القسم الثاني

 

البنية ـ الثوابت ـ الملامح

 

البعد النفسي للمواجهة... ومقاومة التخويف

 

 لقد كانت ثابتة من ثوابت الخطاب الثوري لدى الإمام تتمثّل في تحطيم حاجز الخوف من الدول الكبرى لدى شعوب المنطقة, أو تحطيم مكانة وهالة هذه الدول في العقل الإسلامي.. فواضح أنّ رموز النظام السياسي العالمي ومنذ أن تمكنّوا من القضاء على الكيان الإسلامي كان خطابهم السياسي والإعلامي يقوم على عناصر تخويف واضحة للشعوب, وعناصر تحسيس لها بحالة من حالات العجز أمام واقع الإمكانات المادية والعسكرية الهائلة التي تمتلكها هذه الدول، وبعبارة أخرى فإن خطاب تلك الدول كان يهدف إلى إخضاع الشعوب من خلال جو إحساسي بفوقية هذه الدول، وبإستحالة نجاح أي حركة تحررية أو معارضة لنظامها السياسي العالمي. ولاشكّ أنّ أساليب التخويف هذه نجحت إلى حد كبير في تعطيل الطاقات الثورية, وتعطيل قدرة بعض التيارات السياسية التي وقعت ضحيّة لهذه الأساليب, وراحت تنخرط في جهود ترويجها الدعائية لمضاعفة تخويف الشعوب العربية والإسلامية.

 

وحتى إلى ما قبل الثورة الإسلامية في إيران، ما كان في الساحة من مصاديق لأي رأي يخالف أو يعارض أو يقاوم أساليب التخويف الدولية, أو يسلّط الضوء عليها, بما فيه الكفاية، ويمكن القول: إنّ أحداً لم يقاوم هذه الأساليب مثلما قاومها الإمام الخميني، فلقد دفعت ضخامة الجهود الدعائية العالمية في إطار ترويج التخويف وتحويله إلى ثابتة من ثوابت الخطاب الإعلامي للدول الكبرى.. دفعت الإمام إلى أن يعطيها أهمية خاصة ويدرجها كثابتة من ثوابت خطابه الثوري. عندما ينظر إلى هذا الخطاب في اللحاظ الشمولي العام.

 

فأي قراءة لهذا الخطاب تقوم على رصد صفاته أو مكوّناته الثورية، أو على أساس جرد لثوابته التي يخرج التعاطي بها عن إطار العفوية، ويدخل في سياق تركيزي خاص من قِبَل الإمام، لابدّ أن تفرز(ثابتة مقاومة التخويف) كواحدة من الثوابت الأساسية في الخطاب المذكور.. ثابتة تواجه الدعاية الدولية العدوة للإسلام، وتعالج آثار السياسة التخويفية الممارسة ضدّ العالم الإسلامي من قِبَل الدول الكبرى.

 

وعندما وصلت الثورة الإسلامية إلى نقطة الانتصار، راح الإمام يبلور من خلال خطابه الثوري درساً مهماً في دروس المواجهة.. كما أنه راح يوظّف مصداق انتصار الثورة في دائرة ثابتة مقاومة الدعاية التخويفية للدول الكبرى، فالحركة الثورية للشارع الإيراني على رغم المواجهات الدولية التي جوبهت بها، والممارسات الإرهابية التي لجأ الشاه اليها في سبيل كبحها، أثبتت في نهاية المطاف قدرتها على الوصول إلى نقطة الانتصار، وصمودها أمام كل ما مورس إزاءها من إجراءات، كما أنها أثبتت إمكانية الخروج الشعبي على إرادة الدول الكبرى وعلى نظامها السياسي الصارم.. فهذه القوى لا تملك شيئاً أمام أي شعب تتبلور لديه رؤية الرفض، ويحوّل هذه الرؤية إلى فعل ثوري، وينضوي تحت لواء قيادة واعية كقيادة الإمام.

 

لا تملك الدول الكبرى أمام القرار الثوري الرافض لهذا الشعب شيئاً سوى الإرهاب.. ولابدّ لهذا الشعب أن يصل إلى الانتصار.

 

لقد أفرزت لحظة انتصار الثورة الإسلامية في إيران هذا المعنى. والإمام كان يرى بأن هذا الإفراز بحاجة إلى تركيز أو بلورة نظرية، فهو كان يقول في حديث له أمام المشاركين في مؤتمر حول القدس بطهران: (من الخطط التي مارستها الدول الكبرى وتابعتها الدول الصغيرة في ذلك هي إخافة الشعوب للوصول إلى مآربها.. فلقد شهدتم شائعات السافاك في عهد غصب السلطة من قِبَل( محمد رضا)المخلوع، حتى كانت كل عائلة تظن بأنها إذا تفوّهت بكلمة واحدة عن الشاه تعاقب على ذلك، وأشاعوا بأن السافاك متواجد في كل مكان، وإنّ الشعوب إذا أرادت التصدّي لحكومة ظالمة أو قوى كبرى، فيجب أن تحطّم الأوثان، تحطّم أولئك(الظلاّم) الذين تصدّروا الزعامة, وذلك بالحديث وتوعية الآخرين وإزالة الفكرة التي تقول: لو تكلّم أحد ضد الحكّام لإنقلبت الدنيا، ولهذا شاهدتم عندما انطلقت الشعارات ضد الشاه المقبور لم يحدث شيء، وقد رأيتم كيف خرج الشعب إلى الشوارع عندما أعلنت الأحكام العرفية ولم يحدث شيء. إذ إنّ أهم مسألة هي إزالة الخوف من قلوب الشعوب)[1].

 

هذا النص هو نموذج لِما ميّز خطاب الإمام الثوري من تركيز على تحطيم الهالة النفسية في أوساط الأمة للدول الكبرى، وتوظيف حدث انتصار الثورة الإسلامية في إيران؛ لبلورة وتوضيح إمكانية الثورة والتحريك ضد هذه الدول، ولإيضاح عجزها عن فعل أي شيء قادر على إيقاف مسيرة الثورة إذا ما توفّرت لها جرأة الانطلاق، وظروف التحرّك وأدركت خواء الدعاية التخويفية، والأساليب الساعية إلى إيجاد جو من التهيّب النفسي، والخضوع الذاتي للنظام السياسي الذي فرض على الأمة، وقام على أنقاض الكيان السياسي للمسلمين.

 

وليس توظيف حدث الثورة الإسلامية في إيران إلاّ نموذجاً واحداً لسياسة توظيف الحث في إطار استيعاب الخطّة التخويفية الدعائية الدولية لدى الإمام، ومواجهتها بالأساليب المناسبة، ودرجها كواحدة من ثوابت الخطاب لديه، ولعلّ النص التالي الذي قاله الإمام بصدد القضية الأفغانية يوضّح أبعاد تلك السياسة، يقول الإمام:

 

(ولكن عندما تستيقظ الشعوب شيئاً فشيئاً سوف تعلم أنّ الموضوع ليس كذلك، فقد رأينا أنّ التدخّل العسكري للاتحاد السوفيتي في أفغانستان التي تؤلّف شعباً ضعيفاً ولكنه حيّ، وقد وقف هذا الشعب بقوة الإيمان, في الوقت الذي كانت الحكومة الأفغانية الغاصبة, وبعض الأحزاب اليسارية تعمل كلها مع السوفيات، ومع ذلك كان الشباب الأفغاني المتطلع قد وقف بوجههم، ومنذ مدة طويلة أوجد للسوفييت بعض المشاكل، وعلينا أن نقول: بأنهم دحروا السوفييت سياسياً، وكان هذا ناتجاً عن علمهم, بأنه ليس من الحقيقة في شيء من أنّ السوفييت لو غزوا بلداً لا يمكن الكلام بعد ذلك ويجب الاستسلام مئة بالمئة! أو أنّ أميركا لو تحرش أحد بها ـ إيران مثلاً ـ فسوف يباد البلد بأجمعه ويزول!!! إنّ هذا الرعب قد فشل شيئاً فشيئاً.

 

وإنما كان الأعداء قد أوجدوا هذا الرعب عن طريق دعايتهم؛ بحيث كانوا ينجزون أعمالهم بواسطة هذا الرعب.

 

إنّ أولئك لم تكن قوّتهم إلى حد بحيث يبيدون شعباً بكامله, كانوا يستخدمون هذا الأسلوب أيضاً، ولكن الشعب الإيراني قد دحر هذا الموضوع وأبعاد هذا النظام، وهكذا بالنسبة للقوى العظمى أيضاً كان الموضوع هكذا, بحيث كان إرهابها أكثر من واقعها، ولو حدث أمر في بلد صغير مخالف للسوفيت أو الأمريكان كان يكفي أن تنهر أميركا أو السوفيات ذلك البلد الصغير، حتى ينتهي الموضوع بذلك التخويف فقط)[2].

 

وفي مكان آخر يقول الإمام: (وما أريد التأكيد عليه هو: أن تخرجوا من رؤوسكم ما يقال من أنه لا يمكن مواجهة الدول الكبرى، صمّموا على ذلك تقدرون؛ لأن الله يدعمكم ويحميكم، إنّ الهمسات التي تشاع من قِبَل عملاء الاستعمار من أنه لا يمكنكم الحياة دون اللجوء إلى إحدى الدول العظمى كلها خطأ مئة بالمئة وغير صحيحة، قفوا على أرجلكم بإستحكام وقوة, وكونوا مع الله واسعوا قبل كل شيء إلى الرقي في الإنسانية عندها يمدّنا الله بعونه, ونستطيع أن نحصل على استقلالنا وحرّيتنا وحفظ إسلامنا نوفق إلى ذلك إن شاء الله)[3].

 

لقد كانت مفردة الدعاية التخويفية واحدة من أكثر المفردات التي جسّدتها سنوات المسيرة، ويقول الإمام في وصيته المباركة في هذا الإطار: (من المؤامرات المهمة والملحوظة بوضوح في القرن الأخير، وخصوصاً في العقود الأخيرة، وبالأخص بعد انتصار الثورة، مؤامرة الدعاية الواسعة وبأبعاد شتّى, والهادفة إلى إدخال اليأس من الإسلام إلى قلوب الشعوب، خاصة شعب إيران المضحّي، والترويج أحياناً لذلك بصورة ساذجة وبلهجة صريحة: بأن أحكام الإسلام وضعت قبل ألف وأربعمائة عام فلا يمكنها اليوم إدارة أمور الدول).

 

وبالطبع يضع الإمام يده على الهدف الدولي لأسلوب الإثارة الدعائي هذا، فهو يقول:

 

(إنّ الهدف من ذلك هو تيئيس المسلمين ومحاربتهم نفسياً وسط أجواء تسمح نوعاً ما باللجوء إلى هذا الأسلوب النفسي، إذ إنّ الواقع الإسلامي هو واقع مأساوي بلحاظ التعدد السلبي الذي يسود الساحة الإسلامية في وجهات النظر، ومن وجود الحكام التابعين والمسلّطين على رقاب المسلمين في أكثر نقاط العالم الإسلامي الجغرافية، وعلى صعيد فارق الإمكانات في القوى العسكرية بينه وبين أعدائه الدوليين، ومن حيث غياب وحدة الكلمة والموقف إزاء القضايا الإسلامية المصيرية، فهذه المظاهر السلبية كانت ولا زالت تشكّل الأرضية التي تتحرّك عليها مفردة الدعاية العدوة المضادة للإسلام، فأعداء الإسلام يحاولون الإيحاء بأن العالم الإسلامي إنما انتهى إلى هذا الحال؛ لكون الإسلام نفسه ما عاد يصلح لقيادة البشرية، ولقد أصبحت نظرياته(بالية وقديمة) ولا تواكب تطوّرات العصر وحاجاته والضرورات التي استجدّت، وبمعنى آخر: إنّ أعداء الإسلام يحاولون توظيف الظواهر السلبية في العالم الإسلامي؛ ليوجدوا منها أرضية وأجواء الانطلاق لأسلوب دعائي, أو مفردة دعائية تلعب دورها في إطار الحرب النفسية التي يشنّونها ضد العالم الإسلامي، وغالباً ما يكون هذا الأسلوب قائماً على انتقاء محكم لمادة الدعاية، وذا قابلية في إيهام العقول الساذجة والبسيطة التي لا تتعمّق في الربط المباشر بين تلك المادة الدعائية المثارة والأرضية التي انطلقت منها.

 

ولا تحاول أن تقرأ الأهداف العدوّة، ولا تستطيع بحكم درجة وعيها الهابط أن تحيط بتاريخ الصراع، والوقوف على الأسباب التي أدّت بالعالم الإسلامي إلى هذه النهاية، ولا قابلية لها في قراءة علاقة الفكر بالزمن.

 

إنّ شريحة البسطاء هذه تقع على الدوام ضحية هذا الأسلوب الدعائي، وهنالك شريحة أخرى، هي شريحة المنتفعين من ترويج هذا الأسلوب، وعليه فإن أسلوب المواجهة الإسلامي يجب أن يرتقي إلى ما يجعله قادراً على التصدّي للشريحة الثانية بأساليب كاشفة لروح النفعية والاستغلال لهديها، وأن ينهض بوعي الشريحة الأولى، إلى ما يعطيها ضمانة الفرز، فرز الدعايات المضادّة التي تشكّل مفردات الحرب النفسية العدوّة، فإن كون الأفكار الإسلامية جاءت قبل ألف وأربعمائة عام لا يشكّل علامة سلبية للفكر الإسلامي, إنما يمثّل نقطة إيجابية في كون هذه الأفكار جاءت بشمولية ورصانة وقوة تعطيها عناصر الخلود، وقدرة الامتداد مع الزمن.

 

يقول الإمام في وصيته بصدد قدرة الإسلام على إدارة الحياة:

 

(إنهم إما جهلة بالحكم والدستور والسياسة, أو عالمون؛ لكنهم يتظاهرون بعدم الإطلاع لأغراض خاصة، فإجراء القوانين على أسس القسط والعدل، ومنع الظلم، ومواجهة الحكم، وبسط العدالة على كلا الصعيدين الفردي والاجتماعي، وقمع الفساد والفحشاء وأشكال الانحرافات،وتحديد الحركات بموازين العقل والعدل، وقضايا الاستقلال والاكتفاء الذاتي، ومكافحة الاستعمار والاستغلال والاستعباد، وقضايا الحدود والتعزيرات على أساس العدل، ومنع فساد وتدمير المجتمع وقضايا السياسة، وتدبير شؤون المجتمع وفق معايير العقل والعدل والإنصاف والمئات من أمثال هذه القضايا هي ليست من الأمور التي يليها الدهر على مدى التاريخ الإنساني والحياة الاجتماعية، وادّعاء ذلك مثل الادّعاء بأن القواعد العقلية والرياضية يجب أن تُلغى في القرن الأخير وتستبدل بقواعد أخرى، وما هو بأكثر من ادّعاء بليد، القول بأنه إذا كان يجب أن تجري العدالة الاجتماعية في بدايات العصر الإنساني منعاً للظلم والنهب والقتل، فإنها قد أصبحت اليوم قديمة، فهذا هو عصر الذرة).

 

وأخيراً نقول: إنه على الرغم من مساهمة الثورة الإسلامية في إيران، في إبطال أساليب الدعاية العدوّة، لم يغفل الإمام عن إثارة الجانب الدعائي وضرورة التصدّي الحازم له، مثلما لم يغفل من قبل على التركيز على هذا الجانب, واعتباره على أنه مسؤولية ضخمة تقع على عاتق مسؤولي الدولة الإسلامية، إذ إنه كان يقول: (عليهم أن يوقظوا أبناء الأمة التي ركّزوا في ذهنها، خلال سنوات متطاولة، عدم إمكانية معارضة أميركا والاتحاد السوفياتي، ولازالت هذه الدعاية راسخة في الأذهان، يجب علينا أن نفهّم الشعوب بأن هذا الأمر ممكن؛ وخير دليل على ذلك ما حدث في إيران, لقد ملأوا اُدمغتهم بأنهم لا يمكن الحرب مع تلك القوى، ولا يخفى أن هذه الأمور هم الذين قاموا بإشاعتها عن طريق عملائهم داخل صفوف شعوب البلدان الإسلامية.

 

يتوجّب على الأشخاص الموجودين في البلاد الإسلامية ـ أولئك المعتقدين بالإسلام، والذين تنبض قلوبهم من أجل شعوبهم، ويريدون خدمة الإسلام، أن يقوم كل منهم ببعث شعبه من داخله؛ لكي تعثر شعوبهم بالتالي على ذواتها التي فقدوها، فإن الشعوب التي فقدت ذواتها، فقدت بلادها، وأنّ الأفكار التي رسخت في أذهانهم، والمتمثّلة بعدم إمكانية المقابلة مع القوى العظمى، وأنها سوف تعمل كذا وكذا، يجب أن تزال من أدمغتهم، أي يجب أن يزال من أدمغة الشعوب هذا (اللا ممكن) وإحلال( الممكن). كلا, فبالإمكان أن نعمل ذلك كاملاً)[4].

 

جاء ذلك في خطاب للإمام مع المشاركين في (مؤتمر القدس العالمي) وفي نداء له لحجاج بيت الله الحرام يقول الإمام:

 

(وتجسيد شعائر المواقف الكريمة، والمشاهد المشرّفة في بلدانكم، والخطوة الأولى تتمثّل في إزالة اليأس الذي عمل الشرق والغرب وعملاؤها على غرسه في قلوب المسلمين ونفوسهم، وجعلوا المسلمين يصدّقون بعدم إمكان استمرار حياتهم دون الارتباط بقوة كبرى، وإيران أثبتت حكومةً وشعباً في هذه الثورة العظمى تفاهة هذا الفهم وخواءه)[5].

 

هكذا يستوعب الإمام أساليب وصور الحرب الدعائية في سياق المواجهة القائمة، ويصنع أو يؤسس الأساليب المضادّة لها، بما يفرز ويبلور ثابتة مقاومة التخويف والتيئيس الدولي بصورة واضحة في خطابه الثوري.

 

الخطاب الثوري .. أساليب التحريك

 

لقد كان الخطاب الثوري للإمام يقوم على الهدف التحريكي للشارع الإسلامي, الذي يتكرر بألوان وأساليب متعددة, فتارةً يكون الأسلوب التحريكي لدى الإمام قائماً على التذكير بالواجب الديني لمقاومة الظلم؛ المتمثّل بالنظام السياسي العالمي الذي قام على أنقاض الكيان السياسي للمسلمين.

 

وتارةً ثانية يتمثّل الأسلوب, بتذكير العالم الإسلامي بإمكاناته الذاتية المادية والبشرية بما يؤهّله لإدارة المواجهة إدارة ناجحة.

 

وتارةً ثالثة يحاول الإمام أن يحرّك الساحة الإسلامية من خلال الطرق على أرشيف التجارب الفاشلة لقيادة الشعوب بالقوة، ونبش حالات الانتصار التي سجّلتها بعض الأمم والشعوب على القوى الكبرى.

