القسم الثاني

 

البنية ـ الثوابت ـ الملامح

 

البعد النفسي للمواجهة... ومقاومة التخويف

 

 لقد كانت ثابتة من ثوابت الخطاب الثوري لدى الإمام تتمثّل في تحطيم حاجز الخوف من الدول الكبرى لدى شعوب المنطقة, أو تحطيم مكانة وهالة هذه الدول في العقل الإسلامي.. فواضح أنّ رموز النظام السياسي العالمي ومنذ أن تمكنّوا من القضاء على الكيان الإسلامي كان خطابهم السياسي والإعلامي يقوم على عناصر تخويف واضحة للشعوب, وعناصر تحسيس لها بحالة من حالات العجز أمام واقع الإمكانات المادية والعسكرية الهائلة التي تمتلكها هذه الدول، وبعبارة أخرى فإن خطاب تلك الدول كان يهدف إلى إخضاع الشعوب من خلال جو إحساسي بفوقية هذه الدول، وبإستحالة نجاح أي حركة تحررية أو معارضة لنظامها السياسي العالمي. ولاشكّ أنّ أساليب التخويف هذه نجحت إلى حد كبير في تعطيل الطاقات الثورية, وتعطيل قدرة بعض التيارات السياسية التي وقعت ضحيّة لهذه الأساليب, وراحت تنخرط في جهود ترويجها الدعائية لمضاعفة تخويف الشعوب العربية والإسلامية.

 

وحتى إلى ما قبل الثورة الإسلامية في إيران، ما كان في الساحة من مصاديق لأي رأي يخالف أو يعارض أو يقاوم أساليب التخويف الدولية, أو يسلّط الضوء عليها, بما فيه الكفاية، ويمكن القول: إنّ أحداً لم يقاوم هذه الأساليب مثلما قاومها الإمام الخميني، فلقد دفعت ضخامة الجهود الدعائية العالمية في إطار ترويج التخويف وتحويله إلى ثابتة من ثوابت الخطاب الإعلامي للدول الكبرى.. دفعت الإمام إلى أن يعطيها أهمية خاصة ويدرجها كثابتة من ثوابت خطابه الثوري. عندما ينظر إلى هذا الخطاب في اللحاظ الشمولي العام.

 

فأي قراءة لهذا الخطاب تقوم على رصد صفاته أو مكوّناته الثورية، أو على أساس جرد لثوابته التي يخرج التعاطي بها عن إطار العفوية، ويدخل في سياق تركيزي خاص من قِبَل الإمام، لابدّ أن تفرز(ثابتة مقاومة التخويف) كواحدة من الثوابت الأساسية في الخطاب المذكور.. ثابتة تواجه الدعاية الدولية العدوة للإسلام، وتعالج آثار السياسة التخويفية الممارسة ضدّ العالم الإسلامي من قِبَل الدول الكبرى.

 

وعندما وصلت الثورة الإسلامية إلى نقطة الانتصار، راح الإمام يبلور من خلال خطابه الثوري درساً مهماً في دروس المواجهة.. كما أنه راح يوظّف مصداق انتصار الثورة في دائرة ثابتة مقاومة الدعاية التخويفية للدول الكبرى، فالحركة الثورية للشارع الإيراني على رغم المواجهات الدولية التي جوبهت بها، والممارسات الإرهابية التي لجأ الشاه اليها في سبيل كبحها، أثبتت في نهاية المطاف قدرتها على الوصول إلى نقطة الانتصار، وصمودها أمام كل ما مورس إزاءها من إجراءات، كما أنها أثبتت إمكانية الخروج الشعبي على إرادة الدول الكبرى وعلى نظامها السياسي الصارم.. فهذه القوى لا تملك شيئاً أمام أي شعب تتبلور لديه رؤية الرفض، ويحوّل هذه الرؤية إلى فعل ثوري، وينضوي تحت لواء قيادة واعية كقيادة الإمام.

 

لا تملك الدول الكبرى أمام القرار الثوري الرافض لهذا الشعب شيئاً سوى الإرهاب.. ولابدّ لهذا الشعب أن يصل إلى الانتصار.

 

لقد أفرزت لحظة انتصار الثورة الإسلامية في إيران هذا المعنى. والإمام كان يرى بأن هذا الإفراز بحاجة إلى تركيز أو بلورة نظرية، فهو كان يقول في حديث له أمام المشاركين في مؤتمر حول القدس بطهران: (من الخطط التي مارستها الدول الكبرى وتابعتها الدول الصغيرة في ذلك هي إخافة الشعوب للوصول إلى مآربها.. فلقد شهدتم شائعات السافاك في عهد غصب السلطة من قِبَل( محمد رضا)المخلوع، حتى كانت كل عائلة تظن بأنها إذا تفوّهت بكلمة واحدة عن الشاه تعاقب على ذلك، وأشاعوا بأن السافاك متواجد في كل مكان، وإنّ الشعوب إذا أرادت التصدّي لحكومة ظالمة أو قوى كبرى، فيجب أن تحطّم الأوثان، تحطّم أولئك(الظلاّم) الذين تصدّروا الزعامة, وذلك بالحديث وتوعية الآخرين وإزالة الفكرة التي تقول: لو تكلّم أحد ضد الحكّام لإنقلبت الدنيا، ولهذا شاهدتم عندما انطلقت الشعارات ضد الشاه المقبور لم يحدث شيء، وقد رأيتم كيف خرج الشعب إلى الشوارع عندما أعلنت الأحكام العرفية ولم يحدث شيء. إذ إنّ أهم مسألة هي إزالة الخوف من قلوب الشعوب)[1].

 

هذا النص هو نموذج لِما ميّز خطاب الإمام الثوري من تركيز على تحطيم الهالة النفسية في أوساط الأمة للدول الكبرى، وتوظيف حدث انتصار الثورة الإسلامية في إيران؛ لبلورة وتوضيح إمكانية الثورة والتحريك ضد هذه الدول، ولإيضاح عجزها عن فعل أي شيء قادر على إيقاف مسيرة الثورة إذا ما توفّرت لها جرأة الانطلاق، وظروف التحرّك وأدركت خواء الدعاية التخويفية، والأساليب الساعية إلى إيجاد جو من التهيّب النفسي، والخضوع الذاتي للنظام السياسي الذي فرض على الأمة، وقام على أنقاض الكيان السياسي للمسلمين.

 

وليس توظيف حدث الثورة الإسلامية في إيران إلاّ نموذجاً واحداً لسياسة توظيف الحث في إطار استيعاب الخطّة التخويفية الدعائية الدولية لدى الإمام، ومواجهتها بالأساليب المناسبة، ودرجها كواحدة من ثوابت الخطاب لديه، ولعلّ النص التالي الذي قاله الإمام بصدد القضية الأفغانية يوضّح أبعاد تلك السياسة، يقول الإمام:

 

(ولكن عندما تستيقظ الشعوب شيئاً فشيئاً سوف تعلم أنّ الموضوع ليس كذلك، فقد رأينا أنّ التدخّل العسكري للاتحاد السوفيتي في أفغانستان التي تؤلّف شعباً ضعيفاً ولكنه حيّ، وقد وقف هذا الشعب بقوة الإيمان, في الوقت الذي كانت الحكومة الأفغانية الغاصبة, وبعض الأحزاب اليسارية تعمل كلها مع السوفيات، ومع ذلك كان الشباب الأفغاني المتطلع قد وقف بوجههم، ومنذ مدة طويلة أوجد للسوفييت بعض المشاكل، وعلينا أن نقول: بأنهم دحروا السوفييت سياسياً، وكان هذا ناتجاً عن علمهم, بأنه ليس من الحقيقة في شيء من أنّ السوفييت لو غزوا بلداً لا يمكن الكلام بعد ذلك ويجب الاستسلام مئة بالمئة! أو أنّ أميركا لو تحرش أحد بها ـ إيران مثلاً ـ فسوف يباد البلد بأجمعه ويزول!!! إنّ هذا الرعب قد فشل شيئاً فشيئاً.

 

وإنما كان الأعداء قد أوجدوا هذا الرعب عن طريق دعايتهم؛ بحيث كانوا ينجزون أعمالهم بواسطة هذا الرعب.

 

إنّ أولئك لم تكن قوّتهم إلى حد بحيث يبيدون شعباً بكامله, كانوا يستخدمون هذا الأسلوب أيضاً، ولكن الشعب الإيراني قد دحر هذا الموضوع وأبعاد هذا النظام، وهكذا بالنسبة للقوى العظمى أيضاً كان الموضوع هكذا, بحيث كان إرهابها أكثر من واقعها، ولو حدث أمر في بلد صغير مخالف للسوفيت أو الأمريكان كان يكفي أن تنهر أميركا أو السوفيات ذلك البلد الصغير، حتى ينتهي الموضوع بذلك التخويف فقط)[2].

 

وفي مكان آخر يقول الإمام: (وما أريد التأكيد عليه هو: أن تخرجوا من رؤوسكم ما يقال من أنه لا يمكن مواجهة الدول الكبرى، صمّموا على ذلك تقدرون؛ لأن الله يدعمكم ويحميكم، إنّ الهمسات التي تشاع من قِبَل عملاء الاستعمار من أنه لا يمكنكم الحياة دون اللجوء إلى إحدى الدول العظمى كلها خطأ مئة بالمئة وغير صحيحة، قفوا على أرجلكم بإستحكام وقوة, وكونوا مع الله واسعوا قبل كل شيء إلى الرقي في الإنسانية عندها يمدّنا الله بعونه, ونستطيع أن نحصل على استقلالنا وحرّيتنا وحفظ إسلامنا نوفق إلى ذلك إن شاء الله)[3].

 

لقد كانت مفردة الدعاية التخويفية واحدة من أكثر المفردات التي جسّدتها سنوات المسيرة، ويقول الإمام في وصيته المباركة في هذا الإطار: (من المؤامرات المهمة والملحوظة بوضوح في القرن الأخير، وخصوصاً في العقود الأخيرة، وبالأخص بعد انتصار الثورة، مؤامرة الدعاية الواسعة وبأبعاد شتّى, والهادفة إلى إدخال اليأس من الإسلام إلى قلوب الشعوب، خاصة شعب إيران المضحّي، والترويج أحياناً لذلك بصورة ساذجة وبلهجة صريحة: بأن أحكام الإسلام وضعت قبل ألف وأربعمائة عام فلا يمكنها اليوم إدارة أمور الدول).

 

وبالطبع يضع الإمام يده على الهدف الدولي لأسلوب الإثارة الدعائي هذا، فهو يقول:

 

(إنّ الهدف من ذلك هو تيئيس المسلمين ومحاربتهم نفسياً وسط أجواء تسمح نوعاً ما باللجوء إلى هذا الأسلوب النفسي، إذ إنّ الواقع الإسلامي هو واقع مأساوي بلحاظ التعدد السلبي الذي يسود الساحة الإسلامية في وجهات النظر، ومن وجود الحكام التابعين والمسلّطين على رقاب المسلمين في أكثر نقاط العالم الإسلامي الجغرافية، وعلى صعيد فارق الإمكانات في القوى العسكرية بينه وبين أعدائه الدوليين، ومن حيث غياب وحدة الكلمة والموقف إزاء القضايا الإسلامية المصيرية، فهذه المظاهر السلبية كانت ولا زالت تشكّل الأرضية التي تتحرّك عليها مفردة الدعاية العدوة المضادة للإسلام، فأعداء الإسلام يحاولون الإيحاء بأن العالم الإسلامي إنما انتهى إلى هذا الحال؛ لكون الإسلام نفسه ما عاد يصلح لقيادة البشرية، ولقد أصبحت نظرياته(بالية وقديمة) ولا تواكب تطوّرات العصر وحاجاته والضرورات التي استجدّت، وبمعنى آخر: إنّ أعداء الإسلام يحاولون توظيف الظواهر السلبية في العالم الإسلامي؛ ليوجدوا منها أرضية وأجواء الانطلاق لأسلوب دعائي, أو مفردة دعائية تلعب دورها في إطار الحرب النفسية التي يشنّونها ضد العالم الإسلامي، وغالباً ما يكون هذا الأسلوب قائماً على انتقاء محكم لمادة الدعاية، وذا قابلية في إيهام العقول الساذجة والبسيطة التي لا تتعمّق في الربط المباشر بين تلك المادة الدعائية المثارة والأرضية التي انطلقت منها.

 

ولا تحاول أن تقرأ الأهداف العدوّة، ولا تستطيع بحكم درجة وعيها الهابط أن تحيط بتاريخ الصراع، والوقوف على الأسباب التي أدّت بالعالم الإسلامي إلى هذه النهاية، ولا قابلية لها في قراءة علاقة الفكر بالزمن.

 

إنّ شريحة البسطاء هذه تقع على الدوام ضحية هذا الأسلوب الدعائي، وهنالك شريحة أخرى، هي شريحة المنتفعين من ترويج هذا الأسلوب، وعليه فإن أسلوب المواجهة الإسلامي يجب أن يرتقي إلى ما يجعله قادراً على التصدّي للشريحة الثانية بأساليب كاشفة لروح النفعية والاستغلال لهديها، وأن ينهض بوعي الشريحة الأولى، إلى ما يعطيها ضمانة الفرز، فرز الدعايات المضادّة التي تشكّل مفردات الحرب النفسية العدوّة، فإن كون الأفكار الإسلامية جاءت قبل ألف وأربعمائة عام لا يشكّل علامة سلبية للفكر الإسلامي, إنما يمثّل نقطة إيجابية في كون هذه الأفكار جاءت بشمولية ورصانة وقوة تعطيها عناصر الخلود، وقدرة الامتداد مع الزمن.

 

يقول الإمام في وصيته بصدد قدرة الإسلام على إدارة الحياة:

 

(إنهم إما جهلة بالحكم والدستور والسياسة, أو عالمون؛ لكنهم يتظاهرون بعدم الإطلاع لأغراض خاصة، فإجراء القوانين على أسس القسط والعدل، ومنع الظلم، ومواجهة الحكم، وبسط العدالة على كلا الصعيدين الفردي والاجتماعي، وقمع الفساد والفحشاء وأشكال الانحرافات،وتحديد الحركات بموازين العقل والعدل، وقضايا الاستقلال والاكتفاء الذاتي، ومكافحة الاستعمار والاستغلال والاستعباد، وقضايا الحدود والتعزيرات على أساس العدل، ومنع فساد وتدمير المجتمع وقضايا السياسة، وتدبير شؤون المجتمع وفق معايير العقل والعدل والإنصاف والمئات من أمثال هذه القضايا هي ليست من الأمور التي يليها الدهر على مدى التاريخ الإنساني والحياة الاجتماعية، وادّعاء ذلك مثل الادّعاء بأن القواعد العقلية والرياضية يجب أن تُلغى في القرن الأخير وتستبدل بقواعد أخرى، وما هو بأكثر من ادّعاء بليد، القول بأنه إذا كان يجب أن تجري العدالة الاجتماعية في بدايات العصر الإنساني منعاً للظلم والنهب والقتل، فإنها قد أصبحت اليوم قديمة، فهذا هو عصر الذرة).

 

وأخيراً نقول: إنه على الرغم من مساهمة الثورة الإسلامية في إيران، في إبطال أساليب الدعاية العدوّة، لم يغفل الإمام عن إثارة الجانب الدعائي وضرورة التصدّي الحازم له، مثلما لم يغفل من قبل على التركيز على هذا الجانب, واعتباره على أنه مسؤولية ضخمة تقع على عاتق مسؤولي الدولة الإسلامية، إذ إنه كان يقول: (عليهم أن يوقظوا أبناء الأمة التي ركّزوا في ذهنها، خلال سنوات متطاولة، عدم إمكانية معارضة أميركا والاتحاد السوفياتي، ولازالت هذه الدعاية راسخة في الأذهان، يجب علينا أن نفهّم الشعوب بأن هذا الأمر ممكن؛ وخير دليل على ذلك ما حدث في إيران, لقد ملأوا اُدمغتهم بأنهم لا يمكن الحرب مع تلك القوى، ولا يخفى أن هذه الأمور هم الذين قاموا بإشاعتها عن طريق عملائهم داخل صفوف شعوب البلدان الإسلامية.

 

يتوجّب على الأشخاص الموجودين في البلاد الإسلامية ـ أولئك المعتقدين بالإسلام، والذين تنبض قلوبهم من أجل شعوبهم، ويريدون خدمة الإسلام، أن يقوم كل منهم ببعث شعبه من داخله؛ لكي تعثر شعوبهم بالتالي على ذواتها التي فقدوها، فإن الشعوب التي فقدت ذواتها، فقدت بلادها، وأنّ الأفكار التي رسخت في أذهانهم، والمتمثّلة بعدم إمكانية المقابلة مع القوى العظمى، وأنها سوف تعمل كذا وكذا، يجب أن تزال من أدمغتهم، أي يجب أن يزال من أدمغة الشعوب هذا (اللا ممكن) وإحلال( الممكن). كلا, فبالإمكان أن نعمل ذلك كاملاً)[4].

 

جاء ذلك في خطاب للإمام مع المشاركين في (مؤتمر القدس العالمي) وفي نداء له لحجاج بيت الله الحرام يقول الإمام:

 

(وتجسيد شعائر المواقف الكريمة، والمشاهد المشرّفة في بلدانكم، والخطوة الأولى تتمثّل في إزالة اليأس الذي عمل الشرق والغرب وعملاؤها على غرسه في قلوب المسلمين ونفوسهم، وجعلوا المسلمين يصدّقون بعدم إمكان استمرار حياتهم دون الارتباط بقوة كبرى، وإيران أثبتت حكومةً وشعباً في هذه الثورة العظمى تفاهة هذا الفهم وخواءه)[5].

 

هكذا يستوعب الإمام أساليب وصور الحرب الدعائية في سياق المواجهة القائمة، ويصنع أو يؤسس الأساليب المضادّة لها، بما يفرز ويبلور ثابتة مقاومة التخويف والتيئيس الدولي بصورة واضحة في خطابه الثوري.

 

الخطاب الثوري .. أساليب التحريك

 

لقد كان الخطاب الثوري للإمام يقوم على الهدف التحريكي للشارع الإسلامي, الذي يتكرر بألوان وأساليب متعددة, فتارةً يكون الأسلوب التحريكي لدى الإمام قائماً على التذكير بالواجب الديني لمقاومة الظلم؛ المتمثّل بالنظام السياسي العالمي الذي قام على أنقاض الكيان السياسي للمسلمين.

 

وتارةً ثانية يتمثّل الأسلوب, بتذكير العالم الإسلامي بإمكاناته الذاتية المادية والبشرية بما يؤهّله لإدارة المواجهة إدارة ناجحة.

 

وتارةً ثالثة يحاول الإمام أن يحرّك الساحة الإسلامية من خلال الطرق على أرشيف التجارب الفاشلة لقيادة الشعوب بالقوة، ونبش حالات الانتصار التي سجّلتها بعض الأمم والشعوب على القوى الكبرى.

 

وتارة رابعة يستقر أسلوب الإمام التحريكي على سرد متواصل لجرائم بعض الدول الكبرى ضد الشعوب, وعلى كشف متواصل لِما لا يمكن أن تستوعبه مدارك المُواطن العادي من حركة تآمرية غربية أو شرقية أو على عجز هؤلاء الكبار عن مواجهة أية ثورة.

 

وتارةً خامسة يأتي التحريك عبر مقاومة الاتّكالية كأحد الأمراض الاجتماعية الخطيرة.

 

وعلى رغم أنّ الجو العام في ظل السيطرة الاستكبارية على الشعوب ما كان يشجّع على العمل بهذه الأساليب بصورة متواصلة، على رغم ذلك بقي الإمام يطمح في أن تنجح أساليبه في تغيير الواقع الدولي, الذي كان سائداً قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران، ولقد حقق هذا الانتصار طموح الإمام، وتحوّل إلى مصداق من مصاديق نظريته في المواجهة، وواصل أساليبه تلك بعد الثورة، وكنموذج هنا يقول في حديثه بمناسبة عيد الأضحى: (أنتم أيها المسلمون تملكون كل شيء، وتملكون قوة الإسلام التي تفوق كل شيء وكل السلاح، كما تملكون الصحاري والبحار والبلاد الواسعة الغنية.. إنكم في غنى عن كل شيء, ولكن أكثر أبناء شعوبكم يفتقرون لكل شيء، إنّ كل هذا بسبب عدم تطبيقكم للتعاليم الإسلامية، وأنّ ثرواتكم التي يجب أن تصرف على المسلمين تعطى لغير المسلمين بثمن بخس)[6].

 

وفي نداء من نداءاته لحجاج بيت الله الحرام يقول الإمام:

 

(اعلموا أنّ قدرتكم الروحية ستتغلّب على جميع الطواغيت, وتستطيعون بعددكم البالغ مليار إنسان, وبثرواتكم الطائلة غير المحدودة أن تحطّموا جميع القوى، انصروا الله كي ينصركم، أيتها الجموع الغفيرة من المسلمين انتفضوا، وحطّموا أعداء الإنسانية، فإن اتجهتم إلى الله تعالى والتزمتم بالتعاليم السماوية فالله تعالى معكم)[7].

 

ومن خلال هذين النصّين يمكن القول:

 

أولاً:  إنّ الدعوة التي يوجّهها الإمام إلى الأمة؛ لكي تثور على واقعها المأساوي, لم تكن دعوة فارغة وغير محسوبة وغير موجّهة وغير واضحة في أرضيتها ومضامينها المبدئية والفكرية. بل إنها حركة في إطار الإسلام والانتماء إليه كهوية.

 

ثانياً:  إنه وبالإضافة إلى ما توفّره الحركة في إطار الإسلام من ضمانات ربّانية بالموفّقية والانتصار فإنه من الملاحظة المادية فإن الأمة تملك إمكانات الرفض الذاتية على القيود المفروضة عليها.

 

ثالثاً:  الواقع الاقتصادي والحياتي المتردّي الذي تعيشه الأمة يكفي وحده لأن يكون سبباً لإنطلاق الحركة الذاتية.

 

إنّ كل ذلك يندرج في إطار أسلوب واحد هو أسلوب التذكير بإمكانات الحركة المادية والبشرية، أما ما يبلور الأساليب الأخرى فيمكن أن تقف عليه من خلال النصوص التالية:

 

يقول الإمام في لقاء له مع وفد من كبار علماء الدين السعوديين: (إنّ قوة الإيمان هي التي نصرت جيشاً ضعيفاً على امبراطوريات العالم الكبرى، وجعلت ثلاثين شخصاً بقيادة خالد بن الوليد يغلبون ستين ألف مقاتل رومي. إنّ قدرة الإسلام هي التي حققت الانتصار.

 

وعلينا نحن المسلمين أن نحقق الانتصارات الإسلامية بقوة الإسلام، علينا أن نجاهد قوى الكفر بقوى إسلامية وندفع عن بلداننا شر الظالمين)[8].

 

ويقول في ندائه إلى الحجاج المسلمين في (ذي الحجة 1399هـ) ما يلي:

 

(يا مسلمي العالم!

 

ماذا دهاكم؟ لقد استطعتم في صدر الإسلام بعددكم القليل أن تحطّموا القوى الكبرى وتشيّدوا صرح الأمة الإسلامية العظيمة.

 

والآن أنتم تقاربون المليار إنسان وتمتلكون الثروات التي بمقدورها أن تشكّل أكبر حربة في مواجهة العدو أصبحتم أذلاّء ضعفاء!!).

 

وفيما يخص أسلوبه التحريكي القائم على عدم (قدرية) الدول الكبرى دائماً عن مواجهة قرارات الشعوب الرافضة, يقول الإمام في لقائه بمجموعة من الضباط العسكريين الباكستانيين العائدين من حج بيت الله الحرام يقول:

 

(في هذه المجابهة القائمة الآن بين كل الكفر والإسلام لا بين إيران وأميركا، على المسلمين أن ينهضوا ويثوروا ويحققّوا النصر في هذه المجابهة، وسينتصرون، وعليهم أن لا يخشوا من هذه الطبول الفارغة، أن لا يخافوا من أميركا باعتبارها قوى كبرى وقدرة شيطانية وقادرة على إبادة الجميع في يوم واحد!! هذه دعايات أميركا، لا تستطيع أميركا أن تفعل ذلك، لا تستطيع أن تبرز عضلاتها أمام المسلمين. العالم اليوم يدرك ما سيحدث في هذا الصراع)[9].

 

وفي إطار تحريك الحوافز الدينية ومسؤولية الواجب الديني في مقاومة الظلم والطغيان الأرضي ورموزهما الكبرى يقول الإمام في حديث له مع عوائل شهداء الدول الإسلامية التي شاركت في احتفالات الذكرى السنوية الثانية لانتصار الثورة:

 

(لقد كان المؤتمر مناسبة للإسراف والتبذير دون الاهتمام بالإسلام وأمور المسلمين، ألم يسمعوا الحديث النبوي الشريف الذي يقول: (من أصبح ولم يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم)؟.

 

هل اهتمّ هؤلاء بأمور المسلمين عندما اجتمعوا في دولة كانت مهبطاً للوحي ومكاناً لمبعث رسول الله ونبي الإسلام؟ هل اهتمّوا بالاعتداء الصهيوني على لبنان وفلسطين؟.

 

يجب على الشعوب نفسها أن تعطي أهمية للإسلام، فإننا يائسون من زعماء الأنظمة)[10].

 

إنّ أساليب التحريك لدى الإمام نجحت في الكثير من أهدافها سواء في إيصال الأحداث إلى نقطة الانتصار في الداخل الإيراني، أو في توظيف هذا الانتصار من أجل تفجير نقاط أخرى في الشارع الإسلامي شكّلت بدورها مصاديق جديدة لثابتة التحريك في خطاب الإمام الثوري.

 

فلقد انفجر هذا الشارع الإسلامي في لبنان ليسجّل لوناً خاصاً في المواجهة والمقاومة.

 

وانفجر في فلسطين المحتلّة ليسجّل لوناً آخر، وامتدّ إلى الشمال الإفريقي والى نقاط إسلامية وعالمية عديدة كوعي وصحوة.

 

ولا يمكن لأي مراقب أن يفصل ببساطة اتصال الانفجار الإسلامي في تلك النقاط عن تأثير خطاب الإمام، الذي أوصل الشعور إلى نقطة التفعيل والتأثير في الأوساط المحرومة والأمل بإمكانية مواجهة الكبار المسيطرين على هذا العالم وفرض إرادة أخرى إلى جانب الإرادة القائمة في إدارته سياسياً.

 

إنّ خطاب الإمام قاوم الاتّكالية السياسية كأحد الأمراض الاجتماعية وكلون أو كأسلوب تحريكي آخر، وأخيراً في هذا الإطار وكتتويج لهذه المقاومة يقول الإمام في وصيته.

 

(وصيتي للشعوب الإسلامية هي: أن لا تنظروا أن يأتيكم أحد من الخارج ليعينكم على الوصول للهدف ـ وهو الإسلام وتطبيق أحكامه ـ يجب عليكم أن تنتفضوا من أجل هذا الهدف الذي يحقق الاستقلال والحرية).