بقلم محمد كاظم تقوي[1]

إنّ كتاب (سير مبارزات إمام خميني در آينه اسناد به روايت ساواك)[2] هو كتاب قيم في إثنين وعشرين مجلداً، يتناول من خلال الشرح والتحليل الحياة السياسية والجهادية للإمام الخميني (قدس سره)  وفقاً لما جاء في وثائق جهاز الإستخبارات المركزي الإيراني (ساواك)[3]، كما يتحدث عن أبعاد هذه الشخصية (مؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران).

 يتضمن المجلد الأول من هذه المجموعة الوثائق التي تتحدث عن أوضاع الحوزة العلمية في قم، ومكانة الإمام ومميزاته، والأحداث التي جرت قبل حادثة (15 خرداد سنة 1342 هـ.ش)[4] ومواقف الإمام في تلك الفترة.

 أما المجلدات من الثاني إلى الثامن، فتتضمن بحوثاً مثل: حادثة (15 خرداد)[5] وانعكاساتها، الإعتقالات والنفي، إستشهاد ابن الإمام، انتفاضة (19 دي)[6] في قم، هجرة الإمام إلى باريس، قيادته للثورة من مكان إقامته في المنفى، ومواقف الإمام وبياناته التي أدت إلى قيام الثورة الإسلامية.

 في حين تهتم المجلدات من التاسع إلى الحادي والعشرين بتحليل الوثائق المتعلقة بمواضيع مثل: (الإمام، الشخصيات، المجموعات السياسية والإجتماعية، أقارب الإمام والمنسوبين إليه وعائلة الإمام)، و(الإمام والشعب)، و(الإمام ونظام الشاه) و(الإمام، الحكومات والمسائل العالمية).

 وهذه المقالة تتناول بعض هذه الوثائق مع تقييم وشرح مختصر لما جاء فيها.

 إنّ ظاهرة (الثورة الإسلامية) ومؤسس نظام الجمهورية الإسلامية، هي ظاهرة مهمة جداً تستحق البحث والدراسة لسنوات وأجيال عديدة، مما يساعد على بقائها وديمومتها.

 وبلا شك لا نبالغ إذا ما قلنا أن قيام هذه الظاهرة المحيّرة المليئة بالخير والبركة، يعود إلى شخصية الإمام الخميني (قدس سره)، بل أن مقتضى الإنصاف والوقائع غير القابلة للإنكار تؤكد أن ما حصل حتى الآن من بركات وخيرات وما يحصل منها وما سيحصل، كلها من بركات آثاره الوجودية.

 إذن، لمعرفة (الثورة) و(الجمهورية الإسلامية) بشكل صحيح وأدق، ينبغي علينا دراسة أبعاد وجوانب شخصية مؤسسهما وقائدهما، حتى نتمكن من تحليل حياته السياسية والجهادية ـ على ضوء الوثائق والمستندات الموجودة ـ ثم نقدم نتيجة هذه الدراسة إلى القراء والباحثين؛ لأن الباحث سيتمكن من خلال هذه الوثائق التعرف على تفاصيل شخصية قائد الثورة الإسلامية، وبالتالي تقديم تحليل أفضل للأحداث والتغيرات التي وقعت في فترة الثورة الإسلامية.

 فمثلاً، إذا ما تساءل المحقق، كيف لشخص مثل الإمام كمرجع تقليد وقائد إسلامي، أن يهاجر إلى دار الكفر ـ باريس ـ ويقيم فيها؟ أو يتساءل، كيف لقائد فقيه له نظريات وآراء وينتمي إلى مذهب فقهي واضح، أن يصرح ويؤكد على نوعية النظام(جمهورية إسلامية) لا تنقص كلمة ولا تزيد؟ وغيرها من أمثال هذه الأسئلة، فإذا ما أردنا الإجابة بشكل تحليلي وإقناعي، فإن ذلك يستلزم وقتاً طويلاً؛ لأنه يتطلب دراسة وتحليل أبعاد وجوانب شخصية الإمام الخميني ومراحل جهاده، بل دراسة جميع مراحل حياته.

 لكن كتاب (سير مبارزات إمام خميني در آينه اسناد به روايت ساواك) بمجلداته الإثنين والعشرين، يقرّب المحقق الطالب للحقيقة أكثر من الوصول إلى الواقع. إذ تمّت طباعة ونشر هذه المجموعة القيمة بهمة وجهود(مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني قدس سره) في ربيع سنة (2007م).