 

وتارة رابعة يستقر أسلوب الإمام التحريكي على سرد متواصل لجرائم بعض الدول الكبرى ضد الشعوب, وعلى كشف متواصل لِما لا يمكن أن تستوعبه مدارك المُواطن العادي من حركة تآمرية غربية أو شرقية أو على عجز هؤلاء الكبار عن مواجهة أية ثورة.

 

وتارةً خامسة يأتي التحريك عبر مقاومة الاتّكالية كأحد الأمراض الاجتماعية الخطيرة.

 

وعلى رغم أنّ الجو العام في ظل السيطرة الاستكبارية على الشعوب ما كان يشجّع على العمل بهذه الأساليب بصورة متواصلة، على رغم ذلك بقي الإمام يطمح في أن تنجح أساليبه في تغيير الواقع الدولي, الذي كان سائداً قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران، ولقد حقق هذا الانتصار طموح الإمام، وتحوّل إلى مصداق من مصاديق نظريته في المواجهة، وواصل أساليبه تلك بعد الثورة، وكنموذج هنا يقول في حديثه بمناسبة عيد الأضحى: (أنتم أيها المسلمون تملكون كل شيء، وتملكون قوة الإسلام التي تفوق كل شيء وكل السلاح، كما تملكون الصحاري والبحار والبلاد الواسعة الغنية.. إنكم في غنى عن كل شيء, ولكن أكثر أبناء شعوبكم يفتقرون لكل شيء، إنّ كل هذا بسبب عدم تطبيقكم للتعاليم الإسلامية، وأنّ ثرواتكم التي يجب أن تصرف على المسلمين تعطى لغير المسلمين بثمن بخس)[6].

 

وفي نداء من نداءاته لحجاج بيت الله الحرام يقول الإمام:

 

(اعلموا أنّ قدرتكم الروحية ستتغلّب على جميع الطواغيت, وتستطيعون بعددكم البالغ مليار إنسان, وبثرواتكم الطائلة غير المحدودة أن تحطّموا جميع القوى، انصروا الله كي ينصركم، أيتها الجموع الغفيرة من المسلمين انتفضوا، وحطّموا أعداء الإنسانية، فإن اتجهتم إلى الله تعالى والتزمتم بالتعاليم السماوية فالله تعالى معكم)[7].

 

ومن خلال هذين النصّين يمكن القول:

 

أولاً:  إنّ الدعوة التي يوجّهها الإمام إلى الأمة؛ لكي تثور على واقعها المأساوي, لم تكن دعوة فارغة وغير محسوبة وغير موجّهة وغير واضحة في أرضيتها ومضامينها المبدئية والفكرية. بل إنها حركة في إطار الإسلام والانتماء إليه كهوية.

 

ثانياً:  إنه وبالإضافة إلى ما توفّره الحركة في إطار الإسلام من ضمانات ربّانية بالموفّقية والانتصار فإنه من الملاحظة المادية فإن الأمة تملك إمكانات الرفض الذاتية على القيود المفروضة عليها.

 

ثالثاً:  الواقع الاقتصادي والحياتي المتردّي الذي تعيشه الأمة يكفي وحده لأن يكون سبباً لإنطلاق الحركة الذاتية.

 

إنّ كل ذلك يندرج في إطار أسلوب واحد هو أسلوب التذكير بإمكانات الحركة المادية والبشرية، أما ما يبلور الأساليب الأخرى فيمكن أن تقف عليه من خلال النصوص التالية:

 

يقول الإمام في لقاء له مع وفد من كبار علماء الدين السعوديين: (إنّ قوة الإيمان هي التي نصرت جيشاً ضعيفاً على امبراطوريات العالم الكبرى، وجعلت ثلاثين شخصاً بقيادة خالد بن الوليد يغلبون ستين ألف مقاتل رومي. إنّ قدرة الإسلام هي التي حققت الانتصار.

 

وعلينا نحن المسلمين أن نحقق الانتصارات الإسلامية بقوة الإسلام، علينا أن نجاهد قوى الكفر بقوى إسلامية وندفع عن بلداننا شر الظالمين)[8].

 

ويقول في ندائه إلى الحجاج المسلمين في (ذي الحجة 1399هـ) ما يلي:

 

(يا مسلمي العالم!

 

ماذا دهاكم؟ لقد استطعتم في صدر الإسلام بعددكم القليل أن تحطّموا القوى الكبرى وتشيّدوا صرح الأمة الإسلامية العظيمة.

 

والآن أنتم تقاربون المليار إنسان وتمتلكون الثروات التي بمقدورها أن تشكّل أكبر حربة في مواجهة العدو أصبحتم أذلاّء ضعفاء!!).

 

وفيما يخص أسلوبه التحريكي القائم على عدم (قدرية) الدول الكبرى دائماً عن مواجهة قرارات الشعوب الرافضة, يقول الإمام في لقائه بمجموعة من الضباط العسكريين الباكستانيين العائدين من حج بيت الله الحرام يقول:

 

(في هذه المجابهة القائمة الآن بين كل الكفر والإسلام لا بين إيران وأميركا، على المسلمين أن ينهضوا ويثوروا ويحققّوا النصر في هذه المجابهة، وسينتصرون، وعليهم أن لا يخشوا من هذه الطبول الفارغة، أن لا يخافوا من أميركا باعتبارها قوى كبرى وقدرة شيطانية وقادرة على إبادة الجميع في يوم واحد!! هذه دعايات أميركا، لا تستطيع أميركا أن تفعل ذلك، لا تستطيع أن تبرز عضلاتها أمام المسلمين. العالم اليوم يدرك ما سيحدث في هذا الصراع)[9].

 

وفي إطار تحريك الحوافز الدينية ومسؤولية الواجب الديني في مقاومة الظلم والطغيان الأرضي ورموزهما الكبرى يقول الإمام في حديث له مع عوائل شهداء الدول الإسلامية التي شاركت في احتفالات الذكرى السنوية الثانية لانتصار الثورة:

 

(لقد كان المؤتمر مناسبة للإسراف والتبذير دون الاهتمام بالإسلام وأمور المسلمين، ألم يسمعوا الحديث النبوي الشريف الذي يقول: (من أصبح ولم يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم)؟.

 

هل اهتمّ هؤلاء بأمور المسلمين عندما اجتمعوا في دولة كانت مهبطاً للوحي ومكاناً لمبعث رسول الله ونبي الإسلام؟ هل اهتمّوا بالاعتداء الصهيوني على لبنان وفلسطين؟.

 

يجب على الشعوب نفسها أن تعطي أهمية للإسلام، فإننا يائسون من زعماء الأنظمة)[10].

 

إنّ أساليب التحريك لدى الإمام نجحت في الكثير من أهدافها سواء في إيصال الأحداث إلى نقطة الانتصار في الداخل الإيراني، أو في توظيف هذا الانتصار من أجل تفجير نقاط أخرى في الشارع الإسلامي شكّلت بدورها مصاديق جديدة لثابتة التحريك في خطاب الإمام الثوري.

 

فلقد انفجر هذا الشارع الإسلامي في لبنان ليسجّل لوناً خاصاً في المواجهة والمقاومة.

 

وانفجر في فلسطين المحتلّة ليسجّل لوناً آخر، وامتدّ إلى الشمال الإفريقي والى نقاط إسلامية وعالمية عديدة كوعي وصحوة.

 

ولا يمكن لأي مراقب أن يفصل ببساطة اتصال الانفجار الإسلامي في تلك النقاط عن تأثير خطاب الإمام، الذي أوصل الشعور إلى نقطة التفعيل والتأثير في الأوساط المحرومة والأمل بإمكانية مواجهة الكبار المسيطرين على هذا العالم وفرض إرادة أخرى إلى جانب الإرادة القائمة في إدارته سياسياً.

 

إنّ خطاب الإمام قاوم الاتّكالية السياسية كأحد الأمراض الاجتماعية وكلون أو كأسلوب تحريكي آخر، وأخيراً في هذا الإطار وكتتويج لهذه المقاومة يقول الإمام في وصيته.

 

(وصيتي للشعوب الإسلامية هي: أن لا تنظروا أن يأتيكم أحد من الخارج ليعينكم على الوصول للهدف ـ وهو الإسلام وتطبيق أحكامه ـ يجب عليكم أن تنتفضوا من أجل هذا الهدف الذي يحقق الاستقلال والحرية).

 

وهذا النص من نصوص وصية الإمام يختزن مجموعة من المعاني الدقيقة التي تشكّل أسلوب الإمام في مقارعة ومكافحة أمراض الأمة الذاتية, والتي تختزنها الحالة الإسلامية في داخلها, والتي تشلّ طاقاتها وتقتل روح الإبداع لديها وتعرقل مسيرتها نحو الاستقلال، فالواضح أنّ الاتّكالية كانت ولا زالت تشكّل أحد المظاهر المرضية في حياة الأمة الإسلامية.. وهذه الاتّكالية لجزء كبير من الأمة الإسلامية, ربما كانت السبب في ضياع الكثير من فرص الوعي والحركة، إذ إنه بعد حدث الثورة الإسلامية في إيران تأثّر الشارع الإسلامي بجزء كبير منه، وتفاعل مع هذا الحدث إلى أقصى درجات التفاعل, وأفرز هذا التأثّر والتفاعل فيما بعد صوراً مشرقة للمواجهة تجسّدت في أفغانستان ولبنان وفلسطين والعراق وشمال إفريقيا ونقاط عديد من العالم الإسلامي. ولو كان هنالك احتضان واع ومسؤول من قِبَل بعض شرائح الأمة لصورة المواجهة تلك.. ولو كان هنالك تضامن جادٌ معها من قِبَل بعض القياديين الإسلاميين لَما كان سهلاً على القوى الكبرى وعملائها المحلّيين، أن يمتصّوا ضربات الإسلاميين، وأن يخططوا لإماتة آثار هذه الضربات؛ ولأن يعدّوا العدّة بالاغتيال والترغيب والترهيب وشراء الضمائر لإجهاض الحركة الإسلامية والقضاء على رموزها.

 

إنّ ما حصل، هو أنّ شريحة كبيرة من الأمة كانت إما متفرّجة على الصراع المرير الدائر بين الإسلاميين من جهة وبين الأنظمة والقوى الكبرى من جهة أخرى, وإما متعاطفة، لكن إلى الدرجة التي لا يخرج فيها هذا التعاطف عن إطار الإحساس والشعور والمولاة القلبية.

 

وأما ممارسة لحالة الاستنكار الداخلي أو ما يسمّى (بأضعف الإيمان) في مواقفها إزاء ما يدور من أشكال مواجهة حادّة, ومن صور صراع دام ومرير، والسبب الأكبر في ذلك يعود إلى عدم اكتمال الوعي, وفقدان القيادات المحلّية في البلدان الإسلامية.

 

إنّ الإمام الخميني عندما يقول: بوجوب ذاتية التحرّك في كل نقاط العالم الإسلامي والعالم المستضعف التي تخضع لممارسات إرهابية وبطشية.. لم يكن يسعى إلى التخفيف من عبء المركز ـ مركز ومحور انطلاق الثورة الإسلامية وهو إيران ـ ولا يريد أن يتنصّل من دعم ثوار العالم الإسلامي.

 

إنّ الإمام يسعى إلى إظهار الاتّكالية كأحد الأمراض المسؤولة عن تراجع العالم الإسلامي، وكأحد الأسباب التي لا زالت تؤدّي إلى ضياع الكثير من الفرص في مسار الصراع الذي يخوضه الإسلاميون مع أعدائهم الدوليين الكبار، والأنظمة المحلّية الإرهابية، ومن هنا يفهم سر تأكيد الإمام على ضرورة التحرّك الشعبي الجماعي، وممارسة أسلوب التذكير بالقوة والإمكانات الذاتية التي تساعد على هذا التحرك، وتجعل منه أمراً ممكناً يؤدّي إلى الانتصار إذا ما رافقته نوايا سليمة في الاتّكال على الله فقط، وليس الاتكال على الآخرين والتخلّي عن المبادرة الذاتية والفعل الذاتي المعارض لمظاهر الظلم والاستغلال التي يتعرّض لها العالم الإسلامي.

 

إنّ الإمام عندما يحاول هنا أن يقضي على الأحلام التي تهيمن على فئة من الأمة بحيث تدفع بها إلى الرغبة في التحرير ـ عبر الآخرين ـ وليس عبر الفعل الذاتي. عندما يحاول الإمام ذلك فهو لا يفعله بما يؤدّي إلى اليأس والقنوط. لا بل إنه وفي الوقت الذي يقتل فيه الاتّكالية ويخطئ انتظار التحرير من الخارج, فإنه يجعل التحرّك من أجل الثورة على الظلم بحكم الواجب، إذ إنه يقول في الوصية: (يجب عليكم أن تنتفضوا من أجل هذا الهدف الذي يحقق الاستقلال والحرية).

 

وهذا الربط بما يقوم عليه من أسلوب تحريكي واع للثورة يوضّح جانباً من جوانب دقّة الإمام، ويلقي الضوء على لقطة من لقطات فن التحريك لديه، وهو بالتالي لا ينسى أن يضمّن وصيّته المباركة بعض أساليب التحريك الضمنية، ويرسم بطريقته الخاصة موقعاً واضحاً لهذه الأساليب في إطار استراتيجية المواجهة لديه مع الغرب، الذي يقوم بجهود مضنية من أجل إبقاء الأمة في حالة من حالات التخلّف عن الصحوة التي أدّت إليها ثورة الإمام، وإمام الثورة الراحل، بسنوات عمره الحافلة بالجهاد والمتاعب والمصاعب والإصرار والجدّية.

 

الإمام كان يطمح إلى إنقاذ الأمة من الاتّكالية، ففي هذا الإطار كان يقول بمناسبة الذكرى الأولى لاستشهاد آية الله العظمى محمد باقر الصدر: (فلا طريق أمام العراق سوى هذا الطريق فعلى الشعوب أن تثور وأن تخلّص نفسها من أيدي الأشرار وعلى الشعوب أن لا تقعد عن عمل حتى يقوم آخرون من الخارج بتخليصها فبداية الإنقاذ تأتي من قِبَل الشعب نفسه، ومع أنّ إيران كانت وحيدة ولم تعاونها أية دولة بل كانت كافة الدول الإسلامية وغير الإسلامية باستثناء عدد قليل تعارضها وتقف إلى جانب النظام، فقد أراد الشعب أن تنقرض هذه السلالة الخبيثة وكان له ذلك، فإذا أراد الشعب شيئاً فلا يمكن أن يفرض عليه شيء يخالف إرادته).

 

ويواصل الإمام حديثه قائلاً:

 

(على الشعوب أن تنهض وتنقذ نفسها من سيطرة حكومات القوى الكبرى، فلو كان الشعب الإيراني لا زال جالساً ينتظر أن تمتدّ يد من الخارج لإنقاذه؛ لبقي على ما كان عليه حتى النهاية، ولظل يعاني نفس الضغوط من الحكم البهلوي الجائر، ولكنه هبّ متّحداً منسجماً, وهتف جميع أبنائه بصوت هادرٍ مدوٍ رافضاً هيمنة تلك القوى الكافرة؛ وانتصر رغم مساندة القوة الكبرى للشاه المقبور, ورغم القدرة العسكرية الكبيرة التي كان يملكها في الداخل، ولكن وحدة الشعب والتحام القوى العسكرية معه أحبطت جهود الشاه وأسياده وأدّت إلى انتصار الشعب.

 

إذاً فلو نهض الشعب العراقي فإن جيشه لابدّ وأنه سيلتحم معه ويجتثّ بؤرة الفساد في بلاده..) وهكذا يتبلور من خلال هذا المحور خط آخر من خطوط نظرية التحريك لدى الإمام وتصبح مفردة الاتّكالية عنواناً لهذا الخط.

 

خطاب الوحدة.. خطاب التعصّب

 

 إنّ ثابتة الدعوة إلى الوحدة الإسلامية كانت إحدى أهم الثوابت الأساسية في خطاب الإمام الثوري الذي كان يتحرّك وفق مجموعة من الثوابت، حيث انتهج الإمام في ممارسة هذه الثابتة خطّين هما:

 

الخط الأول: يتمثّل بممارسة ترويج الفكر الوحدوي, أو الدعوة المباشرة إلى الوحدة الإسلامية كمسألة دعا إليها الإسلام والقرآن والأنبياء والأئمة الأطهار(عليهم السلام) فالأمة لم تصل مراقي ومراتب المجد في تاريخها إلاّ عندما كانت موحّدة في جهدها الفكري والسياسي أمام أعدائها, وإلاّ عندما تجاوزت أسباب الخلاف.. كما أنّ الأسباب الخلافية لتكن ذات وزن حقيقي في واقع الأمر, إلاّ أنّ هنالك من يعمل على تضخيمها.. فلنقف على بعض النماذج من أحاديث الإمام الوحدوية يقول الإمام لأئمة الجمعة في محافظة كيلان ومدينة رشت (تعتبر الوحدة من المسائل التي أكّد عليها القرآن كثيراً وكذلك من المسائل التي دعا الأئمة (عليهم السلام) إليها وبالأساس فإن الدعوة إلى الإسلام تعتبر في الحقيقة دعوة إلى الوحدة)[11].

 

إنّ الوحدة ترتقي هنا في تفكير الإمام إلى مستوى بديهية من بديهيات عمل الدعوة إلى الإسلام، ويصل تفكير الإمام رأساً إلى مستوى الشك بكل دعوة إلى الإسلام لا تقوم على أساس وحدوي.

 

وفي مكان آخر، أي في خطاب له مع العشائر العربية في خوزستان بتاريخ 18 صفر 1401 هـ يقول الإمام: (لقد جاء الإسلام ليوحّد جميع شعوب العالم بعربهم وفرسهم وأتراكهم, وليشكّل منهم أمة عظيمة بإسم الأمة الإسلامية ويرسّخ أركان هذه الأمة العظيمة التي تستطيع بفضل اتّحاد شعوبها وتراصّ صفوفها أن تقف بوجه جميع المستكبرين الذين يهدفون إلى إخضاع حكومات البلدان الإسلامية لسلطتهم وفرض هيمنتهم على المراكز الإسلامية).

 

وفي نصّ ثالث يقول الإمام في خطاب له أمام الضيوف الباكستانيين: (ركّز العقلاء والعلماء المسلمون منذ صدر الإسلام وحتى يومنا هذا جهودهم من أجل الحفاظ على وحدة المسلمين؛ ليكونوا يداً واحدة على من سواهم. ينبغي على كل مسلم في أية بقعة من العالم أن يتفاهم مع باقي المسلمين التزاماً بما أكّد عليه سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، ودعا إليه الرسول الأكرم(ص) مراراً, كذلك أوصى به أئمة المسلمين(عليهم السلام). وقد سار على نهجهم علماء الإسلام الواعون، وبذلوا جهودهم الحثيثة الهادفة إلى دعوة المسلمين للاتّحاد والإخاء تحت لواء الإسلام)[12].

