المقدمة

 

«إنّنا نعارض أي نوع من التدخل الأجنبي في تقرير مصير الشعوب الأخرى وبأي شكل كان وسنقف بوجه هذه التدخّلات.

 

* نأمل أن يبنى السلام العالمي على قاعدة استقلال الشعوب، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، ومراعاة أصل حفظ سيادة دول المنطقة على أراضيها.

 

* مبارك ذلك اليوم الذي تقطع فيه أيادي الأجانب عن بلدنا، وعن البلدان الإسلامية، ويحقق فيه المسلمون استقلالهم .

 

* سيكون عيد المسلمين مباركاً وسعيداً فقط عندما يحصلون على استقلالهم ومجدهم، كما كانوا عليه في صدر الإسلام.

 

* سعيكم نحو الحريّة والاستقلال نقش على جبين التاريخ.

 

* إيران اليوم مقر الأحرار».

 

من«الكلمات القصار»

 

مقدمة

 

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

 

الحرية هذه المفردة التي شغلت ولا زالت حيزاً كبيراً من اهتمامات المثقفين على مر العصور حتى وضعت على مرجل أوقدت تحته النار ولما تطفأ بعد بل تزداد نار النقاش والجدل تستعر. ونحن في هذا العصر الذي بالغ فيه الناس في الكلام والبحث والحوار حول موضوع الحرية. وعلى عهدنا نغترف من معين الإمام الخميني (قده) لنقدم شيئاً عن كلماته (قده) في الحرية وهو إمام أحرار هذا العصر؛ ولا ندعي أنا وفينا الإمام والموضوع وفق نظر الإمام حقه في البحث. وإنما هي إطلالة على كلماته وبشي‏ء من التحليل لعله يصل مفهوماً إلى أغلب الناس من جهة؛ ويشكل إطلالة أولية مختصرة لمن يريد البحث من جهة أخرى.

 

على أمل أن نكون قد وفقنا في ذلك.

 

هيئة التأليف والنشر

 

مركز الإمام الخميني (قده)

 

تمهيد

 

تعتبر الحرية من المطالب الملحة التي لازمت الإنسانية على مدى التاريخ، فهي من خصائص الإنسان الذي يحيا بالحس والشعور، ويتحرك بالفكر والإرادة، ويتمتع باستعدادات خصبة وقابليات شتى تؤهله لإحراز مقام الخلافة على الأرض.

 

والإنسان يسعى غريزيا كي يكون حراً في شتى الميادين. فيبحث عن حريته في الميدان المعنوي بإزالة العوائق من طريق قابلياته واستعداداته، وفي الميدان الفقهي بإبراء ذمته من التكليف والعقاب والمسؤولية، وفي الميدان الاجتماعي بإزالة الموانع التي يتسبب بها الآخرون من بني نوعه، وفي الميدان الفلسفي برفض كل ما يسلب حريته وإرادته واختياره من الأساس، وفي الميدان التاريخي برفض قانونية التاريخ وهيمنته على مصيره، وفي الميدان الطبيعي والمادي برفض جبرية قانون العلية وهيمنته على إرادته، وفي الميدان الحقوقي برفض مبدأ الاسترقاق والاستعباد، وهكذا تتفرع موارد الحرية وتتشعب تطبيقاتها من دون أن يعني ذلك اختلاف مفهومها بحسب الموارد المختلفة، بل هي باقية على مفهومها اللغوي والعرفي، فالحرية هي عدم القيد والأسر، وبهذا المعنى ورد استعمالها في النصوص الإسلامية.

 

أهمية الحرية

 

من وجهة النظر الإسلامية، خلق الله الإنسان مفطورا على قابليات كثيرة وغرائز متعددة، منها غريزة الحرية، و هذه الغريزة تدفعه إلى التفلت من كل قيد.

 

وفي جهة التشريع يوجد في الوسائل باب بعنوان: (أن الأصل في الناس الحرية حتى تثبت الرقية بالإقرار).

 

وفي المروي عن الإمام علي (ع): «أيها الناس إن آدم لم يلد عبدا ولا أمة، وإن الناس كلهم أحرار»[1].

 

وهذا يعني أن الحرية  بأي معنى فسّرت  هي قدر الإنسانية المتدينة وغير المتدينة.

 

ويبقى أن للدين أولوية تسبق الحرية، لأنه يقوم بترشيد الحرية وتفسيرها.

 

أ - الحرية هبة الإسلام:

 

وفي الحقيقة فإن الحرية لا يمكن أن تتوفر إلا في ظل النظام الإسلامي، ومن خلال أحكام الإسلام نفسه، «لقد حرركم الإسلام؛ حرر المرأة والرجل فالجميع أحرار»[2].

 

وكل حرية لا تكون نابعة من الإسلام فهي حرية موهومة لا ضمان لها: «إنّ القانون الإسلامي هو الذي يعطي الحريّات والديمقراطية الحقيقية، علاوة على ضمانه استقلال الدول»[3].

 

فالإسلام هو الضمانة للحرية، وينبغي أن نقدر هذه الحرية وهذا الإسلام العظيم: «الإسلام هو الذي وهبنا الحريّة، فلتقدّروا هذه الحريّة وهذا الإسلام حق قدرهما»[4].

 

والحرية التي لا تنطوي على الإسلام هي حرية مزيفة، «إنّنا نرفض الحريّة التي لا تنطوي على الإسلام»[5].

 

كما أن الإسلام الذي لا ينطوي على الحرية والعزة هو إسلام مرفوض: «إذا كنا نريد السير بالإسلام قدما، فلا بد لنا من رفض العبوديّة للغير»[6].

 

ب - الحرية نعمة وتكليف إلهيين:

 

بل إن الإمام (قده) ينظر إلى الحرية باعتبارها من نعم الله الكبرى التي أنعم بها على الإنسانية: «الحريّة نعمة إلهيّة كبرى»[7].

 

ولذلك فهي أمانة إلهية: «الحريّة أمانة إلهيّة جعلها الله من نصيبنا»[8].

 

وينبغي أن نقوم بهذه المسؤولية خير قيام: «منّ الله عليكم بنعمة الحرية واختبركم بهذه الحرية ليرى ماذا تفعلون بها؟ هل تكفرون بنعمة الله وتنزلون العذاب على الناس من خلال حريتكم؟ أو أنكم تشكرون هذه النعمة وتستفيدون من هذه الحرية أفضل استفادة؟ إنني اشعر بالمسؤولية لأقول هذا الكلام لكل مجموعة تأتي لان المشكلة هي هذه»[9].

 

ج - الحرية طريق التمدن والتحضر:

 

فالحرية تكليف ديني وإنساني، وحق لا يجوز للإنسان إن يتنازل عنه بدون مبرر، بل يجب أن يكافح الإنسان لأجل الحفاظ على هذا الحق: «إنّنا سنتحمل المصائب من أجل أن ينال شعبنا الحرية والاستقلال»[10].

 

والحرية شرط ضروري وأولي لكل أشكال التمدن والرقي: «تحرر الشعب ... أوّل مرتبة من مراتب التمدّن»[11].

 

وفي المقابل فإن كل انحطاط يصيب الإنسان يعود سببه إلى انتزاع الحرية منه: «إنّ السبب في انحطاط الإنسان وسقوطه يكمن في انتزاع حريّته وجعله يستسلم أمام الآخرين»[12].

 

تحذير

 

ولكن لا ينبغي الخلط بين هذا، وبين ما يدعيه البعض من أن الحرية حق أصيل، ويعنون بذلك أنها حق ذاتي غير قابل للسلب، ولذا لا يحق لأحد سلبها عن احد  وهذا غير صحيح، فان الكثير من الباحثين اعترفوا بضرورة تقييد الحرية بجملة من المقيدات، وهذا اعتراف ضمني منهم بان الحرية قابلة للتقييد والتوسعة، وإلاّ فلو كانت الحرية ذاتية فلا يملك احد أن يقيدها. لأن من لا يملك حق الإعطاء لا يملك حق التقييد، وكما قيل: ( من يملك الجعل والوضع يملك الرفع ).

 

بل أنّ الذين يتجلببون زورا بلباس الحرية ويتغنون بها وبأصالتها هم يعملون في الحقيقة على سلب حرية الناس باسم الحرية.

 

«يريدون سلبكم الحريّة باسم الحريّة، فيعطونكم حرّية مشوّهة، ويسلبونكم الحريّة الحقيقية»[13].

 

الحرية حق إنساني‏

 

من وجهة النظر الإسلامية، فإن حقوق الإنسان، كحق الحرية، تستمد من طبيعة الهدف والغاية التي ينشدها الإنسان في وجوده وبحسب طبيعته التكاملية، وهذه الغاية تنبع من الله (مبدأ العلة الغائية). ويتفرع عن ذلك أنّ الحرية العامة صحيحة إذا كانت تعني عدم وضع العراقيل والعقبات أمام القابليات البشرية. أما الحرية التي تحول دون تكامل الإنسان فهي حرية زائفة، ومرفوضة، بل يجب مكافحة الحرية التي تعني الانحراف وتشجع على الفساد.

 

«يجب الوقوف بوجه الحريّات المفسدة»[14].

 

ومن جهة ثانية فان الحرية ميزة يختص بها الإنسان دون سائر الكائنات، ولهذا يرى الإمام الخميني (قدس سره) أن الحرية حق مشاع للجميع مهما كان الانتماء الديني: «القانون أيضا اخذ بعين الاعتبار حقوق جميع الطبقات وحقوق الأقليات الدينية، وحقوق النساء وبقية الفئات والطبقات. لا يوجد في الإسلام فرق بين جماعة وأخرى. التمايز بالتقوى فحسب»[15].

 

وفي مجال حرية الأقليات الدينية، «إن جميع الأقليات الدينية في الحكومة الإسلامية يمكنها القيام بجميع فرائضها الدينية بحرية والحكومة الإسلامية مكلفة بحماية حقوقهم على أفضل وجه»[16].

 

وأيضاً: «أعطى الإسلام حرية للأقليات الدينية أكثر من بقية الأديان والمدارس ويجب عليهم أيضا أن يتمتعوا بحقوقهم الطبيعية التي جعلها الله لجميع الناس أننا نقوم بحمايتهم على أفضل وجه وان الشيوعيين أحرار في ظل الدولة الإسلامية في بيان عقائدهم»[17].

 

وعليه، فلا طبقية في الإسلام ولا اضطهاد.. بل الجميع ينعمون بحماية النظام الإسلامي ويمارسون أعمالهم بكامل حريتهم: «الإسلام لا يعرف الاضطهاد، ويمنح الحرية لجميع الطبقات، للمرأة والرجل والأبيض والأسود. من الآن فصاعداً ينبغي لأبناء الشعب أن يخشوا أنفسهم لا الحكومة.. أن يخشوا أنفسهم لئلا  يرتكبوا خطيئة»[18].

 

قيمة الحرية

 

بنظر الإسلام، فان كل عامل يسهم في سعادة الإنسان الواقعية فهو يحظى بقيمة عالية، والعوامل التي تسهم في سعادة الإنسان تارة تكون عوامل ايجابية وأخرى سلبية، وتعتبر الثقافة والتربية من العوامل الايجابية هنا، بينما تعتبر الحرية من العوامل السلبية، لأنها ليست سوى عدم وجود العائق أمام سعادة الإنسان، فالحرية ليست هدفا يطلب لذاته، وإنما هي عدم مانع، فهي وسيلة لا أكثر، وحيث أنهّا لا تعتبر من مقتضيات السعادة المباشرة لذلك تعد قيمتها من الدرجة الثانية. فالحرية هي صفة للسلوك والقدرة اللذين هما في حد ذاتيهما وسيلتان أيضاً، وإذا كانت وسيلة فهذا يعني أنّ قيمة الحرية تكتسب من الهدف، والاختلاف في قيمة الهدف سيؤدي إلى الاختلاف في قيمة الحرية.

 

والإصرار على إعطاء الحرية قيمة قصوى اليوم، ليس بسبب أنها تحظى بذاتها على مثل هذه القيمة، وإنما بسبب أنها باتت عملة نادرة قلما حصل عليها الإنسان على مر التاريخ، فالحرية تمهد الطريق للتكامل بإزالة العوائق، ويبقى أن نملأ الفراغ لنحصل على السعادة من خلال الحب والإخاء والتسامح وغيرها من عواطف وقيم إنسانية، أما إذا اكتفينا بالحرية فلا نكون قد حصلنا على شي‏ء.

 

وقد يطرح البعض سؤالاً: وهو انه إذا كانت قيمة الحرية من قيمة الهدف الذي تهيئ له، فهل معنى ذلك انه مع انعدام الهدف لا يعود هناك حاجة للحرية؟ ألا يسعى الإنسان إلى الحرية بمعزل عن الهدف، وبعبارة أخرى، أليست العبودية مما ينفر منه الإنسان بحسب طبعه ويهرب منه؟؟

 

الجواب: هذا الكلام صحيح، لأن في العبودية ذل.

 

فالإنسان لا يحب الذل والخنوع والخضوع وسلب إرادته، لأن ذلك على خلاف غريزته. ولكن هذا لا يعني أنّ كل حرية فهي مطلوبة أو أنّ كل عبودية مرفوضة حتى ولو لم يكن فيها ذل، أي انه لا يعني أنّ الحرية كمال بذاتها وعلى كل حال، وقد يفضل الإنسان العبودية على الحرية حين تسمو به العبودية إلى مستوى لا يحصل عليه من خلال الحرية، كما في قصة زيد بن حارثة، فقد سبي في الجاهلية وبيع في بعض أسواق العرب، فاشتري لخديجة، ثم وهبته خديجة للنبي (ص) قبل أن يبعث وهو ابن ثماني سنين، فنشأ عند النبي (ص)، وبلغ الخبر أهله فقدم أبوه وعمه مكة لفدائه فدخلا على النبي (ص) وقالا: «جئناك في ابننا عندك فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه! فإنا سنرفع لك في الفداء. قال (ص): من هو، قالا زيد ابن حارثة فقال رسول اللّه (ص) فهل أنتم لغير ذلك فقالا: ما هو قال (ص) دعوه  فخيروه فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من أختارني أحداً. قالا: زدتنا على النصف وأحسنت. فدعاه رسول الله (ص) فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم! قال (ص): من هما؟ قال: هذا أبي، وهذا عمي! قال: فأنا من قد علمت ورأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما. فقال زيد: ما أريدهما ما أنا بالذي أختار عليك أحداً، أنت مني بمكان الأب والأم! فقالا: ويحك يا زيد! أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟ قال: نعم، إني قد رأيت من هذا الرجل شيئاً ما أنا بالذي أختار عليه أحداَ أبداً»[19].

 

فعبودية زيد في كنف النبي (ص) أفضل وألذ من حريته في كنف أهله وعائلته.

 

ولعل هذا يلقي الضوء كيف أن التعبير عن الحرية في الروايات كان في كثير من الأحيان متلازما مع العبودية لله تعالى.

 

 حدود الحرية

 

الحرية المطلقة!

 

قسموا الحرية إلى مطلقة ومقيدة. والمقصود من الحرية المطلقة رفض أي نوع من أنواع القيود، فلو خلي الإنسان وهواه لاختار التفلت من كل قيد. والمراد من الحرية المقيدة الحرية بلحاظ بعض القيود.

 

ومع أنّ الدين الإسلامي لاحظ مسألة الحرية في كل تشريعاته إلا انه رفض الحرية المطلقة لأنها تعني انحدار الإنسان من رتبته الإنسانية إلى الرتبة الحيوانية. فهل يمكن أن تشكل الحرية مبرراً للتآمر والإفساد مثلاً؟!

 

«إننا ومنذ اليوم الأول الذي تحققت فيه ثورتنا كانت جميع الحريات موجودة في إيران فنحن سمحنا لجميع الفئات ولم نمنع أحدا لكن المؤامرات بدأت عندما وجدوا أنفسهم أحراراً إذ بدأت الأقلام بالتآمر لحرف مسيرة الشعب وهؤلاء كانوا نفس الأشخاص المرتزقة عند الملك السابق أو مرتزقة أمريكا وأمثالها وأرادوا من خلال ذلك حرف نهضتنا وتمكنا بعد خمسة أشهر من إعطاء الفرصة للجميع من العثور على المتآمرين، قلنا لتلك الأقلام المتآمرة والتي كانت تريد عودة الأجنبي للتسلط علينا مرة أخرى أن تكف عن عملها وقدمناها للمحاكم لنرى من هم هؤلاء ووجدنا بعد التحقيق أنّ أكثرهم كانوا مرتزقة لإسرائيل وكانوا أبواقا لأمريكا لكن بصورة أخرى وان من حق الشعب أن يمنع الذين يريدون التآمر عليه وحرفه وإعادة الأمور السابقة وإلاّ فان شعبنا يؤيد الحرية ويؤيد كل أنواع الحرية إلاّ انه لا يؤيد التأمر ولا يؤيد الفساد»[20].

 

بل أنّ الحرية لا تكون إلا مقيدة ، ويستحيل وجود الحرية المطلقة، لأن كل حرية تستدعي قيدا. فقد كان النبي يوسف (ع) عبدا من حيث الجسد، ولكنه كان سيدا من حيث الروح، وبمقتضى كونه سيدا رفض الانصياع لإغراءات امرأة العزيز، لان الانصياع لها يفضي إلى عبودية الروح.

 

ولكن رفض العبودية تلك يستلزم عبودية من نوع آخر: «قال رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه»[21]. فكل حرية تستدعي قيداً.

 

فإذا أراد الإنسان أن يعيش في مجتمع يحتكم لنظام الإسلام، فلا بد أن يتقيد بالقوانين التي يستلزمها هذا النظام، بل أنّ التقيد بالنظام يدل على الرقي والتمدن وليس على التخلف والاستعباد.

 

«جميع أبناء الشعب أحرارا في الأفعال السليمة، في الذهاب إلى الجامعة، وفي أي عمل سليم تمارسونه.. ولكن إذا ما أراد أحد أن يرتكب عملاً مخالفا للعفة، أو يلحق ضرراً بمصالح الشعب، أو يسيء إلى السيادة الوطنية، فأننا سنقف في وجهه، وان موقفنا هذا يدل على الرقي»[22].

 

كما أنّ أي هدف يسعى إليه الإنسان في الحياة، فمن البديهي أن يقيد حريته ورغباته بما يحقق هذا الهدف، ويتناسب معه، فإذا أردنا أن نتحرر من ذل الجهل فعلينا أن نلتزم بقيود العلم. وبالتالي لا بد أن تُفهم الحرية على أساس رفع القيود التي تشكل مانعا دون تحقيق الهدف، حتى وان كان ذلك لا يتم إلا عبر تشريع قيود. وهذه ميزة أساسية من مميزات الحرية فإنها رفع قيد بوضع قيد آخر. فقد نهض أبو الأحرار طالبا للحرية ولكن كان من نتائج ذلك أن دخلت أسرة الحسين (ع) في الأسر والسبي، فهؤلاء أعطوا وجودهم لخدمة الإسلام وتحرير البشرية.

 

«ينبغي أن لا يغيب عن الأذهان، أن في الشرق ثمة محدوديات للرجال أيضاً، وهي لمصلحة الرجال أنفسهم. فالإسلام يحرّم ممارسة الأفعال التي فيها مفسدة للرجل، كالقمار، وتناول الخمور والمخدرات، لأنها مقرونة بالمفاسد، فهناك محدوديات للجميع، شرعية وإلهية. محدوديات لمصلحة المجتمع نفسه، لا أن يمنع الإسلام عن أشياء ينتفع منها المجتمع»[23].

 

ومهما يكن، فمن حقنا أن نرفض الحرية المطلقة، بمقتضى كوننا أحرارا، وبالتالي فان الحرية المطلقة تصادر نفسها بنفسها. فلا يلزم من تقييد الحرية انتفائها بل يلزم من إطلاقها انتفائها.

 

حدود الحرية

 

تختلف نظرة الإسلام لمفهوم الحرية عن المفهوم الغربي لها، ففي حين اعتبرت الحرية ناشئة من الكرامة الذاتية للإنسان في الغرب. يرى الإسلام إنّ هذا الاعتراف يصطدم بسؤال لا جواب له: لماذا كان الاعتراف بهذه الكرامة هو الأساس للحرية والعدل؟

 

إنّ احترام كرامة الإنسان الذاتية بمنأى عن الهدف التكاملي للإنسان القائم على أساس مبدأ التوحيد، يتفرع عنه ضرورة احترام ميول الإنسان ورغباته وما ينتخب من أفكار وآراء بشكل مطلق.. فبحسب هذا المبدأ لا بد من احترام كل عقيدة يؤمن بها الإنسان، ولو كانت أتفه العقائد واشدها اهانة للإنسان، كالخضوع أمام الحجر وعبادة البقر. هذه الحرية لا يقرها الإسلام.

 

ومن جهة ثانية لا معنى للقول بأن الحرية ليس لها حد سوى حرية الآخرين، لأن هذا سوف يفضي إلى فتح الباب على مصراعيه بدون مبرر. فالإنسان ليس حرا في أن يتسافل حتى ولو لم يؤدّ ذلك إلى الإضرار بحرية الآخرين، بل أنّ تكليفه أن يختار التكامل الذي تفرضه طبيعته بإرادته، ولا بد من توفير متطلبات الإرادة والاختيار والحرية من خلال عدم وضع العوائق التي تحول دون تكامله.

 

فالناس أحرار في كل شي‏ء طالما أنّ هذه الحرية لا تحول دون تكاملهم أو تؤدي بهم إلى الانحراف والهلاك: «الناس أحرار ولا  ولن  يقف أحد بوجه حريّتهم، إلا إذا أدّت بهم الحريّة إلى الفساد والضياع، أو أدى ذلك إلى تخلّف الشعب»[24].

 

وإن إفساح المجال للآخرين إلى التهتك والانفلات ليس من الحرية في شي‏ء: «الإسلام فيه حرّية أيضاً، لكنها ليست حريّة التهتّك والانفلات، فنحن نرفض الحريّة بالمفهوم الغربي»[25].

 

بل أنّ الحرية بالمفهوم الغربي هي وسيلة الغرب إلى إفساد مجتمعاتنا وشبابنا: «(الحريّة المستوردة) هي التي جرّت أبناءنا إلى الفحشاء»[26].

 

ولهذا يرفض الإسلام هذا النوع من الحرية الباطلة: «الإسلام والعقل يرفضان الحريّة بشكلها الغربي، الذي يجرّ الشبان اليافعين والفتيات إلى الفساد والضياع»[27].

 

ولا شك أنّ الحرية بالمفهوم الغربي تؤدي إلى نتائج وآثار مدمرة ولا تخلو عن قصد سيء ونية مبيتة، »لنعلم جميعا أنّ الحرية على الطراز الغربي تؤدي إلى تدمير الشبان فتيات وفتية و