطان وواقع في الغفلة والخطأ؛ ”تذكّروا“، أي أنّه يتذكّر. ”فإذا هم مبصرون“.        

 

مجموعة من الدروس القرآنية للإمام الخامنئي التي فسّرها سماحته وشرحها ضمن خطاباته.

 

إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ

سورة الأعراف المباركة ﴿٢٠١﴾

 

يقظة الإنسان المتّقي في المواجهة مع الشيطان

في المصطلحات القرآنية، تقع التقوى في النقطة المقابلة للغفلة. (١) التقوى تعني أن واظبوا على أن يكون كلّ عملٍ يصدر عنكم مطابقاً للمصلحة التي قدّرها لكم الله عزّوجل. والتقوى ليست بالشيء الذي يستطيع أحدهم تركه  لحظة واحدة. فإن الطريق زلقة لو تخلّينا عنها، وسوف ننزلق ونسقط، إلى أن تطال أيدينا شيئاً نمسك به وننتشل أنفسنا. ”إنّ الذين اتّقوا إذا مسّهم طائفٌ من الشّيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون“(٢). (٣)

 

الذّكر يعني تذكّر الله في الأحوال كلّها

ما هو الذّكر؟ هناك رواية عن أبي عبدالله (عليه السلام)، ورواية أخرى حازت على اهتمامي بشكل أكبر، لكن سوف أقرأ كلا الروايتين. الرواية الأولى هي عن الإمام أبي جعفر (عليه السلام)؛ قال الإمام الباقر (سلام الله عليه): ”ثلاثٌ من أشدّ ما عمل العباد“؛ أوّلاً، ”إنصاف المؤمن من نفسه“؛ (…) ثانياً، ”ومواساة المرء أخاه“ (…) وثالثاً ”ذكر الله على كلّ حال“؛

ثمّ يفسّر الإمام الباقر (عليه السلام) في نفس هذه الرواية، ”ذكر الله على كلّ حال“ قائلاًُ: ”وهو أن يذكر الله عزّوجل عند المعصية يهمّ بها“؛ (…) أن يكون التفات الإنسان في كلّ هذه [الذنوب] إلى الله عزّوجل؛ فيمنع ذكر الله الإنسان من ارتكاب هذه المعصية.

”فيحول ذكر الله بينه وبين تلك المعصية وهو قول الله عزّوجل إنّ الذين اتّقوا إذا مسّهم طائفٌ من الشّيطان تذكّروا“. ثمّ يقول الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) بأن هذا هو تفسير تلك الآية: ”إنّ الذين اتّقوا إذا مسّهم طائفٌ من الشّيطان“؛ عندما يقترب منهم الشيطان ويمسّهم؛ أي لم يسيطر عليهم بعد، ”تذكّروا“؛ ”فإذا هم مبصرون“ (٥) يؤدّي هذا الذكر إلى أن تتفتّح أعين هؤلاء. وهذا هو معنى ”ذكر الله على كلّ حال“.

وفي صدر الرواية التالية التي تحظى باهتمامي، وردت تقريباً نفس العبارات التي جاءت في الرواية التي قرأتها وتمّ ذكر نفس تلك الأمور الثلاثة. وفي تلك الرواية يقول، ”وذكر الله على كلّ حال“، وفي الرواية المنقولة هنا عن أبي عبدالله يقول عليه السلام: ”وذكر الله في كلّ المواطن“؛ أن يذكر الإنسان الله في كلّ مكان.

لكن النقطة التي حظيت باهتمامي هي قوله: ”أمّا أنّي لا أقول سبحان الله والحمدلله ولا إله إلّا الله والله أكبر“؛ فإنّ توصيتي بأن تذكروا الله في كلّ حال، لا تعني بأن تقولوا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. هذا ذكرٌ لفظي. ”وإن كان هذا من ذاك“؛ رغم أنّ هذا ذكرٌ أيضاً، وهو ذا قيمة كبيرة؛ لكن ليس هذا ما أقصده، بل ”ولكن ذكره في كلّ موطن إذا هجمت على طاعته أو معصيته“ (٦) -هجمت أو هممت، لكن النسخة التي رأيتها وردت فيها كلمة هجمت، وأحتمل كونها هممت-. والمقصود هو ”تذكّر الله“. طبعاً هذه الأذكار الواردة في رواياتنا، وفي هذه الأدعية، وفي الأوراد المتنوّعة، وتسبيحة الزّهراء (سلام الله عليها) وسائر الأذكار الموجودة؛ هذه كلّها أدوات ذكر، وعلى الإنسان أن يُجريها على لسانه مع الالتفات إلى معانيها وحقائقها. (٧)

 

لا ييأس الشّيطان أبداً من الوسوسة!

أنتم تلاحظون أن ”عباد الله المخلصين“ أيضاً يقعون في معرض وساوس الشيطان؛ والأنبياء الإلهيّين العظام أيضاً يتعرّضون للاختراق وتدخّل الآراء والوساوس الشيطانيّة؛ لكنّ الشيطان لا يقوى عليهم، لكنّه يقدم على خطوته على أيّ حال. والشيطان يستهدف المخلصين أيضاً؛ لكنّ المخلصين يوجّهون صفعتهم له؛ ”إنّ الذين اتّقوا إذا مسّهم طائفٌ من الشّيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون“.

الشّيطان الأكبر، هو شيطان الاستكبار وشيطان السياسة الذي يتصرّف بنفس الأسلوب؛ ويتلقّى الصفعات أيضاً، لكنّه لا ييأس. لا نظننّ أنّه سوف يكفّ عن وساوسه لأنّنا لم نفسح له المجال -منذ انتصار الثورة حتّى اليوم- ونسمح له بإيجاد الخلافات بيننا؛ أبداً، الشيطان الأكبر، أي أمريكا وأذنابها -الحكومات الرجعيّة- تفكّر دائماً بالفصل بين الإخوة من عائلة واحدة بواسطة الأساليب السياسية واستحداث المذاهب المخترعة والتوسّل بسياساتها الشيطانيّة؛ فما بالكم بالإخوة في الدين والوطن ومختلف القوميّات! (٨)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

١) كلمته في خطبتي صلاة الجمعة ١٧/١/١٩٩٧

٢) سورة الأعراف؛ الآيتين ١ و٢

٣) كلمته في خطبتي صلاة الجمعة ٤/٣/١٩٩٤

٤) كلمته في خطبتي صلاة الجمعة ١٧/١/١٩٩٧

٥) الخصال، الشيخ الصدوق، ج١، ص١٣١. عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: «ثَلَاثٌ مِنْ أَشَدِّ مَا عَمِلَ الْعِبَادُ إِنْصَافُ الْمُؤْمِنِ مِنْ نَفْسِهِ وَ مُوَاسَاةُ الْمَرْءِ أَخَاهُ وَ ذِکْرُ اللَّهِ عَلَی کُلِّ حَالٍ وَ هُوَ أَنْ یَذْکُرَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ عِنْدَ الْمَعْصِیَةِ یَهُمُّ بِهَا فَیَحُولُ ذِکْرُ اللَّهِ بَیْنَهُ وَ بَیْنَ تِلْکَ الْمَعْصِیَةِ وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِنَّ الَّذِینَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّیْطانِ تَذَکَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ.»

٦) الكافي، ثقة الإسلام الكليني، ج٢، ص١٤٥. يقول حسن البزاز: قال لي الإمام الصادق (عليه السلام): «أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَشَدِّ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَی خَلْقِهِ ثَلَاثٌ قُلْتُ بَلَی قَالَ إِنْصَافُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ وَمُوَاسَاتُكَ أَخَاكَ وَذِکْرُ اللَّهِ فِي کُلِّ مَوْطِنٍ أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَکْبَرُ وَإِنْ کَانَ هَذَا مِنْ ذَاكَ وَلَکِنْ ذِکْرُ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ فِي کُلِّ مَوْطِنٍ إِذَا هَجَمْتَ عَلَی طَاعَةٍ أَوْ عَلَی مَعْصِیَةٍ.»

٧) كلمته في لقاء مع مسؤولي النظام ٢٢/٩/٢٠٠٧

٨) كلمته في مراسم بيعة مختلف الفئات الشعبية المسلمة الكرديّة من محافظتي كردستان وآذربيجان الغربيّة وباختران