بسندي المتَّصل إلى محمّد بن يعقوب ـ رضوان الله عليه ـ عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النَّوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «كان أمير المؤمنين عليه السّلام يقول: نَبَّهْ بَالتَفَكُّرِ قَلْبَكَ وَجافِ عَنِ اللَّيْلِ جَنْبَكَ وَاتَّقِ اللهَ رَبَّكَ»([1]).

 

 

 

الشرح:

 

«كَانَ يَقُولُ» يختلف عن «قَالَ» أو «يَقُولُ» من حيث الدلالة، لأنه يفيد الاستمرار والدوام. وهذا يعني أن الإِمام عليه السلام كان يكرر هذا الكلام. «وَالتَّنْبِيهُ» هو الإخراج من الغفلة والإِيقاظ من النوم. وكلا المعنيين مناسب هنا. فالقلوب قبل التفكر غافلة، وقبل الإيقاظ نائمة، والتنبيه يخرجها من الغفلة، ويوقظها من النوم. والنوم واليقظة، والغفلة والفطنة، لكل من مُلك الجسد وملكوت النفس، مختلفان. فقد تكون العين الظاهرة يقظة وجانب المُلك واعياً، ولكن عين الباطن والبصيرة تغط في نوم والبصيرة تغطّ في نوم ثقيل، وجانب ملكوت النفس في غفلة ومن دون وعي.

 

و«التَّفَكُّرُ» إعمال الفكر، وهو ترتيب الأمور المعلومة للوصول إلى النتائج المجهولة. فهو أعمَّ من التفكر الذي يعدّ من مقامات السالكين. لأن الخواجه الأنصاري([2]) يعرفه بقوله: «إِعلَمْ أَنَّ التّفكرَ تَلَمُّسُ البَصيرَةِ لاِسْتِدْراكِ البُغْيَةِ» («منازل السائرين» ج 1، ص 57). ومعلوم أن مطلوبات القلب هي المعارف، ولهذا فإن المراد بالتفكر في هذا الحديث الشريف هو المعنى الخاص الذي يعود إلى القلوب وحياتها.

 

وللقلب تعريفات واصطلاحات كثيرة: فإذا عُرّف عند الأطباء وعامة الناس، كان المراد منه تلك القطعة من اللحم الصنوبرية الشكل التي بانقباضها وانبساطها يجري الدم في الشرايين، ومن ذلك تتولد الروح الحيوانية التي هي بخار لطيف.

 

وعند الحكماء يطلق على بعض مقامات النفس. وله عند أصحاب العرفان مقامات ومراتب، يكون التعمق في بيان هذه المصطلحات خارجاً عن قصدنا.

 

وفي القرآن الكريم والأحاديث الشريفة يطلق (القلب) في المواضيع المختلفة على كل واحد من المعاني المتداول بين العامة والخاصة، مثل {وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} (الأحزاب/ 10). وهو بمعناه المتداول بين الأطباء، {... لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا} (الأعراف/ 179) وهو المعنى المتداول على ألسنة الحكماء. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (ق37). وهو الاصطلاح الجاري عند العرفاء. وما جاء في الحديث الشريف بشأن التفكر هو المتداول عند الحكماء. أما القلب في اصطلاح العرفاء، فلا علاقة له بالتفكر، وخصوصاً في بعض مراتبه، كما يعرف ذلك أهل الإصلاح.

 

وقول الإمام عليه السلام: «جافِ عَنِ اللَّيْلِ جَنْبَكَ»، الجفاء بمعنى «البُعد» و«جافاه عنه، فتجافى جنبه عن الفراش» أي «نبا» كما في الصحاح. ونسبة المجافاة إلى الليل من الإسناد إلى المجاز، أو من جعل الليل فراشاً ادعاءً، أو أن الكلمة استعملت في معناها الحقيقي وأن الإسناد يكون حقيقياً ولكن الفرق في الإرادة الجدية والاستعمالية، كما احتملوه في مطلق المجازات، وحسبما أسهب في شرحه الشيخ الفقيه والأصولي والأديب المتبحر (الشيخ رضا الأصفهاني) في «جليّة الحال»([3]). ومهما يكن، فتلك كناية عن النهوض عن فراش النوم في الليل من أجل العبادة. وبعد ذلك سوف يتم بيان التقوى ومراتبها، إن شاء الله... ولكننا سوف نبيّن ضمن فصول عديدة مناسبات الحديث الشريف فيما يلي:

 

فصل: في بيان فضيلة التفكر

 

اعلم أن للتفكر فضائل كثيرة. فالتفكر هو مفتاح أبواب المعارف وخزائن الكمالات والعلوم، وهو مقدّمة لازمة وحتمية للسلوك الإنساني، وله في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة تعظيم بليغ وتمجيد كامل، كما أن تاركه معيّر ومذموم. وقد جاء في (الكافي) الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام: «أفْضَلُ الْعِبَادَةِ إدمانُ التَّفَكّرِ فِي الله وَفِي قُدْرَتِهِ»([4]). ويرد ذكر لهذا الحديث فيما بعد. وفي حديث آخر: «تَفَكُّرَ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيامِ لَيْلَةٍ».

 

وفي حديث عن رسول الله صلّى الله عليه وأله وسلم: «إِنَّ تَفَكُّرَ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ». وفي حديث غيره: «إِنَّ تَفَكُّرَ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةٍ»، وفي رواية: «سَبْعِينَ سَنَةٍ»([5])، وعن بعض علماء الفقه والحديث: «أَلْفَ سَنَةٍ» وعلى كل حال، إن للتفكر درجات ومراتب، ولكل مرتبة نتيجة أو نتائج، وسوف نتناول بعضها.

 

الأول: هو التفكر في الحق تعالى، وأسمائه وصفاته وكمالاته. ونتيجة ذلك هو العلم بوجوده وبأنواع تجلياته، التي منها الأعيان الواقعية والمظاهر الخارجية. وهذا أفضل مراتب التفكر، وأع لى مراتب العلوم، وأتقن مراتب البرهان. إذ أن الانتباه إلى ذات العلة، والتفكر في السبب المطلق، يدفع بالإنسان إلى العلم به وبالمسبَّبات والمعلومات. وهذا هو رسم تجليات قلوب الصدّيقين، ولذلك سمي باسم: «برهان الصديقين». فالصدّيقون بمشاهدة الذات يشهدون الأسماء والصفات، وفي مرآة الأسماء، يشهدون الأعيان والمظاهر. وما تسمية هذا القسم من البرهان باسم «برهان الصدّيقين» إلاّ لأن الصدّيق إذا أراد أن يظهر مشاهداته في صورة برهان، وأن يضع ما وجده ذوقاً وشهوداً في قالب الألفاظ، لكان هكذا. ولا يعني هذا الاسم أن كل من استدل بهذا البرهان على ذات الله وتجلياته كان من الصديقين، ولا أن معارف الصدّيقين هي من نسخ البراهين، فإن لهم براهين خاصة وهيهات أن تكون علومهم من جنس التفكر، أو أن تكون ثمّة مشابهة بين مشاهداتهم وبين البرهان ومقدّماته. فما دام القلب في حجاب البرهان، وخطوته هي خطوة لتفكر، لا يكون قد وصل إلى أول مراتب الصدّيقين. وإذا ما خرج من حجاب العلم والبرهان السميك، فلا علاقة له بالتفكر، بل يفوز في آخر الأمر ومنتهى السلوك بمشاهدة جمال الجميل المطلق، من دون واسطة البرهان، وحتى من دون واسطة أي كائن، ويذوق اللذة الدائمة السرمدية، ويتحرر من الدنيا وما فيها، ويبقى في الفناء التام تحت قباب الكبرياء، ولا يبقى منه اسم ولا رسم ويصبح مجهولاً مطلقاً، إلاّ إذا شملته العناية الإلهية وأرجعته إلى مملكته وممالك الوجود على قدر سعة وجود عينه الثابتة، ويتم له في هذا الرجوع كشف سبحات الجمال والجلال، ويشهد في مرآة الذات الأسماء والصفات، ومنها يفوز بمشاهدة عينه الثابتة وكل ما هو تحت ظل حمايته، وتتكشف كيفية سلوك المظاهر والرجوع إلى الظاهر، على قلبه، ثم يتشرف برداء النبوة. إذ في هذا المقام يظهر اختلاف مقامات الأنبياء والرسل، وتنكشف لهم في هذا المقام سعة دائرة الرسالة أو ضيقها والمبعوث منه والمبعوث إليه. إن الإسهاب في المقال بهذا الشأن لا يتناسب مع هذه الأوراق، حتى أننا تغاضينا عن برهان الصدّيقين أيضاً لأن له مقدمات يطول شرحها هنا.

 

تتميم في بيان التفكر الممنوع والمرغوب في ذات الحق

 

لابُدَّ أن نعرف أن قولنا: «التفكر في الذات والأسماء والصفات» قد يحمل الجاهل على الظنّ بأن التفكر في ذات الله ممنوع بحسب الروايات، دون أن يعلم أن التفكر الممنوع هو التفكر في اكتناه الذات وكيفيتها، حسب ما يستفاد من الأحاديث الشريفة («تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في الله فإنكم لن تقدروا قدره» «المحجة البيضاء» ج 8 ص 193). وقد يُمنع غير المؤهل، من النظر في بعض المعارف ذات المقدمات الدقيقة. وهذان المقامان يتفق بشأنهما الحكماء أيضاً. إلاّ أن استحالة اكتناه الذات الإلهية مبرهنة في كتبهم، ومنع التفكر فيها مسلّم به عند الجميع.

 

أما شرائط الدخول في هذه العلوم، ومنع تعليم غير المؤهل، فمذكورة في كتبهم، ووصاياهم في خصوص شرائط الدخول ومسطورة في أوائل كتبهم أو أواخرها، كما فعل إماما الفن وفيلسوفا الإسلام العظيمان، «الشيخ ابن سينا»([6]) في آخر «الإشارات» (الإشارات والتنبيهات ج 3، ص 419 ط. الحيدري طهران) و«صدر المتألهين»([7]) في أول «الأسفار» (الأسفار الأربعة ج 1، ص 10 (دار المعارف الإسلامية)) حيث أوردا وصاياهما [225] البليغة في ذلك (فراجع) (الكتابين المذكورين). أما النظر في ذات الله لغرض إثبات وجوده وتوحيده وتنزيهه وتقديسه، فهو الغاية من إرسال الأنبياء والمقصد لآمال العرفاء. والقرآن الكريم والأحاديث الشريفة مشحونة بالأخبار حول العلم بذات الله وكمالاته وأسمائه. وكتب الأخبار المعتبرة، مثل «الكافي» و«توحيد» الشيخ الصدوق، تتعمق في إثبات ذات الله وأسمائه وصفاته. والفرق بين المأثورات عن الأنبياء وكتب ا لحكماء إنما هو في الاصطلاحات والإِيجاز والتفصيل فقط، مثلما أن الفرق بين الفقه والأخبار الخاصة بالفقه هو الاصطلاحات والإيجاز والتفصيل أيضاً، لا في المعنى.

 

لكن المصيبة في أن هناك بعض الجهلاء في لباس أهل العلم الغير عارفين بالكتاب والسنَّة والجاهلين بهما، ظهروا في القرون الأخيرة، من دون أية رؤية صحيحة أو اعتماد على معيار صحيح أو معرفة بالكتاب والسنة، وجعلوا جهلهم وحده دليلاً على بطلان العلم بالمبدأ والمعاد، ولكي يروجوا بضاعتهم حرّموا النظر في المعارف التي هي غاية ما يقصده الأنبياء والأولياء سلام الله عليهم، والتي امتلأ بها كتاب الله وأخبار أهل البيت عليهم السلام وراحوا يرمون أهل المعرفة بكل شتيمة واتهام، وسبّبوا انحراف قلوب عباد الله عن العلم بالمبدأ والمعاد، وكانوا سبباً في تفريق الكلمة وتشتيت شمل المسلمين. ولو سأل سائل: لِمَ كل هذا التكفير والتفسيق؟ لتشبث المجيب بالحديث القائل: «لا تَتَفَكّرُوا في ذاتِ اللهِ»([8]). إن هذا الجاهل المسكين مخطئ وجاهل من جهتين:

 

الأولى: أنه ظن أن الحكماء يقومون بالتفكر في ذات الله، مع أنهم يرون أن التفكر في ذات الله واكتناهها ممتنع، وهذا من المسائل المبرهن عليها في هذا العلم.

 

والثانية: إنه لم يفهم معنى الحديث، فظن أنه لا يجوز التفوّه بأي شيءٍ عن ذات الله المقدسة مطلقاً. إننا سنذكر بعض الأحاديث ونجمع بينها وبين ما في نظرنا القاصر، ونجعل الإنصاف هو الحكم، على الرغم من أن هذا يخرج قليلاً [226] عن موضوعنا، ولكن لعل فيه بعض الضرورة لرفع الشبهة وإبطال الباطل.

 

الكافي بإسناده عن أبي بصير: قال أبو جعفر عليه السلام: «تَكَلَّمُوا في خَلْقِ اللهِ وَلا تَتَكَلَّمُوا فِي اللهِ فَإِنَ الكَلامَ في اللهِ لا يَزْدادُ صاحِبَهُ إلاّ تَحَيُّراً»([9]).

 

يدل هذا الحديث بذاته على أن المراد هو التكلم في اكتناه ذات الله وكيفيته ومحاولة تعليله. وإلاّ فإن الكلام في إثبات ذاته تعالى وسائر كمالاته وتوحيده وتنزيهه لا يوجب التحيّر. ولعل النهي موجّه إلى الذين يكون التكلم حتى في هذه الأمور موجباً لحيرتهم. وقد احتمل المرحوم المحدّث المجلسي رحمه الله هذين الاحتمالين، اللذين قربناهما، من دون تعليق، ولكن قوّى الاحتمال الأول.

 

وفي رواية أخرى عن حريز: «تَكَلَّمُوا فِي كُلِّ شَيءٍ وَلا تَتَكَلَّمُوا في ذاتِ اللهِ»([10]) وهناك روايات أخرى بهذا المضمون أو قريبة منه، مما لا نجد ضرورة لذكرها.

 

وفي «الكافي» عن أبي جعفر (محمد الباقر) عليه السلام قال: «إِيَّاكُمْ وَالتَّفَكُّرَ فِي اللهِ وَلَكِنْ إِذا أَرَدْتُمْ أَنْ تَنْظُروا إلى عَظَمَتِهِ، فَاْنْظُرُوا إِلى عَظيمِ خَلْقِهِ»([11]).

 

الظاهر أن هذا الحديث أيضاً يشير إلى التفكر في كنه ذات الله، لأنه يقول في نهايته: «إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمته فانظروا إلى عظيم خلقه». أي استدلوا من عظمة المخلوق على عظمة الخالق عزَّ وجلَّ. ويكون هذا على سبيل المثال لمختلف طبقات الناس الذين يمر طريق معرفتهم من خلال المخلوق.

 

هذه الأحاديث وأمثالها التي تنهى عن التكلم في ذات الله والتفكر فيه هي نفسها دليل على ما نقصده. والحديث الذي يوضح هذا الأمر هو الحديث الشريف في «الكافي» في باب التفكر.

 

عن أبي عبد الله (جعفر) الصادق عليه السلام قال: «أَفْضَلُ العِبَادَةِ إدْمَانُ التَّفَكُّرِ فِي اللهِ وَفِي قدرَتِهِ»([12]). وفي حديث آخر في «الكافي»:

 

سئل علي بن الحسين (عليهما السلام) عن التوحيد، فقال: «إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي آخرِ الزَّمَانِ أقْوامٌ متعمقون فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}، والآياتِ مِنْ سُورةَ الحَديدِ إِلى قَوْلِهِ: {وَهُو عَليمٌ بِذاتِ الصُّدورِ} فَمَنْ رامَ وَراءَ ذلك فَقَدْ هَلَكَ»([13]).

 

إذاً، يتضح أن هذه الآيات التي تشير إلى التوحيد، وتنزيه الله، والبعث، ورجوع الكائنات [إلى الله] نزلت للمتعمقين وأهل التفكير العميق.

 

فهل مع كل هذا يمكن القول إن التفكر في ذات الله حرام؟ أي حكيم أو عارف جاء بمعارف أكثر مما جاء في أول (سورة الحديد) ؟ إن منتهى معرفتهم هو الوصول إلى قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}. هل هناك أفضل بياناً في وصف الله تعالى وتجلّى ذاته المقدسة من الآية الشريفة: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (الحديد3).

 

أقسم بحياة الحبيب أنه لو لم تكن لبيان حقيّة كتاب الله الكريم غير هذه الآية الشريفة لكفت ذوي القلوب. ارجعوا قليلاً إلى كتاب الله، وإلى خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأخبار خلفائه المعصومين سلام الله عليهم، وقارنوا لتروا مَن مِن الحكماء والعارفين جاء ببيانات أجلى وأوضح مما جاء بها أولئك في كل موضوع من مواضيع المعارف؟ إن أقوالهم مشحونة بوصف الحق والاستدلال على ذات الله وصفاته المقدسة، بحيث أن كل طائفة تحظى على قدر سعتها وإدراكها.

 

إذاً، يتضح من مجموع هذه الأخبار أن التفكر في ذات الله ممنوع إذا كان ذلك في مرتبة التفكر في كنه ذات الله وكيفيته. كما جاء في حديث «الكافي»: «مَنْ نَظَرَ فِي اللهِ كَيْفَ هُوَ، هَلَكَ» (أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحيد، باب النسبة، ح 3)، أو أن الجمع بين الأخبار الناهية والآمرة يستدعي منع فريق من الناس الذين لا تطيق قلوبهم الاستماع إلى البرهان وليس لهم [228] الاستعداد للدخول في مثل هذه البحوث. والدليل على هذا الجمع موجود في الأخبار نفسها.

 

أما الذين لهم الاستعداد والأهلية، فيكون من الراجح لهم التفكر، بل هو أفضل من جميع العبادات.

 

على كل حال، لقد خرجنا كليّاً عن المقصد. ولكن لم يكن لنا مناص من أن نتعرض لهذا الرأي الفاسد والتهمة التي لا ترضي الحق، والمتداولة في هذا الزمان على الألسنة، لعل ذلك يُحدث بعض التأثير في قلوب بعضهم. ولو تم تأثير هذا القول في قلب شخص واحد لكفاني. والحمد لله وإليه المشتكي.

 

فصل: في التفكر في المصنوع

 

ومن مراتب التفكر، التفكر في روائع الصنع وإتقانه ودقائق الخلق، بما يتناسب وقدرة الإنسان من طاقة للتفكر. ونتيجة هذا التفكر هي معرفة المبدأ الكامل والصانع الحكيم، وهذا على العكس من «برهان الصدّيقين». إذ أن مبدأ البرهان في ذاك المقام هو الحق تعالى عزَّ اسمه، ومنه يحصل العلم بالتجلّيات والمظاهر والآيات. وأما في هذا المقام فمبدأ البرهان هو «المخلوقات التي عن طريقها يتم العلم بالمبدأ والصانع». وهذا البرهان يكون للعامة من الناس الذين لاحظّ لهم من برهان الصدّيقين. ولهذا، قد ينكر الكثيرون أن يصبح التفكر في الحق مبدأ العلم به، وأن يؤدي العلم بالمبدأ إلى العلم بالمخلوق.

 

وملخّص الكلام، أن التفكر في لطائف الصنعة ودقائقها وفي إتقان نظام الخليقة، من العلوم النافعة، ومن أفضل الأعمال القلبية، وخير من جميع العبادات، لأن نتيجته أشرف نتيجة. وعلى الرغم من أن النتيجة الأصلية لجميع العبادات والسرّ الحقيقي لها هو الحصول على المعرفة. فإن كشف هذا السر والحصول على تلك النتيجة ليسا متيسرين للجميع، بل إن ل ذلك أهلاً تكون لهم في كل عبادة بذرة لمشاهدة أو لمشاهدات. وعلى أيّ حال أن الإطلاع على لطائف الصنعة وأسرار الخليقة بحسب الحقيقة والواقع لم يتيسّر للبشر، حتى الآن. إن أساس الخليقة ونظامها يكون من الدقة والاستحكام ومن الجمال والكمال في مستوى لو أن الإنسان أمعن النظر في أي كائن مهما كان حقيراً، مستخدماً كل علومه التي اكتسبها خلال قرون، لما استطاع أن يطلع على نسبة واحد بالألف، من ذلك، فكيف له أن يتمكن من إدراك النظام الكلي الجميل، ساعياً عن طريق الأفكار البشرية الجزئية الناقصة، لفهم بدائعه ودقائقه. إننا سنلفت انتباهك إلى إحدى دقائق الخلق مما هو قريب بعض الشيء من الإِفهام ويعدّ من المحسوسات، (اقرأ الحديث المفصل عن هذا المجمل).

 

أيها العزيز، انظر وتأمل في العلاقة التي بين هذه الشمس والأرض. وفي المسافة المعينة بين الأرض والشمس، وحركة الأرض حول نفسها وحول الشم س. تلك الحركة التي تكون على مدار محدّد فيحصل منها الليل والنهار والفصول. فما أتقنه من صنع وما أكملها من حكمة؟ ولولا هذا التنظيم، أي لو كانت الشمس أقرب أو أبعد، لما تكوّن في الأرض ـ في الحالة الأولى من الحر، وفي الحالة الثانية من البرد ـ معدن، ونبات، وحيوان. وكذلك لو توقّفت الأرض عن الحركة، على ما هي عليه من البعد عن الشمس لما كان الليل أو النهار، ولا كانت الفصول، ولما تكونت الأرض نهائياً أو القسم الأكبر منها.

 

ولا يقتصر على هذا أيضاً، فإن الأوج، أو أقصى نقطة للأرض عن الشمس، يقع في جهة الشمال لكيلا تزداد الحرارة فتصاب الكائنات بالضرر. وكذلك الحضيض، أو أقرب نقطة بين الشمس والأرض، يقع في جهة الجنوب، لكيلا يصاب أهل الأرض بضرر. ولا يكتفي بهذا أيضاً، فالقمر المؤثر في تربية موجودات الأرض، يعاكس الأرض في سيرها، بحيث عندما تكون الشمس في شمال الأرض، يكون القمر في جن وبها، والعكس بالعكس، إذا كان هذا في الشمال، كانت تلك في الجنوب، وذلك لانتفاع سكان الأرض منهما. هذه كلها من الأمور الضرورية المحسوسة. غير أن الإحاطة ببدائع النظام ودقائقه لا تكون إلاّ للخالق الذي يحيط علمه بكل شيء.

 

ولكن لِمَ ابتعدنا كل هذا البعد؟ فليفكّر المرء في خلقه هو، على قدر طاقته وسعة علمه: أولاً في الحواس الظاهرة التي صنعت وفق المدركات والمحسوسات، إذ أن لكل مجموعة من المدركات، التي توجد في هذا العالم، قوة مدركة بأدق ما تكون من الدقة والترتيب المحيّرين للعقول.

