الإمام الخميني وأبعاد شخصيته العلمية والأخلاقية

2009-12-09
0
318

حوار مع سماحة آية الله جعفر السبحاني[1]

 

الحوزة: سماحتكم كنتم أحد تلامذة الإمام الراحل (قدس سرّه) وحضرتم دروسه لفترة طويلة لذا نرجو من سماحتكم أن تبينوا لنا البعد العلمي عند الإمام الراحل (قدس سرّه).

 

الأستاذ: سأتحدث لكم باختصار عن بعض الأبعاد المهمة في حياة الأستاذ الكبير سماحة الإمام الراحل (قدس سرّه)، بحيث يتضمن هذا الحديث البعد العلمي من شخصيته:

 

ولد الأستاذ الراحل (قدس سرّه) في عشرين جمادى الآخرة سنة (1320ﻫ.ق)، وانتقل إلى رحمة الله كما تعرفون في الليلة التاسعة والعشرين من سنة (1409ﻫ.ق)، مما يعني أن عمره الشريف كان 88 سنة وأربعة أشهر وثمانية أيام. وإذا ما اعتبرنا أن مرحلة طفولته كانت ثمان سنين، ينبغي القول أن ثمانين سنة من عمره الشريف كانت تتضمن أبعاداً مهمة في شخصيته تحتاج إلى الدراسة والبحث والتحليل.

 

وحسب ما ذكره الإمام بنفسه، أنّه تعلم القرآن وقواعد اللغة الفارسية في مدينة خمين، وفي التاسعة عشر من عمره ـ أي في سنة (1339 ﻫ.ق) ـ انتقل إلى مدينة أراك لإكمال دراسته الحوزوية في حوزة آية الله الحائري الّتي أسسها في سنة (1332 أو 1333 ﻫ.ق). فتعلم في تلك الحوزة قسماً من دروس: اللغة العربية والمعاني والبلاغة، ثُمّ هاجر إلى مدينة قم المقدسة في سنة (1340 ﻫ.ق)، أي بعد أربعة أشهر تقريباً من هجرة آية الله الحائري لها.

 

وبعد أن انتقل سماحة الإمام (قدس سرّه) إلى مدينة قم، اتخذ حجرة في مدرسة دار الشفاء للسكن فيها. وفي أحد الأيام تحدث قائلاً: كان طلاب وفضلاء الحوزة في تلك الفترة مجدين كثيراً ومهذبين وزاهدين وملتزمين جداً بالأخلاق والفضائل الدينية وإقامة النوافل والمستحبات. ثُمّ نبّه قائلاً: في تلك السنوات كان أغلب الطلاب يؤدون العمل المعروف بأم داود، فيصومون أيام: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من شهر رجب، لكن أنا وزميلي في السكن لم نوفق لأداء هذا العمل المستحب، ولما كنا مشغولين بشرب الشاي عصراً، أثار اعتراض الطلاب آنذاك.

 

كما ذكر سماحة الأستاذ (قدس سرّه) من ذكرياته: كنا نحضر درس المعالم عند أستاذ مؤدب وخجول جداً، بحيث كان يرتبك ويخجل كثيراً عند حضور أي طالب جديد للدرس، مما كان يؤثر على تدريسه فلا يتمكن من إلقاء الدرس بشكل صحيح، لكن مع ذلك استمر الأستاذ ـ الإمام ـ في حضور درسه حتّى نهايته.

 

درس سماحة الإمام (قدس سرّه) قسماً من كتاب المكاسب عند المرحوم الحاج السيد محمّد تقي الخوانساري، لكنه لم يستمر في حضور درسه بسبب المشاكل في بيان الأستاذ. ودرس الكفاية عند المرحوم الحاج مير سيد علي اليثربي، وبعد أن أكمل مرحلة السطوح، حضر بحثه الخارج أيضاً إلى بحث الترتب.

 

ومن مشايخ الإمام (قدس سرّه) قي الفلسفة والعرفان نذكر:

 

1ـ المرحوم الميرزا علي أكبر الحكمي اليزدي المتوفى سنة 1344

 

2ـ المرحوم الحاج السيد أبو الحسن الرفيعي القزويني المتوفى سنة 1396.

 

3ـ المرحوم آية الله الميرزا محمّد علي الشاه آبادي.

