الولاية الإلهية الإسلامية

أو

الحكومة الإسلامية

زمن حضور المعصوم وزمن الغيبة

 

تأليف

سماحة آية الله الشيخ محمد المؤمن القمي

الجزء الأول

 

 

مؤسسة النشر الإسلامي

التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الظاهر بوحدانيّته بظهور وحدة خلقه، والمتجلي بربوبيته بوحدة نظام تدبيره، سبحانه وتعالى (له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) وصلى الله على جميع أنبيائه ورسله حمَلة أمانة ولايته في أرضه وخلفائه في بريته، سيما خاتمهم المبعوث رحمةً للعالمين وأوصيائه المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين.

وبعد، فقد استيقظت المحافل العلمية والدوائر السياسية والمعاهد الاستراتيجية في نهاية العقد الثامن من القرن العشرين على شعار (لا شرقية ولا غربية جمهورية إسلامية) ففتحت أعيُنها وشنّفت آذانها غير مصدقة لواقعيته، ولا واثقة من مصداقيته، إذ لا يوجد في البين نظامٌ ثالث غير حاكمية النظام الديمقراطي الرأسمالي وحاكمية الحزب الواحد الشيوعي. وما عداهما لا تعدو إلا أقماراً في فلكيهما.

فما هي حقيقة هذا الطرح الجديد؟ ومن أي عين يرتوي؟ وهل له نظام سياسي؟ ونظام اقتصادي؟ وهل له شكل للحكم خاص به؟ وكيف ستكون علاقته بالعالَم؟ وما هو موقف الكتلتين الغربية والشرقية منه؟ وإن استطاع الإمام الخميني أن يكون رجل ثورة فهل هو سيستطيع أن يكون رجل دولة؟ و... و...

هذه الأسئلة وعشرات أمثالها كانت تدور في أروقة البيت الأبيض والكرملن والإليزية وغيرها، وعلى المذياع وشاشات التلفاز وواجهات الصحف، وأصبحت حديث الجامعات والمدارس والبيت والشارع.

هذا، وقد ألّفت كُتبٌ وكُتبت مقالاتٌ وألقيت محاضراتٌ لإغناء الإجابة على تلك التساؤلات من قبل العلماء والفضلاء ومثقفي هذه الأمة العملاقة ما لا حصر له في الداخل والخارج وبلغات شتى.

ولا أدل على الوجود من الوجدان، فنحن وبحمد الله وله المنة قد اجتزنا بثورتنا الإسلامية المباركة ونظامها المقدس ودولتها الشامخة ربع قرن من التحديات الصعبة جداً ـ والتي لا يثبت أمامها أيّ نظام آخر ـ ونحن أقوى عزيمة وأمضى شكيمة على نصرتها وأشد فتوّة في نجدتها وأكثر تمسُّكاً بأهدابها ومبادئها.

لم لا وقد عبرت بنا العقبات الكؤود وحققت لنا الأمنيات والغايات، ونحن أكثر افتخاراً بها وبلادنا تعيش الأمن والاستقرار بكل ما يعنيان من أمن واستقرار، ونحن نرى ما تعيشه البلدان الأخرى من قلاقل واضطرابات وفقدان للأمن، خصوصاً الدول التي تحالفت على معاداة ثورتنا وسلبتنا راحتنا في أول سني انتصارنا.

وهذا الكتاب الذي بين يديك عزيزنا القارئ هو إسهامٌ آخر في مجال الفكر النظري الكاشف عن الواقع الحقيقي للنظام الإسلامي القائم على مبدئية الولاية الإلهية والحكومة الإسلامية المستنبطة من الكتاب والسنة، فهو جهدٌ علميٌّ مباركٌ قيم اعتمد فيه مؤلفه الفاضل سماحة آية الله الشيخ محمد المؤمن زيد عزه ودامت إفاضاته مناهج البحوث الاجتهادية في الفقه والأصول والدراية والرجال والتفسير في إثبات ولاية الأئمة عليهم السلام وولاية الفقيه الجامع للشرائط. والأخير هو مدار بحوث زماننا المعاصر وعلى أساسه قام صرح نظام الجمهورية الإسلامية في إيران.

وقد طرح فيه المؤلف مجموعة كبيرة من الآيات والروايات المرتبطة بولاية الأمر والتي من خلالها تتضح أبعاد مسؤوليات الولي والمساحة التي يتحرّك فيها بأوامره الولائية وأحكام الإسلام الثانوية. وفيها عَرضٌ ضمنيٌّ للنظم السياسية والاجتماعية والإدارية والمالية والاقتصادية والقضائية والحرب والسلم وغير ذلك.

فجزاه الله خير الجزاء وأدام توفيقه وسائر الأعلام العظام السائرين على نهج ذلك الرجل المقدام قدس سره والمؤازرين لخليفته ولي أمر المسلمين سماحة الإمام آية الله السيد علي الخامنئي أعز الله بقاءه ومتعنا ببركات قيادته الفذة الحكيمة، آمين، وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين.

مؤسسة النشر الإسلامي

التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا أشرف الأنبياء والمرسلين محمد المصطفى وآله الطيبين الطاهرين لاسيما على ولي الأمر الحجة ابن الحسن العسكري عجل الله تعالى فرجه الشريف، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد، فهذه جملة كلمات في بيان الولاية الإلهية والحكومة الإسلامية في زمن حضور المعصومين عليهم السلام وفي عصر غيبتهم، والمناسب المحتاج إليه أكيداً وإن كان هو التعرض لخصوص زمان الغيبة إلا أنه لما رأيتُ إنكار ولايتهم عليهم السلام الإلهية في كلمات بعض مَن قد يُعدّ من أهل الفضل فرأيت أن اللازم هو التعرض لأمر ولاية المعصومين أولاً، مع أن العثور والتذكر لحدود ولايتهم ربما يؤثر أثراً بليغاً في انفهام أمر الولاية في زمن الغيبة. كيف لا؟! وولايتهم هي أساس الحكومة الإسلامية التي عُدّت من مباني الإسلام وأركان الدين. وبالجملة: فاللازم أولاً هو البحث عن مسألة ولايتهم عليهم السلام فنقول:

قبل الورود في البحث لا بد من ذكر مقدمات ثلاث:

إحداها: في بيان المراد من الولاية

وتوضيحه: أن الأحكام الإسلامية تنقسم أقساماً ثلاثة: فقسم منها هو الأحكام المبينة لآحاد المكلفين سواء كانت من قبيل وظائفهم في قبال الله تعالى كالعبادات أو من قبيل وظائفهم بالنسبة إلى الآخرين كأحكام المعاملات بمعناها الأعم أو غير ذلك، ويدخل فيه الأحكام الخمسة وما هو من قبيل الموضوع الاعتباري لها كالطهارة والنجاسة والملكية والزوجية وما إليها. وقسم آخر منها هو أحكام وهي مؤاخذات لمن ارتكب معصية وهي الحدود والتعزيرات. وقسمها الثالث هي الأحكام والأمور المتعلقة بأمر إدارة البلاد الإسلامية كتقسيم البلد إلى نواحٍ مختلفة وكل ناحية إلى نواحٍ صغيرة وجعل أمير لكل من هذه النواحي وكجعل إدارات مختلفة تقوم كل منها بوظيفة خاصة تحال عليها وكجعل مجلس تقنين الضوابط اللازمة الرعاية في جميع البلاد لمسؤولي المملكة أو الأفراد الأخر وجعل نواب للناس يختار عدداً منهم كل جمع من الرعايا الموجودين في أطراف المملكة.

فالمراد بالولاية أن يجعل أمر إجراء هذه الأقسام الثلاثة بل وأمر جعل القسم الثالث منها بما له من موضوعاته الخاصة بل وأمر جعل قسم خاص من التعزيرات إلى أحد أو جمع هو ولي الأمر أو هم كلهم ولي الأمر، فمقتضى ولاية الأمر أن يراقب ولي الأمر الأمة والرعية ويهيئ لهم أرضية عملهم بالقسم الأول من الأحكام ويجعل لهم في ذلك ما يوجب علمهم بالأحكام ويقربهم من امتثالها ويأمرهم به ويحذرهم عن مخالفتها.

كما أن مقتضاها هو تصدي أمر إجراء الحدود والتعزيرات في ما يتعلق بأحكام الله محضاً وفي ما كان للعباد أيضاً فيه نصيب كحد شرب الخمر والقذف والقصاص وكالتعزير على الكذب وتوهين الغير بأقل مما يكون قذفاً.