 

والأمور المعنوية، التي لا تدرك بالحواس الظاهرة، تدرك على ضوء الحواس الباطنية. دع عنك علم الروح والقوى الروحية للنفس، مما تقصر مدارك الإِنسان عن فهمها، واتجه بنظرك إلى علم الأبدان وتشريحها وبنائها الطبيعي، وخصائص كل عضو من الأعضاء الظاهرية والباطنية. انظر ما أغرب هذا النظام وما أعجب هذا ا لترتيب؟! على الرغم من أن علم البشر لم يبلغ حتى الآن، ولن يبلغ حتى بعد مائة قرن، إلى معرفة واحد بالألف منه، حسب الاعتراف الصريح بأفصح لسان من جميع العلماء بعجزهم، مع أن جسم الإنسان بالنسبة إلى كائنات الأرض الأخرى، لا يزيد على مجرد ذرة تافهة، وأن الأرض وجميع كائناتها، لا تعدل شيئاً إزاء المنظومة الشمسية، وأن كل منظومتنا الشمسية لا وزن لها إزاء المنظومات الشمسية الأخرى، وأن كل هذه المنظومات، الكبيرة منها والصغيرة، مبنية وفق ترتيب منظّم، ونظام مرتب، بحيث أن أيّ نقد لا يمكن أن يوجّه إلى أتفه ذرّة فيها، وأن عقول البشر كافة عاجزة عن فهم دقيقة من دقائقها. فهل بعد هذا التفكّر يحتاج عقلك إلى دليل آخر ليذعن بأن كائناً عالماً، حكيماً، لا يشبه الكائنات الأخرى، هو الذي أوجد هذه الكائنات بكل حكمة ونظام وترتيب وإتقان؟ {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} (إبراهيم/ 10). إن كل هذا الخلق المتقن الذي يعجز عقل الإنسان عن فهمه، لم يظهر عبثاً وتلقائياً! فلتعمَ عين القلب التي لا ترى الله، ولا تشاهد جمال جميله في هذه المخلوقات! وليمحق الذي يبقى في الشك والتردد بعد كل هذه الآيات والآثار؟ ولكن ما الذي يستطيع هذا الإنسان المسكين عمله بالأوهام؟. لو أنك عرضت مسبحتك وزعمت أن حبّاتها قد انتظمت تلقائياً من دون أن ينظمها منظم، لاستهزأت بك البشرية. والأدهى من ذلك أنك لو أخرجت ساعتك من جيبك وزعمت نفس الزعم أيضاً بالنسبة إليها، إلاّ يخرجونك من زمرة العقلاء؟ وإلاّ يرميك كل عقلاء العالم بالجنون؟ فإذا وُصِفَ الذي يُخْرِجُ نظام هذه الساعة من قاعدة العلة والمعلول، بأنه مجنون ويجب أن يحرم من حقوق العقلاء فما الوصف المناسب الذي يجب أن يوصف به من يزعم أن نظام هذا العالم، لا بل هذا الإنسان ونظام روحه وجسمه قد ظهر تلقائياً؟ هل يجب إ بقاؤه في زمرة العقلاء؟ ترى أي بله أشد من هذا؟. {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} (عبس17).

 

فصل: في التفكر في أحوال النفس

 

من درجات التفكر أيضاً التفكر في أحوال النفس يؤدي إلى نتائج كثيرة ومعارف عديدة. وإننا سنلقي نظرة على نتيجتين اثنتين: الأولى: العلم بيوم المعاد. والثانية: العلم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، أي النبوة العامة، والشرائع الحقة.

 

إن من حالات النفس هو تجرّدها، وهي حالة لم يُولِ الحكماء العظام أهمية لأية مسألة حكمية فلسفية أخرى مثلما أَوْلُوا هذه المسألة وأثبتوها بالأدلة والبراهين. ولكننا لسنا الآن في صدد إثبات تجرد النفس بصورة مفصلة، وإنما نكتفي ببعض الأدلة التي لا تستعصي مبادئها على الفهم، للوصول إلى المقصود.

 

فنقول: يجمع الأطباء وعلماء الأبدان، وفي ظل التجارب، على أن جميع أعضاء الجسم، من أم الدماغ التي هي مركز الإدراكات ومحل ظهور قوى النفس، وحتى آخر أجزائه الصلبة، تبدأ، من سن الخامسة والثلاثين، أو الثلاثين فما فوق، بالانحدار نحو الانحطاط والنقصان، والاقتراب من الضعف والانحلال. ولقد جربنا بأنفسنا أيضاً كيف يبدو الضعف في القوى كلها. ولكن في هذه الفترة نفسها، أي من سن الثلاثين أو الأربعين فما فوق، تزداد القوى الروحية والإدراكات العقلية كمالاً ورقياً وسداداً. ويتضح من هذا أن القوى العقلية ليست جسمانية، إذ لو كانت جسمانية لانحدرت، مثل سائر قوى الجسم، نحو الضعف والوهن. كما لا يمكن القول بأن القوى العقلية تزداد قوة بكثرة أعمال القوة الفكرية وحصول التجربة، إذ أن القوى الجسمانية ينتابها التعب والانحلال، لا القوة والكمال، نتيجة لكثرة العمل وبذل الجهد. وهذا بذاته دليل على أن القوى العقلية ليست جسمية ولا من آثار الجسم. والاعتراض على هذا الكلام بضعف القوى الفكرية أيام الكهولة، كالضعف الجسماني، لا محل له، وذلك لأنه:

 

أولاً: ليست هناك قوة جسمانية تنمو وتشتد حتى سن الكهولة بحيث يمكن أن نقول بأن الموضع الفلاني من الجسم هو موضع الإِدراكات العقلية وأنه كان يشتد ويزداد قوة حتى سن الكهولة، والآن بعد أن ضعف هذا الموضع ضعفت بضعفه القوة الفكرية أيضاً.

 

ثانياً: هل إن هذا الضعف في الكهولة يعود إلى الفكر كقوة حالّة في الجسم، أم أن الفكر يحتاج إلى قوة جسمانية فعند وهن الجسم ـ محل الفكر ـ لا يؤدي دور الفكر؟ هذا كله بالنسبة إلى القوة الفكرية. وأما الإدراكات المحضة والملكات الفاضلة في فترة الكهولة تكون أقوى أيضاً مما كانت عليه من قبل، حتى وإن قل ظهورها أو إظهارها. وعلى كل حال، يكفي لإثبات دعوانا تجرد النفس ما قلناه من قوة الإدراك في سنّ الأربعين أو الخمسين مع أن الجسم ينحدر نحو الوهن والضعف.

 

وأما الإجابة على الاعتراض والنقض فهو أن النفس لمَّا تستجمع قواها من مُلك البدن، وتعود القوى إلى باطن ذاتها، كلما كانت القوى أقرب إلى عالم الجسم والجسماني، كلما كان أسرع إلى الضعف والكلال، وكلما كانت أبعد كانت أبطأ في الإصابة بالضعف. أما القوى التي تنتمي إلى عالم التجرد والملكوت فتقوى وتزداد شدّة عندما يزداد عمر الإنسان. وهذا دليل على أن النفس ليست جسماً ولا هي قوة جسمانية.

 

وأيضاً أن خصائص النفس وآثارها وأفعالها على النقيض من خصائص الأجسام وآثارها وأفعالها بصورة مطلقة. وهذا دليل على أن النفس ليست جسماً. فمثلاً، نحن نعلم أن الجسم لا يتقبل بالضرورة سوى صورة واحدة، وإذا أريد إعطاؤه صورة أخرى كان لا بُدَّ للصورة الأولى أن تفارقه لكي يمكنه تقبل الصورة الثانية. فإذا رسمت مثلاً، صورة على صفحة الورق، لا يمكن رسم صورة أخرى مكانها إلاّ إذا أزيلت الصورة الأولى تماماً. وهذا الحكم يجري في جميع الأجسام بالضرورة العقلية.

 

أما النفس فتختلف تماماً، ففي الوقت الذي تكون هناك صورة مرسومة فيها، يمكن رسم صورة أخرى مضادة لها من دون زوال الصورة الأولى.

 

وأيضاً إن الجسم ترتسم فيه الصور المتناهية. أما في النفس فترتسم الصور غير المتناهية. ولهذا فهي تحكم على الأمور غير المتناهية.

 

وأيضاً أن الجسم الذي تزول منه الصورة، لا تعود إليه من دون استئناف السبب، ولكن النفس إذا غابت عنها بعض الصور عادت إليها من دون سبب خارجي.

 

إذاً، يتبين أن النفس تضاد جميع الأجسام في خصائصها وآثارها وأفعالها. أي أن النفس مجردة وليست من سنخ الأجسام والجسمانيات، والمجردات لا تفسد، كما هو مبرهن عليه في محله. وذلك لأن الفساد لا يكون من دون مادة قابلة للفساد، والمجردات منزهة عن مادة قابلة للفساد. إذ أن ذلك من لوازم الأجسام. إذاً، لا تفسد النفس. ومن هنا يستنتج أن النفس لا تفسد بفساد البدن وبمفارقتها له، بل تبقى في عالم آخر، ولا تفنى. وهذا هو المعاد الروحي للنفوس والأرواح قبل يوم القيامة إلى أن يشاء الله لها أن تعود إلى الأبدان. إننا الآن في صدد إثبات المعاد المطلق في قبال المنكر المطلق وقد اتضحت الفكرة من خلال هذه المقدمات.

 

ولا بُدَّ أن نعرف أن النفوس صحّة ومرضاً، وصلاحاً وفساداً، وسعادة وشقاء، وأن إدراك طرقها ودقائق مصالحها ومفاسدها لا يتسنّى لأحد سوى ذات الله المقدسة. لذلك ففي النظام الأتم ـ الذي هو أحسن نظام، وقد تبين من قبل أن منظِّمة حكيم على الإطلاق ومحيط بكل شيء ـ لا يمكن أن يهمل بيان طرق السعادة والشقاء، والطرق الهادية إلى الصلاح والفساد، وطرق علاج النفوس، إذ أن مثل هذا الإهمال يقتضي النقص في العلم أو النقص في القدرة، أو الظلم والبخل من دون سبب.

 

ولقد تبيّن أن ذات الله المقدسة منزهة عن كل ذلك، فهو الكامل على الإِطلاق والمفيض على الإطلاق، وأن إهمال بيان الطرق الموصلة إلى السعادة والشقاء يعدّ خللاً كبيراً في الحكمة، ويبعث على الفساد والاختلال في النظام والحكم. إذاً، أصبح من اللازم بيان طرق السعادة والهداية في النظام الأتم.

 

وقد حصلت من هذا نتيجتان واضحتان:

 

الأولى: هي أن الشريعة ـ وهي الوصفة الخاصة بإصلاح الأمراض النفسية ـ لا توجد إلاّ عند ذات الحق المقدس.

 

والثانية: هي أن الله تعالى يعلنها ـ الشريعة ـ حتماً. ومعلوم أن مثل هذا الهدف العظيم، وهذا العلم الكامل الدقيق الذي يعجز عن إدراكه أعقل العقلاء، الذي يربط بين المُلك والملكوت وتأثير الصور الملكية في باطن النفس، لا يقع لأحد إلاّ عن طريق الوحي والإِلهام. أي يجب أن يكون تعليمه من جانب الحق تعالى. وبديهي، أن جميع أفراد البشر ليسوا خليقين بمثل هذه الهبة، وليست لهم القابلية والقدرة على القيام بمثل هذه المهمة. ولكن يظهر خلال بضعة قرون من يكون جديراً بالاضطلاع بمثل هذا الواجب وتحقيق مثل هذا الهدف العظيم، فيبعثه الحق تعالى ليبيّن للناس الطريق إلى السعادة والطريق إلى الشقاء، ليعلم الناس كيف يصلحون أنفسهم. وهذه هي النبوة العامة.

 

ولمّا انتهى بنا الحديث إلى هنا، خطر لي أن أشير استطراداً إلى موضوع أراه من البديهيات.

 

وهو أننا وبعد أن علمنا ضرورة وجود شريعة إلهية لبني البشر، ولزوم رجوعنا إلى الشرائع السائدة بين الناس، وهي على الأغلب الشرائع الإِلهية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإِسلام، نرى بأن الشريعة الإسلامية هي أكمل من الشرائع الأخرى في أبعادها الثلاثة، التي هي أساس الشرائع ومدار التشريع، ـ أحدها ما يعود إلى العقائد الحقة، والمعارف الإِلهية وتوصيف الحق وتنزيهه. وكيفية ذلك. والعلم بالملائكة وتوصيف الأنبياء (عليهم السلام) وتنزيههم، مما هو أصل الشريعة وأساسها. وثانيها ما يعود إلى الخصال الحميدة والأخلاق الفاضلة وإصلاح النفس. وثالثها هو جانب الأعمال الفردية والاجتماعية والسياسية والمدنية وغير ذلك ـ بل إن كل ناظر منصف وغير مغرض في هدفه يدرك أن الإِسلام أرقى من أن يقارن بدين آخر، وأن الحياة البشرية لم تشهد قانوناً ولا شريعة بهذا الإتقان بحيث تكون تامة وكاملة في جميع مراحل الحياتين الدنيوية والأخروية. وهذا بذاته خير دليل على أحقية الإسلام وصدقه.

 

وعليه، وبعد إثبات النبوة العامة، وأن الله قد شرع لبني البشر شريعة، وبيّن لهم طريق الهداية، ووضعهم ضمن إطار نظم ونظام، لم يعد إثبات أحقية الدين الإسلامي بحاجة إلى مقدمات أبداً، سوى التمعن فيه ومقارنته بسائر الأديان والشرائع في جميع المراحل التي يمكن تصورها، ابتداء من حاجة الإِنسان إلى الملكات الحقّة والمعارف النفسانية، وحتى بلوغ الواجبات النوعية الفردية والاجتماعية. وهذا معنى من معاني الحديث الشريف: «الإِسْلامُ يَعْلُو وَلا يُعْلَى عليه» ([14]) إذ كلما ازداد العقل البشري تقدماً وتطوراً في مدركاته وتمعّنا في حجج الإسلام وبراهينه، ازداد خضوعاً لنور هدايته، وقوّة أمام الحجج فلا تظهر حجة ودليل في العالم ضد الإسلام إلاّ وينتصر عليه.

 

والمستخلص من أدلتنا على إثبات نبوة خاتم النبيين صلّى الله عليه وآله وسلم هو أنه لمَّا كان إتقان خلق الكائنات وحسن تربيتها وتنظيمها دليلاً يهدينا إلى الاعتراف بوجود الخالق والمنظِّم الذي يحيط علمه بكل الدقائق واللطائف والجلائل، كذلك يهدينا إتقان أحكام شريعة وحسن نظامها وتربيتها الكامل وكونها تتكفل بكل الحاجات المعنوية والمادية، الدنيوية والأخروية، الفدية والاجتماعية، إلى أن مشرّعها ومنظمها عالم محيط بجميع حاجات العائلة البشرية. وكما أن العقل يهدينا إلى أن عقل ذلك الإنسان، الذي كتب تاريخه جميع المؤرخين من مختلف الأمم قائلين إنه كان أمياً وعاش في محيط خال من الكمالات والمعارف، لا يمكن أن يكون قادراً على وضع مثل هذا الترتيب الكامل والنظام التام بنفسه. كذلك ندرك بالضرورة أن هذه الشريعة قد شرعت في الغيب وفيما وراء الطبيعة، ونزلت عن طريق الوحي والإلهام على ذلك الإنسان العظيم. والحمد لله على وضوح الحجة.

 

كنت ناوياً الإشارة إلى نوع آخر من أنواع التفكر، وهو التفكر في عالم المُلك الذي تكون نتيجته الزهد. ولكن عنان القلم في المقالات السابقة قد أفلت من يدي، فشرحت ذلك بصورة مطولة، أدّت إلى الخروج عن الموضوع ولهذا غضضت الطرف عنه.

 

فصل: في فضيلة صلاة الليل

 

بقي علينا شرح جملتين أخيرتين من الحديث الشريف حيث يقول صلوات الله عليه «جافِ عَنِ اللَّيْلِ جَنْبَكَ وَاتَّقِ اللهَ رَبَّكَ».

 

في هذا الكلام المبارك يقرن الإمام عليه السلام الأعمال القلبية والتفكر المنبّه، وتقوى الله تعالى، بإحياء اللي ل ومجافاة الفراش من أجل العبادات. وهذا دليل على كمال صلاة الليل وفضيلتها وأهميتها. كما أن الأحاديث الشريفة تمجد هذا العمل الشريف كثيراً. ويُستدل من سيرة أئمة الهدى عليهم السلام والمشايخ العظام والعلماء الأعلام أنهم كانوا مثابرين على أدائها. بل كانوا يحرصون على اليقظة في الهزيع الأخير من الليل، بصرف النظر عن التعبد فيه.

 

لقد جاء في كتاب «وسائل الشيعة» ـ الذي يعتبر من أعظم كتب الإمامية، ومدار المذهب ومرجع العلماء والفقهاء ـ واحد وأربعون حديثاً في فضلها، والعديد من الأحاديث في كراهية تركها. وفضلاً عن ذلك يشير إلى السابقات واللاحقات من الأحاديث في شأنها. وهناك، بالطبع، أحاديث كثيرة جداً في كتب الأدعية وغيرها، ولكننا، من أجل التيمن والتبرك نورد بعضاً منها:

 

«عَنِ الكافِي بإسْنَادِه عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ عَمّارِ قَالَ: سَمِعْتُ أبا عَبْد اللهِ عليه السّلام يَق ُولُ: كانَ فِي وَصِيَّةِ النَّبِيِّ صلَّى اله عليه وآله وسلم لِعَليٍّ قوله: يا عَلِيُّ! أوصيكَ في نَفْسِكَ بِخِصالٍ فَاحْفَظْهَا، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ أَعِنْهُ... إلى أنْ قالَ: وَعَلَيْكَ بِصَلاةِ اللَّيْلِ وَعَلَيْكَ بِصَلاةِ اللَّيْلِ وَعَلَيْكَ بِصَلاةِ اللَّيْل» ([15]).

 

يتبيّن من صدر هذا الحديث وذيله ما لصلاة الليل من أهمية.

 

«وعَنِ الخِصالِ بِإسْنادِهِ عَنْ أبي عَبْدِ اللهِ عليه السَّلام قالَ: قالَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لِجَبْرَئيلَ: عِظْنِي، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وأحْبِبْ ما شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفارِقُهُ، وَاعْمَلْ ما شِئْتَ فَإنَّكَ مُلاقِيهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفِ المُؤْمِنِ قيامُهُ بِاللَّيْلِ وَعِزُّهُ كَفُّهُ عَنْ أَعْراضِ النَّاسِ» ([16]).

 

إن تخصيص الموعظة المقدسة لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بهذا الأمر ليدل أيضاً على أهميته البالغة. ولو كان جبرائيل الأمين يرى أهمية أكبر لأجر آخر لكان قدّمه في هذا المقام:

 

وفي المجالس بإسْنادِه عَنْ ابْنِ عَبّاس قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلم في حَدِيثٍ: «فَمَنْ رُزِقَ صَلاةَ اللَّيْلِ مِنْ عَبْدِ أوْ أمَةٍ قامَ للهِ مُخْلِصاً فَتَوضَّأ وضُوءاً سابِغاً وصَلّى لله عَزّ وجلّ بِنِيَّةٍ صادِقة وقَلْبٍ سَليم [ وَبَدَنٍ خاشِعٍ ] وَعَيْنٍ دامِعَة جَعَلَ اللهُ تَعَالَى خَلْفَهُ سَبْعَةَ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ فِي كُلِّ صَفِّ ما لا يُحْصَى عَدَدَهُمْ إلاّ اللهُ أحَدُ طَرَفَيْ كُلِّ صَفٍّ بِالمَشْرِقِ وَالآخَرُ بِالمَغْرِبِ، فَإذا فَرَغَ، كَتَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ بِعَدَدِهِمْ دَرَجاتٍ» ([17]).

 

وَعَنِ العِلَل بِإسْنادِه إلى أَنسٍ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: الرَّكْعَتانِ في جَوْفِ اللَّيْل أحَبُّ إليّ مِنَ الدُّنْيا وَما فِيها» ([18]).

 

وثمة أحاديث كثيرة أشير فيها إلى صلاة الليل هي شرف المؤمن، وزينة الآخرة، مثلما أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا. وَعَنِ العِلَلِ بِإسْنادِه إِلى جَابِرِ بْنْ عَبْدِ اللهِ الأنْصارِيِّ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وآله وسلم يقولُ: مَا اتَّخَذَ اللهُ إبْراهيمَ خَليلاً إِلاّ لإطْعامِ الطَّعامِ وَالصَّلاةِ بِاللَّيْلِ وَالنّاسُ نِيامٌ» ([19]).

 

ولو لم تكن لصلاة الليل سوى تلك الفضيلة لأهلها لكفتها، ولكنهم ليسوا بأمثالي. إننا لا نعلم شيئاً عن عظمة رداء الخَلّة وما يعني مقام اتخاذ الله تعالى العبد حبيباً وخليلاً. فكل العقول تعجز عن تصور ذلك. فلو أنهم أكرموا الخليل بكل ما في الجنة من نعم، فإنه لا يلتفت إليها (ما دام مع خليله). وأنت أيضاً إذا كان لك محبوب عزيز، أو كان لك صديق حميم ودخل عليك، فإنك تترك كل نعمة ورفاه، وتستغني عن ذلك بجمال المحبوب ولقاء الصديق، بالرغم من أن هذا المثل بعيد عن المقام بعد المشرقين.

 

وَعَنْ عَلِيٍّ بْنِ إبْرَاهيمَ بِإسْنادِهِ عَنْ أبي عَبْدِ اللهِ عليه السَّلام قالَ: «ما مِنْ عَمَلِ حَسَنٍ يَعْمَلَه العَبْدُ إلاّ وَلَهُ ثَوابٌ فِي القُرْآنِ إلاّ صَلاةَ اللَّيْلِ فَإنَّ الله لَمْ يُبّيِّنْ ثَوابَها لِعَظِيم خَطَرِهَا عِنْدَهُ» فَقال: «تَتَجافى جُنوبُهُ م عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلونَ» ([20]).

 

ترى ما قرة العين هذه التي يدخرها الله ويخفيها حتى لا يعلم أحد عنها شيئاً، وما يمكن أن تكون؟ فلو كانت من قبيل «أنهار جارية» و«قصور عالية» ومن نِعم الجنة المختلفة، لذكرها الله، مثلما بيّن ما للأعمال الأخرى وأطلع الملائكة عليها.

 

ولكن يبدو أنها ليست من ذلك السنخ، وأنها أعظم من أن ينوّه بها لأحد، وخصوصاً لأحد من أهل هذه الدنيا. إنه لا تقارن نِعم ذلك العالم بالنعم هنا، ولا تظنن أن الفردوس والجنان تشبه بساتين الدنيا، أو ربما أوسع وأبهى. هناك دار كرامة الله ودار ضيافته. فكل هذه الدنيا لا شيء إزاء شعرة وا حدة من الحور العين في الجنة. بل ليست شيئاً إزاء خيط من خيوط الحلل الفردوسية التي أعدّت لأهل الجنة. ومع كل هذا الوصف، لم يجعلها الله ثواب من يؤدي صلاة الليل، وإنما ذكرها من باب التعظيم له. ولكن هيهات! نحن الضعفاء في الإيمان لسنا من أصحاب اليقين، وإلاّ لما كنا نستمر في غفلتنا، ونعانق النوم حتى الصباح. لو أن يقظة الليل تكشف للإنسان حقيقة الصلاة وسرّها، لأنس بذكر الله والتفكر في الله، ولجعل الليالي مركوبه للعروج إلى قربه تعالى، ولما كان ثمّة ثواب له إلا جمال الحق الجميل وحده.

 

الويل لنا نحن الغافلين الذين لا نستيقظ من النوم حتى آخر العمر. نبقى في سُكر الطبيعة غارقين، بل نزداد كل يوم سكراً وغفلة، ولا نفهم شيئاً سوى الحالة الحيوانية من مأكل ومشرب ومنكح، ومهما فعلنا، وإن كان من سنخ العبادات، فإنما نفعله في سبيل البطن والفرج. أتحسب أن صلاة خليل الرحمن كانت مثل صلاتنا؟ الخليل لم يطلب حاجة حتى من جبرئيل، ونحن نطلب حاجاتنا من الشيطان نفسه ظناً منا بأنه يقضي الحاجات! ولكن علينا أن لا نيأس. فلعلك بعد مدة من سهر الليالي والاستئناس بذلك والاعتياد عليه، يلبسك الله بلطفه الخفي خلعة الرحمة. كما أن عليك ألاّ تغفل عن سرّ العبادة بصورة عامة، ولا تقصر همك على التجويد في القراءة وتصحيح الظاهر فقط. ولئن لم تقدر أن تكون خالصاً لله تعالى، فاسعَ، على الأقل، من أجل قرة العين التي يخفيها الله عزَّ وجلَّ، وتذكر الفقير، العاصي، الحيواني السيرة الذي اكتفى من كل المراتب، بالحيوانية. وإذا وجدت في نفسك الرغبة، فقل بخلوص نية:

 

«اللهمّ ارزقني التَّجافِيَ عَنْ دارِ الغُرُورِ، وَالإنابة إلى دارِ الخلودِ، وَالإسْتِعْدَادِ للموت قبل خُلُولِ الفوت» ([21]).

 

فصل: في بيان التقوى

 

اعلم أن التقوى من «الوقاية» بمعنى المحافظة. وهي في العرف وفي مصطلح الأخبار والأحاديث تعني: «وقاية النفس من عصيان أوامر الله ونواهيه وما يمنع رضاه» وكثيراً ما عرفت بأنها «حفظ النفس حفظاً تاماً عن الوقوع في المحظورات بترك الشبهات» فقد قيل: «وَمَنْ أَخَذَ بِالشُّبَهاتِ وَقَعَ فِي المُحَرَّماتِ وَهَلَكَ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُ» ([22]) «فَمَنْ رَتَعَ حَوْلَ الحِمى أوشِكَ أَنْ يَقَعَ فيهِ» ([23]).

 

لا بُدَّ أن نعرف أن التقوى، وإن لم تكن من مدارج الكمال والمقامات، ولكنّه لا يمكن بدونها بلوغ أي مقام، وذلك لأن النفس ما دامت ملوثة بالمحرمات، لا تكون داخلة في الإنسانية، ولا سالكة طريقها، وما دامت تميل إلى المشتهيات واللذائذ النفسية وتستطيب حلاوتها، لن تصل إلى أول مقامات الكمال الإنساني، وما دام حب الدنيا والتعلق بها في القلب، فلا يمكن أن يصل إلى مقام المتوسطين والزاهدين، وما دام حب الذات باقياً في دخيلة ذاته. لن ينال مقام المخلصين والمحبين، وما دامت الكثرة المُلكيّة والملكوتية ظاهرة في قلبه، لن ينال مقام المنجذبين، وما دامت كثرة الأسماء متجلية في باطنه، لن يصل إلى الفناء الكلي، وما دام القلب يلتفت إلى المقامات، لن يبلغ مقام كمال الفناء، وما دام هناك تلوين، لن يصل إلى مقام التمكين ولن تتجلى في سرّه الذاتُ في مقام الاسم الذاتي تجلياً أزلياً وأبدياً. فتقوى العامة إذاً تكون من المحرمات، وتقوى الخاصة تكون من المشتهيات، وتقوى الزاهدين من حب الدنيا، والمخلصين من حب الذات، والمنجذبين من كثرة ظهور الأفعال، والفانين من كثرة الأسماء، والواصلين من التوجه إلى الفناء، والمتمكنين من التلوينات (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) ([24]).

 

ولكل من هذه المراتب شرح وتفصيل لا يحصل لأمثالنا منه سوى الحيرة والضياع في المصطلحات، والتلفع في حجب المفاهيم، إذ لكل معركة رجال.

 

والآن نعود إلى بيان نبذة من التقوى المذكورة في بدأ الأمر، لأهميتها للناس بصورة عامة:

 

فصل: في بيان تقوى العامة

 

اعلم أيها العزيز أنه مثلما يكون لهذا الجسد صحة ومرض، وعلاج ومعالج، فإن للنفس الإنسانية أيضاً صحة ومرضاً، وسقماً وسلامة، وعلاجاً ومعالجاً. إن صحة النفس وسلامتها هي الاعتدال في طريق الإنسانية، ومرضها وسقمها هو الاعوجاج والانحراف عن طريق الإنسانية، وإن الأمراض النفسية أشد فتكاً آلاف المرات من الأمراض الجسمية. وذلك لأن هذه الأمراض إنّما تصل إلى غايتها بحلول الموت. فما أن يحل الموت، وتفارق الروح البدن، حتى تزول جميع الأمراض الجسيمة والاختلافات المادية، ولا يبقى أثر للآلام أو الأسقام في الجسد. ولكنه إذا كان ذا أمراض روحية وأسقام نفسية ـ لا سمح الله ـ فإنه ما أن تفارق الروح البدن، وتتوجه إلى ملكوتها الخاص، حتى تظهر آلامها وأسقامها.

 

إن مَثَل التوجه إلى الدنيا والتعلق بها، كمثل المخدر الذي يسلب الإنسان شعوره بنفسه. فعندما يزول ارتباط الروح بدنيا البدن، يرجع إليها الشعور بذاتها، ومن ثَمّ الإحساس بالآلام والأسقام التي كانت في باطنها، فتظهر مهاجمة لها بعد أن كانت مختفية كالنار تحت الرماد. وتلك الآلام والأسقام إما أن تكون ملازمة لها (للروح) ولا تزول عنها أبداً، وإما أن تكون قابلة للزوال. وفي هذه الحال يقتضيها أن تبقى آلاف السنين تحت الضغط والعناء والنار والاحتراق قبل أن تزول، إذ أن آخر الدواء الكي. قال رسول الله تعالى: (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ) ([25]).

 

إن الأنبياء هم بمنزلة الأطباء المشفقين، الذين جاءوا بكل لطف ومحبة لمعالجة المرضى، بأنواع العلاج المناسب لحالهم، وقاموا بهدايتهم إلى طريق الرشاد. «إننا أطبّاء وتلاميذ الحق» وإن الأعمال الروحية القلبية والظاهرية والبدنية هي بمثابة الدواء للمرض كما أن التقوى، في كل مرتبة من مراتبها، بمثابة الوقاية من الأمور المضرة للأمراض. ومن دون الحميّة لا يمكن أن ينفع العلاج، ولا أن يتبدل المرض إلى صحة.

 

قد يغلب الدواء والطبيعة على المرض في الأمراض الجسيمة حتى مع عدم الحمية جزئياً. وذلك لأن الطبيعة هي نفسها حافظة للصحة ودواء لها. ولكن الأمر في الأمراض النفسية صعب، وذلك لأن الطبيعة قد تغلبت على النفس منذ البداية، فتوجهت هذه نحو الفساد والانتكاس (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) ([26])، وعليه، فإن من

 

يتهاون في الحمية، تصرعه الأمراض، وتجد مناطق للنفوذ إليه، حتى تقضي على صحته قضاء مبرماً.

 

إذاً، فالإنسان الراغب في صحة النفس، والمترفق بحاله، إذا تنبه أن وسيلة الخلاص من العذاب تنحصر في أمرين: الأول: الإتيان بما يصلح النفس ويجعلها سليمة. والآخر، هو الامتناع عن كل ما يضرها ويؤلمها.

 

ومن المعلوم أن ضرر المحرمات أكثر تأثيراً في النفس من أي شيءٍ آخر، ولهذا كانت محرّمة، كما أن الواجبات لها أكبر الأثر في مصلحة الأمور، ولهذا كانت واجبة وأفضل من أي شيء، ومقدمة على كل هدف، وممهدة للتطور إلى ما هو أحسن.

 

إن الطريق الوحيد إلى المقامات والمدارج الإنسانية يمر عبر هاتين المرحلتين، بحيث أن من يواظب عليهما يكون من الناجين السعداء، وأهمهما هي التقوى من المحرمات، وأن أهل السلوك يحسبون هذه المرحلة مقدمة على المرحلة الأولى، إذ يتضح من الرجوع إلى الأخبار والروايات وخطب «نهج البلاغة» أن المعصومين عليهم السلام كانوا يعتنون كثيرا بهذه المرحلة.

 

إذاً، أيها العزيز! بعد أن عرفت بأن المرحلة مهمة جداً. ثابر عليها بدقة، فإذا أنت خطوت الخطوة الأولى وكانت صحيحة، وبنيت هذا الأساس قوياً، كان هناك أمل بوصولك إلى مقامات أخرى، وإلاّ امتنع الوصول، وصعبت النجاة.

 

كان شيخنا العارف الجليل يقول: إن المثابرة على تلاوة آخر آيات سورة الحشر المباركة، من الآية الشريفة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ)([27]). إلى آخر السورة المباركة، مع تدبر معانيها، في تعقيبات الصلوات، وخصوصاً في أواخر الليل حيث يكون القلب فارغ البال، مؤثرة جداً في إصلاح النفس، وفي الوقاية من شر النفس والشيطان. وكان يوصي بدوام حال الوضوء، قائلاً: إن الوضوء مثل «بزّة جندي». وعلى كل حال، عليك أن تطلب من القادر ذي الجلال، من الله المتعال جلّ جلالة، مع التضرع والبكاء والالتماس كي يوفقك في هذه المرحلة ويعينك في الحصول على خصلة التقوى.

 

واعلم، أن بدايات الأمر صعبة وشاقة، ولكن بعد فترة من الاستمرار والمثابرة تتحول المشقة إلى راحة، والعسر إلى يُسر، بل تتبدل إلى لذة روحية، خصوصاً، وأن أصحاب هذه اللذة لا يستبدلونها بجميع اللذائذ. ويمكن، إن شاء الله، وبعد المواظبة الشديدة والتقوى التامة، أن تنتقل من هذا المقام إلى مقام تقوى الخاصة. وهي التقوى التي تتلذذ الروح بها. إذ أنك بعد أن تذوق طعم اللذة الروحية تترك شيئاً فشيئاً اللذائذ الجسدية وتتجنبها. وعندئذٍ يسهل عليك المسير حتى لا تعود تقيم وزناً للذات الجسدية الزائلة، بل تنفر منها، وتقبّح زخارف الدنيا في عينيك، وتنظر في باطنك فتجد أن كل لذة من لذّات هذا العالم قد أوجدت في النفس أثراً وأبقت في القلوب لطخة سوداء تبعث على شدة الإنس بهذه الدنيا والتعلق بها. وهذه هي نفسها تكون سبب الإخلاد إلى الأرض. وعند سكرات الموت تتبدل إلى صعوبة ومشقة ومعاناة. والواقع أن صعوبة سكرات الموت وحالة النزع الأخير القاسية ناجمة عن هذه اللذات وحب الدنيا، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. فإذا أدرك الإنسان هذا المعنى سقطت لذات العالم من عينه كلياً، ونفر من الدنيا وما فيها من مباهج وزخارف. وهذا هو التقدم الثاني إلى المقام الثالث من التقوى.

 

وبذلك يصبح سبيل السلوك إلى الله سهلاً ميسوراً، وطريق الإنسانية نيّراً واسعاً، وتصبح خطوته شيئاً فشيئاً خطوة الحق، ورياضته رياضة الحق، ويتهرب من النفس وآثارها وأطوارها. إذ يجد في ذاته عشق للحق، فلا يعود يقنع بوعود الجنة والحور العين والقصور، بل يكون مطلوبة ومقصوده أمراً آخر، وينفر من الأنانية حب الذات.

 

فيتقي حب النفس ويتقي ذاته وأنانيته. وهذا مقام على قدر كبير من الشموخ والرفعة، وهو أول مراتب هبوب نسيم الولاية، فيدرجه الحق المتعال في كنف لط فه ويعينه ويجعله موضع ألطافه الخاصة.

 

أما ما يحدث للسالك بعد ذلك فخارج عن قدرة القلم. والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــ

 

([1]) (أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب التفكر، ح 1).

 

 ([2]) الخواجة عبد الله الأنصاري الهروي (396ـ481) من المحدثين والعرفاء الكبار ومن مريدي الشيخ أبي الحسن الخرقاني حيث خلفه بعد موته, من مصفاته منازل السائرين, زاد العارفين, رسالة دل وجان (فارسي).

 

 ([3]) للمزيد من الإطلاع يمكن الرجوع إلى كتاب تهذيب الأصول تقريرات الأصول للإمام الخميني «قدس سره» ج1 ص30 بحث «الحقيقة والمجاز».

 

 ([4]) (أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب التفكر، ح 3)

 

 ([5]) أسرار الشريعة وأطوار الطريقة وأنوار الحقيقة, ص207.

 

 ([6]) شرح أصول الكافي , صدر المتألهين ج1 ص251 «كتاب التوحيد باب النهي عن الكلام في الكيفية» ونقد النصوص في شرح الفصوص, الجامي, ص27, 28.

 

 ([7]) محمد بن إبراهيم الشيرازي (979ـ1050) الملقب ب ـ «صدر الدين» و«صدر المتألهين» والمعروف ب ـ صدرا أو «ملا صدرا» من كبار الحكماء والفلاسفة الإسلاميين ومؤسس «الحكمة المتعالية» وصاحب الآراء البديعة في الفلسفة, بعد وفاته طغى مذهبه الفلسفي على بقية المذاهب الفلسفية آنذاك ويمكن القول وبجرأة أن أكثر الحكماء والفلاسفة الإسلاميين من بعده هم من أنصار مذهبه في الفلسفة, ومن ابرز آثاره ومؤلفاته: الأسفار الأربعة والتي تضم قسطاً كبيراً من آراءه ونظرياته الفلسفية ومن مصنفاته الأخرى, تفسير القرآن الكريم شرح أصول الكافي, المبدأ والمعاد, مفاتيح الغيب, الشواهد الربوبية, أسرار الآيات, حاشية على الشفاء.

 

 ([8]) تفسير القرآن الكريم ج4 ص421 ونقل هذا المفهوم بعبارات مختلفة. أصول الكافي ج1 ص93 «كتاب التوحيد , باب النهي عن الكلام في الكيفية» الحديث 7, توحيد الصدوق, ص454 ـ 457, المحجة البيضاء, ح8 ص193, 210.

 

 ([9]) (أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحيد، باب النهي عن الكل ام في الكيفية، ح1)

 

 ([10]) (أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحيد، باب النهي عن الكلام في الكيفية، ح 1 وح 7). (أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحيد، باب النهي عن الكلام في الكيفية، ح 1 وح 7).

 

 ([11]) (أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحيد، باب النهي عن الكلام في الكيفية، ح 1و ح 7).

 

 ([12]) (أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب التفكر، ح3)

 

 ([13]) (أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحيد، باب النسبة، ح 3)

 

 ([14]) وسائل الشيعة، المجلد 17، كتاب الفرائض والمواريث، ح 32365.

 

 ([15]) وسائل الشيعة، المجلد الخامس، الباب 39، من أبواب بقية الصلوات المندوبة، ح1.

 

 ([16]) وسائل الشيعة، المجلد الخامس، الباب 39، من أبواب الصلوات المندوبة، ح3.

 

 ([17]) المجلد الخامس، الباب 39، من أبواب بقية الصلوات المندوبة، ح 29 وح 31 وح 30.

 

 ([18]) المجلد الخامس، الباب 39، من أبواب بقية الصلوات المندوبة، ح 29 وح 31 وح 30.

 

 ([19]) المجلد الخامس، الباب 39، من أبواب بقية الصلوات المندوبة، ح 29 وح 31 وح 30.

 

 ([20]) وسائل الشيعة، المجلد الخامس، الباب 40، من أبواب بقية الصلوات المندوبة، ح13.

 

 ([21]) " مفاتيح الجنان " أعمال ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان.

 

 ([22]) أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث، ح9.

 

 ([23]) وسائل الشيعة، المجلد 18، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، باب وجوب التوقف والاحتياط في القضاء والفتوى، ح39.

 

 ([24]) سورة هود، آية: 112.

 

 ([25]) سورة التوبة، آية: 35.

 

 ([26]) سورة يوسف: آية 52.

 

 ([27]) سورة الحشر، آية: 8.