 

درس الإمام (قدس سرّه) قسماً بسيطاً من الأسفار عند المرحوم الحكمي، لكنه لم يستمر في الدرس لاختلافه مع الأستاذ في أسلوب الدرس. ودرس كل المنظومة من أولها إلى آخرها عند المرحوم رفيعي، ثُمّ درس عنده قسماً من الأمور العامة في الأسفار. أما العرفان فدرسه عند المرحوم الشاه آبادي الّذي كان الإمام يجله كثيراً، إذ كان يقول: لم أر إنساناً بلطفه. كما درس عنده شرح الفصوص، وقسماً من مفتاح الغيب، ومنازل السائرين، وبعد وفاة آية الله الحائري، لم يحضر الإمام (قدس سرّه) درس أي من الفقهاء الآخرين، وانشغل بالتدريس. ولإكمال مراحل الفقه والأصول، كان الإمام يشارك في بحوث مشتركة مع كبار فضلاء الحوزة آنذاك، فقد حضر لفترة طويلة في بحث مشترك مع آية الله الصدر وآية الله الزنجاني، وكان يقول (قدس سرّه): حدث في تلك المباحثة نوعاً من النقاش الشديد بيني وبين آية الله الزنجاني، ولكبر سنه وجلالة قدره قبلت يده.

 

وحول تتلمذه لدى المرحوم الشاه آبادي، نقل الإمام لنا قصة فقال: عندما جاء المرحوم الشاه آبادي إلى الحوزة لم نكن بحاجة ماسة لبحث المعقول؛ بل كنا نسعى أكثر للحصول على أستاذ في العرفان، وكان رحمه الله أستاذاً بلا منازع في هذا العلم، لكننا كنا نخشى أن يرفض إذا ما اقترحنا عليه درس العرفان، فعرضنا عليه أوّلاً البدء ببحث الفلسفة، فوافق على ذلك، وأثناء الدرس طلبنا منه أن يبدل الدرس إلى العرفان، فوافق أيضاً.

 

ودرس أستاذنا الجليل ـ الإمام الخميني ـ العروض والقوافي عند المرحوم الشيخ محمّد رضا المسجد شاهي، واستنسخ رسالته الّتي كتبها في العروض والقوافي، والتي ما زالت موجودة عندي حتّى الآن. كان الإمام يقول أيضاً: كنت إذا بدأت درساً عند أحد الفضلاء أسعى قدر الإمكان لإكماله حتّى النهاية، ولا أتركه في الأثناء، وكان المرحوم المسجد شاهي رجلاً فاضلاً، إلاّ أن سرعة بيانه كانت مانعاً لفهم المطالب والمواضيع الدقيقة. فرغم تقديره واحترامه كثيراً من قبل المرحوم آية الله الحائري، إلاّ أن مشكلة البيان كانت مانعاً من ازدهار درسه. وكنت من تلامذته الملتزمين بدرسه طيلة فترة وجوده في قم.

 

ودرس الأستاذ ـ الإمام (قدس سرّه) ـ علم الهيئة والنجوم القديم عند المرحوم الرفيعي، فكل ما تعلمه في شرح الجغميني وما يرتبط بعلم الهيئة القديم من بركات درسه. وكان الإمام متعلقاً جداً بالمرحوم الرفيعي، فلم يتكلم في حضرته أبداً، وفي سنة (1366) عندما زار المرحوم الرفيعي مدينة قم، اجتمع عدد من فضلاء الحوزة في غرفة المرحوم صاحب الداري (الغرفة المتصلة بالمكتبة) تقديراً واحتراماً له، ولم يخلُ المجلس من البحث، فكان المرحوم الرفيعي هو الوحيد الّذي كان يجيب على الأسئلة، ولم يكن الأستاذ الإمام يتكلم احتراماً له. وبعد وفاة آية الله الحائري بدأ بتدريس الأخلاق في المدرسة الفيضية، حيث لاقى استحسان واستقبال الطلاب والفضلاء والشخصيات الحوزوية الواعية. وإضافة للبعد الأخلاقي والعرفاني للدرس، كان يتضمن بعداً سياساً أيضاً، مما أدى إلى تعطيل الدرس من قبل الشرطة، لذا سماحة الإمام نقل حوزة درسه إلى مدرسة الحاج ملا صادق، وكان من بركات هذا الدرس تأليفه لكتاب الأربعين، الّذي كان يمثل خلاصة لبحوثه الأخلاقية.

 

وقد سألت الإمام (قدس سرّه) آنذاك، ما هي الكتب الّتي يمكن أن نستفيد منها في درس الأخلاق؟

 

فأجاب: القرآن وكتب الحديث، فذكرت: إحياء العلوم؟ فقال: قرأته في بداية الأمر فلم يعجبني الأسلوب المتبع في بحوثه.

 

وقد استمرت حياة الإمام (قدس سرّه) حتّى سنة (1360 ﻫ.ق)، بين الدرس والتدريس، ففي العشرين سنة الأخيرة اهتم أكثر بالتدريس والتأليف، لكنه في الوقت ذاته لم يكن بعيداً عما يحدث في البلاد. فكان يذهب أحياناً إلى مدينة طهران للمشاركة في مجلس الشورى الوطني، مما جعله يتعرف هناك على المرحوم المدرس وغيره من الشخصيات السياسية.

 

صفحة جديدة من حياة الإمام:

 

بعد هجوم الحلفاء على إيران سنة (1360ﻫ.ق)، تغيرت جميع الحسابات والمعادلات السياسية، مما أشاع جوّاً جديداً من الحرية، ودفع أحد عملاء الدول الغازية إلى إيجاد نوع من الاضطراب داخل البلاد، وإضعاف عقائد الناس فألف كتاباًَ تحت عنوان (أسرار هزار ساله)، تضمن نقداً للإسلام خاصة المذهب الشيعي، مما أثار حفيظة وغضب المتدينين، فكانوا بانتظار رد الحوزة العلمية في قم على هذا الكتاب، وقد تم بالفعل نشر كتاب بدون ذكر اسم المؤلف رداً عليه، لكن أسلوبه وبيانه كان أفضل تعريف باسم المؤلف، إذ كان بقلم الأستاذ الإمام حيث تم نشره في سنة (1363 ﻫ.ق)، بيّن الأبعاد العلمية والفلسفية والحديثية في شخصية الإمام، ومواقفه السياسية في قبال تجاوزات الغرب وعملائهم في البلاد.

 

الحوزة: الظاهر أن الإمام (قدس سرّه) أدى دوراً مهماً في دعوة آية الله البروجردي إلى حوزة قم العلمية، نرجو أن تبينوا لنا الهدف من تلك الدعوة، وما هو الأثر الّذي تركه قدوم آية الله البروجردي على مكانة الحوزة العلمية في قم؟

 

الأستاذ: ترك المرحوم آية الله السيد البروجردي مدينة بروجرد، وقصد السفر إلى طهران للعلاج، فاستقبله وجهاء طهران وعدد كبير من العلماء وفضلاء الحوزة العلمية، كان في مقدمتهم الإمام ومؤيديه، حيث سعى إلى دعوته للإقامة في قم (بعد أن حصل على موافقة المسؤولين الثلاثة في الحوزة وهم: المرحوم آية الله حجت والمرحوم آية الله الخوانساري، والمرحوم آية الله الصدر)، حتّى يضفي على زعامة الشيعة في حوزة قم قدراً من المكانة والعظمة، إضافة إلى الاستفادة من معلوماته الفقهية والأصولية والرجالية. والحق أن الحوزة العلمية في قم اكتسبت مكانة علمية وسياسية عظيمة بعد قدوم المرحوم آية الله السيد البروجردي إليها؛ بل يمكن القول أنّه ابتدع منهجاً جديداً في الاجتهاد، حيث كان سماحته يدعو إلى بحث المسائل الفقهية بدقّة، وتحقيق المسائل على ضوء الفقه المقارن، وتوخي الدقّة في إسناد الروايات، وضرورة الوقوف على فتاوى أهل السنة في المسائل المختلفة، مما جعل هذا المنهج ينتشر بسرعة في أوساط الحوزة العلمية في قم، كما دعا إليه المرحوم البروجردي.

 

الحوزة: نرجوا أن تبينوا لنا موقف الإمام (قدس سرّه) من النظام الملكي الطاغوتي، أثناء فترة زعامة آية الله السيد البروجردي؟

 

الأستاذ: اختار الإمام في تلك الفترة السكوت، فكان سكوتاً عظيماً منه، فمنذ اليوم الأول لقدوم آية الله السيد البروجردي حتّى يوم وفاته ـ في شوال 1380 ﻫ.ق ـ، لم يتخذ الإمام أي موقف سياسي تجاه الأوضاع الجارية في البلاد، واكتفى بالتدريس والتأليف والسعي في تهذيب النفوس والتذكير بالمراجع خاصة المرحوم السيد البروجردي. في حين كان المتوقع أن يستمر صاحب كتاب (كشف الأسرار) في توضيح أفكاره السياسية في ظل ذلك الجو السياسي الحر نوعاً ما؛ لكنه على العكس، اختار السكوت واهتم بالتأليف وتربية الطلاب. فما السبب الّذي دفع الإمام للسكوت بعد قدوم آية الله السيد البروجردي، وعدم الاستمرار في خطبه الصاخبة المؤثرة؟ السبب أنّه كان رجلاً إلهياً، تدور جميع حركاته وسكناته، كلامه وسكوته، حول محور الواجب والتكليف، فبعد الزعامة الواسعة للمرحوم السيد البروجردي، لم تكن وظيفة الإمام سوى (النصيحة لأئمة المسلمين)، فاهتم في تلك الفترة بالبحث العلمي ولتربية النفوس. فكان سكوته في وجود المرحوم السيد البروجردي، كسكوت علي (عليه السلام) في وجود الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله). فالإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الّذي تكلم أكثر من (12000) خطبة وحكمة، اختار السكوت في حياة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، لكنه بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) خاصة في فترة خلافته، أطلق العنان للسانه ليصرح بالحكم والكلمات الّتي سخرت القلوب، واهتزت لها العروش، فكان سكوته وكلامه من باب أداء الواجب والتكليف.

 

وأتذكر في سنة (1330 ﻫ.ش)، عندما ارتفعت وتيرة الانتخابات آنذاك وانقسمت الدوائر الانتخابية بين مؤيدي مصدق والشاه، ولم يحض أي من المرشحين بدعم ورضا الفضلاء، قام أحد الأصدقاء وهو الحاج الشيخ أسد الله نور اللهي  أثناء جلسة الدرس وطلب من الإمام أن يتدخل في مسألة الانتخابات ويعرّف بعض المرشحين المؤمنين، أو على الأقل يختار لمدينة قم نائباً مناسباً. لكن الإمام اعتذر عن ذلك، وقال إن وظيفتي تقتصر الآن على الدرس فقط. فكان الجمع بين هاتين الخصيصتين المتضادتين من خصائص الرجال العظام. 

 

الحوزة: قبل قدوم آية الله السيد البروجردي إلى حوزة قم العلمية، كان الإمام يدرس السطوح العالية، نرجوا أن تبينوا لنا متى بدأ الإمام بتدريس البحث الخارج، وما هي مكانة درسه من الناحية العلمية؟

 

الأستاذ: كان الإمام يدرس السطوح العالية إضافة إلى بعض الكتب الفلسفية حتّى سنة (1364 ﻫ.ق)، كما كان يحضر بحوثاً مشتركةً في بعض المسائل الفقهية والأصولية مع عدد من فضلاء الحوزة المعروفين آنذاك. وبعد قدوم آية الله السيد البروجردي إلى حوزة قم، بدأ الإمام بتدريس خارج الأصول، اقتصر في البداية على تلامذته المقربين وهم: الشيخ المطهري، والمنتظري، ونور اللهي، وخندق آبادي، وازداد عدد الحاضرين تدريجاً وانضم إليهم المرحوم الدكتور بهشتي. وبعد فترة قصيرة ازداد عدد الطلاب في الدرس، ثُمّ التحقنا أنا والشيخ إبراهيم الأميني، والشيخ الخزعلي والمرحوم السيد سعيدي وغيرهم بهم لنقتطف من ثمار درسه.

 

كان الدرس ذا طابعٍ خاصٍ حتّى ذلك الوقت، وفي سنة (1370 ﻫ.ق)، شرع الإمام بتدريس مباحث خارج الأصول، فبدأ بالمجلد الأول من الكفاية، فاتخذ الدرس طابعاً عاماً وكان حاصله كتاب تهذيب الأصول الّذي نشر في ثلاث مجدات. وعلى هذا الأساس أصبح الإمام في مصاف الأساتذة المشهورين في زمن المراجع العظام: المرحوم البروجردي والمرحوم حجت والمرحوم الخوانساري، فكان درسه من بين الدروس يضم العدد الكبير من الطلاب، وإلى جانب درسه الأصولي، بدأ بتدريس مباحث خارج الفقه، ليحضره أيضاً عدداً كبيراً من فضلاء الحوزة المعروفين، وخلال فترة تواجده في قم درس الإمام المباحث الفقهية التالية:

 

1ـ الزكاة

 

2ـ الطهارة

 

3ـ المكاسب المحرمة

 

4ـ قسم من البيع

 

وبالطبع يسهل علينا ذكر كتاب الطهارة، لكن بحثه استمر سبع سنوات، حيث كتب سماحة الإمام قسماً من دروسه ونشرها، فتمكن من طبع كتاب الطهارة في سبع مجلدات. 

 

الحوزة: ما هو موقف الإمام الراحل (رحمه الله) بعد وفاة المرحوم البروجردي وما هي التحولات الّتي حدثت في الحوزة العلمية في قم؟

 

الأستاذ: أدت وفاة المرحوم آية الله العظمى البروجردي إلى فتح صفحة جديدة في حياة الإمام الراحل (رحمه الله) كسر فيها الصمت وعمد إلى مزج الفقه والفقاهة مع الدراية والسياسة الّتي تعتبر جزءً لا ينفك من الإسلام. وفي تلك الفترة بدأت معارضته لحكومة الشاه الغير شرعية؛ أي حكومة عَلَم، فكان يمثل في الحقيقة مصادقاً (رهبان بالليل وأسد بالنهار)، حيث كان (قدس سرّه) يقف في منتصف الليل لمناجاة ربه، وينشغل في النهار بتدريس الفضلاء الفقه والأصول، إضافة إلى مراقبته للأحداث الجارية في البلاد والعالم، ليكون مصداقاً للحديث الشريف (العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس).

 

إنّ اعتراض الإمام، على إقرار قانون جمعيات الأقاليم والولايات، ثُمّ الاعتراض على اللوائح الستة، ثُمّ اعتراضه على إقرار القانون السيئ الصيت الخاص بمنح الحصانة القانونية للمستشارين الأمريكان، فكانت تلك الاعتراضات بمثابة بارود لا يحتاج سوى شرارة بسيطة لإسقاط النظام الطاغوتي؛ ولهذا السبب تم نفيه في عام (1383ق) إلى تركية، وبعد سنتين من إقامته فيها انتقل إلى مدينة النجف الأشرف.

 

وطيلة خمسة عشر سنة من إقامته في النجف الأشرف، أصبحت المقاومة في إيران أكثر قوة وثباتاً في ظل قيادة الإمام (رحمه الله) ورعايته، لتكون إيذاناً بولادة ثورة عظيمة حدثت في 22 بهمن (1357 ﻫ.ش). 

 

الحوزة: سماحتكم كنتم من تلامذة الإمام الراحل (رضوان الله تعالى عليه)، مما منحكم فرصة الاتصال به والتعرف على صفاته وخصائص شخصيته، لذا نرجوا أن تبينوا لنا وللقراء الكرام هذا البعد من حياة الإمام (رضوان الله تعالى عليه).

 

الأستاذ: إن هذا البعد المهم في حياة الإمام (رضوان الله تعالى عليه)، يتصف بصبغة خاصة لا يمكن لأحد الوقوف عليها، إلاّ إذا كان على اتصال مباشر به لفترة طويلة، وهنا سنشير إلى قسم من هذه الأبعاد:

 

جامع لصفات الأضداد:

 

الكل يعلم عدم إمكانية الجمع بين الأضداد المنطقية، إذ لا يمكن لشيء واحد أن يكون أبيضاً وأسوداً في الوقت ذاته، بينما التضاد الفلسفي يمثل أساس قيام عالم الوجود، حيث أن الدنيا بكاملها تقوم على أساس هذا التضاد الفلسفي، فلو كان العالم يتضمن عنصراً واحداً فقط لما تشكل عالم الوجود، لكن وجود عناصر عديدة يحمل كلّ واحد منها صفات وآثار خاصة، حيث يؤدي الاختلاط بين هذه العناصر إلى تكوين المعادن وإيجاد النبات والحيوان والإنسان في هذا العالم.

 

وفي حياة الإنسان يحدث أحياناً أن تتغلب العاطفة على العقل، لكن يحدث العكس في أحيان أخرى فيتغلب العقل على العاطفة. أما الإنسان الكامل فيتميز باتصافه بكلا الصفتين العقل والعاطفة، بحيث يستفيد من كلّ صفة في موردها الصحيح وغالباً ما يتصف الأفراد العاطفيين بالضعف وقلة الجرأة والشهامة، في حين يتصف الأفراد الأشداء والقساة بعدم تأثرهم بالأمور العاطفية، ونادراً ما نجد شخصاً يحمل كلا الصفتين في آن واحد.

 

أما أمير المؤمنين فكان يقاتل بشدة المئات من الأعداء في ليلة واحدة دون أن يتأثر أو يضعف، لكنه في الوقت ذاته ما أن يرى دموعاًَ تجري على خد يتيم، حتّى يتأثر وتعلو آهاته.

 

وأهل العرفان والسلوك عامة ما يهتمون أكثر بأمور ما وراء الطبيعة، لكنهم لا يهتمون بأمر السياسة وإدارة البلاد، في حين نجد السياسيين والمسؤولين يهتمون بأمور السياسة ويهملون أمور وراء الطبيعة، ونادراً ما نجد شخصاً يتصف بالاثنين معاً. والظاهر أن العرفان والسلوك يتضادان مع التدبير والسياسة، ويندر اجتماعهما في شخص واحد، لكننا نلاحظ وجودهما معاً في شخصية أمير المؤمنين وأولاده المعصومين.

 

أما الفيلسوف الّذي يقضي معظم عمره في تربية عقله وإدراكه، نجده يبتعد عن الخوض في المسائل العرفية والحياة اليومية للناس، في حين نجد الفقيه يهتم بكلام الرواة وأحاديثهم وبإجابات الإمام بمقدار فهم الراوي، ونجده يأنس بالخوض في المسائل العرفية والعادية، لكنه لا يعتني بالتدقيق في المعارف الأخرى. ويندر أن تجتمع في الفيلسوف الدقة في التفكير مع الاستنباطات العرفية من الروايات.

 

كذلك الحال بالنسبة لأهل العلم والفكر الّذين يهتمون بمطالعة الكتب والنظريات العلمية، لكنهم لا يهتمون بالأوضاع السياسية في البلاد والعالم، في حين نلاحظ رجال السياسة يهتمون بمتابعة الأفكار والمواقف السياسية الصادرة من مختلف السياسيين في العالم، لكنهم لا يعتنون بزيادة معلوماتهم العلمية، ورغم ذلك يتفق أحياناً اجتماع هاتين الصفتين في شخص واحد.

 

وعادة ما نطلق على اجتماع مثل هذه الصفات المتضادة الّتي يندر اجتماعها في شخص واحد، اصطلاح اجتماع الأضداد، وهو بالطبع التضاد الفلسفي وليس المنطقي، ويعتبر أمير المؤمنين مصداقاً جلياً على هذا الاصطلاح، ولهذا يقول الشاعر السيد حيدر الحلي، حول هذا الموضوع:

 

جمعت في صفاتك الأضداد                       فلهذا عزت لك الأنداد

 

فكان الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه) الابن والخلف الصالح لأمير المؤمنين (عليه السلام) وارثاً لجده في امتلاك مثل هذه الخصيصة من اجتماع الأضداد في شخصيته، فكان مظهراً للعاطفة لكنه في الوقت ذاته كان بطلاً شجاعاً، وكان شديد التأثر بالظروف الإنسانية، ومقاوماً وشديد البأس في مقابل الظلم والطغيان. وكان عارفاً وسالكاً لم يترك صلاة الليل لأكثر من ستين سنة. وكان يدعو ربه ويناجيه بحيث يظهرها في قالب من الشعر العرفاني أحيانا.