 

إنّ خطاب الإمام في نصوصه المتقدمّة وكل النصوص الأخرى التي تطرّقت إلى موضوع الوحدة الإسلامية لا يحتاج إلى قراءة, أو بالأحرى إلى جهد كبير لهذه القراءة، فنصوص الإمام واضحة في كل ما تتحرّك من أجله من أهداف وحدوية, أو تحويل تحقيق هذه الأهداف إلى همّ أو واجب على كل إنسان مسلم.

 

وجاءت تجربة الإمام لتتحوّل في مصداق من مصاديق المواجهة التي يخوضها بعنوان وحدوي.. إلى مصداق حي لهذا الفكر الوحدوي ومصداق لِمْا جاء في خطاب الإمام من مفاهيم وحدوية أو بمعنى أدق تجسيد لثابتة من ثوابت هذا الخطاب, التي يمكن القول: أنها تكررت في كل نداءات الإمام إلى حجاج بيت الله الحرام.

 

فالإمام قطع في داخل إيران شوطاً كبيراً على طريق الوحدة كما أنه نظّر من خلال أكثر من مشروع لهذه الوحدة, وطرح في أكثر من مناسبة مبادئ عامة أكثر مما تكون تفصيلية بحكم الواقع التجزيئي القائم.

 

كما أنّ الإمام الخميني ركّز في وصيته على هذا الأساس الوحدوي.

 

لقد كان هنالك بُعد للوحدة في معظم مشاريع الثورة، وفي معظم مفرداتها التنظيرية.. وكان هنالك أسبوع خاص لهذه الوحدة ومبادرات متواصلة تعطي دفعاً وحيوية للعمل الوحدوي بما يترجم ثابتة الوحدة في الخطاب الثوري، ويترجم البُعد العالمي للمشروع الإسلامي الذي لا يمكن أن تنهض به جماعة من المسلمين وحدها مهما كان عددها.

 

إنّ هذا البعد يحتاج في تحقيقه إلى أرضية حركة وتفكير وانطلاق بالحجم السكاني والجغرافي والتأثيري لكل العالم الإسلامي وقواه البشرية وإمكاناته المادية، وعندما لم يكن ذلك ممكناً من الناحية العملية اكتفى الإمام بالعمل على بلورة خطوطه ومبادئه العامة التحريضية ولم يعمل ـ بحكم الواقع ـ على الاستغراق في وضع الخطط والآليات التفصيلية.

 

أما الشكل الثاني من أشكال ثابتة الوحدة في خطاب الإمام فهو الشكل الذي يقوم على استيعاب أولي لمخطط التجزئة الدولي المعادي للعالم الإسلامي وطروحات هذا المخطط وأدواته ورموزه ومن ثم مقاومته مقاومة واضحة.

 

فالوحدة كما هي في خطاب الإمام أو في فهمه للواقع الإسلامي ليست دعوة فقط كما مرّ بنا سابقاً، كما أنها ليست تنظيراً فحسب.. إنما هي أيضاً هدف أساسي بعيد المدى, يعمل على مواجهة جهد تخريبي دولي للموقف الإسلامي الموحّد، والكيان السياسي الإسلامي الموحّد.. وإذا كانت الطروحات القومية والطائفية هي البدائل أو الصيغ التي تحرّكت عليها الخطة الدولية لتفتيت العالم الإسلامي، والقضاء على وحدته السياسية وغير السياسية. فأين وكيف كان واقع المعالجة أو التعاطي مع هذه الصيغة في خطاب الإمام الثوري أو في دائرة ثابتة الوحدة فيه بالتحديد؟

 

على صعيد الطرح القومي يقول الإمام في نداء له موجّه إلى حجاج بيت الله الحرام: (من المسائل التي خطط لها المستعمرون وعمل على تنفيذها المأجورون لإثارة الخلافات بين المسلمين، المسألة القومية التي جنّدت حكومة العراق نفسها منذ سنين لترويجها. وقد انتهجت بعض الفئات هذا الخط القومي أيضاً. فجعلت المسلمين مقابل بعضهم, بل وجرّتهم إلى المعاداة أيضاً، غافلةً أنّ موضوع حب الوطن وأهل الوطن وصيانة حدوده وثغوره لا يقبل الشك أو التردد، وهو غير مسألة إثارة النعرات القومية الهادفة إلى خلق العداوات والبغضاء بين الشعوب الإسلامية، فهذه المسألة عارضها الإسلام والقرآن الكريم والنبي الأعظم(ص).

 

إنّ النعرات القومية التي تثير العداء بين المسلمين والشقاق في صفوف المؤمنين تعارض الإسلام وتهدد مصالح المسلمين، وهي من مكائد الأجانب الذين يزعمون الإسلام وانتشاره)[13].

 

إنّ هذا النص يعكس المدى الاستيعابي لدور القومية كطرح لدى الإمام, ويظهر حرصه على تعميم هذا المدى من خلال خطابه الثوري, وتسليط الأضواء على دور الطرح القومي في خطة التجزئة التي أعدّتها الدول الكبرى للمنطقة, ورموز هذا الطرح في ممارستها وارتباطاتها بالدوائر الدولية التي ناصبت الإسلام العداء.

 

فخطاب الإمام يرفض القومية كمشروع بوجه الإسلام، ويعتبرها صيغة من صيغ التجزئة التي صدّرها للساحة الإسلامية الفكر الغربي، والإسلام يرفض أن يكون هنالك أي وجود للقومية بهذا المعنى في إدارة الحياة الإنسانية... وما يخصّ الطائفية فهي أخطر كطرح من أطروحات التجزئة من القومية في فكر الإمام وفي خطابه الثوري، فهو يقول في بيان من بياناته إلى حجاج بيت الله الحرام: (هنالك ما هو أخطر من النعرات القومية وأسوأ منها، وهو خلق الخلافات بين أهل السنة والشيعة ونشر الأكاذيب المثيرة للفتن والعداء بين الأخوة المسلمين في إطار الثورة الإسلامية لا يوجد ـ ولله الحمد ـ أي اختلاف بين الطائفتين.

 

فالجميع يعيشون معاً متآخين متحابّين، أهل السنة المنتشرون بكثرة في إيران والقاطنون مع العدد الكبير من علمائهم ومشايخهم في أطراف البلاد وأكنافها، متآخون معنا ومتساوون معهم, وهم يعارضون تلك النغمات المنافقة التي يعزفها بعض الجناة المرتبطون بالصهيونية وأميركا)[14].

 

ومن نداء للإمام :( إنّ طرح مسألة تقسيم المسلمين إلى سنّي وشيعي وحنفي وحنبلي وإخباري لا معنى لها أساساً.

 

إنّ المجتمع يريد أفراده جميعاً خدمة الإسلام والعيش تحت ظلاله, غاية الأمر أنّ الحنفي يعمل بتفاوي علمائه وهكذا الشافعي وثّمة مجموعة أخرى هي الشيعة تعمل بفتاوي الإمام الصادق، فهذا لا يبرر وجود الاختلافات, لا ينبغي أن نختلف مع بعضنا أو أن يكون بيننا تناقض)[15].

 

إنّ التعدد في الرأي الفقهي طبيعي في فكر الإمام ويجب أن لا تتحوّل هذه التعددية إلى مجال يتغذّى عليه الفكر التجزيئي المعادي للأمة[16].

 

فلعل من تابع خطابات الإمام الخميني الراحل كان يشخّص بسهولة أهمية محور الوحدة الإسلامية في تفكيره وهمومه وطموحاته، ولعلّها الطموحات العاكسة للحقيقة القيادية التي كانت تجسّدها قيادته، وليست تلك التي تطرح لتشكّل شعاراً استهلاكياً، يرفع وقت الحاجة، ويحرّك وقت الضرورة ويوضع جانباً في لحظة الممارسة السياسية العملية لمفهوم الوحدة.. لا، كانت الوحدة تشكّل هدفاً سامياً بالنسبة للإمام.

 

لأنها هدفٌ سامٍ للإسلام... لأنها تشكّل هدفاً لكتاب الله، وتشكّل مفردة مجسّدة لمعناه التوحيدي ليس بين المسلمين فقط, بل الوحدة بين حفاة بني البشر ومظلوميهم ومضطهديهم ودعاة العدالة الاجتماعية في الأرض.

 

هكذا هي الوحدة في القرآن، وبهذه الصورة التي يراها الإمام, من خلال قوله في وصيته: (نحن نفتخر ويفخر شعبنا المتمسك بالإسلام والقرآن بأننا من أتباع مذهب يهدف إلى إنقاذ القرآن من المقابر، هذا القرآن الذي تدعو حقائقه إلى الوحدة بين المسلمين, بل وعموم بني الإنسان, وتعتبرها أنجح علاج لتنقذ الإنسان من القيود المكبّلة لرجيله ويديه وقلبه وعقله، والسائقة له إلى الفناء والعدم والرق والعبودية للطواغيت).

 

من خلال هذا النص يريد الإمام أن يقول:

 

أولاً: إنّ الوحدة هدف قرآني كبير، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن يدّعي أحد التزامه بالقرآن الكريم، فيما هو لا يسعى جادّاً نحو توحيد الشارع الإسلامي وتوحيد الإنسانية المظلومة؛ لمقارعة الظلم والاضطهاد والاستغلال.

 

ثانياً:  يضمّن الإمام في سياق هذا النص جملة من المعاني التي بإمكانها أن تنتج معاني أخرى، فالربط بين إنقاذ القرآن من المقابر وبين حقائقه التي تدعو إلى الوحدة، لم يكن ربطاً عفوياً، إنما هو معبّر عن أسس الوحدة المطلوبة، ماهية الوحدة القرآنية. إنها ماهية مقاومة للظلم ورافضة لحالات التلفيق والوفاق المزيّف مع الطواغيت.. ماهية أسسها مفهوم الجهاد الذي يمثّل محور الحركة لكل رسالات الأنبياء؛ من أجل الوصول إلى أهدافهم السامية.

 

ثالثاً: يطرح الإمام في هذا الإطار القرآن كداعية للوحدة وكأساس لها، حيث بقيت مسألة أساس الوحدة تشكّل محوراً نقاشياً في الدائرة الفكرية والثقافية الإسلامية، وفي دائرة السعي نحو صيغ هذه الوحدة العملية. في حين أنّ هذا الأساس وضعه الرسول الأكرم(ص) في لحظات وداعه للحياة, من خلال حديث الثقلين: (كتاب الله وعترتي أهل بيتي).

 

رابعاً: يتأكّد طرح الإمام في التأكيد على القرآن، كمحور توحيدي من خلال قوله أيضاً: (وبلغ الانحراف درجة أنّ الحكومات الجائرة والخبثاء من فقهاء البلاط وهم أشد شراً من الطغاة، اتخذوا من القرآن وسيلة للظلم وترويج الفساد وتسويغ أعمال الظلمة والمعاندين لإرادة الحق تعالى.. وواأسفاه أنّ القرآن وهو كتاب الهداية لم يعد له دور فأصبح الكتاب الذي ينبغي أن يكون محوراً لتوحيد المسلمين والعالمين ودستوراً لحياتهم أصبح وسيلة للتفرقة وإثارة الخلاف أو عطّل دوره كلياً){ الوصية}.

 

وفي هذا المجال يقول الإمام في حديث لعشائر خوزستان: (إنّ ما تتطلّع إليه الجمهورية الإسلامية هو تطبيق ما جاء به القرآن الكريم وعلى لسان الرسول الأعظم محمد(ص).. وما نريد أن نقوله للشعوب هو: إنّ الإسلام دين الوحدة والتآخي والمساواة ولا فضل لفئةٍ على فئة أخرى إلاّ بالتقوى والعمل بأحكام الإسلام ونصوصه)[17].

 

وفي حديث له في عيد الأضحى 1400هـ يقول الإمام:

 

(لماذا لا يلتزم المسلمون وحكوماتهم بالأحاديث النبوية الكريمة التي جاء فيها: (المسلمون يد واحدة على من سواهم) لماذا لا يوجد بينهم إلاّ الخلاف المستمر؟)، ومن خلال هذه النصوص يتّضح تصوّر الإمام عن الوحدة وتنظيره لها, فهي وحدة يجب أن تقوم على القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

 

خامساً:  وأخيراً تبقى الوحدة ملازمة للسعي لتحقيق طموحات الأمة في صراعها الذي تخوضه مع أعدائها الدوليين، إذ دون هذه الوحدة سوف لن تتحقق هذه الطموحات، ولعلّ نظرة إلى أحداث التاريخ، تؤكّد هذه الحقيقة، فعندما كانت الأمة موحّدة في كيانها، كانت محاولات الأعداء للإطاحة بهذا الكيان تنتهي إلى الفشل، أما عندما بدأت المظاهر التوحيدية والتعاضدية للأمة تنهار، إنهارت كل الآمال والطموحات معها. وأصبح بإمكان الغرب أن يفتّش في وسط الأمة عمن يرفع التضامن الإسلامي شكلاً، ويمارس الطائفية بأقسى وأبشع أشكالها مضموناً، يقول الإمام في هذا الإطار وفي حديث له إلى المشاركين في مؤتمر القدس يقول: (حين تتفرق أمة إلى طائفتين، وعشر طوائف، ومئة طائفة، يعارض بعضها الآخر، وتحكم فيها حكومة ليست منهم، فلا تتوقّع مثل هذه الأمة النصر.

 

لابدّ من العودة إلى تعاليم الإسلام التي أكّدت على أنّ المؤمنين أخوة وأمرت بالاعتصام بحبل الله وبعدم التفرّق وترك التنازع، ولو استجاب المسلمون لهذه الدعوة الإلهية لتخلّصوا من القوى الكبرى ومن الحكومات الفاسدة)[18].

 

وبالإضافة إلى هذه النقاط فإن هناك صفة مهمة من صفات الخطاب الثوري، وهي الصفة المرتبطة بنبذ التعصّب بكل أشكاله، سواء كان تعصّباً قومياً أو وطنياً أو عرقياً أو مذهبياً، وأيضاً، نفي التعصّب بأشكاله الأخرى، كالتعصّب الطبقي أو الوظيفي، ولاشكّ أنّ الإمام مارس في خطابه الثوري هذا الرفض التعصّبي أداءً لمهمة إسلامية، أو يمكن القول: أنّ الخطاب مارس هذه المهمة، كما مارس إشاعة المبادئ الإسلامية الأخرى في وسط هذا الخطاب الإنساني، فالإسلام دين يرفض أي شكل من أشكال التعصّب المذكور، إذ لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود، > وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم<، ولعلّ الفكر الديني بشكل عام، والفكر الإسلامي بشكل خاص، كفكر إنساني وعالمي انفرد في احترام الإنسان بغض النظر عن لونه ولسانه وانتمائه الوطني والقومي والعرقي والطبقي، وعلى أساس من هذه المفاهيم الربّانية عكس الإمام كل هذه المفاهيم بأبعادها الإنسانية، النابذة للتعصّب بشكل مكثّف، وأعطى هذه الممارسة تركيزاً استثنائياً، وتناول في خطابه مقاومة كل أشكال التعصّب من جهة، وأشاع المبادئ الإسلام الإنسانية، ومبادئ الوحدة والتسامح، وإذا كان الخطاب الإسلامي، بحد ذاته خطاباً وحدوياً متسامحاً إنسانياً، محارباً للتعصّب، فقد أدرك الإمام أنّ تراثاً تعصّبياً ضخماً، أشاعته الخطابات التعصبية، هو بحاجة إلى ذلك التركيز الاستثنائي والشكل المكثّف لمحاربته وإبطال مفعوله.

 

فمنذ الحرب العالمية الأولى، وما أنتجته من تقسيم للبلاد الإسلامية، اكتسحت الثقافة التعصّبية بشكل خطير العالم الإسلامي، وحلّ بدل الخطاب الإسلامي الموحّد، الخطاب القومي، والخطاب الوطني والخطاب الطائفي، كما أشرنا وعملت الأجهزة الحكومية في بعض البلدان الإسلامية على إشاعة العنصرية، ونبش التراث العنصري والقومي بشكل خطير، وكان شاه إيران أكثر تطرّفاً في إشاعة الثقافة التعصبية من غيره، إذ إنه ألغى التقويم الهجري، وحاول تنقية اللغة الفارسية من المفردات الأخرى، وأحياء الأمجاد الفارسية والقيم العنصرية، ولقد كانت مواقف الإمام صارمة وشديدة إزاء هذه السياسات العنصرية والقومية، ولقد جاء في خطاب له في هذا الإطار ما يلي: (وإحدى الخطط والحيل التي بثّها الاستعمار في بلادنا وسيطر بها علينا هي مسألة التفرقة العنصرية وإحياء القومية، فالتركي يجب أن يؤدّي طقوسه الدينية على الطريقة التركية، والإيراني يجب أن يتعلّم ويرجع إلى لغته الأصلية الفارسية البحتة، والعربي يجب أن يكون حكومته وكيانه مبنية على أساس العروبة)[19].

 

ولقد تواصل خطاب الإمام في قتل الجذور التعصّبية، والتركيز على خلفياتها الاستعمارية، وأدوات ترويجها المحلّية، وهو يقول بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران: (بذلت الدول العظمى جهوداً كبيرة وواسعة منذ مئات السنين، وبعد دراسة وبحث طويل وعميق أجروه على شخصياتنا وأحزابنا وشعوبنا فخلصوا إلى نتيجة هامة واحدة لا غير، وهي عقبة الإسلام، فهو الخطر والمهدد الوحيد لهم ولأهدافهم، ولم يروا حلاًّ لنفوذهم إلا من خلال الحكومات الإسلامية الضعيفة والفاسدة التي لا تعرف إلا الحكم وعبادة اللذات والشهوات، واستطاع الغرب أن يصطنع حكومات موالية له، لبثّ سمومه وأفكاره، وترسيخ أهدافه والعمل على التفرقة العنصرية والقومية، إذ استطاع أن يحقق أهدافه فأصبح العربي يشتم العجمي، والعجمي يسيء للعربي، والتركي يعتدي على فلان، وهلمّ جراً).. ويضيف الإمام قائلاً في خطابه هذا: (على العموم فإن فكرة الوطنية والقومية هي فكرة تطالب بإحياء الجذور والأسس للنزعة العنصرية التي تتعارض مع فكرة الدين الشاملة والعامة).

 

إذا ما أعطى الإمام التعصّبية وزناً وثقلاً في خطابه هذا فإنه يعود إلى:

 

أولاً: محاربة التعصّب بكل أشكاله لإبراز إنسانية الرسالة الإسلامية.

 

ثانياً: إنّ الإمام أدرك أنّ (التعصّب) وأفكاره أداة من أدوات الاستكبار العالمي أريد لهم تحطيم مركزية الإسلام ونظامه السياسي.

 

ثالثاً: أدرك الإمام أنّ مؤامرة (التعصّب) جاءت بعد دراسات وجهود غربية مركّزة، إذ هو كما يقول( من قبيل الدعايات والإشاعات التي روجّها الغرب لإخضاعنا وتمزيقنا والاستيلاء علينا).

 

رابعاً: إنّ الغرب لجأ في إشاعة ثقافة التعصّب عبر أدواته المحلّية، حكومات وكتّاباً.

 

خامساً: أحاط الإمام بأشكال هذا التعصّب، فهو لم يسقط في خطابه السياسي شكلاً من أشكاله، إذ إنّ الوطنية هي الأخرى، كشكل من أشكال التعصّب استهدفت هي الأخرى الإسلام، حيث إنّ (التيارات والجهات الوطنية كشفت حقائقها منذ اليوم الأول لبدء تأسيس تلك الجهات الوطنية، ولقد عُزل الإسلام عن الخط الفكري والمنهجي لهم تماماً) كما يقول الإمام... وإزاء هذا التشخيص لأفكار التعصّب، واجه الإمام هذه الأفكار من خلال:

 

1ـ التأكيد المكثّف على وحدوية الإسلام، وليس تعدد المذاهب سوى تعدد للإجتهاد.

 

2ـ فضح الأفكار التعصّبية والعمل على تحطيم ركائزها وأدواتها دون توانٍ، أي بما أعطى هذا الفضح صفة الاستمرارية مع امتداد الخطاب الزمني، وحتى في وصيته السياسية لم يسقط الإمام التنبيه لمخاطر هذه الأفكار، يقول الإمام في وصيته: (واعلموا أنّ الجنس الآري أو العربي لا يقل عن جنس شعوب أوروبا وأميركا وروسيا).

 

3ـ ولقد جاءت مقاومة الإمام للإتجاهات والأفكار التعصّبية من خلال إشاعة القيم الإسلامية الإنسانية والأخلاقية والمعنوية التي ينفرد بها الإسلام في التعامل مع الإنسان. ولا يخفى أنّ العلوم الحديثة اشتغلت على مقاومة التعصّب عبر مفعول القيم، ومن ثم دراسة هذا التعصّب على ضوء طبيعة القيم التي تحدد السلوكيات الفردية والاجتماعية، ويعرّف (روكيتش) القيم بأنها (معتقد فردي من نوع خاص جداً يختص بشكل من أشكال السلوك أو بهدف من أهداف الحياة)[20].

 

ويقول الدكتور (معتز سيد عبد الله): (فلكي نقول: أنّ الشخص لديه قيمة معيّنة يعني أن لديه معتقداً ثابتاً نسبياً يمثّل تفضيلاً اجتماعياً أو شخصياً لشكل من أشكال السلوك أو هدف من أهداف الحياة، وبمجرد أن يتمثل الشخص القيمة تصبح بصورة شعورية أو غير شعورية معياراً أو محكّاً لتوجيه السلوك)[21].

 

لقد كان الإمام من خلال خطابه الثوري يضخّ القيم باتجاهين: اتجاه إبراز مساوئ القيم التعصّبية، واتجاه إبراز القيم الإسلامية لإعادة السلوك الاجتماعي والفردي الإسلامي إلى الخط الإسلامي الإنساني في الرؤية للآخر.

 

ولقد جاء هذا الخطاب الخميني في وقت يضجّ فيه العالم بمأساة التعصّب والعنصرية، كالعنصرية الصهيونية، والعنصرية الجنوب إفريقية، والعنصرية الهتلرية التي ما زالت تترك آثارها في سلوك الإنسان الأوروبي ونظرته إلى الآخرين.

 

وكذلك التعصّب الطبقي المستقر في بنية الأفكار الرأسمالية والشيوعية، التي تخلق التعصّب ضد أصحاب رؤوس الأموال كما في البروليتاريا والتجربة الرأسمالية على حد سواء.

 

إنّ خطاب الإمام جسّد قيم الإسلام الوسطية التي تحاول دون إيجاد أي شكل من أشكال التعصّب الطبقي، وتحقق العدالة الاجتماعية بالشكل الذي لا يمكن أن يتحقق في ظل أي من الأفكار الرأسمالية والشيوعية. يقول الإمام في وصيته: (أحد الأمور التي يلزم التوصية والتذكير بها هي أنّ الإسلام لا يوافق الرأسمالية المطلقة الظالمة والتي تتولّى حرمان الجماهير المضطهدة والمظلومة بل إنه يدينها بشكل جدّي في الكتاب والسنّة ويعتبرها مخالفة للعدالة الاجتماعية بالرغم من أنّ بعض معوجي الفهم الذين لا إطلاع لهم على نظام الحكومة الإسلامية ولا على المسائل السياسية الحاكمة في الإسلام يؤيد الرأسمالية والملكية بلا حدود، وبهذه الكيفية التي استنتجوها من الإسلام بفهمهم المعوج طمسوا وجه الإسلام النوراني وفتحوا الطريق للمغرضين أعداء الإسلام ليهاجموا الإسلام ويعتبروه نظاماً كنظام الرأسمالية الغربية مثل نظام أميركا وبريطانيا والناخبين الآخرين الغربيين معتمدين في معارضة الإسلام على أقوال هؤلاء الجهلة وأفعالهم مغرضين في اعتمادهم هذا أو عن بله ودون رجوع إلى العارفين بالإسلام الواقعي، ولا هو (الإسلام ) نظام مثل النظام الشيوعي والماركسي اللينيني الذي يعارض الملكية الفردية ويقول بالاشتراك مع الاختلاف الكبير الذي كان في الأدوار القديمة والى الآن حتى الاشتراك في المرأة والشذوذ الجنسي والذي استتبع دكتاتورية واستبداداً مدمرين، بل الإسلام نظام معتدل يعترف بالملكية ويحترمها بنحو محدود في نشوء الملكية والاستهلاك بحيث إذا طبّق ذلك على حقيقته تتحرك عجلة الاقتصاد وبالشكل السليم وتتحقق العدالة الاجتماعية التي هي من لوازم النظام السليم).

 

ويخاطب الإمام الخميني علماء الدين في وصيته، حاثّاً لهم على مواصلة مهمة مقاومة التعصّب ويقول: (وليدعوا الشعوب أيضاً إلى الوحدة واجتناب العنصر المخالفة لتعاليم الإسلام ومد يد الأخوة إلى إخوانهم في الإيمان في أي بلد كانوا ومن أي عنصر، فقد اعتبرهم الإسلام العظيم أخوة).

 

لقد طرح الإمام الصورة الإنسانية للإسلام التي تشكّل خلاصاً للعالم من أزمة التعصّب التي تتعدد تمظهراتها وتتنوّع في الكرة الأرضية، ولطالما أدّت النزعات القومية والعنصرية إلى كوارث إنسانية وسياسات مفرقة بين بني البشر وحروب عالمية وإقليمية في ظل أزمة الأفكار الأخلاقية والمعنوية، وطغيان الجانب المادي في فلسفة هذه الأفكار.

 

الإسلام (الرسمي)

 

لقد بقي خطاب الإمام في واحد من مكوّنات المهمة يقوم على التفريق بين النماذج الإسلامية الحاكمة من جهة والمطروحة كأفكار ونظريات من جهة ثانية، فهو يكشف عن الأولى أشكالها المبررة للسياسة الدولية الظالمة والمتحالفة مع هذه السياسة. فكثيرون هم الذين يتحدثون عن الإسلام، ويدّعون احترامه وتطبيقه في شؤون حياتهم العامة، وكثيرون هم الذين يعرفون راية الدفاع عن القرآن ويروّجون لطباعته وتوزيعه بأعداد كبيرة ومزيّفة،

 

إنّ الكثيرين يجسّدون هذا الأسلوب الإدّعائي في العالم الإسلامي، إلاّ أنّ واقع الممارسة يظهر أنّ شعارات التعاطي بالإسلام لم تكن سوى شكل احتوائي للإسلام الثوري ـ السياسي ولون من ألوان الخداع لشريحة ساذجة من الأمة لا تفقه الدين، ولا تحيط بالشرع الإسلامي وبواقع الرسالة التكاملي، فالإسلام ليس شعاراً يُرفع أو إدّعاءً يُردد، أو إجراء منفرداً أو موقفاً منفصلاً، والاقتداء بالقرآن لا يتجسّد عبر طباعته وتوزيعه على أكبر مساحة بشرية، بل الإسلام ـ كما يراه الإمام ـ كل يدخل في الإدارة والسياسة، والإسلام جهاد وقوانين اجتماعية، والإسلام نقيض الظلم، ودعوة متواصلة لا تهدأ إلى الحق في فهمه وإدراكه له، كما أنّ القرآن الكريم خزّان الأسرار، وهادي الأمة نحو العدل الإلهي ومنبع قوانينها ومرجعها الفكري ومرجع كل مفردات حياتها وحركتها الاجتماعية.

 

وفي ضوء هذا الفهم يمكن أن تميّز دعوات المخادعة والمتاجرة بالقرآن من خلال طباعته ورفع شعاراته, من الدعوات الخالصة الجادّة إلى التمسّك بخطّه الفكري والجهادي والسياسي المتمثّل كما أشرنا إليه بالأفكار والنظريات والتجارب السليمة، فالفوارق واضحة هنا، وإذا كان بعض (العلماء) ممن يقعون ضحية فكر بعض الساسة فيعتبرون بعض خطوات التظاهر بالإسلام أو بعض إجراءات احترامه، على أنها دلالة إيجابية يمكن أن تثمر خطوات لاحقة، فهذا الفهم في الواقع ينم عن عدم استيعاب لأهداف الأنظمة وألوان ممارستها الاحتوائية لثورية الإسلام.

 

إذ كيف يكون النظام الذي يتحالف مع أعداء الإسلام الكبار، والذي يمزّق وحدة الأمة من خلال مذهب تخريبي ـ مثلاً ـ يكفّر كل من لا ينتمي إليه، والذي يعطّل إمكانات وطاقات الأمة المادية والجهادية، والذي يرفض أي دور في ممارسة ومواجهة الظلم الدولي ضد العالم الإسلامي.

 

كيف يكون مثل هذا النظام إسلامياً وقرآنياً لمجرد أنه طبع القرآن ويوزّعه.. فمثل هذه الإجراءات الشكلية إنما هي في الواقع شكل من أشكال احتواء الإسلام الثوري ـ السياسي وتحريف للمضمون القرآن في هذا الإطار، كما يؤكّد ذلك الإمام الخميني حينما يقول في وصيته: (وقد رأينا كيف أنّ محمد رضا بهلوي طبع القرآن فاستغفل به البعض, وكيف امتدحته فئة من رجال الدين جاهلة بالأهداف الإسلامية، ونشاهد كيف أنّ (الملك فهد) ينفق سنوياً مبالغ كبيرة من ثروات الشعب الطائلة لطبع القرآن الكريم والترويج للوهابية.. هذا المذهب المعادي للقرآن والقائم أساساً على الخرافات, ويسوق الغافلين من الناس باتجاه القوى الكبرى التي تستغل الإسلام والقرآن الكريم لهدم الإسلام وتعطيل القرآن).

 

هذا هو ما حصل فعلاً، فالقرآن الكريم يكاد يكون معطّلاً في كافة مجالات الحياة السياسية ـ الثورية ـ الاجتماعية، إلاّ بانتقاء بعض جوانب الأحكام العقابية التي تعكس منفردة صوراً منقوصة عن الجانب الجمالي لقوانين كتاب الله العزيز.. القرآن معطّل بكل مجالاته الجهادية ومجالات الحكم التي تدار بطريقة ملكية وراثية، لا علاقة لها بموازين العدل والكفاءة والتفقّه واقتراب القائد الفعلي من خلال التجربة إلى الله، فيما أنّ الملكية هي لعبة من لعب الطواغيت الصغار اعتبروها مثلهم الأعلى؛ لأنها تلبّي حاجتهم للتفرّد بالسلطة السياسية وطموحهم الاستبدادي، وجعلوا التاريخ الأموي شاهداً على إسلاميتها. ومن ثم حوّلها إلى مصدر استلهام لمشروعية الانتماء إلى الإسلام ولكن بمعناه الشكلي.

 

ليس في مجال الحكم فقط تتجسّد حالة تعطيل القرآن والإسلام.

 

بل في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية والتحالفات العالمية وموضوع الحج وعلى الصعيد الاجتماعي، وفي موضوع الوحدة الإسلامية التي يفرد لها القرآن آيات عديدة، بينما لا تعتبر هذه الآيات هي الأساس الذي يتمّ النظر في ظلّه للوحدة الإسلامية، بل ما قاله ونظّر له أحد المنظّرين المذهبين الذي كفّر كل المسلمين لأبسط الأسباب، حتى لو اعتقدوا بمبدأ الشفاعة، شفاعة الرسول(ص) وآله الأطهار، يكفّرهم ويُحلّ دماءهم فيما دماء الكافرين مصونة ومحترمة في مفارقة غريبة، وفي بعض البلدان الإسلامية هنالك، عشرات الآلاف من المستشارين ورجال المخابرات الأميركان يتحرّكون ويعيشون بعاداتهم وطرق حياتهم الفاسدة، دون أن يغيض هذا الفساد الحكام ودون أن يكون داعياً وفقاً لمذهب معيّن إلى تعميم قانون العقوبات.. في مفارقة ثانية أكثر غرابة.. القانون يأخذ مجراه التطبيقي ضد المسلمين الذين يؤمنون بالأولياء والصالحين ويرجون الشفاعة منهم يوم الحساب!! ومهما يكن من أمر هذا النظام الذي يرفع ويردد شعارات الوحدة الإسلامية والتضامن الإسلامي يمارس في الواقع دوراً تمزيقياً لوحدة الأمة في ظل تشريعات منتقاة دخيلة على الإسلام.

 

وفي محاولة تلفيقية تبتعد ابتعاداً كبيراً عن نموذج الإسلام كما فهمه وجسّده الإمام.

 

إنّ الإمام يحاول من خلال النص المذكور أن يرسم الحدود بين (الإسلام الشكلي) ويبن الإسلام الأصيل، ويسلّط الضوء على بعض إجراءات التمويه في هذا الإطار؛ لكي لا تبقى هذه الإجراءات قادرة على التأثير في بعض أوساط الأمة التي لا تسمح لها الظروف بالقدرة على التمييز لأسباب مختلفة.

 

وليس الإسلام الشكلي أو التلفيقي إلاّ نموذجاً للإسلام (الرسمي) الذي يقول الإمام في حديث له إلى الوفود المشاركة في مؤتمر القدس بطهران 27رمضان، 1400هـ في صدده: (إسلام صدام مثل إسلام محمد رضا خان، وإسلام ذلك المصري السادات مثل إسلام صدام..

 

إنه إسلام لا يخرج عن إطار اللفظ، يسمح لأتباعه أن يؤسسوا قواعد لمحاربة الدولة الإسلامية في إيران. يعقدون المعاهدات مع الكافر لقمع المسلمين.. وهذا هو إسلام السادات، وهذا أيضاً إسلام صدام الذي يزعم أنه مسلم ويزعم أنه مع الشعب الإيراني، ويزعم أيضاً في بعض ما قاله أنه يساند الشعب والحكومة الإيرانية لكنه لا يترك يوماً يمر دون أن يفتح نيران المدافع على حدود الدولة الإسلامية. وهذا اللون من الإسلام هو الإسلام المستورد من أميركا ومن الاتحاد السوفييتي. وإذا لم نعد إلى الإسلام. إلى إسلام رسول الله، فإن مشكلتنا ستبقى دونما حل).

 

(وأرى أمامي وجوهاً بريئة يُتمّت وشُرّدت على أيدي القوى العظمى وعملائها الظلمة. إنّ جميع حكام المسلمين يدّعون الإسلام، وجميع حكام العالم ينادون بحقوق الإنسان، وليس هذا الأمر بجديد، فالادعاءات كانت في صدر الإسلام كثيرة أيضاً غير أنّ هناك من تراجع عند العمل واختباء، فالخوارج كانوا يدّعون الإسلام، وهكذا أفراد مثل عمرو بن العاص، واليوم نرى صداماً يرفع عقيرته بالإسلام والعروبة، وهكذا يفعل رفاقه من أمثال السادات. وما أبعد المدى بين أقوال هؤلاء وأفعالهم).

 

ومن خلال هذه النصوص يتّضح كيف كانت قضية الادّعاءات المتعددة لتطبيق الإسلام تشكّل ثابتة من خطاب الإمام ومجالاً لمعالجته. 

 

البعد الغيبي ... الدافع الإلهي

 

 إنّ الثابتة الأخرى في خطاب الإمام كانت ترتبط بالدافع الإلهي لكل حركة ثورية, وكل عمل ثوري, وحيث يعود لهذا الدافع الفضل الأول والأخير في كل نتيجة أو انتصار أو ثمرة تجنيها الحركة الثورية, وحيث يبرز على الدوام الأصل العقائدي الذي تتحرّك في ظلّه الحركة الثورية من خلال التركيز المتواصل على الدافع الإلهي، ولا يكاد يخلو نص من نصوص الإمام من ذلك التركيز.

 

إنّ ما يجب أن يقال هنا هو: أنّ الإمام عندما وضع هذا الدافع كمحور لحركة حقق إنجازات هائلة, لا يمكن أن تحسب في ظل المعادلات التقليدية في القوة والإمكانات المادية.. إنما هي كانت نتيجة لتوفيق وتسديد إلهي واضح.

 

ولذا فإن جهوده تحوّلت إلى مصداق من مصاديق الآية الكريمة(إن تنصروا الله ينصركم وثبت أقدامكم) وتحوّلت إلى واقع واضح ومعاش وانتصار؛ بسبب الثقة الإيمانية العالمية التي كان يبديها الخطاب الثوري للإمام.

 

فهذا الخطاب يقوم على الدوام بالتذكير بأهداف الحركة الشعبية, أو جعل هذه الحركة مصانة بأسوار الدافع الإلهي.

 

يقول الإمام في خطاب إلى أعضاء الهيئات المشاركة في المؤتمر العالمي للنظر في تداخلات أميركا في إيران.

 

(هل سوى يد غيبية تعمل؟! ألا ينتبهون من سباتهم أولئك الذين لا يهتمون بالمعنويات؟ ألا يؤمنون بهذا الغيب؟ هلا ينتبهون من الذي أسقط (هليكوبترات) كارتر التي أرادت المجيء إلى إيران؟! نحن أسقطناها؟! الحاصب أسقطها كان الحاصب مأموراً من الله والريح مأمورة من قبل الله، إن الريح أبادت قوم عاد، فالريح مأمورة من قبل الله، والرمال كلها مأمورة ليجربوا ثانية، ولكن علينا ألا يأخذنا الغرور، وأنا أقول لشعب إيران: لا تغتروا فالقوة جميعاً هي قوة الله وعليكم بالاتكال عليه، ذوبوا في تلك القوة العظمى، فما دام الشعب الإيراني قد تقدم بتلك القوة الأولى، القوة المعنوية قد تقدم بـ(الله أكبر) ولا زال يحتفظ بهذا فأنتم مؤمنون بتأمين إلهي. لو انتصرت الأيدي التي تتلاعب الآن وتريد أن تجعلكم يائسين وتنحرف بكم من الحالة التي كنتم عليها في إبان الثورة فإن ذلك اليوم يكون يوم يرفع الله رعايته عنكم لا سمح الله، وتسقطون بتلك الحالة. فحافظوا على تلك الحالة التي كانت لكم في أول الحركة)[22].

 

وفي نفس المناسبة المذكورة كان الإمام يقول: (إننا نتكّل على الله ونؤمن أنّ لهذا الكون مدبّراً.

 

وإنّ الذين لم ينتبهوا إلى هذه الحقيقة سينتهون الآن، إذ كيف استطاع شعب أعزل بصرخات (الله أكبر) لا غير، التغلّب على أعلى قوة شيطانية تسندها القوى الكبرى والصغرى. وكيف استطاع هذا الشعب الضعيف الأعزل من السلاح أن ينتصر على جميع هذه القوى؟

 

ألم يكن سر انتصار هذا الشعب هو الرعب الذي ألقاه الله في قلوب هؤلاء الطغاة؟

 

أليس ذلك هو ذات ما حدث في صدر الإسلام حيث انتصرت فئة قليلة على فئة كثيرة؟.

 

ألم يحن الوقت للذين لم يهتمّوا بالمعنويات، ولم يؤمنوا بالغيب أن يستيقظوا من غفوتهم؟

 

من أسقط الطائرات العمودية لكارتر التي استهدفت الاعتداء على إيران؟

 

هل نحن أسقطناها؟

 

إن الرمال جنود الله، وكذلك الرياح هي جنود الله، وقد أبادت الرياح قوم عاد، إن الرياح والرمال جنود الله. وليجربوا).

 

لم تكن الثورة الإسلامية من لحظة وصولها إلى نقطة الانتصار بالصورة التي حصلت أمراً عادياً في عالم خاضع إلى نظام سياسي دولي حديدي قاسٍ وخاضع لمجموعة من الضوابط والثوابت، ولعل هذه (اللاعادية) ظهرت بصورة جليّة من خلال ردود فعل القوى الدولية الراعية لهذا النظام، بكل أشكالها القتالية والثقافية والاقتصادية.

 

فهي ردود انطوت على الكثير من الشعور الإحباطي, ومن ثم الثأري؛ وميّزتها بعض علامات الاستثناء في الممارسة المضادة للثورة.

 

إنّ انتصار الثورة شكّل خروجاً على الحالة المألوفة القائمة دولياً آنذاك فعالم بمعظم قواه المستغلة ما استطاع أن يقف بوجه مسار الثورة وهو يقتحم كل سدوده، مع أنّ الحسابات المادية البحتة ما كانت تتحمّل هذا الشكل من أشكال النتائج، كما أنّ معادلات القوى القائمة بين الشعب الإيراني من جهة والشاه وحلفائه الدوليين والإقليميين من جهة أخرى، هي الأخرى تجعل من صدمة سقوط الشاه بالطريقة التي حصلت أمراً مستبعداً.

 

ولكن مع ذلك حصل الانتصار في بهمن وتأسست بعده دولة (التحدّي) السياسي والفكري الأولى بالنسبة للعالم الغربي، وانطلقت مسيرة الثورة تخوض غمار الحرب الفكرية والثقافية بثقة واضحة وبروح جهادية، لتسجّل من خلال ذلك علامة فارقة أخرى ترتبط بالديمومة والتواصل وسط سيل من المشاريع المضادة التي مورست إزاءها.

 

إذ بعد الانتصار كان جميع أعداء الثورة يعتقدون بأن الفرص متاحة أمامهم لتحويل هذا الانتصار إلى هزيمة، يمكن أن تقتل الأمل في كل النفوس, وتوجد إحساساً باليأس من إمكانية تواصل استقلال التجربة.

 

كان هذا التصوّر قائماً على أساس عريض من الإمكانية المادية الغربية والتفوّق النفسي والتكنولوجي, والخبرة في حبك المشاريع السياسية والعسكرية والثقافية المضادة لأي خارج من بيت الطاعة لهذا العالم الغربي.

 

وفعلاً لم يحصل خلال القرن الماضي أن حصلت حركة مشاريع دولية بنسق وفاقي تفاهمي بين الدول الكبرى إزاء طرف إقليمي محدود القوى في الجلسات والمعادلات الدولية مثلما حصل حيال الثورة الإسلامية في إيران، وحتى العالم الشيوعي عندما قرر أن ينقلب على موروثه لم يغفل عن مواصلة دوره في الحركة الوفاقية الساعية إلى امتصاص آثار الصحوة الإسلامية وتوجيه الضربات للمركز ـ إيران ـ بقوة وعنف استثنائي.

 

الشيوعية التي انهزمت أمام الغرب سياسياً، رفضت أن يستفيد العالم الإسلامي من آثار هذه الهزيمة وحتى على مستوى استثمار الفرصة.

 

على أي حال ديمومة الثورة وسط موج التحدّيات المفروض عليها سجّلت استثناءً أو سّراً كما يعبّر عنه الإمام الخميني في وصيته المباركة التي يقول فيها (يقيناً أنّ سر ديمومة الثورة الإسلامية هو نفس سر انتصارها والأمة تعلم ماهية هذا السر وأين يكمن والأجيال الآتية ستقرأ في التاريخ أنّ دعامتي هذا السر تكمنان في الدافع الإلهي والغاية السامية للحكومات الإسلامية والتفاف الشعب في أرجاء البلد بكلمة واحدة حول هذا الدافع وتلك الغاية، التي أوصى كافة الأجيال المعاصرة منها والقادمة أن لو أردتم الإسلام وإقامة استقرار حكومة الله ولو أردتم أن تقطع أيدي الاستعمار والمستغلّين المحلّية والأجنبية عن بلدكم فلا تضيّعوا هذا الدافع الإلهي الذي أوصى به الله تعالى في قرآنه الكريم).

 

إذاً السر يتمحور بالدرجة الأساس حول(الدافع).

 

دافع التحرّك.

 

فإذا كان هذا الدافع اقتصادياً فهو سيتلاشى من حيث الأثر الصراعي عندما تلبّى حاجة الأمة الاقتصادية، وعندما يكون دافع التحرّك (امتدادياً) أو توسّعياً فسيموت أيضاً في حالتي الهزيمة أو الانتصار بالنسبة للوصول إلى هذا الدافع.

 

فالهزيمة واقع مفروض والانتصار سيشكل الاستجابة العليا للدافع التوسّعي، وفي كلا الحالتين سيتلاشى الدافع.

 

ما هو الدافع الذي لا يموت ولا يتلاشى ويشكّل مادة الديمومة والتواصل المطلوب لخلود الحركة الثورية حيال الظلم والاستبداد الدولي والسير باتجاه المطلق وهو الله سبحانه وتعالى؟ إنه الدافع الإلهي الذي يسقط الذات والمصلحية والمثل المحدودة، فالأهداف والدوافع الإلهية نحو ما يسمّيه الشهيد الصدر الأول في طريق السير نحو المثل الأعلى هي التي تميّز الإسلام في أهدافه عن الطروحات المادية الأخرى.

 

ومن هنا تبرز عناصر الحيوية والاستمرار، وتتشكّل حالة سمو أخلاقي ووجداني تجرّدي عن الذاتية الضيّقة, التي تسعى إلى مجموعة من الطموحات المحدودة من وراء كل حركة صغيرة أو كبيرة، وتحسب الأشياء وفقاً لمنطق حسابي محصور بالربح والخسارة المادية، فيما أنّ النصر الإلهي يشترط لتحقيقه إسقاط هذا المنطق, وإبداله بالمنطق الإيماني ـ بقدرة الغيب ـ على التدخّل في اللحظات الحاسمة لصالح من يدافعون عن المبادئ الإلهية، فلولا هذا الدافع الذي تجسّد في حركة الإمام، لما استطاعت هذه الثورة أن تقطع كل ما قطعته من أشواط تحدّي خلال السنوات الماضية، ولما استطاعت أن تقف بوجه حركة المخططات الدولية على رغم قسوتها وضخامتها.

 

إنّ ما يوصي به الإمام هو أن يكون الدافع الإلهي أو السير نحو المثل الأعلى حسب لغة الشهيد محمد باقر الصدر محور حركة البلاد الداخلية والخارجية الآن وفي المستقبل، فليس لهذه البلاد من ضمانة كضمانة هذه الدافع عندما يتجسّد في نوايا القيادة أو نوايا الجمهور الإيراني, وهو يواصل بلا شك أرضية التواصل والديمومة في لحظة من اللحظات الزمنية القادمة.

 

وستفقد الثورة معانيها الربّانية العالمية، وسيتحوّل بهمن ـ شهر الانتصار ـ إلى ذكرى تقليدية والى مناسبة شكلية.

 

ومهما يكن من أمر فإن الإمام كان يخاطب الشعب الإيراني في وصيته بالقول: (وسواء عرفتم أم لم تعرفوا فأنتم سائرون في درب هو وحده درب جميع الأنبياء (عليهم السلام) وهو وحده درب السعادة المطلقة ومن أجله يندفع كافة الأولياء لاحتضان الشهادة، ويرون الموت الأحمر أحلى من العسل).

 

وهذه الحياة مجرّدة عن قيمها المعنوية.

 

إذا كانت مجرّدة عن الحرية ومعاني الإنسانية والأخلاق، التي تشكّل معنى الحياة السامية المعنوية ومبرر وجودها، كما أنها تشكّل عناصر معناها الأساسية.. وبدونها لاتصبح للحياة قيمة كبرى مطلقة، بل إنها تتحوّل إلى عبءٍ وآلام ومعاناة, ويصبح الهدف الأول والأخير لأولئك السائرين على درب الأنبياء(ع) هو إعادة الحياة إلى معناها الأصيل.

 

يصبح هدفهم هو إيجاد الحافز الجهادي بوجه الأسباب والقوى المادية التي تواجه حركة الآخرين وتسلب كرامتهم وتحوّلهم إلى مجرد دمى, وتوجّههم باتجاه مادي لا ينظر للأشياء إلاّ من خلال المصالح الشخصية والذاتية الضيّقة.

 

ولعلّ الإمام يقف في مكان آخر من وصيته على هذا الفهم عندما يقول: (وتذكّروا مقولة المرحوم مدرس هذا العالم المؤمن التقي السيرة والسريرة حيث قال في مجلس الشورى المحبط آنذاك: إذا كان يجب أن ندمر فلماذا نفعل ذلك بأيدينا؟ وأنا أيضاً وبذكرى هذا الشهيد في سبيل الله أقول لكم أيها الأخوة المؤمنون: إن استأصلنا من قبل الأيدي المجرمة الأميركية ـ الروسية، ولقينا الله مخضّبين بدم الكرامة، هو خير من أن نعيش مترفين في ظل الجيش الشرقي الأحمر أو الغربي الأسود).

 

فإذا كان هنالك نظام يعطي الترف الحياتي ولا يعطي الحرية المؤسسة على رسالة وعقيدة وهدف مطلق؛ فعندئذ تتحوّل الحياة إلى حياة مادية فارغة من القيم والمعنى، وإذا كانت هنالك حياة قائمة على الاستقلال والحرية والإرادة.

 

ولكن مع الصعوبات الاقتصادية والمشاكل المعيشية، فإن الرضا بها يمثّل الاستجابة الفطرية الطبيعية لفلسفة الخلق القائمة على الامتحان والاختبار، وتحمّل البلاد كثمن للفوز الأخروي، وعلى طريق أهداف الإسلام في تحقيق العدالة الاجتماعية, أما اولئك الساعون إلى الإمساك بالكرامة والحياة المترفة معاً، وهم غير مستعدّين لدفع ثمن ذلك فإنهم يجافون الواقع.

 

إنّ أولئك المنتقدين والمرددين بمناسبة وبدون مناسبة لمساوئ الوضع الاقتصادي والمعيشي, وهم يرفضون التكيّف مع صعوباته, ويريدون الإسلام إذا كان يؤمّن لهم ما يطمحون إليه من مستويات معيشية..إنهم إنما ينطلقون من خلفية مادية لفهم الحياة ويسطحون المواجهة ضد الإسلام الثوري الناهض.

 

ولا يعني ذلك بالطبع تبرير أي خطوة اقتصادية تقوم بها الدولة، مها كانت.

 

كما لا يعني كمّ الأفواه، وعدم إثارة المشكلة الاقتصادية في المواقع التي تستحق الإثارة.

 

إنّ ما هو مطلوب، هو أن نعي بأن الترف لا يصلح أن يكون مقياساً مطلقاً للحكم على التجربة.

 

الرهان على الشعوب.. والتعاطي مع الأمة

 

عندما نتحدّث عن ثابتة الشعوب في خطاب الإمام الثوري لابدّ أن نبدأ من الشعب الإيراني الذي مثّل مادة الثورة، لقد حوّل الشعب الإيراني حلمه إلى حقيقة من خلال دوره الأساسي في الثورة والدفاع عنها.

 

وتحوّل الدور إلى مصداق؛ لما كان يردده الإمام في عبارات خطابه الثوري قبل أن تصل الثورة إلى لحظة الانتصار، من أنّ الشعوب قادرة على تحدّي إرادة الكبار وما يفرضونه من نظام سياسي.

 

فبدون الحركة الشعبية لا يمكن لأي تغيير أن يحصل من وجهة نظر الإمام, خصوصاً وأنّ الأنظمة السياسية التي تتحكّم بالساحة الإسلامية لم يسجّل تاريخها ولو لمرّة واحدة إنها استجابت لطموحات الأمة بشكل اختياري، أو اجتازت صحوة ضمير، لكي تقف، إلى جانب الشعوب في تحقيق أهدافها الاستقلالية.

 

إذاً فالعبء والمسؤولية يقعان على هذه الشعوب, حيث يقول الإمام في ندائه ليوم القدس العالمي بتاريخ 1/8/1981م:

 

(لقد رأى العالم بأسره كيف استطاع الشعب الإيراني أن يقهر قوى الزمان المتجبّرة ويقف في وجه عملاء الداخل والخارج, حتى أنه وصل وبسرعة البرق بهذه الثورة الإسلامية العظيمة إلى أهدافها.

 

واستطاع قطع أيدي الجناة عن بلده العزيز, بإفشال كل المؤامرات الأميركية, وبسحق كل خطط الجماعات اليمينية واليسارية الواحدة بعد الأخرى بقلب ملؤه الحب والعقيدة).

 

ويضيف الإمام: (يجب أن يكون هذا عبرة للدول الإسلامية وللمستضعفين في العالم بأن يعملوا لينالوا قدرة الإسلام. وأن لا يخشوا من عربدات الشرق والغرب وأعوانهم وحثالاتهم).

 

كما أنّ الإمام اعتبر الشعوب على الدوام هي الميزان أو المقياس الأعلى للنزاهة والثورية، فهو يقول في حديث له بمناسبة عيد الأضحى المبارك 1400هـ.

 

(لأنه ما لم ننعزل ونمتنع عن مدّ يدنا إلى الدول الكبرى والقوى الأخرى لا نستطيع إدارة أمورنا بأنفسنا, أو الوقوف على أقدامنا, يجب أن ننزوي حتى ننال استقلالنا وحريتنا.

 

إنّ هذا الانزواء لا أهمية له، لنا، ونحن لا نهاب الانزواء الاقتصادي والسياسي والاجتماعي؛ لأن الميزان لدينا هو أنّ الشعوب في العالم تساندنا، فلو استمعتم إلى الإذاعات للاحظتم بأن جميع الشعوب في العالم أعلنت عن دعمها لنا واستعدادها لخوض الحرب ضد النظام البعثي العراقي الغاشم والوقوف بجانبنا؛ كي ينقذونا من هذه المعضلة، على حد تعبيرهم).

 

إنّ الإمام الخميني في خطابه الثوري ما كان يتحرّك على محور دعوة تلك الشعوب إلى القيام بمسؤولياتها الدينية لتغيير الواقع السياسي المأساوي الذي يلفّ الساحة الإسلامية فحسب.

 

إنما هو تحرّك ومنذ لحظة الانتصار إلى إبقاء الشعوب حاضرة دائماً في مسار الثورة, أو أنها مادة هذه الثورة والمساهمة الفعالة لإيجاد اُطرها ورموزها القيادية وذلك من خلال المؤسسة التي حرص الإمام كثيراً على الشروع في تشييد البلاد عليها وفي معظم مجالات الحياة.

 

فالإمام لم يسمح بعد أن وصلت الثورة إلى نقطة الانتصار في بهمن، لم يسمح بتأخير العمل على إرساء أسس الأنظمة الجديدة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتحديد دستور البلاد, وإنشاء كافة المؤسسات المسؤولة عن حماية هذه الدستور والقانون الإسلامي، والذي سجّلته الثورة الإسلامية في إيران في هذا المجال هو السبق في العمل باتجاه التنظير المؤسساتي، القانوني الضابط لحركة الثورة على الرغم من وجود أسباب معقولة لتأجيل هذا العمل المؤسساتي، فأوضاع البلاد الثورية ما كانت تسمح بتلك الخطوات التأسيسية السريعة التي حصلت في بداية الثورة إلاّ أنّ الإمام حرص أن يتجاوز هذه الأسباب ويباشر بالعمل المؤسسي، وربما أنّ إصرار الإمام هذا كان يعود لسببين اثنين:

 

السبب الأول داخلي، والسبب الثاني خارجي، فعلى صعيد السبب الأول: كان الإمام يعتقد بأن أوضاع البلاد الثورية كانت بحاجة إلى تشكيل مؤسساتي ينظم الحركة الثورية بسرعة، ويحول دون استغلال القوى الخارجية العدوة وامتداداتها في الداخل، لهذه الأوضاع والعمل على تمرير بعض الحركات المضادة، لا سيّما وأنّ الجو الثوري السائد آنذاك يسمح بالاستغلال السلبي، كما أنّ افتقاد التجربة القيادية لدى الكادر الثوري ربما يولد لوناً من ألوان التضارب في الاجتهادات القيادية، ومن ثم يتحوّل البلد إلى ساحة للتعدد السلبي للآراء, وربما يتحوّل ذلك بدوره إلى تناحر وتطاحن ذاتي.

 

فلكي لا يحصل كل ذلك، كان لابدّ من حركة واثقة مبادرة إلى التأسيس، تأسيس ما تحتاج البلاد إليه من مؤسسات دستورية وسياسية وقانونية من جهة, وعسكرية واقتصادية وثورية تمتص الجو الثوري في جوانبه السلبية, وتدفع بالجوانب الإيجابية لهذه الثورة إلى مجالاتها المطلوبة, وتلبّي الحاجة الطبيعية للثورة ولميول ومبادئ قادتها الإسلامية.

 

من جهة ثانية لقد بادر الإمام إلى ركائزه التأسيسية الأولى وهو يدرك أكثر من غيره الحاجة إليها, كما أنه القادر الوحيد على الحسم فيها في ظل حالة التعدد في القناعات الذي ساد الأجواء في أيام ما بعد الثورة الإسلامية في إيران.

 

هذا هو السبب الداخلي، أما السبب الخارجي الذي أعدم الحاجة إلى التأنّي في إعلان خطط التأسيس ومن وجهة نظر الإمام.

 

وما كان يتلخّص بقتل الذرائع التي ترافق بعض الثورات الأخرى أو الانقلابات التي تطلق على نفسها بأنها ثورات، أو حالات التبدّل السائدة في الأنظمة السياسية, فغالباً ما تبقى الوعود بتأسيس الأطر والمؤسسات القانونية والتشريعية تردد لسنين طويلة دون أن يتحقق شيء منها، فيما تمارس الدكتاتورية كبديل لهذه الوعود, وفي ظل إنتاج متواصل للذرائع.. لقد أراد الإمام أن يقدّم النموذج الحي لما يجب أن تكون عليه الثورات.. أراد أن يعطي المقياس ويوضّح أنّ أي سبب لا يمكن أن يكون كافياً لتعطيل العمل المؤسسي العاكس فعلاً لإرادة الشعب، والممثّل لقناعته، والضامن الدستوري والقانوني الذي يشكّل مرجعية القرار، فليس هنالك ما هو أعقد من ظروف الثورة الإسلامية في إيران في أيامها الأولى، إلاّ أنّ هذا التعقيد لم يسمح له الإمام أن يتحوّل إلى سبب من أسباب تعطيل العمل المؤسساتي.

 

فالثورة ما كانت لتأخذ مصداقيتها وتتحوّل إلى قيمة واقعية لولا هذا العمل.

 

ولم يلتفت الإمام بطبيعة الحال إلى المؤسسة السياسية والدستورية في مهمتها على صعيد التأسيس والرقابة فقط، لا بل إنّ المؤسسة كطريقة عمل دفاعية واجتماعية واقتصادية أخذت مأخذاً كبيراً من اهتمامات الإمام وتحوّلت إلى همّ من همومه، ولكن بالاتجاه الذي أشرنا إليه, وهو اتجاه تنظيم الطاقة الثورية للأمة وترشيدها، إذ تبقى بلا شك المؤسسة في شكلها الأول أداة من أدوات الحفاظ على الثورة وإبعادها عن الوقوع في فخ الدكتاتورية، حيث إنّ هنالك كثيراً من التغيّرات التي ساهمت بها جهود شعبية ووقعت فيما بعد بأنظمة الدكتاتورية والدموية، وتلاشت ثوريتها وسط دماء هذه الدكتاتورية الداخلية.

 

وهنالك كثير من التغيّر لم يتحوّل بعد الانتصار إلى مشروع واضح في أطره وقواعده المؤسساتية وضوابطه الدستورية والقانونية، والإمام كان واعياً لهذا اللون من الأمراض التي تقع فيها الثورات، كما أنه كان حريصاً على ترجمة ما يمليه واجبه الشرعي في تثبيت أسس النظام الإسلامي.

 

وقد يبدو للوهلة الأولى أنّ التعدد المؤسساتي في المجالين السياسي والدستوري بما يفرضه من مهمات رقابة وصيانة وتقنين سيؤدّي إلى نوع من أنواع التعقيد في إدارة البلاد، أو إلى لون من ألوان اللامركزية السلبية في اتخاذ قراره، أو إلى تصادم في المهام والصلاحيات أو تدخّل في المسؤوليات.. لكن لم نجد من خلال تجربة السنوات الإحدى عشرة من عمر الثورة، لم نجد أنّ الثورة قد وقعت في أزمة تعدد المؤسسات السياسية السلبي بما يؤثّر على قرار البلاد، أو يشلّ إمكانية اتخاذه في الوقت المناسب.

 

إلاّ باستثناء يمكن اعتبارها طبيعية وبالطبع لم نقطع هنا بأنه لم تحصل أية مشاكل بين مجلس الشورى الإسلامي مثلاً من جهة وقائد من القادة التنفيذيين من جهة أخرى.

 

فهذه المشاكل تحصل, إلاّ أنها تعبّر في كل الأحوال عن ظاهرة تعدد إيجابية للآراء، ما دامت لم تعرقل أي قرار سياسي خارجي، وما دامت تشكّل عملية حوار أو نقاش أو تدارس ذاتي لقضايا البلاد الداخلية أو الخارجية؛ من أجل الوصول إلى الحالة الأفضل لإدارته.

 

نقول: لقد انتظمت قرارات البلاد السياسية الخارجية طيلة إحدى عشرة سنة من الثورة، باستثناء شهور ما بعد هذه الثورة التي كانت تشكّل الزمن التأسيسي المطلوب، حيث كانت وسائل الإعلام الخارجية العدوة تستطيع أن تدّعي بأن هنالك تعدداً قلقاً في الآراء السياسية، وحيث كان وضع البلاد الاستثنائي وغياب التجربة ووجود من هو على استعداد للإساءة إلى سمعة الثورة من أجل مصالحه الذاتية والشخصية.

 

كانت كل هذه الأسباب مجتمعة تحول دون بلورة حالة سياسية خارجية مستقرة.

 

إنها فترة شهور قليلة وسرعان ما انتظمت حركة البلاد السياسية بما يعكس عملاً مؤسساتياً واضحاً في تعدد الصلاحيات والمسؤوليات. وفق ضوابط قانونية ودستورية.

 

أراد الإمام من خلال كل ذلك أن يرسي ضمانة الثورة المستقبلية من الانحراف والتحريف, بحيث تعطيها أرضية من المناعة حتى وهي تتعرّض إلى اللاهتزاز من رئيس جمهوريتها في وقت من الأوقات، أو عندما ذهب رئيسها شهيداً بعمل المنافقين الذين أرادوا مواجهة الثورة، فنجحوا في اغتيال بعض قادتها، ولكنهم لم ينجحوا في ضعضعة مؤسسات هذه البلاد.

 

بقي أحد مجالس الثورة الإسلامية يمارس دوره حتى في اللحظة التي راح فيها أكثر من سبعين قائداً من كادره القيادي شهداء, عبر عمل دموي آخر, فالشعب عندما يضع المؤسسة التي تمثّله سياسياً عبر التصويت، والشعب الذي يخوض العملية الثورية بلا انقطاع أو ملل، يتحوّل إلى خزان قيادي، وبإمكانه أن يزوّد الإطار المؤسساتي بما يحتاج إليه لملء الفراغ الناجم، كما أنّ بإمكانه أن يقف بقوة معبّراً عن ذاته كلما حاول الآخرون الإطاحة بتجربته.

 

إذاً تحوّلت المؤسسة القانونية والدستورية إلى ضمانة قادرة على إزاحة كل قيادي يقع ضحية للإغراء الخارجي، ويخون مبادئ الثورة, أو يمارس الانحراف ويغدر بالشعب الذي أوصله للقيادة، أو يصبح مجالاً لنوازع دكتاتورية طارئة، فيما أنّ هذا القيادي مهما فعل لا يستطيع أن يوقع بهذه المؤسسة.

 

لقد كان الإمام حريصاً وفي غاية الحرص على إيجاد علاقة واضحة بين القيادة والشعب عبر المؤسسة السياسية ومؤسسات الرقابة والصيانة، فهذه المؤسسات تشكّل حلقة الوصل التمثيلية بين الطرفين.

 

وفي هذا الإطار كان الإمام يقول في كلمة له أمام أهالي أردبيل ورشت: (إنّ الشعب هو الذي ينتخب رئيس الجمهورية بآرائه ويدلي بأصواته للجمهورية الإسلامية، ويعيّن الحكومة عن طريق آرائه المتمثّلة في المجلس. وليس كما كان في عهد الطاغوت حيث كانت الأمور كلها بيد شخص واحد)[23]

 

وفي خطاب له أمام أساتذة الجامعات وعلماء الدين والمسؤولين، بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك 10 ذي الحجة 1405هـ.ق، كان الإمام يقول:

 

(نحن قطعنا حتى الآن والحمد لله خطوات فعالة كثيرة، حينما تقارنون قليلاً بين العهود السابقة وبين أوضاعنا الراهنة، تستطيعون أن تفهموا الفوارق، على سبيل المثال يتذكر كثير منكم بل أكثركم ما جرى خلال الاستفتاء فيما يسمى بالثورة البيضاء، وما أثاروه من ضجيج وما مارسوه من ضغوط، وحيل وألاعيب، ومع ذلك فلم يستطيعوا أن يدّعوا اشتراك أكثر من ستة ملايين(في الاستفتاء) وثقوا أن العدد لم يكن بهذا القدر.

 

مع كل تلك الضغوط، وكل ذلك الطغيان الحاكم وكل تلك الدعايات لم يستطيعوا أن يجمعوا عدداً من الناس ليمكنهم إدعاء اشتراك عشرة ملايين،لم يجرأوا على هذه الكذبة وعلى (هذا القدر من) المبالغة، أنتم الآن في بلد يعاني أبناء شعبه ألوان الضغوط من جميع الأطراف، تمطر عليهم المقاطعات الانتخابية والدعايات(المضللة) من كل جانب، (ومع ذلك) يتجه أكثر من أربعة عشر مليوناً(إلى صناديق الاقتراع) ولو قورن هذا الرقم(بعدد الناخبين) في أي بلد آخر لا تضح الفرق بيننا وبين الآخرين، ولا تضح مدى ما حدث من تحوّل في إيران).

 

إنّ هذه المؤسسات وعمليات الانتخاب كما كانت ضمانة من الفردية من جهة فإنها ضمانة لحياة تعددية إيجابية من جهة ثانية، ولما يمليه الفكر الإسلامي في الحكم عبر العمل الجماعي المشترك من جهة ثالثة، ودلالة على قوة الأصول الفكرية للإسلام في نظام الحكم من جهة رابعة، فكثيرة هي الأنظمة التي تدّعي تطبيق الإسلام وربما من داخل مؤسسات شكلية، لكن نموذج الثورة الإسلامية في إيران بشكله المؤسساتي السياسي والدستوري الذي أرساه الإمام أوضح الإدعاء من الواقع وفرز بين المؤسسة التي تمثّل أصالة الإسلام والمؤسسة التي تمرّر خيانة الحكم.

 

لقد كان الإمام يؤكّد على أصالة هذه المؤسسات وأصالة انتمائها الإسلامي في كلمة له مع علماء تركمان في 5/5/59هـ.ش إذ أشار بأن على مجلس صيانة الدستور أن يدقق في مهامه؛ لئلا تصدر عنه كلمة واحدة تخالف الإسلام، إذ المطلوب هو الإسلام وجمهوريته الفتية.

 

إنّ المؤسسات التي أصرّ الإمام على تحصين البلاد بها منذ الأيام الأولى للثورة لم يكن لها دور حفاظي سريع على الثورة من الانحرافات المحتملة لبعض القيادات فحسب, كما لم يكن درسها المتعلّق بسد الطريق أمام الدكتاتورية يقتصر على تخليص الداخل من ويلات هذه الدكتاتورية التي كان يعاني منها أيام الشاه، لا سيّما وأنّ الأعذار جاهزة على الدوام لحرف مبادئ الثورة من قِبَل بعض القوى النفعية وجرّها باتجاه الدكتاتورية.

 

إنّ درسها مرتبط أيضاً بالطريقة التي تسير فيها الحياة الإنسانية في العالم العربي والإسلامي المحيط بإيران, وفي العالمين الغربي والشرقي, حيث تمتد نماذج هذين العالمين ما بين درجات الدكتاتورية المفرطة وأقصى درجات العمل المؤسساتي اللا مربوط برباط أخلاقي, أو وازع ديني, أو حدود قانونية للحرية بما يؤدّي إلى صيانة المجتمعات الإنسانية من الانحطاط الأخلاقي, ويوازن وجودها بالعنصر المعنوي.. إن ثورة الإمام جاءت لتبدأ تطبيقاتها المؤسساتية وتعرض نموذجها الوسط وتضع لبنات الهيكل العام لنظام الحكم في الإسلام بما يقتضيه من ضمانات؛ لإبقاء دور الشعب فاعلاً في هذا النظام, بحيث لا يمكن الالتفاف عليه أو مصادرته, بل يجب عليه أن يكون حاضراً على الدوام؛ لملء المؤسسة السياسية بالكادر القيادي الذي يمثّل فعلاً طموح الشعب وفق الحدود الشرعية والضوابط الإسلامية, وردع الهامش الشعبي الذي يريد أن يطلق الحرية إلى ما لا يرضي الشريعة, والى ما يؤدّي إلى فساد المجتمع, فهذا الهامش المنحرف يجب أن يردع بروادع قانونية لا دكتاتورية؛ ليظهر نموذج الحرية الإسلامي بلا شوائب، بل إنه ينسجم مع فطرة الإنسان الميّالة إلى العدالة الاجتماعية والقضاء على الشذوذ الأخلاقي, بخلاف الحرية الرأسمالية التي تطلق العنان لهذا الشذوذ الذي ينعكس فيما بعد على شكل أمراض أخلاقية وجنسية مهددة لسلامة المجتمع.

 

وفي هذا الإطار يقول الإمام في كلمة مع أفراد القوة البحرية في 15/4/59 هـ.ش ما يلي (إنّ الحريات التي تضمنها الحكومات المادية للناس هي ليست كتلك التي تضمنها الحكومات المعنوية وخاصة الإسلام.

 

 فالحكومات الدنيوية تريد أن لا يخالف أحد النظام ولكنها لا تعير اهتماماً لما يقوم به أحد في منزله. إنّ نوع الحكومة الإسلامية يختلف مع سائر الحكومات في التنظيمات والقوات المسلحة الإسلامية تختلف مع القوات غير الإسلامية).

 

وفي كلمة له في مدرسة الفيضية في 2/6/58هـ.ش يتساءل الإمام قائلاً: (ما هو نوع الحرية التي يريدها هؤلاء الذين يطالبون بالحرية للشباب ويسهبون في التحدّث عنها؟

 

إنهم يريدون أن يكون شبابنا أحراراً بفتح مراكز الفساد والمغامرة وشرب الخمر وتناول المخدرات.. إنّ هذا النوع من الحرية قد تمّ فرضه من قِبَل الغرب.. نحن نريد أن نخرج شبابنا من مراكز اللهو والذهاب بهم إلى سوح الجهاد، نحن نريد إنقاذهم من الفساد..

 

إنّ هذه الحرية التي يطالب بها هؤلاء السادة إنما هي مفروضة من قِبَل أولي القوة، وأما الكتّاب فهم غافلون أو أنهم متغافلون..).

 

هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن النموذج الإسلامي بدأ وكأنه النموذج اليتيم وسط الأنظمة الأخرى من حيث تجسيده إلى الحرية، في المحيط العربي الإسلامي نموذج عرض الإسلام كما هو في احترامه لإرادة وحرية الإنسان نموذج تجاوز الشعاراتية إلى الواقع المغاير عن الأنظمة التي تحكم المنطقة.

 

فخلال سنوات الثورة الإسلامية الماضية أثبت الشعب الإيراني المسلم للعالم بأنه مدرك إدراكاً سليماً لِما يعنيه حضوره في قضايا البلاد والقرارات والمجالات التي ترتبط بمصير الثورة، إذ إنه خاض جميع الدورات الانتخابية وأدلى بصوته عن سابق إصرار، فغالباً ما تعاني الثورات العالمية من مشاكل كبيرة، في قضية تمثيل القيادة للشعب، أو غالباً ما يحصل خلل في استيعاب الشعوب للتحدّيات التي تواجهها الثورات، وطبيعة المشاكل الاقتصادية وغير الاقتصادية التي تفرضها، وليس من قبيل المبالغة الكلام بأن ثورة الإمام واجهت من المشاكل والمؤامرات الخارجية ما لم تواجهه ثورة أخرى وكان واحداً من أهداف هذه المؤامرة هو دق (اسفين) خلافي بين قيادة الثورة وبين الشعب الإيراني، إلاّ أنّ كل صور الاختبار أو كل مجالات تقييم أو رصد العلاقة بين الشعب والإمام أكّدت فشل هذه المؤامرات، إنه أكّد كثيراً على ضرورة حضور الشعب في كل الدورات الانتخابية، وحتى أنه حذّر من مخاطر التهاون في هذا الأمر من خلال القول: (وأوصي الشعب النبيل أن يكون له حضوره في جميع الانتخابات سواء في الانتخابات الرئاسية أو انتخابات مجلس الشورى الإسلامي أو انتخابات مجلس الخبراء المكلّف بتعيين مجلس القيادة، وأن يكون انتخابه في أي منها قائماً على ضوابط معتبرة، فعلى سبيل المثال لو تهاون أفراد الشعب في انتخاب أعضاء مجلس الخبراء بتعيين مجلس القيادة أو القائد ولم يستند هذا الانتخاب إلى المعايير الشرعية والدستور فقد تلحق بالإسلام والبلد أضرار فادحة لا يمكن تلافيها وعندها يكون الجميع مسؤولين عن ذلك بين يدي الله سبحانه وتعالى) ويضيف الإمام في وصيته قائلاً: (ونفس الأمر يصدق على عدم المشاركة فيها من قِبَل أبناء الشعب بدءاً بالمراجع وكبار العلماء ومروراً بالتجار والكسبة وانتهاءً بالفلاحين والعمال والموظفين).

 

أكثر أبناء الشعب امتثلوا لهذه الوصية. وسجّلوا حضوراً واضحاً في الانتخابات وبيّنوا مرّة أخرى على أمانتهم لفكر الإمام وتوجيهاته.

 

أما ما هي المخاطر التي يحذّر منها الإمام فيما لو حصل فتور في التوجّه إلى الانتخابات؟ فنجملها في ما يلي:

 

لاشكّ أنّ المخاطر كبيرة وتتمحور حول وعي الأمة وملاحقتها لأحداث الساحة وسياسة البلاد وطبيعة القيادة التي تديرها، ففي حال مارست الأمة حضورها في قضايا البلاد الانتخابية والسياسية.

 

كان حضورها يعني تشكيلاً لعملية الوعي لديها، وهذا الوعي هو الذي سيمثّل الضمانة من السقوط والانحراف وانفلات زمام الأمور، وأشدّ ما يخشاه الأعداء هو أن تكون الأمة واعية لمبادئها وعلى دراية وإطلاع في مختلف قضاياها، فعندها تكون عملية تمرير المخططات عسيرة إن لم تكن مستحيلة، وستضيق دائرة أساليب الآخرين الخداعية، وبعبارة أخرى، فإن الإمام يضع هنا سياسة التوعية ـ توعية الشعوب ـ كمضاد لسياسة التجهيل وربط هذه الشعوب بالمظاهر والشكليات والإغراءات وسياسة التوعية المطلوبة لا تحصل كما هو معلوم بأسلوب الطفرات، إنما نتائجها تأتي كمحصّلة لمجموعة من العوامل والجهود التثقيفية وأساليب التعاطي مع الأحداث، وإذا كان الإمام قد أوصى المؤسسات الإعلامية والثقافية في البلاد لكي تمارس واجبها على أحسن وجه من أجل تحقيق هدف التوعية الجماعية، فإنه كذلك يطرح من ناحية أخرى الأساليب المكمّلة للوصول نحو هذا الهدف، أساليب شدّ الأمة إلى قضاياها ومسائلها، لا سيما مسألة الانتخابات إذ إنّ الدور الإعلامي والتثقيفي النظري لا يكفي وحده كضمانة لاستقلال البلاد على المدى البعيد إذا لم يكن مقروناً بالممارسة، فممارسة أبناء الشعب لدورهم في تحديد سياسة البلاد ونوعية القيادة الإسلامية والشعب الذي يتعوّد ممارسة الحرية وفق قوانينها وضوابطها الشرعية لفترات زمنية طويلة ليس سهلاً بعد ذلك أن يخضع إلى أنظمة حكم إرهابية ودكتاتورية.

 

ومن هنا تتضح أبعاد المخاطر التي يحذّر منها الإمام في حال حصول فتور أو لا مبالاة في إقبال الشعب على الانتخابات الرئاسية أو غير الرئاسية، إذ إنّ هذه اللامبالاة ستسقط الجانب العملي من عملية تشكيل وعي الأمة وعندها سيكون يسيراً على الأعداء، الدوليين الكبار، أن يفكّروا في إخضاع الشعب من جديد إلى أنظمة حكم دكتاتورية وإرهابية، وتجارب الثورات في هذا المجال عديدة، حيث تظهر كيف تتحرّك قيادات الثورة تدريجياً في بعض الحالات نحو الإندماج في المعادلات الدولية وحيث يتمّ تمويت هذا الجانب العملي من خلال عدم التركيز المتعمد على حضور الشعوب في الانتخابات وقتل دورها في إدارة شؤون البلاد السياسية وغير السياسية.

 

ولعلّ أقرب مثال إلى الذاكرة هنا هو ثورة المليون شهيد، أي الثورة الجزائرية، وكيف انتهت في نهاية المطاف إلى لون من ألوان التدجين، وكيف انتهى نظام الحكم فيها إلى نمط لا يختلف كثيراً عن أنماط أنظمة العالم العربي والإسلامي التي جاءت بإنقلابات عسكرية إلى السلطة.

 

لقد بقي الإمام الخميني يركّز من خلال أقواله وأحاديثه على دور الشعب في المؤسسة السياسية للبلاد, كما بدا جليّاً مرّة أخرى في وصيّته التي دعا فيها الشعب إلى أن يكون حاضراً على الدوام في عمليات الانتخابات، لا سيّما انتخاب أعضاء مجلس الشورى الإسلامي.

 

فهو يقول في هذه الوصية: (إني أُوصي أبناء الشعب في العصر الراهن وفي المستقبل بأن ينتخبوا بإرادة راسخة وانطلاقاً من التزامهم بأحكام الإسلام، وحرصهم على مصالح البلد، أن ينتخبوا في كل دورة انتخابية نواباً مؤمنين بالإسلام وبالجمهورية الإسلامية. وغالباً ما يكون هؤلاء من الطبقة المتوسطة في المجتمع ومن المحرومين.. نواباً، غير منحرفين عن الصراط المستقيم ولا متحيّزين إلى الغرب أو الشرق، نواباً ليس لهم ميول للتيارات الفكرية المنحرفة، متعلّمين، مطّلعين على قضايا العصر، عارفين بالسياسة الإسلامية).

 

هكذا إذاً يبدو من خلال هذا النص أنّ الذي يشغل اهتمام الإمام ليس المؤسسة كإسم أو كعنوان، فهي بهذا الشكل كانت موجودة في النظام(الشاهنشاهي) السابق، وفي الكثير من الأنظمة الحاكمة الحالية.

 

إنما ما يشغله هو المحتوى القانوني لهذه المؤسسة, والتطبيق الفعلي لهذا المحتوى, فعندما يكون الشعب حاضراً من خلال العملية الانتخابية فإن هذا الحضور يكون ضمانة لسلامة الكادر القيادي النيابي وغير النيابي.

 

إذاً ليس المهم أن تكون هناك مؤسسة أو نص دستوري فقط.. إنما المهم أيضاً أن يكون هناك وضوح في علاقة المؤسسة بالشعب, وأن يكون هناك حضور انتخابي شعبي فاعل على الدوام, يعطي المؤسسة السياسية مهمتها في صيانة الثورة من أنماط الحكم الاستبدادية.

 

وأن يكون هناك وضوح في المادة الفكرية والقانونية التي تملأ هذه المؤسسة وتحدد صلاحياتها؛ ولذلك يوصي الإمام بإلحاح في الحضور في أية عملية انتخابية.

 

وحتى الآن لم يكتمل مجال العمل المؤسساتي لدى الإمام, ولم يغط بعد بما فيه الكفاية.

 

إذ لم يقتصر اهتمام القائد الراحل على المؤسسات السياسية والقيادية والدستورية التي تطرّقنا لها، والدفاعية والثقافية التي سنتطرّق لها خارج سياق هذا الموضوع وفي أماكن أخرى من البحث. لا بل إنّ هناك لوناً من التأسيس الخدماتي والاقتصادي والاجتماعي المرتبط بالدور الشعبي, وإيجاد المؤسسة الخارجية على الطابع التقليدي في هذا المجال.

 

وإعطائها الطابع الثوري والطابع الجماهيري حتى على التقليد الوظيفي في بعض الأحيان، وهذا ما عبّرنا عنه بالمؤسسة الثورية المرشدة لطاقة الأمة.

 

فلقد اجتهد الإمام في إيجاد جزء مؤسساتي جديد يتوزّع على عدد من المجالات الحياتية المهمة, ويؤدّي مهام خدماتية واقتصادية كبيرة، كما يؤدّي غرضاً أساسياً من أغراض الإمام, وهو يمارس عمله المؤسساتي المطلوب.

 

وهو الغرض المرتبط بإيجاد مؤسسة يكون فيها الوجود الشعبي واضحاً وطاغياً, أو يكون دورها الخدماتي للشعب هو الطاغي.. إنها المؤسسة الثورية التي تقوم في جزء من فلسفتها التكوينية على الجهود الشعبية وتعطي في كل دورها الخدماتي لهذا الشعب.

 

هذا ما ينطبق مثلاً على مؤسسة جهاد البناء التي قامت بالجهد الإعماري الأكبر للقرى المهملة أيام(الشاه) الذي كان يمارس سياسة الاهتمام الشكلي ببعض مراكز المدن.

 

فيما أنّ الثورة الإسلامية وقائدها الإمام الخميني كان يحرص على خدمة الفقراء والمحرومين والحفاة وأصحاب الأكواخ.

 

كان يحرص الإمام على إنعاش القرية, وتوجيه حركة الإعمار باتجاهها, وتهيئة الجوانب الخدماتية الصحية, وتحسين طرق المواصلات لها.

 

وعلى أسس هذه القناعة وجدت مؤسسة الجهاد، كمؤسسة ثورية يدرك كل من ينخرط بها سلفاً من كادر البلاد الوظيفي. يدرك إنما هو يؤدّي مهمة ثورية إسلامية على حساب جزء من الامتيازات الطبيعية التي تعتبر حقاً طبيعياً للموظف في مؤسسات البلاد الأخرى.

 

إنّ كادر مؤسسة الجهاد وفق هذه الرؤية هو كادر خاص. وأكثر استعداداً للعطاء. وأكثر نكراناً للذات لمصلحة الفقراء والمناطق المحرومة، ولقد أثبت هذا الكادر خلال سنوات الثورة الإحدى عشر الأولى، أنه يمثّل مؤسسة ثورية أوجدت لتوفير مستوى معاشي وخدماتي أفضل للطبقة المحرومة من أبناء البلاد.

 

هؤلاء الذين حرمهم النظام السابق من أبسط حقوقهم, وجدوا أنفسهم في ظل الثورة ـ على رغم المصاعب الاقتصادية التي وضعت في طريقها ـ يشمّون عطرها, ويحتفلون بمكاسبها عبر المشاريع التطورّية لقراهم المتعبة المهملة.

 

بالطبع لم يقتصر عمل مؤسسة جهاد البناء على الجانب التطويري المذكور للقرى المحرومة, إنما هي ساهمت مساهمات فعّالة وأساسية في الدفاع عن البلاد، ولعبت دوراً أساسياً في تسهيل مهمات البلاد القتالية في الحرب التي فرضت على الجمهورية الإسلامية.

 

وباختصار فإن هذه المؤسسة نجحت نجاحاً كبيراً في فلسفة ربط حركة البلاد الاقتصادية بالجهد الشعبي... وبالتالي أنظمّت هذه المؤسسة إلى دائرة المؤسسات السياسية والدفاعية والثقافية التي كان الإمام نظّر أن يكون الوجود الشعبي أساسياً في الجزء التأسيسي الجديد منها، أو في محتوى الجزء المؤسس, وقامت الثورة بتفريغه من محتوياته المنحرفة.

 

لقد كان الإمام يسعى إلى اقتصاد يعطي الفقراء امتيازات خاصة، فهو يقول في ندائه إلى حجاج بيت الله الحرام غرة ذي الحجة 1405هـ.ق. (يجب توجيه الاقتصاد وجهة سليمة, بعيدة عن التبعية ولصالح الجميع ولرفاه جميع الناس, مع الاهتمام بأمور الفقراء والضعفاء).

 

ولم تكن بالطبع مؤسسة جهاد البناء سوى مَثَل للمؤسسة الاقتصادية الخدماتية ذات الطابع الثوري التي كانت ثمرة من جهود الإمام التنظيرية المباشرة أو غير المباشرة في المجال المؤسساتي، فمؤسسة الشهيد مثلاً هي الأخرى يمكن أن تدرج في إطار هذا الجهد, أو يمكن أن نقرأ من خلالها رؤية تركيز الإمام على الدور الشعبي, سواء على صعيد حضوره في عجلة الدولة, أو على صعيد مسؤولية هذه الدولة في تهيئة الجانب الخدماتي لكادر الثورة ومادّتها البشرية الأساسية، فمؤسسة الشهيد كمؤسسة خدماتية لهذه المادة البشرية هي تعبير أو تجسيد لأهداف الثورة في حماية الشعب والقيادة.

 

على أي حال؛ أخيراً نقف على هذا النص الجامع لمجموعة من ثوابت الخطاب الثوري التي تطرّقنا لها, وهو نص جاء في نداء للإمام إلى حجاج بيت الله الحرام في 1400هـ يقول النص: (أيها المسلمون المؤمنون بحقيقة الإسلام، انهضوا ووحّدوا صفوفكم تحت راية التوحيد وفي ظل تعاليم الإسلام، واقطعوا أيدي القوى الكبرى الخائنة عن بلدانكم وثرواتكم الوفيرة, وأعيدوا مجد الإسلام, وتجنّبوا الاختلافات والأهواء النفسية، فإنكم تملكون كل شيء. واعتمدوا على الثقافة الإسلامية، وحاربوا الغرب والتغرّب، وقفوا على أقدامكم، احملوا على المثقفين الموالين للغرب والشرق، وجددوا هويتكم.

 

واعلموا أنّ المثقفين الذين باعوا أنفسهم للأجنبي أذاقوا شعبهم ووطنهم الأمرّين.

 

وما لم تتحدوا وتتمسّكوا بدقّة الإسلام الصحيح، فسيحلّ بكم ما حلّ بكم حتى الآن. إننا في عصر، ينبغي أن تضيء الشعوب الطريق فيه لمثقفيها، وأن تنقذهم من الإنهيار والضعف أمام الشرق والغرب، فاليوم يوم حركة الشعوب، وهي التي ينبغي أن توجّه من كان يوجهها من قبل، اعلموا أنّ قدرتكم الروحية ستتغلّب على جميع الطواغيت، وتستطيعون بعددكم البالغ مليار إنسان، وبثرواتكم الطائلة غير المحدودة أن تحطّموا جميع القوى.

 

انصروا الله كي ينصركم.

 

أيها الجموع الغفيرة من المسلمين، انتفضوا وحطّموا أعداء الإنسانية، فإن اتّجهتم إلى الله تعالى، والتزمتم بالتعاليم السماوية، فالله تعالى وجنده العظام معكم).

 

(إنّ يوم القدس يوم إسلامي، ويوم لتعبئة عامة للمسلمين, واني لآمل أين يكون مقدمة لتشكيل حزب المستضعفين في كل أرجاء الدنيا، وآمل أن يشكّل حزب بإسم حزب المستضعفين في العالم, يشارك فيه جميع المستضعفين؛ ليعملوا على حلّ مشاكلهم. ويتّحدوا للقيام بمواجهة المستكبرين والمستعمرين اللصوص الشرقيين والغربيين، ويخرجوا من ربقة ظلمهم، ويحققوا وعد الإسلام ونداءه بإقامة حكومة المستضعفين ويرثوا الأرض.

 

لقد كان المستضعفون متفرّقين ومتشتتين, فلم يستطيعوا فعل أي شيء، أما اليوم وبعد أن لبّوا نداء الإسلام فقد أعطوا صورة من اتّحادهم في البلاد الإسلامية).

 

يضيف الإمام قائلاً: (ويجب أن تتكامل هذه الصورة وتجد الوحدة أنصاراً من كل فئات الناس؛ لتحقيق حزب المستضعفين, الذي هو حزب الله المرافق لإرادة الله تبارك وتعالى في وراثة المستضعفين للأرض.. هذا الحزب عليه أن يعمل على حلّ المشاكل التي تطرأ على أية أمة, وذلك بالاتحاد والإرادة القوية).

 

جاء هذا الكلام للإمام في خطاب، ألقاه بتاريخ 19/8/1979م.

 

وهو كلام واضح في أهدافه وطموحاته التأسيسية، وواضح فيما يصبو إليه من إطار مؤسساتي ينتمي إلى نمط آخر من أنماط تفكير الإمام, في إطار العمل المؤسسي, نمط مغاير عن المؤسسة القانونية الدستورية وعن المؤسسة الثورية، نمط يجمع الحركة الشعبية للقوى المناهضة للدول الكبرى ويربطها بمركز انطلاق الثورة.

 

فهذه الثورة أوجدت جوّاً عالمياً واسعاً من الوعي بجوانب الاستغلال التي يقوم عليها النظام السياسي الدولي.

 

والثورة باعتمادها على إمكاناتها الذاتية أكّدت حقيقة إمكانية الوقوف بوجه الدول الكبرى.

 

والثورة فتحت آفاقاً جديدة أمام التيار المناهض لحالة الظلم الدولية؛ ولذا فإن الإمام كان يعتقد بأنه لابدّ من إطار مؤسساتي؛ ينظّم حركة المستضعفين, ويحل مشاكل هذه الحركة, ويدفع نحو مستويات أرقى من وحدة الجهد باتجاه القوى الدولية الكبرى التي تواجه المدّ الثوري.

 

لقد كان الإمام يسعى إلى تحويل البلاد إلى دولة ثورية.

 

دولة قائمة على مؤسسات متكاملة وذات محتوى إيماني ومبدئي يعكس المبادئ الثورية، ولا يمكن أن يفرز إلا خطاباً ثورياً يلبّي حاجة البعد العالمي للثورة.

 

إنها إذاً الدولة الثورية القائمة على المؤسسة الثورية كإجراء استقراري عادم لحالة الفوضى في اتخاذ القرار السياسي وغير السياسي للبلد من جهة أخرى. ويشكّل التراكم النصّي النظري والتنظيري لأفكارها.

 

هكذا كانت المؤسسة التي حرص الإمام على إرسائها.

 

فالمؤسسة كإطار أو وعاء للجهد الجماعي المشترك ليست مهمة بحد ذاتها، إذ إنّ الحركة الإنسانية تقوم بأسرها على صيغ عمل مشتركة, وكل الأنظمة في العالم تتحرّك في أطر وطرق عمل جماعية، إنّ الإمام كان يحرص على إيجاد مؤسسة ثورية مسؤولة عن تنظيم وتوجيه الجهد الاجتماعي غير الاجتماعي داخل وفي حدود مفاهيم الثورة الإسلامية, ومادة هذه الثورة المتمثّلة بالشعوب.

 

ففي هذه الحالة فقط يمكن أن تكون المؤسسة فاعلة في تحويل الثورة إلى مشروع عمل عالمي لا ينتهي باهتماماته الإقليمية والقطرية.

 

إنما يمتد مع الامتداد الأرضي لوجود الإسلام. ويمتد إلى عالم الإستضعاف، والى عالم تحديد الجهد الاستكباري ومواجهة أسس الظلم والاضطهاد في الكون، ولا يمكن بطبيعة الحال لمثل هذه المؤسسة أن تحصل إذا لم تكن قائمة على أرضية تمثيلية صلبة لمادة الثورة الإسلامية البشرية ـ عبر قانون الانتخاب الحر ـ كأداة أملاها المستوى التعقيدي لأساليب التزوير التي تلجأ إليها الأنظمة السياسية الساعية إلى الحصول على غطاء مؤسساتي لها، وعبر أنماط أخرى من العمل المؤسسي الداخلي والخارجي.

 

إنّ عبارة مؤسس الجمهورية الإسلامية عندما تطلق على الإمام فهي تعني:

 

1ـ تحطيم المؤسسة التي كانت تعكس إرادة النظام السابق الانحرافية.

 

2ـ الانطلاق في بناء قواعد وأسس جديدة للنظام الإسلامي, من خلال تطهير مؤسسة كانت قائمة فعلاً، وتفريغها من الأسلوب والمحتوى الانحرافي، ومن ثم شحنها بالمفاهيم والأساليب الثورية، أو بناء بمفاهيم وأساليب جديدة للمؤسسة في اسمها ومجالها ومهامها الوظيفية.

 

3ـ تحديد الأدوات والشروط الدستورية الضامنة لحركة المؤسسة الإسلامية بكل أشكالها, وبما يؤدّي بها إلى تحقيق طموح الثورة, أو إبقاء أرضية الخطاب الثوري للبلد قائمة ما دامت الثورة لم تصل بعد إلى أهدافها الإنقاذية البعيدة للعالم الإسلامي.

 

إنّ عبارة مؤسس الجمهورية الإسلامية عندما تطلق على الإمام فهي تختصر بالنقاط الثلاث المذكورة، إما ممارسة الإمام في هذا الإطار, فهي تتعدد في ألوانها وأشكالها بما يمكنه من الحاجة الى الوصول إلى هدف الثورة من المؤسسة أو الحاضنة للطاقة الثورية، ولقد انعكس هذا التعدد الشكلي في المجال الدفاعي وفي المجالات الثقافية والاجتماعية, ومن خلال ما تقدّم في إطار ثابتة الشعوب في خطاب الإمام ودور المؤسسة المحوري فيها يمكن القول:

 

1ـ الشعوب يجب أن تكون محور الحركة الثورية والمبادرة إلى الفعل المساهم في القرار وفق مقتضيات النص الخطابي للإمام.

 

2ـ الشعوب يجب أن تكون حاضرة في أحداث الساحة المختلفة من خلال العملية الانتخابية.

 

3ـ سياسة التوعية كمضاد لسياسة التجهيل, هي من ثوابت أرضية رؤيا الإمام للتعاطي مع الشعوب.

 

4ـ المؤسسة بكل أشكالها هي الممر أو القناة للقيادات عبر انتخابها على أية حال.

 

يمكن ملاحظة الثوابت التالية في سياق النص المذكور:

 

1ـ ثابتة التحريك.

 

2ـ ثابتة مقاومة الدول الكبرى.

 

3ـ ثابتة الوحدة الإسلامية.

 

4ـ (الإسلام الرسمي) والإسلامي الأصيل.

 

5ـ الشعوب.

 

6ـ الدافع الإلهي.

 

7ـ ثابتة الوضوح.

 

وفي نموذج جامع آخر, ومن نداء للإمام للحجاج في ذي الحجة 1405هـ.ق نقرأ ما يلي:

 

(الوضع المأساوي الموجود في البلدان الإسلامية وسائر البلدان المظلومة وليد هذه المؤامرات المشتركة لأعداء المسلمين والمظلومين.

 

والآن إذ تجتمعون بأمر الله ونداء رسوله في مركز الرسالة الإسلامية البنّاءة، وفي هذا المكان العظيم، من كل شعب ومذهب، فكّروا في علاج لهذا الداء المهلك والسرطان القتّال، واعلموا أنّ العلاج الأساسي إنما يتمّ في ظل وحدة جميع المسلمين والإجماع التام على قطع يد القوى الكبرى من البلدان الإسلامية، وتجسيد شعائر المواقف الكريمة والمشاهد المشرفة في بلدانكم، والخطوة الأولى تتمثّل في إزالة اليأس الذي عمل الشرق والغرب وعملاؤهما على غرسه في قلوب المسلمين ونفوسهم، وجعلوا المسلمين يصدقون بعدم إمكان استمرار حياتهم دون الارتباط بقوى كبرى، وإيران أثبتت حكومةً وشعباً في هذه الثورة العظمى تفاهة هذا الفهم وخواءه.

 

ومع أنّ القوى الكبرى لجأت إلى أنواع الحيل والمؤامرات؛ من أجل إطفاء الشعلة المستعرة في هذا البلد الرامية إلى إحراق آمال الشرق والغرب، فإنها لم تفلح.

 

وإيران الإسلام اليوم ببركة الإيمان القوي والالتزام بالإسلام والتغيير الكبير المشهود بين الفئات المختلفة قد قطعت يد الشرق والغرب والطفيليات المنحرفة، ولم تسمح لأية قدرة أن يكون لها أدنى تدخّل في البلد الإسلامي إيران، وهذه حجة قاطعة للمسلمين ومظلومي العالم تثبت عدم إمكان التطاول على حق الشعوب, أو مخالفتها إن أبَتْ الشعوب ذلك، وأنّ الأمة التي تأبى الذل وتختار الشهادة لا يمكن أن تندحر.

 

ولا سبيل أمام الشعوب المظلومة في العالم غير هذه السبيل. وحكومات الشعوب الإسلامية أيضاً ـ إن وحّدت خطاها وطريقها مع الشعوب المحرومة ـ فستنجو من هذه التبعية الذليلة التي يُرجّح عليها الموت ألف مرّة، وسترفل بأثواب العزّة والقيم الإسلامية).

 

إنّ وقفة دقيقة على هذا النص تظهر أنه يتشكّل من الثوابت التالية:

 

1ـ ثابتة(الثبات).

 

2ـ ثابتة مقاومة التخويف.

 

3ـ الوحدة الإسلامية.

 

4ـ ثابتة التحريك.

 

5ـ الشعوب.

 

6ـ مقاومة الدول الكبرى.

 

7ـ الوضوح.

 

8ـ الدافع الإلهي.

 

نعود لنقول: كيف تعاطى الإمام الخميني مع الشعوب؟ أو ما هو المنهج الذي عمل به إزاءها كقائد ـ فقيه؟

 

هذا السؤال تبرره ضخامة الإنجاز الخميني الثوري، لا خلال القرن الماضي.. إنما حتى بلحاظ التاريخ الإسلامي. فالواقع إنّ الإمام الثوري انفرد بخصوصيات ضخمة وهائلة وكبيرة.

 

وفي هذا المنجز يغاير إلى حد ما كل أنماط العمل الثوري الذي استبطنه التاريخ.. كما أنّ هذا السؤال يبرره تعدد مناهج الرؤية النظرية لإمكانات الأمة الإسلامية على الفعل الثوري، فالأمة الإسلامية عاشت سلسلة متواصلة وطويلة من الإحباطات والنكسات انتهت بها إلى حالة من التشتت والضياع، وتحوّلت إلى ساحة مفتوحة للتيارات الفكرية الأخرى، لتشطّرها وتقسّم ولاءاتها السياسية، وتفقد الكثير من شخصيتها, وتصبح أسيرة الشعور بضياع هويتها الحقيقية بعدما أصبحت أيضاً ساحة للإختراق الاستعماري في أخطر مواقعها، هذا هو الأساس الذي أدّى إلى تعدد مناهج الرؤى النظرية لواقع الأمة وسبل استنهاضها لدى القيادات الفقهية الإصلاحية وقيادات التغيير الاجتماعي, فحجم النكسة التي مرّت بها الأمة من جهة, وهيمنة القوى الكبرى عليها من جهة أخرى، ولّدا شعوراً بأن الأمة الإسلامية لا يمكن أن تعود إلى ذاتها الإسلامية، وتفاوت هذا الشعور لدى التيارات الإسلامية، كما أنه جسّد مناهج نظر متعددة لهذا الواقع، ومناهج عمل في التغيير الاجتماعي، يتأسّس معظمها على رهانات طويلة الأمد لإحداث التغيير المطلوب. وتوزّعت هذه المناهج النظرية والعلمية كما يلي:

 

أولاً: منهج العزلة.. أي أنّ الكثير من القادة والفقهاء اختاروا خيار العزلة والانقطاع عن الأمة ونظّروا لها دينياً، وهذا الخيار أو المنهج انطلق في أحد أبعاده من استحالة إصلاح الواقع واستحالة تغيير الأمة، بعد كل ما تعرّضت له من ظروف تاريخية وغزو ثقافي وفكري واختراق لبنى الوعي وبناها النفسية، بحيث إنها فقدت أي حصانة أو مناعة، ولا يجدي أي عمل مهما كان في إعادتها إلى جادّة الإسلام والى هويتها الإسلامية.

 

ولقد امتزجت هذه القناعة بمؤثّرات خارجية استعمارية, وإيحاءات بأساليب مختلفة لتكريسها كوعي نهائي في ذهنية هذه الفئة من القيادات، وتحوّلت في بعض الأحيان من خيار انقطاعي عن الأمة، إلى خيار متحرّك ومضاد لكل العاملين في الساحة, أو الذين يطرحون الدين برؤاه السياسية ـ الفكرية ـ الاجتماعية ـ وحوّل الدين لدى هؤلاء إلى مجموعة من الأحكام والعبادات الشخصية ـ الفردية وأسقط الإسلام ببعده الاجتماعي، وبفقهه السياسي والاجتماعي وأريد له من خلال هذا المنهج أن يعيش في قطيعة كاملة مع الشعوب، ولقد شكّل ـ أي هذا المنهج ـ التحدّي الأكبر والأخطر للدين من جهة أولى، وللقيادات العاملة في وسط الأمة من جهة ثانية، وللأمة الإسلامية من جهة ثالثة، ولا نريد أن نكرر هنا بعض نصوص الإمام الكاشفة عن عمق هذا التحدّي ووعيه لأبعاده، فلقد ناقشناها في فقرات لاحقة من هذا الكتاب، إلاّ بمقدار الإشارة إلى أنّ هذه النصوص، تحوّلت إلى نصوص لآلام ومعاناة قاسية عاشها الإمام من هذا المنهج وتطبيقاته في جزئها الذي تحوّل إلى عمل مضاد ضد القيادات الواعية والعاملة.

 

ثانياً: كما إنّ بعض القيادات الإسلامية الأخرى وانطلاقاً من نظرتها الاستسلامية وقناعاتها باستحالة تغيير الأمة عملت بمنهج التعايش مع الأمر الواقع الذي ساد العالم الإسلامي بعد فقدانه لدولته المركزية، وشيوع الفكر القومي وبالتالي الدولة القطرية كأمر واقع.

 

إذ إنّ هذا التعايش أفرز تحدّياً آخر بوجه القيادات الواعية العاملة، فإذا كان تحدّي الفئة الأولى اتخذ شكلاً عازلاً للدين ببعده الاجتماعي ـ السياسي ومصغّراً إياه إلى مجموعة من العبادات الفردية، مع ما تركه ذلك من آثار تراكمية في فهم الدين من قِبَل الأمة، فإن هذه الفئة الثانية التعايشية مع الأمر الواقع فرضت تحدّياً تشويهياً للدين من خلال تعاملها العلني والمباشر مع الأنظمة الحاكمة، بما يعطي هذه الأنظمة المشروعية الدينية في بعض الأحيان، أو بما يمرّر لها ادّعاءاتها وممارساتها التي تستخدم الدين لأغراضها الذاتية ـ المخادعة أو بما يعطيها (المشروعية) لضرب الخطوط القيادية العاملة الواعية في الأمة، ولقد جسّد الواقع العملي للحياة الإسلامية أشكالاً عديدة لهذا المنهج التعاملي مع السلطة الظالمة انطلاقاً من مقولات التعايش معها، فكثير من حالات العمل الإسلامي وقياداته خرّبت وضيّعت بإسم الدين، أو بالأحرى تحت ذريعة (المشروعية الدينية) التي منها الخط التعايشي للأنظمة الحاكمة.

 

وكثيرة هي نصوص الإمام الخميني التي تطرّقت لمخاطر دور هذا الخط وقناعاته المقصودة وغير المقصودة على الأمة وقياداتها التغييرية الحقيقية والدين معاً، وسيتضمن هذا الكتاب في فقراته أيضاً نماذج من هذه النصوص.

 

ثالثاً: وهناك صنف ثالث من القيادات الفقهية والفكرية التي اتخذت المنهج الإسلامي الإصلاحي الإسلامي خياراً لها.

 

الإصلاح لا بمعنى تغيير الأنظمة الظالمة، والتأسيس الجذري للإسلام، ومعالجة الواقع الشاذ بشكل شامل.. إنما الإصلاح بمعناه المحدود الذي تتحرّك مطالبه في دوائر صغيرة متحرّكة تحددها حركة الواقع والحياة، وسلوكية السلطة، وهذا المنهج وإن كان أقل خطراً من المنهج الذي سبقه، إلا أنه عملياً يعبّر عن شعور سلبي إزاء الأمة ودورها وإمكانية تثويرها، وهو منهج تعايشي مع الواقع, ولكن ليس بالشكل الذي عكسه النموذج الثاني.. تعايشي ليس من موقع التعاون مع السلطة وإعطاءها المشروعية.. وإنما تعايشي من موقع التأثير على بعض ممارسات السلطة ووضع حد لانحرافاتها في دوائر محددة، لا تطال طموح التغيير الشامل لوضع الأمة.

 

رابعاً: وهنالك منهج آخر ينتمي إلى خط الوعي السليم والإيمان القاطع بضرورة التغيير الجذري، والعمل الجاد بهذا الاتجاه، إلا أنه يقوم على نظرة تدرّجية مؤسسة على أنّ هذا التغيير يحتاج بطبيعته إلى زمن طويل، وطويل جداً، وينطلق روّاد هذا المنهج من اختلاف البيئات الجغرافية التي تحكم انتماءاتهم، وقراءتهم للواقع السائد فيها، ولا يعني هذا الانطلاق عدم نظرتهم الشمولية للإسلام، لا بل إنه ينطلق من أمر قائم سيؤثّر بالنهاية على نظرتهم لطريقة التغيير، وما تحتاج إليه من زمن، فغالباً ما تتحدد درجة التفاؤل والتشاؤم في إمكانية دور الأمة وفق الواقع الذي يعيشه قائد ما أو حركة ما في نقطة معيّنة، وفيما إذا كانت الأمة في هذه النقطة الجغرافية بعيدة عن الإسلام أو قريبة منه في سلوكها وعلى أثر ما تعرّضت له من ظروف خاصة وعمق اختراق قيم الغرب إليهم.

 

وبالتأكيد فإن هذا المنهج هو النقيض تماماً للمناهج الثلاثة المذكورة، ويجسّد القناعة النظرية الصحيحة بضرورة التغيير الجذري، إلا أنه يبقى خاضعاً لتقديرات متباينة لواقع الأمة، وما يحتاجه تغييره إلى زمن.

 

خامساً: أما المنهج الذي يذهب بالرهان على دور الأمة إلى أقصاه، ويفترض إمكانية تحريكها وتغييرها واستجابتها، فهو المنهج الذي جسّده الإمام الخميني قبل انتصار الثورة الإسلامية وبعد هذا الانتصار.

 

وإنّ هذا الانتصار كان ثمرة هذا المنهج، الذي اندكّ اندكاكاً عميقاً بشؤون الأمة، وعاش همومها وطموحها، واستوعب أزماتها ومشاكلها، وقرأ المخططات التي استهدفتها، والتحدّيات الداخلية التي استهدفتها, ومن ثم أسس رهانه على الأمة, على ضوء نظرية وأدوات وعمل دؤوب لتطبيقها.

 

لقد جسّد هذا المنهج إنجازاً ثورياً قلّ نظيره في التاريخ الإسلامي، إن لم نقل أنه بقي يتيماً في شكله ومضمونه، فالأمة إذا ما توفّر لها القائد الفقيه الواعي لمرحلتها وتحدّياتها والمندك بشؤونها والمراهن عليها، ستنطلق لتغيير واقعها مثلما انطلقت مع الإمام الخميني.

 

لقد تجسّد منهج ثقة الإمام بالأمة من خلال خطابه الثوري الموجّه إليها، كما عكستها الفقرات الماضية, وكما ستعكسه الفقرات اللاحقة من هذا الكتاب, بكل ما تضمّنه هذا الكتاب من أساليب تحريكية لها, ومن تركيز على إمكاناتها المادية والمعنوية، ومن مخاطبتها باللغة التي تفهمها، الخطاب الوسط، بين خطاب الفقه المعقّد وخطاب الطلاسم للنخب المتغرّبة، فلقد استطاع هذا الخطاب أن يعيد ثقة الأمة بنفسها ويفتح وعيها على الصورة الحقيقية للدين، ويدفعها باتجاه تغيير واقعها، إذ تبقى الأمة في ظل أزمة الوعي الداخلية وخطوط هذا الوعي المتقاربة، وفي ظل الحرب النفسية الخارجية ضدّها.. تبقى بحاجة إلى قائد يستوعب كلا الأزمتين؛ ليقدّم لها الخطاب الذي تفهم ويقودها إلى معركتها مع الطغاة والظالمين والجبارين.

 

 ــــــــــــــــــ

 

[1] في 27رمضان 1400هـ.

 

[2] 20 ذي الحجة 1400هـ 3 نوفمبر/ 1980م.

 

[3] في 26/11/1981م.

 

[4] بتاريخ 9/8/1980م.

 

[5] في ذي الحجة 1405هـ.

 

[6] 1400هـ.

 

[7] في 2/11/1400هـ.

 

[8] بتاريخ 23/جمادي الأول 1399هـ.

 

[9] في 4محرم/ 1400هـ.

 

[10] في 18/2/1981م.

 

[11] بتاريخ 17 ربيع الأول1402هـ.

 

[12] بتاريخ 28 ذي الحجة 1400هـ.

 

[13] في 2 ذي القعدة 1400هـ.

 

[14] في 2/11/1400هـ.

 

[15] في 21 تموز 1980م.

 

[16] انطلق الإمام من الواقع في خطابه الوحدوي ويقول هاني فحص في هذا الإطار: (على أن الإمام، في ظرف اجتراحه لأطروحة وحركة النهوض، على حال مستشرية من الضعف والتفكيك والتخلف والتبعية، لم يكن مطالباً بمشروع توحيدي تفصيلي، لأن المسألة معقدة، والإمام ليس بسيطاً ومبسطاً، بحيث يستعجل المؤجل، من هنا ركز اهتمامه على ترسيخ التوجهات الوحدوية، داخلياً مع فتحها على آفاقها الخارجية، لما يعتقده ويراه من علاقة التأثير المتبادل بين الداخل الإيراني والخارج الإسلامي، ويلح الإمام على تلمس المجالات لإعادة واستعادة وعي الوحدة، متوسلاً الإدانة الصريحة والمتكررة للسلوك الإسلامي والعربي وغير الوحدوي، وفتح ذاكرة المجتمع الإيراني وبصيرته ووجدانه على حقيقة الوحدة ومقتضياتها، أي المحافظ على مجتمع توحيدي وحدوي، إلى أن تكتمل الظروف، وتستجمع الأقطار المجزأة، كلها أو بعضها أهليتها وإرادتها الوحدوية).

 

من كلمة له قدمها لمؤتمر الجهاد والنهضة في فكر الإمام الخميني على ضوء التحديات المعاصرة عقده حزب الله في لبنان بمناسبة مرور مئة عام على ولادة الإمام الخميني في 15 شعبان 1420هـ.

 

[17] في 18 صفر 1401هـ.

 

[18] في 27 رمضان 1400هـ.

 

[19] في 9/9/1964م.

 

[20] راجع الدكتور معتز سيد عبد الله، الاتجاهات التعصبية، سلسلة عالم المعرفة، ص 90.

 

[21] المصدر نفسه.

 

[22] في 20 رجب 1400هـ.

 

[23] في 26/2/59هـ.ش.

 

 

 

دراسات الكاتب:

 

الخطاب الثوري.. البنية، الثوابت، الملامح [1]

 

الإمام الخميني والمنهج الثوري

 

الدول الكبرى.. النظام الدولي..

 

الغرب والحضارة الغربية خطوط المواجهة.. وشروط التفاعل

 

التخريب الثقافي والفكري: الجامعة ـ الحوزة

 

القيادة الإسلامية

 

الإمام الخميني والإعلام

 

الإمام الخميني والنظام الدفاعي

 

الإمام الخميني رجل القرن العشرين، ورجل القرن الحادي والعشرين

 

الجذر المعتقدي للاستشراف الخميني