 الآن، وبعد تقديم الشكر إلى المؤلفين والمساهمين في تأليف وكتابة هذه المجموعة التاريخية والثقافية والسياسية القيمة، وعرضها على الباحثين والمهتمين بهذه المواضيع، نقدم تقريراً مختصراً عن محتويات هذا الكتاب. وقبل البدء بهذا التقرير، من المناسب أن نذكّر القراء ببعض النقاط المهمة:

 1ـ ضرورة تدوين وتنظيم الوثائق والمستندات.

 إنّ اهتمام المرحوم السيد أحمد الخميني (نجل الإمام قدس سره) بوثائق السافاك التي تختص بجهاد الإمام، دفعه إلى أن يوجّه رسالة إلى سماحة الإمام ـ مؤسس الجمهورية الإسلامية ـ ينبهه فيها عن عدم الدقة الموجودة في انتشار هذه الوثائق، إضافة إلى عدم انسجامها، ولهذا يطلب من سماحة الإمام تعيين شخص يتولى مسؤولية تنظيم هذه الوثائق والمؤلفات الخاصة به.

 جاء في رسالته:

 (المسألة الأخرى... إن ملفات السافات الخاصة بسماحتكم, والموجودة الآن لدى وزارة الأمن، ونسخة منها موجودة عندي أيضاً, رأيت من الضروري أن أطلعكم أن هذه الملفات الخاصة بسماحتكم, والتي كانت موجودة في مديرية أمن الشاه في طهران، تبلغ لوحدها ثمان وأربعين مجلداً، وكل مجلد منها يحتوي على خمسمائة صفحة، لذا فإن نشرها سيؤدي بلا شك إلى إزاحة الستار عن الكثير من المسائل، كما أنها تعد واحدة من أنْفَسِ الوثائق الخاصة بالثورة الإسلامية).

 فأجابه الإمام:

 (بما أني أعتبرك ولله الحمد صاحب رأي وفكر في المسائل السياسية والإجتماعية، وكنت ولازلت تقف إلى جانبي في جميع المواقف والأحداث، تتولى مسؤولية إدارة أموري السياسية والإجتماعية بصدق وكياسة، لذا أنتخبك لتولي مسؤولية تنظيم وتدوين جميع المسائل الخاصة بي، لمنع حدوث الإختلاف والإشتباه فيها عند عرضها في وسائل الإعلام).

 ونتيجة لهذا التعيين والأمر بتولي هذه المسؤولية، تم تأسيس (مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني) بشكل رسمي، ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن، قامت المؤسسة بالكثير من الوظائف المهمة، منها تنظيم هذه الوثائق. وبالطبع بقي الكثير من المهام الأخرى التي تزيد مسؤولية هذه المؤسسة أضعافاً.

 2ـ إنّ مصدر وثائق هذه المجموعة، يعود إلى الوثائق التي جمعها السافاك في ملف الإمام الخميني (قدس سره)  تحت أرقام (67908 و 5756)، وذلك خلال الفترة بين سنة (1957م) حتى انتصار الثورة الإسلامية سنة (1979م).

 3ـ كيفية تصنيف هذه الوثائق.

 إنّ كثرة الوثائق الخاصة بالإمام الخميني (قدس سره)  في السافاك، قد أدى إلى صعوبة وصول الباحثين والمحققين إلى الوثائق المطلوبة، لذا عمد المسؤولون على هذه المجموعة, إلى تنظيمها حسب مواضيعها ليتسنى للباحثين الوصول إلى الوثائق المطلوبة بسهولة، ثم تنظّم هذه الوثائق حسب تاريخ التقرير، وتاريخ الحدث، وتاريخ وصوله، مع رعاية تنظيمها وتصنيفها حسب المواضيع المطلوبة.

 4ـ خلاصة الوثائق.

 لأجل تسهيل مهمة الباحثين والمحققين في الوصول إلى الوثائق المطلوبة، عمد المسؤولون عن هذه المجموعة, إلى إعداد نبذة وخلاصة عن الوثائق الخاصة بكل موضوع في بداية كل فصل تحت عنوان (خلاصة الوثائق) أو تحت عنوان (المدخل).

 بعد التنبيه على النقاط السابقة، نقدم تقريراً عن مواضيع ومحاور كل مجلد، ثم ننقل بعض الوثائق أو نشير إلى بعض النقاط المهمة فيها، بعد مطالعتها والتدقيق فيها.

 عناوين المجلد الأول:

 1ـ الفترة التي تسبق مرسوم تأسيس إتحاد الولايات والمحافظات[7].

 2ـ إتحاد الولايات والمحافظات.

 3ـ الإستفتاء الصوري للشاه(السادس من بهمن 1341ـ1962م).

 4ـ نوروز عام (1342هـ.ش ـ1963م) وفاجعة المدرسة الفيضية.

 5ـ عاشوراء عام (1383هـ.ق) وانعكاساتها.

 إن الوثيقة الأولى في المجلد الأول بتاريخ (22/12/1335هـ.ش 1956م) ، تتضمن تقريراً عن وضع الحوزة العلمية في قم، وتصرح بأن الرئاسة العليا للحوزة بيد آية الله البروجردي (قدس سره).

 إن هذا التقرير يتحدث أيضاً عن الوضع الدراسي والمعاشي للطلاب، الذي يقدر عددهم بأكثر من خمسة آلاف طالب؛ كما يذكر المراجع والمدرسين، ومسؤولي الدرجة الثانية في الحوزة العلمية في قم، ويشرح أوضاعهم الدراسية.

 النقطة المهمة في هذا التقرير أنه يقدر عدد الطلاب عند سائر المراجع العظام (غير السيد البرجردي) بما لا يزيد عن ثلاثمائة طالب، في حين يذكر عدد أن طلاب الإمام الخميني حدود الخمسمائة طالب، ويذكر بجانبها ملاحظة (وهذا مهم بالنسبة للدرس).

 النقطة المهمة الأخرى أيضاً هي: أنّ هذه الوثيقة تذكر الإمام الخميني كأحد المدرسين الثلاثة (يهتمون بالجانب الإجتماعي أيضاً)، والأهم أنها تذكر عبارة: (إنّ أغلب العلماء والمدرسين يعارضون الشيوعية لكنهم أيضاً لا يؤيدون نظام الحكم في البلاد).

 وجاء في الصفحة (58) من هذا المجلد، رسالة بتاريخ (20/11/1340هـ.ش ـ1961م) كتبها آية الله السبحاني إلى أستاذه الإمام الخميني؛ وذلك أثناء فترة تبليغه في شهر رمضان في مدينة كرمان، يذكر فيها استفتاءاً عن المعادن على سطح الأرض، الموجودة بكثرة في كرمان، ثم يتطرق إلى مسألة النفط، ويتساءل أنه لماذا لا يعطى المسلمون خمسه، ثم يطلب من الإمام أن يجد الفرصة في شهر رمضان لمطالعة رسالة لا ضرر ـ بقلم التلميذ ـ لتصحيحها وتدوين بعض الملاحظات عليها.

 الوثيقة الأخرى في هذا المجلد هي (الإمام الخميني وخطر إسرائيل) التي وقعت فيما بعد بيد السافاك، وترتبط بعلاقة نظام الشاه مع إسرائيل:

 المرحوم آية الله الشيخ حسين اللنكراني، في تاريخ (26/1/1348هـ.ش 1969م) وفي جلسة أقيمت في منزل محمد حسن الطاهري الأصفهاني، بحضور السيد محمد رضا سعيدي[8] والشيخ حسين الكاشاني، تحدث حول موضوع علاقته السابقة بالإمام الخميني، فقال: كان (الإمام) الخميني متواجداً في كرج فترة من الزمن، وكنت خلالها أراجعه كل يوم، وعندما أرادت إيران الإعتراف رسميّاً بإسرائيل، غضب المرحوم المرجع الحاج حسين البروجردي كما غضب عامة الشعب أيضاً.