 

إنّه كان شديد التفكر والتأمل، وفي نفس الوقت كان سياسياً عادلاً ومدبراً أيضاً، فتمكن بقوته وصلابته من أخذ زمام أمور البلاد وإيصالها إلى الأمان. كان فيلسوفاً دقيقاً أدرك بحق الأمور الإلهية بل وتذوقها، لكنه في الوقت ذاته كان إنساناً عرفياً في مجال الفقه، بحيث كان ينزل أفكاره وآراؤه إلى مستوى المسائل الّتي يمكن أن يطرحها الشخص العادي على الإمام.

 

وطيلة الثمانين سنة من عمره، تعامل الإمام مع مختلف العلوم والفنون حتّى أنّه ترك في كثير منها مؤلفات قيمة، وفي الوقت ذاته، كان مطلعاً على معظم الأحداث السياسية في العالم. والأهم من ذلك، كان يمتلك قلباً يشع بالنور الإلهي بحيث غالباً ما كان قادراً على معرفة ثبات الأفراد بالتدقيق في سيمائهم ولحن كلامهم؛ لذا ينبغي القول، أن الإمام كان بحق إنساناً نادراً اجتمعت في شخصيته الأضداد.

 

جملة أخرى من صفاته المعنوية:

 

رغم أن الإمام (رضوان الله تعالى عليه) كان يحيي الليل بالعبادة والتهجد، إلاّ أنّه كان يشمئز جداً من التظاهر بالزهد والتقوى أمام الناس، ولم يلاحظ طيلة عمره ماسكاً بالمسبحة ويردد الأذكار، ورغم زهده وتقواه وابتعاده عن ملذات الدنيا وزبرجها، كان يسعى للظهور بمظهر لائق من ناحية اللباس والشكل، واجتناب ارتداء الملابس القديمة أو الرخيصة؛ لأنه حسب الظاهر كان يعتقد أن هذا السلوك يعد مظهراً من مظاهر الاستعطاء وليس الزهد.

 

ورغم أن الإمام كان يعتبر مسألة تعدد الزوجات أمراً أساسياً ويدافع عنه باستمرار، لكنه لم يكن يرى ذلك مناسباً لرجل الدين إذا لم تقتضي الضرورة، وكان يقول من باب المزاح: (إن زوجة واحدة زائدة ونصفها قليل), وكان يذّكر دائماً بهذا الموضوع أن الناس ينظرون بشكل خاص لرجل الدين.

 

ورغم كونه إنساناً متفكراً وقوراً ذو هيبة خاصة يكثر من السكوت والتأمل، إلاّ أنّه في عين الحال كان يحب مجالس الأنس مع الأصدقاء والمقربين، لأنه كان يعتبر مثل هذه المجالس ضرورية لصفاء الذهن وشحنه، حتى أنّه كان يقول: «في مرحلة الشباب، لم يكن يمض خميس أو جمعة إلاّ وكنا نقيم مع بعض الأصدقاء مجلس للأنس والترفيه، ولكثيراً ما كنا نذهب خارج قم خاصة إلى جمكران، وفي فصل الشتاء أثناء هطول الأمطار والثلوج، كنا نجتمع في إحدى الغرف للسمر والترفيه عن أنفسنا، وما أن نسمع صوت المؤذن حتّى ننهض للصلاة».

 

وكان الإمام (رضوان الله تعالى عليه) شديد التعلق بالقرآن وتلاوته والتدبر في معانيه الدقيقة، حتّى أتذكر يوماً أني طلبت منه أن يكتب تفسيراً للقرآن، فرد قائلاً: إن من يكتب التفسير ينبغي أن ينشغل في حياته بهَمِّ وهدف واحد فقط، وليس ممن هو مثلي لديه الكثير من الاهتمامات والمشاغل. وكان في الفلسفة كثير الاهتمام بفلسفة «صدر المتألهين» وفي العرفان كان مولعاً بكتب القاضي سعيد القمي. وكان ملتزماً بقراءة الزيارة الجامعة في جميع مراقد أهل البيت (عليهم السلام). كما كان يهتم كثيراً بالبحث والمناقشة في المسائل العلمية، ويرغب بالمناقشة وطرح الإشكالات في الدرس، حتّى أنّه إذا ما خيم السكوت على الدرس، كان يقول: هذا مجلس درس، وليس مجلس وعظ، تكلموا واعترضوا. وأتذكر أني كنت أوجه الأسئلة وأطرح الإشكالات في الدرس أكثر من الآخرين، مما أثار امتعاض بعض الحاضرين، فطل


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق