التأصيل الإسلامي؛ جنة الولاية.. المحاضرة الخامسة والعشرون من سلسة محاضرات ألقاها سماحة الإمام الخامنئي بمدينة مشهد قبل 46 سنة

 

جنة الولاية

الأحد 26 رمضان المبارك 1394 هجرية

21/7/1353 هجرية شمسية

 

متابعة للجلسات السابقة في حقل الولاية، نتناول اليوم أولًا طبيعة المجتمع الذي يقوم على أساس الولاية وطبيعة الفرد المتمسك بالولاية. وثانيًا: الدور الذي يقوم به المجتمع القائم على أساس الولاية.

في أحاديثنا السابقة ذكرنا أن دلالات القرآن ومعارف أهل البيت في إطار الولاية تقرر أن التمسك بالولاية له أبعاد ومظاهر متعددة.

الأول: أن المجتمع المسلم لا يقيم علاقات مع الآخر بصورة تهدد استقلاله وهويته. ووضحنا أن ذلك لا يعني أن ينزوي العالم الإسلامي سياسيًا واقتصاديًا وأن يقطع علاقاته بالمجتمعات الأخرى. ليس الأمر كذلك، بل أن لا يكون تابعًا وذيليًا، وأن لا يذوب في القوى المهيمنة الأخرى، وأن يحافظ على استقلاله وشخصيته.

المظهر الآخر للولاية الانسجام والالتحام الداخلي بين المسلمين كما جاء في الحديث: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»[1] وكما جاء في وصف المؤمنين بقوله تعالى: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِینَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِینَ)[2]، وأوضح من ذلك قوله سبحانه: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَ الَّذِینَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَیْنَهُمْ)[3].

هؤلاء يقفون صفًا واحدًا أمام الجبهة المعادية، لا يخترقهم العدو، ولا يؤثر على عزيمتهم، رحماء بينهم، يتواصون بالحق ويتواصون بالصبر وبالمقاومة تجاه عوامل الشر والفساد والانحطاط. هؤلاء مثلهم كمثل جماعة تتسلق الجبال ــ كما ذكرت في الجلسة الماضية ــ يشدّ بعضهم أزر بعض، ويأخذ بعضهم بيد بعض، إذا ضعف أحدهم يسعى الآخرون لمدّه بالقوة وتوجيهه الوجهة الصحيحة.

والمظهر الآخر من مظاهر الولاية ــ وهو ما ذكرناه في الأيام الماضية أيضًا، وله أهميته الخاصة ــ هو وجود مركز إدارة ذي مواصفات خاصة يجعل الجسد الإسلامي متماسكًا متناسقًا منسجمًا على الصعيد الداخلي وذا موقف موحّد كالبنيان المرصوص أمام التحدي الخارجي.

كما أن الجهاز العصبي للإنسان بحاجة إلى مركز إدارة واحد ينسق بين الأعصاب الممتدة إلى سائر الجسم، كذلك المجتمع الرسالي بحاجة في تلاحمه الداخلي وفي دفع العدوان الخارجي إلى مثل هذا المركز القيادي المقتدر الذي يوجه جميع العناصر الفاعلة في نشاطاتها. يضع الأفراد في المكان الذي يليق بهم، ويحول دون التعارض والانحراف. ولابد أن تتوفر في هذا المركز خصائص العلم والوعي والأمانة وتتبلور في وجوده عناصر الإسلام البناءة، وأن يكون مظهرًا للإسلام. وما اسم هذا المركز القيادي إنه «الولي».

المسألة التالية التي يجب تناولها هي: هل أنا وأنت من المتمسكين بالولاية؟ هل إن مجتمعنا له ولاية أم لا؟

ما الذي يجب أن يتوفر في الفرد ليكون من أصحاب الولاية؟ وما هي الخصائص التي يجب أن يتحلّى بها المجتمع صاحب الولاية؟ هناك عدة أمور:

الأول: ماهي كيفية الإنسان صاحب الولاية؟

الثاني: ما هي خصائص المجتمع صاحب الولاية؟ وفي أية حال نعتبره محرومًا من الولاية؟

الثالث: إذا كان الإنسان صاحب الولاية يعيش في مجتمع يفتقد الولاية، ألا يتحمل هذا الإنسان مسؤولية إقامة المجتمع الموالي؟

الرابع: إذا كان الموالي يعيش في مجتمع يفتقد الولاية، ولم يؤد هذا الشخص مسؤوليته تجاه مجتمعه، ألا يضرّ ذلك بولاية ذلك الموالي؟سأقارب بعض هذه الأبعاد، والمتوقع أن تقارنوا بين هذا المعنى التقدمي السامي المتعقّل القرآني للولاية، والمعنى الذي يتصوره المتقاعسون القاعدون البَطرون للولاية.

هناك من يتصور أن الولاية هي أن يكتفي الفرد بالمشاركة في مجالس عزاء أهل البيت يذرف الدموع. يتصور أن الولاية مجرّد حبّ أهل البيت في القلب لا غير. طبعًا عقد المجالس لأهل البيت والفرح لفرحهم والحزن لحزنهم والبكاء لمظلوميتهم كلها لازمة وضرورية، لكن الاكتفاء بذلك لا يحقق معنى الولاية، فالولاية أكبر من ذلك. كل تلك أعمال طيبة لكن السيّء هو الاعتقاد بأن الاكتفاء بذلك كاف لتحقيق معنى الولاية.

أرجو أن تفهموا ما أقول بدقّة، إذ من الممكن أن يخرج مغرض أو جاهل ليقول إنى أعارض البكاء على سيد الشهداء!! كلاّ، أنا لا أعارض، بل أؤيّد بشدة، أنا أقول إن البكاء على الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه قد يؤدي إلى إنقاذ أمة. التوابون[4] في بدء حركتهم توجهوا إلى مدفن الحسين وجلسوا ليوم أو يومين أوثلاث وهم يبكون، ثم كانت نتيجة هذا البكاء أن تعاهدوا بأن يضحّوا بأنفسهم جميعا كي يُعلو صوتَ مظلومية كربلاء وندم الذين تخلّفوا عن نصرة الحسين.

عقد مجالس لإحياء ذكر أهل البيت وبيان فضائلهم لا يخالفه عاقل من الشيعة ولا من السنة بل ولا من غير المسلمين. كل من يعرفهم يقرّ بعظمتهم، فهم الرهط الكريم الذي قدّموا كل ما لديهم حتى أرواحهم في سبيل نشر العدل ومقارعة الظلم والدفاع عن دين الله وكرامة الإنسان. لو ذهبتم إلى أوربا وبيّنتم هناك للناس شخصية الإمام أمير المؤمنين وحياته لرأيتم احترام المخاطبين وإعجابهم بهذه الشخصية ولوجدتموهم ينحنون إجلالًا له. إذن الاكتفاء باحترام أهل البيت لا يمكن أن يكون الولاية التي يستحق الشخص بموجبها الجنة. من المؤسف أن نفرًا يطرحون عن غرض أو جهل موضوع الولاية بشكل سطحي، ولا يكتفون بذلك بل يحاربون الذين يقدمون الفهم الصحيح للولاية، وللعاملين على طريق الولاية. حصر الولاية في نطاق محدود وضيّق لا يليق بهذا المبدأ الإسلامي الهام.

الإنسان الموالي هو من يعرف الوليّ، ويفهم فكره ويتبنّى هذا الفكر، ويفهم عمله، ويسير وفق هذا العمل فيتبعه فكرًا وعملًا. هذا هو صاحب الولاية.

إنه لَظلم ما بعده ظلم أن يدّعي أحد أنه من الموالين لعلي بن طالب وهو في فكره وعمله يخالف علي بن أبي طالب. إنه لظلم بحقّ علي وبحق مفهوم الولاية.

الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه يؤكد أن ولايتنا لا تنال إلاّ بالعمل ومن لا عمل له فهو عدوّنا. فالولاية في ثقافة الإمام الصادق تختلف عن الولاية في ثقافة ذلك الجاهل أو المغرض الذي يدّعي ولاية الإمام الصادق. لماذا لا نفهم هذا المبدأ فهمًا صحيحًا؟! لماذا يصرّ بعضنا على تكريس الركود والجمود والتخلف والبعد عن الإسلام وعن الدنيا والآخرة. أخشى أن نبقى على أمل دخول الجنة بهذا الفهم الخاطئ من الولاية، وبذلك نخلق لنا جحيمًا في هذه الدنيا، وفي الآخرة نكون من الخاسرين، أي خسران هذا؟!

نكرر أن ولاية الإنسان هي الارتباط والاتصال المطلق بالوليّ واستمرار ذلك الارتباط.

أما الولاية على صعيد المجتمع فإنها تتحقق حين يكون الوليّ مشخصًا في ذلك المجتمع. هذا أولًا. وثانيًا حين يكون الولي مُلهمَ كل الطاقات والنشاطات في ذلك المجتمع. أن يكون القطب الذي يوجه المجتمع قانونيًا وتنفيذيًا. أن يكون المحرّك للحياة في هذا المجتمع والحادي لقافلة الحياة فيه.

كان رسول الله(ص) وليّ المجتمع في حياته، وبعد وفاته كان المجتمع على نهج الولاية بقدر ارتباطه بالوليّ. كلما كان ارتباطه بالولي أكثر كان أقرب إلى الولاية. حين يكون الحاكم والموجّه والماسك لزمام الأمور في المجتمع مَنْ تتوفّر فيه صفات الولاية، فذلك المجتمع هو المجتمع الذي يمتلك الولاية بصورة كاملة.

بهذا المعيار ارجعوا إلى أنفسكم وانظروا هل أنتم من أهل الولاية؟ إذا كنتم كذلك فاشكروا الله سبحانه على هذه النعمة فهي نعمة ما بعدها نعمة. وسأوضح عظمة هذه النعمة. وإن لم تكونوا منضوين تحت هذه النعمة فاسعوا إلى نيلها. إلى نيلها على مستوى شخصكم وعلى مستوى المجتمع البشري. حاولوا أن تسيروا وراء عليّ وعلى نهج عليّ، وأن توثقوا علاقتكم بعليّ وهو وليّ الله. أئمة الهدى سعوا جميعًا على طريق إحياء الولاية، سعوا إلى إحياء الإنسان بالولاية.

حاولوا أن تجعلوا وليَّ الإسلام مقتدرًا في أداء مهامّه. وذكرت أمس أن الوليّ إما أن يكون معيَّنا من قبل الله سبحانه بالاسم، أو معيّنًا بالخصائص: «فأما من كان من الفقهاء صائنًا لنفسه حافظًا لدينه مخالفًا لهواه مطيعًا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه...»[5] وهذا التعيين بالخصائص هو من الله أيضًا.

وحين يسعى الإنسان إلى إحياء مشروع الولاية في المجتمع فإنه سيهتدي إلى السبيل ويفهم أبعاد المسؤولية الملقاة على عاتقه في عالمه المعاش، ويتعلم أساليب تحقيق ذلك. ولسنا في صدد الحديث عن الأساليب.

طيب، يبقى السؤال عن العطاء الذي يمكن أن تقدمه الولاية للمجتمع. في كلمة واحدة نجيب: إنه انتقال من الموت إلى الحياة. تصوروا الجسم الميت الذي فيه الدماغ والعين والجهاز الهضمي والدورة الدموية ولكن كلها لا تعمل، لماذا؟ لأن هذا الجسم يفتقد الروح. وهكذا المجتمع الذي يفتقد الولاية، فيه كفاءات لكنها باطلة مهدورة. له قوى مفكرة لكنها تُسخّر فكرها للإفساد وللقتل ولإحراق الحرث والنسل. لاحظتم في التاريخ الإسلامي حينما خبت شعلة الولاية ماذا حدث. ولقد حذّرت فاطمة الزهراء سلام الله عليها مما سينزل بالمجتمع إذا ابتعد عن الولاية، لكن آذان المجتمع لم تكن تستوعب هذا التحذير، وهذا التحذير قائم إلى يومنا هذا.

المجتمع صاحب الولاية مجتمع تنمو فيه الكفاءات الإنسانية، وكل شيء فيه ينحو إلى السموّ والكمال والرقيّ. ويسير المجتمع بتوجيه من الولي الحاكم على طريق الله، وتقسم الثروة فيه تقسيمًا عادلًا، وتتجه الطاقات فيه إلى الاستزادة من المعروف واستئصال المنكر وكل ما يسيء إلى المجتمع.

(الَّذِینَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِی الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ)[6] في إقامة الصلاة معنى الحركة نحو الله، وفي إيتاء الزكاة معنى التقسيم العادل للثروة (وثمة قرائن تدل على أن الزكاة هي كل ما ينفقه الإنسان من مال في سبيل الله) وفي الأمر بالمعروف إشاعة كل ما هو مفيد للمجتمع، وفي النهي عن المنكر معنى اقتلاع كل ما يقف حجر عثرة على طريق حركة المجتمع نحو الكمال. هذا ما كان يسعى إليه أولياء الدين. أمير المؤمنين في حرب صفين بيّن هدفه أنه يريد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. والحسين بن علي قال وهو يتوجه إلى كربلاء «أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدّي رسول الله»[7]. نعم حين تتحقق الولاية في المجتمع تتحقق معها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتدبّ الروح والحياة في المجتمع.

والتدبر في آيات هذه الجلسة، يبين الآفاق الواسعة لجنة الولاية والسرّ في تأكيد النصوص الدينية على أن أهمية الولاية لا تفوقها أهمية أخرى.

والحمد لله ربّ العالمين.

[1] ـ بحار الأنوار، كتاب السماء والعالم، أبواب الإنسان والروح، باب في خلق الأرواح قبل البدن. ح 29.

[2] ـ المائدة/ 54

[3] ـ الفتح/ 29

[4] ـ التوابون جمع من أهل الكوفة الموالين لآل بيت رسول الله، ثاروا بقيادة سليمان بن صرد ومسيب بن نجبة بعد استشهاد الحسين، وسمّوا التوابين لأنهم أرادوا إعلان توبتهم بسبب عدم نصرتهم للحسين في كربلاء، التحموا مع جيش الشام، وقاتلوا ببسالة، وحققوا بعض الانتصار في البداية، لكن أكثرهم قد استشهد، وثورتهم أول ثورة بعد واقعة كربلاء سنة 65هـ.

[5] ـ التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري، ذيل الآيات 78 و79 لسورة البقرة.

[6] ـ الحج/ 41

[7] ـ إني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (صلى الله عليه وآله وسلم). أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدّي رسول الله وأبي علي بن أبي طالب (عليه السلام)» بحار الأنوار، كتاب تاريخ الحسين، باب 37، وصيته لمحمد بن الحنفية.