وكما أن بيد ولي الأمر أمر إجراء جمعي الحدود والتعزيزات سواء في ذلك ما يترتب على أحكام الله الابتدائية وما كان مترتباً على عصيان الواجبات السلطانية والحكومية.

فهذه الولاية هي المقصودة من ولاية الأمر.

المقدمة الثانية

فبعدما عرفت في المقدمة الأولى فهل شارع الإسلام لم يدخل ولم يتعرض أبداً وبالمرة لأمر الولاية والحكومة؟ أم تعرّض لهما ودخل فيهما تبعاً لورود الناس أنفسهم فيها بمعنى أن الناس أنفسهم إذا قاموا بصدد تعيين نائب عن أنفسهم فوّضوا إليه إدارة أمر جمعهم أي أمرهم في ما يتعلق بكلهم وبما هو مرتبط بمعاملتهم مع جماعات أخرى وفوّضوا إليه جميع ما ذكرناه في بيان المراد بالولاية فالشارع حينئذ يمضي هذه النيابة والوكالة؟ أم إن تعرضه أكثر من ذلك بأن يجعل الشارع من الأمور الأصلية والأحكام الركنية الإسلامية مسألة ولاية أمر المسلمين؟

هذه الاحتمالات الثلاثة احتمالات مهمة بدوية لا بد في الجواب عن أي منها من مراجعة الأدلة المعتبرة، وهو مقصودنا الأصيل في هذا الكتاب.

المقدمة الثالثة

قد عرفت في المقدمة الأولى المراد بالولاية فنقول: إنك بالتدبر فيها تعرف أن أمر الولاية هو إمام الأمة بما عرفت، ولا محالة ليست هي مجرد أمر بيان أحكام الله تعالى بل يتصور أن يكون إنساناً نبيّاً مرسلاً إلى الناس ينبئهم بأحكام الله تعالى فيجب على الناس إتباع هذه الأحكام، إلا أن هذا النبي ربما تكون وظيفته مقصورة على مجرد هذا الإنباء من غير أن يكون موظفاً بأمر إمامتهم والولاية عليهم. ولعل أمر الإمامة والولاية يحتاج إلى كمالات ومؤهلات خاصة بل الدقة في معنى الإمامة والنبوة تعطي أن يكون بينهما عموم وخصوص من وجه، فربما يكون النبي إماماً وولي أمر الأمة كإبراهيم الخليل ونبي الإسلام، وربما يكون الإنسان نبياً ليس بإمام كلوط النبي وكثير من الأنبياء عليهم السلام، وربما يكون الإنسان إماماً وولي أمر الأمة إلا أنه لم يبلغ مرتبة النبوة كأئمتنا الهداة المعصومين عليهم السلام.

ولا بأس بذكر بعض الأخبار الواردة في ها المضمار ليتبيّن مرادنا أكثر من ذلك.

فقد روى في الكافي بإسناد لا يبعد اعتباره عن هشام بن سالم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الأنبياء والمرسلون على أربع طبقات: فنبيّ منبّأٌ في نفسه لا يعدو غيرها، ونبيّ يرى في النوم ويسمع الصوت ولا يعاينه في اليقظة ولم يبعث إلى أحد وعليه إمام مثل ما كان إبراهيم على لوط عليهما السلام، ونبي يرى في منامه ويسمع الصوت ويعاين الملَك وقد أُرسل إلى طائفة قلّوا أو كثروا كيونس، قال الله ليونس: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال: يزيدون ثلاثين ألفاً، وعليه إمام، والذي يرى في نومه ويسمع الصوت ويعاين في اليقظة وهو إمام مثل أولي العزم، وقد كان إبراهيم نبيّاً وليس بإمام حتى قال الله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ فقال الله ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ من عبد صنماً أو وثناً لا يكون إماماً[1].

وروى فيه أيضاً عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام. قال: سمعته يقول: إن الله اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبيّاً واتخذه نبيّاً قبل أن يتخذه رسولاً، واتخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً، واتخذه خليلاً قبل أن يتخذه إماماً، فلما جمع له هذه الأشياء وقبض يده قال له: يا إبراهيم إني جاعلك للناس إماماً، فمن عظمها في عين إبراهيم عليه السلام قال: يا رب ومن ذريتي، قال: لا ينال عهدي الظالمين[2].

وروى فيه أيضاً عن زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام نحوه، إلا أنه عليه السلام زاد في آخره: (لا يكون السفيه إمام التقي)[3].

وقد صرح أبو الحسن الرضا عليه السلام في رواية عبد العزيز بن مسلم بقوله عليه السلام: إن الإمامة خص الله عز وجل بها إبراهيم الخليل بعد النبوة، والخلة مرتبة ثالثة، وفضيلة شرفه بها وأشار بها ذكره فقال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾... الحديث[4].

أقول: والظاهر أن عدها مرتبة ثالثة لمكان أنه عليه السلام لم يعد كونه عبداً مرتبة أصلاً كما أنه عليه السلام لم يعد النبوة مرتبتين مجرد النبوة ومرتبة الرسالة. وبالجملة: فلا منافاة بين هذه الأخبار، وهي دالة بحد الصراحة على أن الإمامة مقامٌ فوق مقام النبوة والرسالة وعلى أن النبي والرسول مع علو الرسالة عن النبوة ربما كان عليهما أيضاً إمام كما كان إبراهيم عليه السلام إماماً للوط ويونس، على نبينا وآله وعليهم السلام.

إذا عرفت هذه المقدمات فلا ينبغي الريب في أن المستفاد من الأدلة المعتبرة الكثيرة هو أن الشارع الأقدس قد داخل في أمر ولاية الأمة الإسلامية ابتداءاً وجعل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله والأئمة المعصومين عليهم السلام أولياء منصوبين لإدارة أمر الجامعة الإسلامية.

وقبل الورود لبيان هذه الأدلة لابد من بيان نكتة أساسية: هي: أن المستفاد من الدليل القطعي العقلي ومن الدليل الواضح اللفظي الشرعي هو أن حق الأمر والنهي وجعل الوظيفة على العباد إنما هو حق طلق لله تعالى:

أما من طريق العقل فلأن الله تبارك وتعالى هو الواجب الوجود الذي لا واجب وجود إلا هو ويمتنع له شريك في هذه الصفة كما تدل عليه أدلة توحيده، وعليه فجميع واقعيات العالم في أصل وجودها وفي بقائها وفي نموها ورشدها متقوّمة به تعالى، فالإنسان مثلاً في أصل وجوده النطفي والعقلي والجنيني متقوّم الوجود به تعالى ووالده وأمه وجميع ما يتوقف عليه وجودهما وجميع الأغذية والمواد والهواء وكل ما يستفيد هو وغيره في أصل وجوده وبقائه ونمائه فكل ذلك متقوم الوجود بالله تعالى، فالمواد وسائر ما يحتاج إليه وإنمائها والقوى التي بها الرشد والإنماء وكل أفعاله وحركاته كنفس الأفعال والحركات ونتائجها جميعها متقوم الوجود به تعالى ومعلول له تعالى، وإن كان في البين علل أخرى وأنواع طولية فهي أيضاً وجميع أفعالها ومعلولاتها متقومة الوجود به تعالى معلومات بالأصالة له.

وحينئذ فجميع الأشياء والأشخاص الذي منه الإنسان ملك له تعالى بحقيقة معنى الملكية، أي إن جميع الوجودات وما يتعلق بها فحقيقتها متقومة ومتعلقة الحقيقة به تعالى وليست ملكيته تعالى لأمر ملكية اعتبارية يعتبرها العقلاء بين الأشياء ومالكيها.

ولازم هذه الملكية الحقيقية عند العقل بلا شبهة أن بيده تعالى أمر جميع هذه المخلوقات التي لا شأن لها إلا وهو آتٍ من قبله متعلق الحقيقة به تعالى، وعليه فله أن يجعل على كل من له عقل وشعور ما شاء وأراد من الوظائف. كما أن له أن يجعل لمن أراد حق الولاية والإمارة على جميع الناس أو بعضهم.

وحيث إن هذه الخالقية والعلية الوسيعة العامة ليست لغيره فليس هذا الحق لغيره، اللهم إلا أن يعطي هو تعالى هذا الاختيار لمن شاء من العباد، وإلا فهو لا غيره هو المالك لجميع الأشياء وخالقهم ومعطيهم أصل واقعيتهم وجميع ما يحتاجون إليه ويعيشون به وكل شيء نفسه وجميع آثاره وصفاته لله تعالى تبارك الله رب العالمين.

هذا هو البيان العقلي.

وأما من طريق الشرع فالكتاب الكريم أيضاً ناطقٌ بذلك وهو من وجهين:

الوجه الأول: من نفس ذاك الطريق العقلي وذلك أن هنا آيات كثيرة تدل على أن كل شيء فهو مخلوق له سبحانه، فقد قال تعالى: ﴿قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾[5] وقال عز وجل: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾[6] فقد جعل خلق كل شيء من الله تعالى والشيء ـ كما هو واضح ـ مساوق لما له واقعية ووجود، فالآيتان دلّتا على أن كل ما له واقعية فهو مخلوق لله تعالى، والخلق كما ترى هو عبارة أخرى عن الإنشاء والإيجاد، فكل موجود فلا محالة يكون الله تعالى هو موجده. هذا من ناحية أصل الإيجاد.

وقال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾[7] وقد تكرر في الكتاب الكريم أن الله تعالى رب العالمين والرب ـ كما في مفردات الراغب ـ في الأصل التربية وهو إنشاء الشيء حالاً يقال: ربَّهُ وربّاهُ وربَّبهُ... فالرب مصدر مستعار للفاعل ولا يقال: الرب مطلقاً إلا لله تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات نحو قوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ انتهى. فالرّب ـ بالمعنى المصدري ـ هو التربية والإنماء والتكفل بمصلحة الموجودات في بقائهم، فلا محالة مثل هذه الآيات أنها تدل بوضوح على تعلق جميع الأشياء به تعالى في بقائها أيضاً. والظهر أنه المراد من كونه وكيلاً على الأشياء المذكورة ذيل الآية الثانية التي مرّت فهو تعالى حافظ على كل شيء[8].

فحاصل الطائفتين: أنه تعالى خالق جميع الأشياء ومعطي الوجود لها وكذلك هو ربها ومبقيها فهو تعالى خالق الأشياء كلها ومبقيها ولازم هذا التعلق الحقيقي كما عرفت أن تكون الأشياء ملكاً له تعالى بحقيقة معنى الملكية.

وقد جاء التصريح بهذا اللزام في ضمن آيات كثيرة: منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾[9]. ومنها قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾[10]. ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾[11]. فقد حكمت الآية الأولى بأن كل شيء فهو له تعالى واللام ظاهر في الملكية، وقد عرفت أن ملكيته تعالى إنما هي ملكية حقيقية لا ملكية اعتبارية تعتبر لأفراد الإنسان مثلاً بالنسبة إلى ما يملكه. والظاهر أن المراد بـ (ما في السموات) هو الأشياء ذات الواقعية الموجودة في العوالم المحيطة بالأرض سواء كان عاقلاً أو غير عاقل ـ على ما يقتضيه إطلاق معنى (ما) والمراد بلفظة (من) الموجودة في الآية الأخيرة هو كل شخص ذي شعور وعقل. فقد تطابقت الآيات الثلاث على أن كل أمر موجود في الأرض وفي سائر العوالم المحيطة بها سواء كان ذا شعور أو غير ذي شعور فهو ملك لله تعالى، وهذا هو لازم معنى الخالقية والربية العامة التي دلت عليها الآيات السابقة.

ثم إن الآيات الدالة على أنه تعالى خالق جميع الأشياء أو ربها أو مالكها  ليست منحصرة في ما ذكرناه بل ما ذكرناه فإنما هو نموذج من آيات كثيرة قرآنية.

وبالجملة: فالمتحصل من هذه الآيات هو أن الأشياء والأشخاص جميعها وجميعهم ملك لله تعالى بحقيقة معنى الملكية، ومن المعلوم أنها إذا كانت بجميع حقيقتها ملكاً له تعالى فلا محالة ليست ملكاً لغيره تعالى إذ لا مساغ لاجتماع ملكين على شيء واحد، فجميع الأشياء هي ملك لله تعالى وحده، وقد عرفت أن لازم هذه الملكية المنحصرة أن يكون له تعالى حق جعل أي وظيفة أرادها على مخلوقاته ذوي الشعور.

وقد صرح بهذا اللزام الأخير بل بجميع ما استفدناه أيضاً من الآيات المذكورة قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾[12]. فالآيتان كما ترى صرحتا بأن الله تعالى خالق كل شيء كما صرحت الآية الثانية بأنه تعالى على كل شيء وكيل. وقد عرفت أن الحفاظة على الأشياء هي تربيتها وتكفل مصلحتها بقاءاً، فهي عبارة أخرى عن كونه تعالى رباً لها، كما صرحت أيضاً بأن الله تعالى رب المؤمنين وبعد ذلك كله ففرعت الآية الثانية الأمر بعبادته تعالى بقوله: (فاعبدوه) على كونه تعالى خالق كل شيء، وحيث إن خلقه لكل الأشياء ملزوم لمالكيته لها فكأنها فرعت معبوديته تعالى للمسلمين على كونه تعالى مالكاً لهم ولجميع الأشياء الأخر.

وكيف كان، فالمستفاد من هذه الآيات التنصيص بما مر من مفاد البرهان العقلي وهو أن الله تعالى مالك الأشياء والأشخاص ملكاً حقيقياً فله حق أن يجعل عليهم أي وظيفة شاء وله أيضاً ـ لا لغيره ـ أن يجعل عليهم من يقوم إدارة أمر جامعة الناس والمسلمين.

هذا هو الوجه الأول.

الوجه الثاني: أنه قد ورد في الكتاب الكريم آيات متعددة تدل ابتداءاً على أن حق جعل الوظيفة على الناس منحصرٌ في الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِن أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾[13].

فمضمون الآية المباركة وإن كانت حكاية لما قاله يوسف النبي على نبينا وآله وعليه السلام لصاحبيه في السجن إلا أنه لا ريب في أنه من الحكم والمعارف الإلهية التي نطق بها القرآن الكريم وأنزلت على رسول رب العالمين وحكاه الله تعالى تذكرة للناس وهداية للمهتدين، وقد صرح فيها بقوله: (إن الحكم إلا لله) بأن حق جعل الحكم منحصرٌ به تعالى، وليس لأحد أن يجعل حكماً إلا الله تعالى، ولا ريب في أن المراد بالحكم هو إبداء النظر وجعل الوظيفة أو هو نفس النظر المبدأ والوظيفة المجعولة. وعلى أي حال فلا ريب أن جميع القوانين والوظائف المقررة والأمور المجعولة للعباد مصاديق للحكم، وقد ذكرت الآية المباركة من مصاديق هذا الحكم هو أمره تعالى بأن لا يعبد الناس إلا إياه فقال تلوه: (أمر أن لا تعبدوا إلا إياه) فتدل الآية بوضوح كالصارحة على أن حق جعل كل وظيفة وأمر على العباد مختص بالله تعالى ليس لأحد غيره. وهذا هو الذي رضاه.

إن قلت: إن الحكم على ما يستفاد من اللغة هو الرأي المحكم الذي يعطي لفصل النزاع فيختص بمورد القضاء ولا يعم كل القوانين، قال الراغب في المفردات: (والحكم بالشيء أن تقضي بأنه كذا أو ليس بكذا سواء ألزمت ذلك غيرك أم لم تلزمه) فتراه أنه أخذ في مفهومه القضاء المختص بموارد التنازع وطرح الدعوى عند أحد بل إن هذه الخصوصية ملحوظة بوضوح في غالب موارد استعماله في القرآن الكريم: قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾[14]. وقال تعالى: ﴿أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾[15] إلى غير ذلك من موارد قرآنية كثيرة. وبالجملة فلا يبعد دعوى اختصاص مفهومه بما إذا كان هناك اختلاف وكان صدور الحكم وإنشاؤه لهدف إبداء القول الفصل لحل هذا الخلاف ولا أقل من احتمال اعتبار هذا القيد فيه فلا يتم الاستدلال بإطلاقه لجميع الوظائف المقررة.