 كان (الإمام) الخميني في كرج آنذاك، فصار القرار أنه؛ أنا أذهب  إلى طهران للبدأ بالثورة، وأن يرسل الإمام الخميني شخصاً إلى السيد البروجردي لطلب المساعدة منه، ولهذا أرسل ـ(الإمام) الخميني ـ المجتهدي التبريزي إلى قم لإطلاع السيد البروجردي، وعندما عاد المجتهدي أبلغه أن السيد البروجردي كان غاضباً جداً من الإعتراف باليهود، وهو أشد غلياناً منا، لكن في عصر نفس ذلك اليوم إلتقى به أحد الأشخاص من طهران، فتغيّر بعدها موقف السيد البروجردي, وقال لن أتدخل في هذا الأمر. فتأثر (الإمام) الخميني جداً ومَرضَ على أثرها لعدة أيام، حتى أن الأطباء قالوا إنه تعرض لصدمة شديدة!

 

رسالتان من الإمام إلى الشاه:

 على رغم علم الإمام الخميني (قدس سره)  وتأكده من شخصيّة الشاه المنحطة وتبعيته هو وأركان حكومته، فإنه سعى إلى تنفيذ طموحاته السياسية ـ الإجتماعية وفق خطة مدروسة ومنظمة على ضوء عملية معقولة ومنطقية، إذ كان في البداية، ينصح أعضاء الحكومة ويدعوهم إلى الإصلاح، وينبههم على ضرورة إصلاح سلوكهم الخاطئ لأنه من صلاح البلاد والشعب. وعندما رأى عدم فائدة مساعيه الإصلاحية، بدأ بإعداد الشعب للنهضة والثورة والسعي لإسقاط الحكومة البهلوية الفاسدة، وقد تمكن الإمام باستقامته وشجاعته وبصيرته الواسعة، أن ينفذ جميع مطالبه الضرورية على أحسن وجه وفي كافة المراحل.

 عندما رد الشاه بشكل مهين على رسالة الإمام الأولى، وادعى كذباً أنه (كان يسعى دائماً لحفظ الشعائر الدينية أكثر من أي أحد آخر) كما أرسل برقية الإمام إلى الحكومة وذيلّها بعبارة (أرجو لكم التوفيق في نشر القوانين الإسلامية وهداية العوام). أرسل الإمام رسالته الثانية بعيداً عن الإنفعال، ودون أن يتراجع ذرة واحدة عن موقفه، فكتب إليه بشهامة وشجاعة عجيبة: (بالطبع إن وظيفة رجل الدين هي الإرشاد وهداية الشعب، لكن مع الأسف وعلى رغم أنه قد نبهت السيد أسد الله علم· على هذه البدعة التي يريد إيجادها في الإسلام، وأطلعته على مفاسدها، فإنه لم يذعن لأمر الله القهار، ولم يلتزم بالدستور ولا قانون المجلس، ولم يطع الأمر الملكي، ولم يهتم بنصيحة علماء الإسلام..)

 وفي نهاية هذه الرسالة، قام الإمام بتهديد الشاه بصراحة، قائلاً:

 (إنّ شعبنا المسلم يتوقع أن تأمروا بشدة السيد علم وتجبروه على إطاعة قانون الإسلام والدستور، وأن يستغفر الله عن الجسارة التي ارتكبها بحق القرآن الكريم، وإلاّ سأضطر إلى كتابة رسالة طويلة أذكركم فيها بمواضيع أخرى).

 النقطة المهمة والدقيقة، نجدها في القسم الأخير من الرسالة والدعاء الذي كتبه في نهايتها وكأن الإمام يرى ما سيحدث بعد الخمسة عشر عاماً:

 (أسأل الله تعالى الإستقلال لجميع البلاد الإسلامية وحفظها من الفوضى والثورة).

 أما محورية الإمام منذ بداية النهضة، فقد جاءت في (ج1، ص 98): في صباح هذا اليوم أرسل الشيخ الفلسفي[9] برقية إلى آية الله الخميني في قم يسأل فيها: عقدنا منذ عدة ليال إجتماعاً في مسجد الحاج عزيز الله، فهل نستمر في عقد هذا الإجتماع أم لا[10]؟

 إنّ معلومات الإمام الواسعة ولغته المعاصرة، قد منحته بصيرة واسعة ورأياً نافذاً في مجال العلوم العقلية والنقلية، وبالإضافة إلى ذلك إطلاعه وإشرافه على زوايا وخفايا الأمور السياسية الإجتماعية سواء الداخلية منها أو الدولية. والشاهد على هذا الكلام، هذه المقاطع من رده على سؤال التجار وأصحاب الحرف من أهالي مدينة قم المقدسة حول تصريحات السيد عَلَم في موضوع التصويت على مرسوم إتحاد الولايات والمحافظات.

 فكتب سماحته:

 (... إنّ تفسيره لهذا المرسوم، فاقد لأي اعتبار قانوني.. وإني لأتعجب كيف يتحمل السادة الوزراء هذه المسؤولية القانونية الكبيرة، ولا يقدموا على إعادة النظر به، ولا يريدون الوقوف بشموخ أمام الشعوب المتحضرة وأمام شعبهم، والخضوع أمام الدين والقانون.

 إنّ إعادة النظر بهذا المرسوم والإذعان لرأي الدين والقانون، هو دليل على الشهامة والتحضر، ويوافق القوانين الدولية، أما الإلتفاف على القانون ومخالفة إرادة الشعب فهي عادات القرون الوسطى وبعيدة عن الأدب والأخلاق، ومن الأفضل لوزراء دولة عريقة أن لا يوصفوا بمثل هذه الأوصاف، وأن لا يقوموا بفعل يكون دليلاً على تخلف شعبهم وعدم تطوره, وذلك من خلال قيامهم بعمل يخالف الدين والقوانين.

 إنّ المنع الشديد للصحف من نشر أخبار هذه النهضة الوطنية والقانونية الكبيرة يعد أمراً نادراً قل حدوثه، بحيث ينهض شعب بكامله للدفاع عن دينه ودستوره، ويتفق على هذا العمل في جميع مدن البلاد.

 وهو عمل مشين لحكومة تدعي التحضر, بحيث أصبحنا نشعر بالخجل والإهانة بين وكالات الأنباء والسفارات الأجنبية، ونحن نبرئ الشعب الإيراني من مثل هذه الأعمال القرون الوسطائية، ونلقي جميع الذنب على عدد معدود من الأفراد المغرورين أو الواقعين تحت التهديد. إذ أن الشرفاء يحترمون دينهم ودستورهم، ويتجنبون القيام بأعمال تجلب المخاطر للشعب ولاستقلال البلاد).

 

في البند الخامس من هذا الجواب حول رأي علم، نقرأ:

 (كتبوا أن هذا الموضوع عرفي! فإذا كان القصد أنه لا يرتبط بحكم الشرع فهو أمر عجيب جداً، لأن جميع المواضيع العرفية لها حكم في الشرع، وهؤلاء السادة جاهلون بقوانين الإسلام وبالحقوق الإسلامية. فعليكم أن تسألوا علماء الإسلام عن حكم هذا الموضوع العرفي..).

 

ويصرح الإمام في البند السادس:

 (يجب أن نقول لرئيس الوزراء، لا يمكن لأي مجلس أو أي مسؤول "أي حتى الشاه" أن يقر قانوناً يخالف الإسلام والمذهب الجعفري، فارجعوا إلى الأصل الثاني الملحق بالدستور. والحمد لله، إنّ الشعب المسلم وعلماء الإسلام مازالوا يقظين وواعين وعلى استعداد لقطع كل يد خائنة تمتد للنيل من الإسلام وأعراض المسلمين).

 إنّ هذه الرسالة تمتلئ بالمنطق القوي الذي يحمله الإمام وبمعلوماته ولغته المعاصرة، ومن الواضح أن قيمة وأهمية هذه اللغة تتضح إذا ما عدنا خمسين سنة إلى الماضي، وقارنا هذه الرؤية وهذا الأسلوب مع الأساليب الأخرى، ومع مستوى وعمق تفكير العظماء الآخرين وبقية أفراد وطبقات المجتمع.

 

 الإمام، قائد النهضة

 في الوثيقة المؤرخة بتاريخ (7/2/1342 هـ.ش 1963م) ، نقرأ:

 إنّ مواقف آية الله الخميني المعارضة في الأشهر الأخيرة، وتصديه لمعارضة الإصلاحات التي قام بها (حضرة الأعلى همايوني)[11] والحكومة، قد أدى إلى تمركز الشخصيات البارزة من رجال الدين حوله، وبسبب هذه المركزية أصبحت الحوزات العلمية, الدينية خارج إيران تعتبره أبرز الشخصيات الدينية في إيران، وأوضح دليل على هذا البروز هو برقية التعزية التي أرسلها له آية الله الحكيم بعد الأحداث الأخيرة..

 كان هذا بروزاً محيراً لشخصية الإمام الخميني خاصة بعد المساعي الشيطانية لحكومة بهلوي في عزل وإهمال الحوزة العلمية في قم وعظمائها، خاصة الإمام الخميني؛ (من كان لله كان الله له).

 أما التفاوت بين شخصية الإمام والآخرين، فقد جاء في (ج1، ص 291)، حيث أصدر أحد الأعاظم بيانياً حول حادثة مدرسة الفيضية[12]، ومن جملة ما جاء فيها:

 (... إنّ الفاجعة المؤلمة التي حدثت في مدرسة الفيضية في قم، نتيجة للإعتداءات الوحشية التي قام بها عدد من رجال الأمن ضد طلاب العلوم الدينية و...).

 من الواضح أن هذه النظرة للقضايا والمسائل، تقلل من أهمية المسألة وتنسب هذه الفاجعة العظيمة والخيانة التاريخية إلى (عدد من رجال الأمن)، وبالتالي تبرئ الآمرين والسلاطين المجرمين!. وفي مقابل هذه المجموعة، كان الإمام الخميني (قدس سره)  بشجاعته النادرة وبصيرته الإلهية، يتهم النظام وقادته بهذا الجرم، ويقول:

 (إنّ المشكلة الكبيرة تكمن في أننا عندما نراجع أي مسؤول، يقول: إنّ هذه كانت بأمر (حضرة الأعلى) ولم يكن بيدنا حيلة، كلهم من رئيس الوزراء إلى قائد الشرطة وقائم مقام قم، يقولون أن هذا بأمر من حضرة الأعلى.

 يقولون: إن جرائم مدرسة الفيضية كانت بأمره.. فإن كان هذا صحيحاً، فعلينا أن نقرأ الفاتحة على الإسلام وإيران والقوانين، وإن لم يكن صحيحاً وأنهم كانوا ينسبون هذه الجرائم ومخالفة القوانين والأعمال غير الإنسانية إلى الشاه كذباً، إذن لماذا لا يدافع عن نفسه، حتى يتخذ الشعب موقفه من الحكومة، ويحاسبها في الوقت المناسب بجزاء أعمالها؟! لقد نبهت مراراً أن هذه الحكومة تحمل نيّة سيئة وتخالف أحكام الإسلام.. وأنا لا أعلم، هل جميع هذه الجرائم والجنايات تحدث لأجل نفط قم، وعلى الحوزة العلمية أن تدفع الثمن؟ أم لأجل إسرائيل ويعتبروننا معارضين لعقد اتفاقية التعاون مع إسرائيل ضد الدول الإسلامية...)

 

عناوين المجلد الثاني والثالث:

 1ـ إعتقال الإمام، ونهضة (15 خرداد 1342هـ.ش).

 2ـ الإمام في السجن.

 3ـ مؤامرة نفي الإمام.

 4ـ فترة الإقامة الجبرية.

 5ـ إطلاق سراح الإمام وانعكاساته.

 بعد انتفاضة (15 خرداد) والجرائم والإعتداءات الوحشية التي ارتكبها نظام الشاه ضد أفراد الشعب، وموقف الإمام الشديد من هذه الأحداث الذي انتهى إلى اعتقاله وسجنه، قد أدّى إلى موجة غضب شعبية وعلمائية واسعة جداً، بحيث ذكرت الوثائق بعض ردود الأفعال هذه، ومنها:

 أصدر المرحوم آية الله المرعشي النجفي[13] بياناً شديد اللهجة، ذكر فيه:

 (نحن نصرخ اليوم " هل من ناصر ينصرنا" وسنبقى إلى آخر لحظة على الصراط القويم، إن دمائنا ليست أفضل من دم أخينا العزيز سماحة آية الله العظمى السيد الخميني، ولن نتراجع عن مواقفنا ما لم يعيدوه إلينا صحيحاً سالماً. وسنبقى ندافع عن حريم الإسلام والقرآن حتى آخر لحظة من دمائنا) (ج2، ص 34).

 لكن مع الأسف يوصي السيد شريعتمداري أحد مريديه في تبريز أثناء مكالمة هاتفية معه، بالتالي: