الإمام الخميني رجل القرن الحادي والعشرين

 

الإمام الخميني رجل القرن العشرين، ورجل القرن الحادي والعشرين. وعندما نقول: رجل القرن الحادي والعشرين؛ فإننا نحاول هنا أن نقرأ هذه المقولة عبر شقّين من الحديث عن حياة الإمام السياسية وما اتخذته من صبغة استراتيجية أو بالأحرى محتوى استراتيجي.

 

شق يتمثل بما أثبتته الأحداث من رؤى سياسية للإمام، وشق ثانً يتصل بما توقّعه الإمام لمستقبل المسيرة الإسلامية، سواء ما يتعلق منها بجانب الصراع مع القوى الكبرى, أو ما يتعلّق بمستقبل المنطقة الإسلامية ذاتها.

 

والمهم هو أن نقول أيضاً: إن الإمام سرّب هذه الرؤية عبر مجموعة من القرارات والمواقف التي تشكل فهماً ثورياً في العمل السياسي وإدارة الأمور السياسية مع قوى الكفر والاستغلال والهيمنة، وأن الهم المرجعي والهم الحوزوي وإعطاء الدروس وما تحتاجه الدراسة الفقهية من وقتٍ وتفرّغ لم تمنع الإمام من أن يواكب الحركة السياسية في إيران والمنطقة الإسلامية، والعالم برمّته. بل لعلّ الإمام يذهبُ إلى أبعدَ من حد الاهتمام في الأمور السياسية.. إنما هو يعتبرها الهدف الأساسي للإسلام كرسالةٍ في أبعادها الاجتماعية والكونية والإدارية.. وكنظام جاء به الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن بعده الإمام علي (عليه السلام) ومن هنا فإن الإمام الخميني أعطى المعنى الحقيقي لدور المرجع في استنطاق النص الفقهي، وتوظيف هذا النص في بناء هيكل الرسالة الإسلامية العام.

 

وقبل أن نبدأ رحلة الاستشراف ببعدها الفكري والسياسي الاستراتيجي، لابدّ من القول: إنّ هنالك العديد من الرموز العلمائية التي لعبت أدواراً سياسية مهمةً، إلا أنها لم تستطع أن تؤدي الدور الذي أدّاه الإمام, ولم تستطع أن تنقذ الإسلام من المؤامرات الكبرى التي حيكت إزاءه، كما لم تستطع أن تؤسس للإسلام الثوري السياسي الذي أصبح اليوم جزءاً من معادلة الصراع العالمي القائم.. وأخيراً فإنها لم تستطع أن تستشرف الأفق كما استشرفه الإمام، وحدد ملامحه في أكثر من تصريح ومناسبة ومكان، فبماذا إذاً؟ بماذا انفرد الإمام عن الآخرين في القيم السلوكية والتكوين والرؤية حتى استطاع أن ينجز ما أنجز، ويؤسس ما أسس من صروح للإسلام السياسي في هذا العالم؟

 

لاشك أن هذا السؤال هو بدرجة من الصعوبة، بحيث لا يمكن لأحد ببساطة أن يحيط بكامل الصفات التي كوّنت الإمام كظاهرة وخط, إلا أننا نحاول هنا أن نحدد بعض الجوانب المهمة التي ميّزت الإمام عن غيره.

 

أولاً: إذا تأمّلنا في ما قاله في يوم من الأيام، وذلك عندما اعتقلته قوات السافاك التابعة لنظام الشاه السابق، إذا تأمّلنا قول الإمام: (إنني لم أعرف معنى للخوف في حياتي) أدركنا أن هذا الرجل هو ليس كغيره من الرجال، فغالباً ما يكون الخوف سبباً مهماً من أسباب اللجوء إلى المساومة أو الانسحاب من ساحة الأحداث، أو التلكّؤ في المسيرة الثورية. وغالباً ما يُغلّف هذا الخوف بألف مبرر ومبرر من مبررات المصلحة العامة التي تنتهي فيما بعد إلى توقف المسيرة الثورية.

 

وقد كان الإمام الخميني يعي مخاطر هذا النقص النفسي لا سيّما في الدائرة القيادية... لذا نراه في معظم دروسه ومحاضراته يُركّز عليه كمرضٍ وطرفٍ في معادلةٍ يتشكّل على طرفها الآخر الخوف من الله، فمن يخشى الله لا يخشى غيره.

 

ولعلّ الإمام يُبحرُ بمعاني ودرجات هذه الخشية من الله بالشكل الذي يعطيه صفة خاصة ويبلور لديه قدرةً داخليةً على قول الحق وملاحقته، وقدرة تصميم خارقةً على أداء مسؤوليته كإنسان أولاً، وكعالم دين ومرجع ثانياً. وبالتأكيد أن كل ذلك نابع من قوة روحية داخلية هائلة تجعله ينظر إلى المواجهة لا بموازين القوى المادية الظاهرة فقط، إنما بالموازين المادية والمعنوية الإلهية، وهذه الموازين المعنوية هي الحاسمة النهائية في تقرير شؤون الكون> إن الله لا يُغيّرُ ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم<[1].

 

ثانياً: إن الإمام ومن خلال معظم خطاباته وأقواله كان قد شخّص طبيعة المواجهة مع القوى الكبرى، فهذه القوى لا علاقة لها بالإسلام كدين فردي وعبادات وطقوس ومسائل فقهية تتعلق بالطهارة والسلوك الخاص، إنما هي عملت لقرون عديدة من أجل إزاحة الإسلام السياسي عن الحياة الإسلامية، تارةً بالحروب، وتارة أخرى بطرح بدائل(إسلامية) كالإسلام الشكلي، والإسلام الرسمي، الذي يُذكر في الأعياد والمناسبات، وتارة ثالثة بزرع تيارات فكرية وسياسية في المنطقة تُنظّر لفصل الدين عن السياسة، وتارة رابعة بإثارة النعرات الطائفية والعنصرية وترويج الطروحات القومية، كل ذلك بغية سلب الإسلام مضمونه الكوني والسياسي والإداري والحضاري وإبقائه كامناً في العبادات الفردية.

 

هذا العمل التاريخي الطاغوتي نجح في عزل الإسلام السياسي عن مسرح الحياة، وجرّد هذا الإسلام عن كياناته المركزية التي تمثّلت آخر أشكالها بالدولة العثمانية، كدولة مركزية للمسلمين، وبالتالي مزّق العالم الإسلامي إلى مجموعة أجزاء متناحرة، ووضع داخل كل جزء عدداً لا ينتهي من الأزمات المؤجّلة وربط عجلة اقتصاد هذه الدول والأجزاء بسياسة النهب الدولية المُنظّمة لثروات العالم الإسلامي.. نجح إذاً المخطط الدولي التاريخي حيال الإسلام، ليجد العالم الإسلامي نفسه فيما بعد مشلول الإرادة أمام قوة التغيّرات العالمية التي انتهت لغير صالح الإسلام، فمن يا تُرى قادرٌ على أن يشخّص المواجهة بهذه الخلفية، ويمتلك المقوّمات وما تحتاج إليه مسيرة الإنقاذ من جرأة وعناد ثوري؟

 

ثالثاً: شخّص الإمام هذه الخلفية ووضع على أساسها أولويات أهداف الحركة الثورية، كما سعى في الوقت ذاته إلى تحديد ملامح المنهج الحركي الثوري، والذي يقرأ سيرة الإمام الخميني يكاد لا يرى حديثاً من أحاديثه وقد أسقط عنه هذا المعنى المرتبط بعلاقة الدين بالسياسة.. ويكاد هذا المعنى يشكّل الركيزة الدائمة فيما يقول عن الإسلام، والدين، والثورة، والواقع، والغزو الفكري، والثقافات المستوردة.

 

إذاً سبقُ التشخيص والإصرار على إثارته خلال سبعين عاماً من حياة الإمام الخميني السياسية، هو من الأمور الحيوية والمصيرية التي انفرد بها هذا الرجل العملاق، إذ إنه في النهاية، استطاع أن يعطي الإسلام مضمونه السياسي والحضاري، واستطاع أن يهزم جهود مئات من السنين التي بذلها الأعداء بغية تحقيق هدفهم المشؤوم.

 

لازال الإمام هو ذلك اللغز المحيّر الذي تدور كل دوائر الاستكبار العالمي لاستنطاق أسراره وكوامن قوّته الروحية والنفسية والوجدانية, التي استطاعت أن تتحدى النظام الدولي القديم، وأن تُربك كبار هذا العالم، وأن تعرقل قيام النظام الدولي الجديد.. إذ لازال هذا النظام لم يتشكّل حتى الآن، ويراد له أن يقوم على أنقاض تراث الإمام من الحركة الثورية السياسية للإسلام التي قادها هذا الراحل العظيم بعنفوان قلّ نظيره، وبتحد تحوّل فيما بعد إلى مدرسة ثورية في المقاومة، تجد مصاديقها الثورية في شتّى أرجاء العالم الإسلامي، بل وفي شتّى أرجاء المعمورة الباحثة عن حرية الإنسان المسحوقة بعجلة الظلم الدولي.

 

وعودة إلى ما قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران هي أكثر من ضرورية الآن لبلورة المنهج الثوري للإمام, والوقوف على المحطّات الاستشرافية التي أفرزها الإمام بحسّه السياسي الدقيق.

 

يقول الإمام: (تاريخ إيران ومنذ الحركة الدستورية لم تشهد أعضاء برلمان كهذا، إذ ينسبون الهجمة والوحشية لأبناء أذربيجان المؤمنين المحترمين، نعم إنّ برلماناً يُعدّ من قِبَل الشاه يجب أن لا يُتوقّع من أعضائه غير هذا. اليوم اجتمعت هتافات الجماهير في كافة الأزقة والطرق (الموت للشاه) وسوف لن يستطيع أي شخص أن يثني عزيمة الشعب للإطاحة بالشاه الذي هو بحق سبب كافة الجرائم والانتهاكات اللامشروعة)[2].

 

وفي هذا النص يبدو الإمام وكأنه يتجاوز حدود تقرير حقيقة النصر الإلهي، حتى وإن تحالفت هذه القوى، ومارست ما تستطيع ممارسته من بطشِ وقتلٍ وإرهابٍ وحيل سياسية ماكرة. وبالإضافة إلى البعد الاستشرافي لذلك النص، فإنه يعبّر بوضوح عن بعض ملامح منهج الإمام السياسي، في العمل، والمسيرة الثورية، فالإمام كان يعي من الناحية السياسية أهداف كل الأساليب الداخلية والخارجية التي يُراد لها أن تحول دون تحقيق النصر، ففي محاولات متكررة وعديدة للهروب من استحقاق الهزيمة أمام المدّ الثوري الإسلامي كان النظام الإيراني السابق والبائد قد لجأ إلى تحريك ورقة البرلمان في البت في الأحداث الداخلية؛ بغية إعطاء قراراته طابعاً دستورياً وقانونياً، ولم يألُ الإمام جهداً في كشف ألاعيب النظام، ووضع النقاط على الحروف، وتحليل خطواته ساعةً بساعة ويوماً بيوم.. أي: إن الإمام كان يخوض تفاصيل المعركة السياسية بعقل تحليلي بارع مدرك لأساليب العدو، ويضع من خلال خطاباته وبياناته الثورية، الخطوط العريضة لحركة الثورة وبما يُحبط أساليب الأعداء، ويحول دون تحقيق مؤامراتهم، ويصون الثورة من الانحراف عن خطّها الإسلامي.

 

وعلى صعيد الأساليب العدوة لم يقاوم الإمام لعبة البرلمان، إنما لاحق المكر الشاهنشاهي بكل أشكاله، وبما يُعجّل تحقيق الانتصار الثوري، ففي الوقت الذي سعى فيه نظام الشاه إلى الإطاحة بالثورة عبر سياسة شقّ القوى الثورية، ومدّ يده إلى التفاوض مع بعض القوى المساومة فقد وقف الإمام لهذه المحاولة الجديدة بالمرصاد رافضاً أي شكل من أشكال التفاوض، وعازماً على مواصلة المسيرة الثورية دون أن يقع ضحية الخوف أو الإغراء. فردّ على الدعوات التي انطلقت بضرورة التفاوض مع الشاه فقال الإمام: (إن أمة الإسلام وأمة إيران لم ولن تتفاوض مع هذا الرجل مطلقاً، كل من ينادي بالمفاوضة هو خائن وعميل، وإن ما نادت به بعض الأحزاب فيما يتعلق بتطبيق الدستور ما هو في الحقيقة إلا دعوة لتثبيت أقدام الشاه وهذه هي الخيانة بحد ذاتها، يجب على دعاة تطبيق الدستور أن يعيدوا النظر بقوانينه التي فرضت بحد السلاح والقوة، وكما قال أحد كبار السياسيين: إن الإيرانيين أمام طريقين اثنين: إما الحرية وإما الشاه، ولكن الشعب سوف يختار الحرية, وسوف يطيح بالشاه بعون الله).

 

هذه الـ(لا) الخمينية القوية لمقولات(الإصلاح) ولتفعيل البرلمان ولدعوات التفاوض، ولعشرات الحيل التي لجأ إليها الشاه في أيامه الأخيرة، هي (لا) نابعة من وعي سياسي كبير بما يحاك للثورة من مؤامرات.. إنها (لا) تُعبّر عن شكلين من أشكال العقلية الثورية..

 

وهما: العقلية الثورية المرحلية، والعقلية الثورية الاستراتيجية، ففي الأولى ـ أي المرحلية ـ غالباً ما تنتهي قيادة أي حركة ثورية إلى نكسات على المدى البعيد، حتى وإن حققت امتيازاً مرحلياً ومؤقتاً، وحتى وإن حصلت على بعض المكاسب الشكلية، فهذه الامتيازات والمكاسب سرعان ما يُطاح بها عندما يخف الزخم الثوري وتُفكّك مفاصل الثورة، ويجري استيعاب الفعل الثوري عبر أساليب إغرائية متعددة، وعندها يكون الخصم قد انتصر على أساس من سياسة المكر والخديعة والإطاحة بالأطر، وما أكثر الحركات والحالات الثورية تاريخياً وآنياً التي راحت ضحية هذه السياسة وسقطت في مطبّات الأهداف المرحلية.

 

وفي مقابل هذا المكر السياسي الساعي إلى إسقاط الثورات في مطبّ الأهداف المرحلية مما يغيّر طريقها، ويبّدد زخم الثورة، هنالك العقلية الثورية الاستراتيجية التي تحسب شروط مرحلة الثورة بدقةٍ، وتسعى من خلال ممارستها الثورية إلى تحديد ثوابت وملامح المنهج الثوري الأصيل الذي لا يسقط في فخ المرحلية، إنما هو يستوعبها ويؤسس عليها أهدافه الثورية البعيدة، هكذا مارس الإمام الخميني مسؤولياته الثورية، مارسها في إطار الوعي والتحليل الدقيق للأهداف والطروحات التي يواجه بها الخصم المد الثوري، فهو عندما يرفض التفاوض مع نظام الشاه، فلأن هذا التفاوض جاء في غير مرحلته كشعار، وجاء في غير زمنه بما يعبّر عنه من نوايا، وبالتالي فإن الانجرار وراءه، يعني انجراراً وراء أهداف عدوةٍ صمّمت ورسمت مساره وتسعى إلى تسويقه من أجل الإطاحة بحركة الثورة الإسلامية.

 

إن المرور ولو سريعاً على أحداث ما قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران يساعد كثيراً على إدراك رؤية الإمام، وقدراته التحليلية، وتشخيصاته الفكرية والسياسية، وتلك هي مفردات ما نسعى إليه تسليط الضوء عليه.. مفردات لعنوان الاستشراف الكبير، أو لعنوان الأفق الاستراتيجي الذي يطبع حركة الإمام الثورية في محاور العمل الأساسية أو في التفصيلات.

 

ولنسق هذا النموذج في التشخيص لبعض التيارات اليسارية والشيوعية في إيران والمنطقة، ليتضح كيف أنّ الإمام كشف عما يسمّى بالشيوعية الأميركية أو تكتلات اليسار الأميركي، يقول الإمام: (نرى أن الشاه يحاول تبرئة نفسه مما ارتكب من مجازر وجرائم طيلة سلطنته وهيمنته، ويحمّل مسؤولية كل ذلك للمسؤولين وكبار رجال الدولة ودليل ذلك محاولته تمييز بعض عناصره وأعوانه، إنه يخادع ويراوغ بتغيير وسائل الإجرام وآلاته متغافلاً عن مصدر الإجرام وأساسه).

 

ويضيف الإمام: (فالأمة الواعية سوف لن تُخدع بأساليبه هذه, وسوف لن ننسى المجرم الأول, فتارة يصف لنا معارضيه بأنهم أشخاص يريدون تقسيم البلاد أو تسليط الاستعمار عليها.. وتارة يهدّد الشعب بخطر الشيوعية).

 

ويحاول الإمام أن يوضّح ماهية الشيوعية الإيرانية بالقول: (ولعلّ البعض من السذّج خُدعوا بأحابيله، وتناسوا أن الاشتراكية والشيوعية ما وُجدت في إيران إلا عن طريق الأميركيين أنفسهم، وكما أوجدت بريطانيا حزب تودة الشيوعي، وقد زعم الخبراء والمتخصصون أن جلّ المتحمّسين للفكر الشيوعي في المنطقة هم من زعماء أميركا، أولئك يسعون لمحاربة النهضات الوطنية والدينية عبر الاشتراكية، تلك التي شهدنا تجربتها تاريخياً في السنين الأخيرة والشيوعية في الواقع خير شاهد على ذلك)[3].. هكذا كان الإمام الخميني يفصل ماهية التيارات الفكرية وحقيقتها عن الإسم والعنوان؛ ليكشف بذلك عن ألاعيب القوى الكبرى وأساليبها في إحباط الشعوب.

 

 

 

الجذر المعتقدي للإستشراف الخميني

 

لقد كان الإمام من خلال خطابه السياسي غالباً ما يشير إلى وراثة المستضعفين للأرض، وغالباً أيضاً ما يتكثف هذا المعنى في الخطاب عبر أحاديثه عن الإمام المهدي المنتظر(عج) كمخلّص للبشرية من ظلم الطواغيت، ومن أكلة العالم، ومفسديه(فالمستضعفون هم ورّاث هذه الأرض)، إلا أنّ هذه النهاية الحتمية الربّانية للعالم، يجب أن تؤسّس على مراحل من العمل والتمهيد، وإنّ المسافة الزمنية للوصول إليها لا يجب أن تخضع للإنتظار السلبي، ويتعطّل فيها دور الإنسان المسلم في السعي إلى تحكيم شرع الله، وإقامة النظام الإلهي، لا بل إنّ هذا النظام ضرورة لتلك النهاية الحتمية.

 

ويقول الإمام الخميني: (كم هو مبارك ولادة شخصية كبيرة حيث أنه يقيم العدل الذي بُعث الأنبياء من أجل إقامته، وكم هو مبارك ولادة رجل عظيم سوف يطهّر الأرض من شرّ الظالمين والدجّالين, وسوف يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً, وسوف يقضي على مستكبري العالم ويجعل المستضعفين ورّاث الأرض).

 

(وكم سعيد ومبارك ذلك اليوم الذي يتطهّر العالم فيه من الدجل والفتن, وتبسط حكومة العدل الإلهي في كل أرجاء المعمورة, ويسود البشرية قانون العدل الإسلامي)[4].

 

هذا الطموح بتحقيق العدالة الإلهية جعل الشيعة كما يقول د.خوري[5] من الرافضين والمعارضين لمبدأ قيام غير دولة الإمام العادل(عج)، ولكن د. الفار[6] يعتبر أن هذا الطموح لتحقيق العدالة والذي هو جزء من الإيمان والتقوى عند الإمامية الجعفرية، كما يضيف: يمكن أن يتحقق جزئياً في غياب الإمام المنتظر(بواسطة أولئك الذين يتلهّفون إلى عودته ويرغبون بالتالي في تمهيد الطريق من خلال استشفاف خصائص ولايته).

 

إنّ نقطة جوهرية تبرز هنا، وهي تلك المتعلقة بزمن انتظار وراثة المستضعفين للأرض على يد الإمام الحجة المنتظر(عج)، فهذا الزمن كما قلنا، لا يسقط دور الأمة الإسلامية في إقامة الحكم الإسلامي والتمهيد لذلك الظهور.

 

إنّ الإمام الخميني ومن خلال خطابه السياسي فرز بشكل دقيق الأبعاد السلبية لبعض المفاهيم العقائدية والدينية التي جاءت من خلال التأويلات الخاطئة، والفهم الناقص، وتلك التي تحتاح إلى تأشير مرحلي، أو عبر التأويل النفعي للمفهوم الذي يجرّده من معناه الحقيقي, إذ إنّ مفهوم(التقية) مثلاً يحتاج إلى تأشير مرحلي عندما يرتبط بمسيرة الأمة.

 

ومفهوم الصبر يجب أن يأخذ بعده الديني, لا من خلال الصبر على الظلم وبما يسحق إرادة وعقيدة الإنسان، دون أن يبادر إلى فعل شيء، وبالتالي فإنه ينتهي إلى حالة استسلام مطلقة، فالصبر يأخذ المعنى الرسالي والديني كمفهوم عندما يتلازم مع الحق، وعندما يجسّد المعنى الإيجابي لخلافة الإنسان على هذه الأرض.

 

وكذلك الحال بالنسبة لمفهوم الزهد، كأحد المفاهيم الإسلامية، إذ من الممكن أن يأخذ بعداً سلبياً، أو بعداً إيجابياً، فكما يقول السيد الشهيد محمد باقر الصدر في كتابه(الإسلام يقود الحياة): (المسلمون الذين يمارسون إعمار الأرض بوصفها جزءاً من السماء التي يتطلّعون إليها, ويساهمون في تنمية الثروة باعتبارهم خلفاء عليها أبعد ما يكونون عن الزهد السلبي الذي يقعد بالإنسان عن دوره في الخلافة، وأقرب ما يكونون إلى الزهد الإيجابي الذي يجعل منهم سادة للدنيا لا عبيداً لها، ويحضّهم ضد التحوّل إلى طواغيت لاستغلال الآخرين)[7].

 

إنّ هذه السلبية والايجابية تمثلّت في مسألة ظهور الإمام المهدي المنتظر (عج) وبرز وجود ولو أنه محدود يقول بوجوبية قعود المسلمين حتى زمن الظهور، ولقد مارس هذا الوجود التفاعل مع هذه المسألة بشكل سلبي، يُبرّر الهروب من القيام بواجب الإنسان ودوره في هذه الحياة كخليفة لله فيها، ولاشك أنّ الإمام الخميني بثورته ودوره وخطابه السياسي أعاد النقاء للمفاهيم الإسلامية، وبلورها بشكلها الإيجابي، فإصلاح العالَم وقطع رؤوس الفساد الدولي حتى مع ظهور المصلح الأعظم، لا يأتي دفعة واحدة، ويقول الإمام الخميني في وصيّته: (وفي ذلك اليوم الذي يظهر فيه المصلح العام إن شاء الله تعالى لا تظنّوا أنّ معجزة تقع ويتمّ إصلاح العالم في يوم واحد.. بل يتمّ عزل الظالمين والقضاء عليهم بالجهود والتضحيات، وإذا كان رأيكم مثل بعض العوام المنحرفين هو أنه من أجل ظهور ذلك العظيم يجب العمل على تحقيق الكفر والظلم حتى يملأ الظلم العالم وتتحقق علامات الظهور، فإنا لله وإنا إليه راجعون)[8].

 

نقول: إنّ تجربة الإمام الثورية، وخطابه الثوري مثلما بلورا الفهم الصحيح للمفاهيم الإسلامية, فهما حددا أيضاً المسار الصحيح لمسألة الظهور، وهذا الجذر العقيدي المتمثّل بالظهور كحتمية ربّانية إذا ما توفّر الإيمان به بصفته اليقنية، كتلك التي تجسّدت لدى الإمام سيتحوّل إلى مصدر استلهام سياسي كبير ليس فقط باتجاه عدم الخوف من القوى الكبرى، وإنما بقراءة الأفق السياسي الإنساني لا على مستوى التفصيلات، وإنما على مستوى الكليات، فوفق هذا اليقين تصبح قوة أمريكا واهية كبيت العنكبوت أمام إرادة الله، ويصبح سقوطها أمراً حتمياً.

 

إنّ بالمنطق التاريخي الذي يشير إلى زوال إمبراطوريات ودول طاغوتية عظمى، وإن بالمنطلق الربّاني الحتمي الذي سينتهي في ظله الأرض إلى سيادة المستضعفين.

 

كما أنّ منطق القرآن يشير إلى التدخّل الربّاني في موازين القوى الأرضية والإرادة البشرية إذا ما سعت إلى تحقيق إرادة الله> إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم<[9].

 

ولطالما أشار الإمام في خطابه الثوري إلى حقيقة هذا التدخّل الإلهي بالتسديد والتوفيق للمسيرة الثورية؛ لأنها كانت مسيرة نحو الله سبحانه وتعالى.

 

من خلال ما تقدم، يتّضح الأساس العريض لرؤى الإمام الخميني السياسية للكون والقوى الكبرى، ومن ثم تتحول هذه القوى إلى قوى واهية أمام إرادة الشعوب إذا ما هي تحركت باتجاه تحطيمها، والإمام يرى بناءً على ذلك وبناءً على المعطيات السياسية أن (الاستكبار العالمي وقوّته السياسية مشرفة على الإنهيار).

 

ولقد إنهار الاتحاد السوفيتي، إلا أنّ أميركا ما زالت تنفرد بالعالم، وهذا الانفراد لا يعني إلا ظاهرة مؤقتة، وربما أنّ رأي الإمام هذا تعززه جملة من الوقائع التي تشير إلى الأزمة الكامنة في العالم الرأسمالي، ولاسيما في أميركا، والتي تسير بصعود ملفت للنظر.. سواء بأبعاد الأزمة الداخلية الاجتماعية، أو الأبعاد الخارجية ذات العلاقة بالمّد الثوري, العالمي، وذات العلاقة بالإدارة الكونية، ومحورية أمريكا فيها وبروز التوترات إن في الدائرة الأمريكية ـ الإسلامية، أو الدائرة الأمريكية ـ الأوروبية أو الدائرة الأمريكية ـ اليابانية في معناها التنافسي التجاري، وعلاقة كل ذلك بالنظام العالمي الذي لم يستقر بعد على شكله الجديد منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وحتى الآن، وعلاقته أيضاً بمسالة الأمن العالمي، وأكذوبة السلام العالمي التي يتعاطاها التنظير الأمريكي على أساس من إبادة المد الثوري بينما يتعاطاها الخطاب الخميني على أساس العلاقات المتوازنة غير الخاضعة لمنطق الظلم الطاغوتي.

 

(فالإمام الخميني يرى أنّ محاولات السلام العالمي استهلاكية طالما ظلّت القوى الاستكبارية متحكّمة في مصير العالم، وأن أي قانون لا يمكن أن يسمو لإنهاء حالة الصراع، ما دامت هذه القوى موجودة.

 

إنها قائمة على أساس العدوان.

 

وبالتالي فإن الطروحات المقدّمة بشأن السلام والاستقرار في العالم، إنما صادرة على أساس النظم القائمة، حديث غير واقعي على الإطلاق)[10].

 

ووفق رؤية الإمام فإن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق في ظل نوازع الاستغلال التي تتحكم بالقوى الدولية الكبرى، ولا يمكن أن يتحقق هذا السلام إلا في ظل انتصار عالم المستضعفين، وربط الإنسانية بإنتمائها العقيدي الربّاني، أما تنظيرات السلام القائمة، فهي قد تتجاوز المعنى الاستهلاكي إلى معنى تقنين النهب الدولي لشعوب العالم, بما يقتضيه هذا النهب من نظريات وعناوين (إنّ الإمام الخميني يرفض إذاً المشاريع القائلة: بأن مسؤولية السلام أو الاستقرار الدولي يجب أنّ تضطلع بها القوى غير العقائدية، ومنهم كيسنجر الذي يرى أن الاستقرار لا يمكن أن يستمر إلا بزعامة الولايات المتحدة، حيث تؤهّلها إلى ذلك المبادئ الأخلاقية التي تعتنقها, علاوة على أنها دولة غير عقائدية.

 

ويرى أنّ الإتجاهات العقائدية تخلق المواقف الثورية كما يسميّها التي لا يمكن حلّها بالطرق الجدلية، أي المفاوضات لقبول الحلول الوسط، بل يتحتّم لمواجهتها استخدام القوة، كما أنّ الاتجاهات العقائدية لا تحقق للأطراف كافة مصالحهم الناقصة)[11].

 

مصاديق استشرافية

 

الإمام الخميني رحل عنّا جسداً وبقي فكراً ثورياً في إيران وفي العالم الإسلامي، وفي العالم بأسره، بقي منهجه الثوري يتحرك في ساحة الحدث السياسي العالمي, وينخر في المعادلات والقوانين السياسية التي أريد لها أن تخلق عالماً إسلام