قلت: بل إن غاية ما يستفاد من ذكر قول أهل اللغة والآيات المشار إليها هي دعوى اعتبار أن يكون الحكم هو الرأي المتين في مورد فيه اختلاف الآراء بالفعل أو كان مظنة الاختلاف. ومن الواضح أن الوظائف والقوانين أيضاً مثار الاختلاف وتشتت الآراء فجعلها وإبداء النظر في موردها يكون من مصاديق الحكم في مجال الاختلاف، والشاهد الواضح على صدق الحكم عليها هو نفس الآية المباركة، فإن ظاهرها كما أشرنا إليه أن نفس أمره تعالى بأن لا يُعبد إلا الله المذكور تلوه بقوله: (أمر أن لا تعبدوا إلا إياه) من مصاديق هذا الحكم، ومن المعلوم أن مفاد هذا الأمر أيضاً مثار اختلاف الآراء ولذا كان المشركون يعبدون أسماءاً سموها أنفسهم وآباؤهم. وبالجملة: فشمول الحكم للوظائف المجعولة مما لا شبهة فيه، ومن الواضح أن جعل أحد ولياً لأمور الناس ونصبه مسؤولاً لإدارة أمر البلاد أيضاً أمر لا يسلمه الناس جميعاً، فهو أيضاً من مصاديق الحكم الذي نصت الآية الشريفة بأن حق جعله بيد الله تعالى لا غير.

ثم إن هذا المدلول وقع النص عليه في آيات كثيرة كقوله تعالى حكاية عن يعقوب النبي: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ﴾[16]. وربما تعم هذه الآية لحكمه تعالى في الأمور التكوينية بل نفس الكبرى الكلية شاملة للأحكام الجعلية القانونية والتكوينية. ومن هذه الآيات قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ﴾[17] إلى غير ذلك من الآيات المباركات.

فتبين من طريق العقل القطعي والنقل المعتبر انحصار حق جعل كل حكم ووظيفة كحق جعل إمارة أحد وولايته على الناس في الله تعالى، فله أن ينصب من شاء ولياً على الناس وأميراً لهم وليس لغيره هذا الحق، اللهم إلا أن يجعل الله تعالى ويفوض إلى غيره أيضاً حق هذا النصب.

هذه هي النكتة الأساسية، وبعدها نرد في إقامة الدليل على ولاية المعصومين عليهم السلام فنقول:

 

[1]  الكافي: باب طبقات الأنبياء والرسل والأئمة، ج1 ص175 الحديث1 و 4 و 2.

[2] نفس المصدر.

[3] نفس المصدر.

[4] الكافي: باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته ج1 ص199 الحديث1.

[5] الرعد: 16.

[6] الزمر: 66.

[7] الأنعام: 164.

[8] وقد وردت أخبار كثيرة بأن كل شيء فهو مخلوق له تعالى، منها صحيحة زرارة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله خلوٌ من خلقه وخلقه خلوٌ منه، وكل ما وقع عليه اسم شيء ما خلا الله فهو مخلوق، والله خالق كل شيء، تبارك الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وقريب منها مرفوعة أبي المغرا وخبر خيثمة (الكافي: ج1 ص82 و 83 ح4 و 3 و 5، التوحيد: ص105 و 106 ح 3 و 5 و 4). والروايات في هذا المعنى كثيرة ربما بلغت حد التواتر.

وفي صحيح جابر بن يزيد الجعفي. قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام عن شيء من التوحيد فقال: إن الله تباركت أسماؤه التي يُدعى بها وتعالى في علو كنهه واحد، توحد بالتوحيد في توحده (في علو توحيده ـ نسخة التوحيد) ثم أجراه على خلقه، فهو واحدٌ صمدٌ قدوس، يعبده كل شيء ويصمد إليه كل شيء، ووسع كل شيء علماً (الكافي: باب تأويل الصمد ج1 ص123 الحديث2، التوحيد: ص93 الحديث9).

وفي كتاب العين للخليل: الصمد: قال الحسن: الذي أصمدت إليه الأمور، فلا يعتني فيه أحد غيره، انتهى. وعليه فمعنى صمود كل شيء إليه تعالى احتياج الأشياء إليه وتعلقها به تعالى في البقاء كما كان يقتضيه معنى الرب. وعليه فمقتضى الروايات أيضاً هو ما اقتضته الطائفتان من الآيات.

[9] النمل: 91.

[10] آل عمران: 109.

[11] الروم: 26.

[12] الأنعام: 101 و 102.

[13] يوسف: 40.

[14] الشورى: 10.

[15] الزمر: 46.

[16] يوسف: 67.

[17] الأنعام: 57.