الوحدة الإسلامية في كلمات الإمام الخامنئي

2011-05-10
0
217

الوحدة الإسلامية في كلمات الإمام الخامنئي

كانت شخصية النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في القمة من عالم الخلقة، سواء في أبعادها الطبيعية التي يستطيع البشر فهمها، من قبيل المعايير الإنسانية السامية كالعقل، والتدبير، والذكاء، والكرم، والرحمة، والعفو، والحسم، أو في أبعادها المتعالية على مرتبة الذهن البشري - الأبعاد الدالة على تجليات الاسم الأعظم للحق تعالى في وجود الرسول الأكرم، والمؤشِّرة إلى مقام قربه من الله تعالى - والتي لا نسمع ولا نعلم عنها سوى اسمها ورسمها، إذ لا يعلم حقيقتها إلا الله العظيم وأولياؤه الأجلاّء. أضف إلى ذلك أن رسالة ذلك الإنسان الكبير هي الأرقى والأفضل لإسعاد الإنسان؛ إنها رسالة التوحيد؛ رسالة علو درجات الإنسان، وتكامل وجوده. صحيح أن الإنسانية لم توّفق لحد الآن لتطبيق هذه الرسالة بنحو تام في جميع أبعادها الحياتية، لكن مسيرة الرقي والتسامي البشري ستبلغ يقيناً هذه المرتبة في يوم من الأيام. هذه هي نقطة الذروة وأوج السمو المتاح أمام الإنسان. على افتراض أن فكر الإنسانية وفهمها ومداركها السامية ومعارفها وعلومها تتقدم دوماً نحو الأمام، ورسالة الإسلام بدورها لا تزال حيّة، ستجد هذه الرسالة دون أدنى ريب مكانتها في حياة المجتمع الإنساني يوماً ما. أحقية الرسالة النبوية، وأحقية التوحيد الإسلامي، ودروس الإسلام في الحياة، وطريق الإسلام لإسعاد الإنسان وتقدمه، سيبلغ به الموضع الذي يجد فيه هذا الطريق اللاحب السوي ويشرع بالسير فيه والتقدم إلى الأمام حتى يجد رفعته وتكامله.

المهم بالنسبة لنا نحن المسلمين هو أن نضاعف معرفتنا للإسلام والرسول الأكرم. من المآسي الكبرى في العالم الإسلامي اليوم مأساة التفرقة والانفصالات، ويمكن لشخصية الرسول المقدسة أن تكون محور الوحدة في العالم الإسلامي، فهو العقيدة التي يحملها الجميع والبؤرة التي تجتمع فيها عواطف الناس كافة. ليس لنا نحن المسلمين قطبٌ بهذا الوضوح و الشمولية كما هي شخصية الرسول المقدسة؛ الشخصية التي يؤمن بها المسلمون وتهفو قلوبهم ومشاعرهم نحوها بوشائج عاطفية ومعنوية. هذا هو أفضل قطب للوحدة. ليس من الصدفة ما نلاحظه في السنوات الأخيرة، وعلى غرار ما جرى في القرون الوسطى وحقبة التحليلات الاستشراقية المغرضة، من إهانات توجّه لساحة النبي الأكرم المقدسة. كان القساوسة المسيحيون خلال القرون الوسطى يهينون شخصية الرسول الأكرم في كتاباتهم، وأقوالهم، وأعمالهم الفنية؛ وكذلك فعل المستشرقون في كتاباتهم حينما شاعت بينهم الكتابة التاريخية. وفي القرن الماضي أيضاً لاحظنا المستشرقين الغربيين غير المسلمين يوجهون شكوكهم وإهاناتهم - فيما يوجهون - لشخصية النبي الأكرم المقدسة المباركة! ومضى زمن على ذلك، لكنهم عاودوا الكرة في الفترة الأخيرة، حيث يمكن للمرء ملاحظة هجوم صحفي وثقافي مشؤوم وسيئ ضد شخصية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم في مختلف أكناف العالم. يمكن لهذا الأمر أن يكون مدروساً، لأنهم تفطّنوا إلى أن المسلمين بوسعهم الاجتماع حول محور الوجود المقدس للنبي الأكرم والاعتقاد به ومحبته وعشقه، وهذا ما يدفعهم للتشكيك في هذا القطب. من واجب علماء الإسلام، والمستنيرين المسلمين، والكتاب، والشعراء، والفنانين في العالم الإسلامي اليوم أن يرسموا للمسلمين وغير المسلمين شخصية النبي الأكرم وأبعاد عظمة هذه الشخصية الكبرى في حدود قدراتهم. هذا شيء سيساعد على اتحاد الأمة الإسلامية والنهضة والاندفاع نحو الإسلام الذي يشاهد اليوم لدى الأجيال الشابة من الأمة الإسلامية.

من كلمته في مدراء الدولة بمناسبة ولادة الرسول الأكرم (ص) 31/3/1379ش ( 21/6/2000م)

من الصدقات الجارية للثورة، والتي جاءت ببركة الذهن الواعي للإمام الراحل رضوان الله تعالى عليه هو إعلان أيام ولادة النبي الأكرم عليه وعلى آله الصلاة والسلام أياماً للوحدة الإسلامية. هذه القضية لافتة من زاوية أن الوحدة الإسلامية تمثل أحد المطامح والآمال. البعض يحملون هذا الأمل حقاً، والبعض يذكرونه كلقلقة لسان لا أكثر. على كل حال، لابد لهذا الطموح من سبيل عملي. ما من طموح يمكن أن يتحقق بدون مساعٍ وجهود. وحينما نفكر بالسبل العملية لهذا الهدف والطموح نجد أن من أفضلها وأكبرها هو الشخصية العظيمة في عالم الخلقة، أي الكيان المبارك للرسول الكريم واستقطابه لعواطف عامة المسلمين وعقائدهم. قد لا يكون لنا بين الحقائق والمعارف الإسلامية شيء تُجمع عليه آراء كافة المسلمين وعقائدهم وعواطفهم لهذه الدرجة، أو أن مثل هذه الحقائق نادرة جداً؛ فالعواطف أيضاً لها دور كبير. ما عدا بعض الأقليات والجمعيات المنفصلة عن عامة المسلمين والتي لا تعير أهمية للعواطف ولا تكترث للمحبّة والإقبال والتوسل، يُقبل عامة المسلمين بعواطفهم على النبي الأكرم عليه وعلى آله الصلاة والسلام. إذن، يمكن لشخصية هذا الإنسان العظيم أن تكون محوراً للوحدة.

من كلمته في لقائه مدراء الدولة وضيوف مؤتمر الوحدة الإسلامية 24/5/1374ش (15/8/1995م)

على المسلمين والمستنيرين الإسلاميين تركيز جهودهم واهتمامهم على شخصية هذا الإنسان العظيم وتعاليمه بنظرة إسلامية شاملة. من العوامل التي بوسعها أن تمثل محوراً لهذه الوحدة وشيئاً يتفق عليه جميع المسلمين هو اتباع أهل بيت الرسول. جميع المسلمين يؤمنون بأهل بيت الرسول. الشيعة طبعاً يؤمنون بإمامتهم، وغير الشيعة لا يعدونهم أئمة بالمعنى الشيعي لكلمة إمام، لكنهم يعتبرونهم من شخصيات الإسلام الكبيرة وعائلة الرسول وعلماءً بالمعارف والأحكام الإسلامية. على المسلمين أن تتفق كلمتهم عملياً على كلمات الأئمة عليهم السلام وأهل بيت الرسول. هذه من أدوات الوحدة.

من كلمته في لقائه مدراء الدولة وضيوف مؤتمر الوحدة الإسلامية 24/5/1374ش (15/8/1995م )

ولادة النبي الأكرم محطّة تاريخية بارزة بالنسبة لكل إنسان مسلم. وقد أفضت هذه الولادة لاحقاً لتحرك عظيم في تاريخ الإنسانية. كل فضيلة في هذا العالم نابعة - وإنْ بشكل غير مباشر - من تلك البعثة المباركة وإقامة مكارم الأخلاق على يدي ذلك الرسول العظيم. يعلم كل مسلم أن استقطاب عواطف العالم الإسلامي وتجميع مشاعر الفرق الإسلامية المختلفة ليس لها من قطب ومركز أفضل من الكيان المقدس للرسول الأكرم؛ فجميع المسلمين يحبون ذلك العظيم وقد كان محور الأمة الإسلامية على طول التاريخ. إذن، هذه الولادة مهمة بالنسبة لنا.

من كلمته في لقائه مدراء الدولة وضيوف مؤتمر الوحدة الإسلامية 4/6/1373ش (26/8/1994م )

الرسول (ص) المحور الرئيس لاجتماع المسلمين

النقطة الثانية تتعلق بشخص الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم). اسم هذا الإنسان العظيم وذكراه ومحبته وحرمته وتكريمه محور رئيس لاجتماع كافة المسلمين في جميع العصور الإسلامية. ما من محور آخر في الدين الإسلامي تتقبله كل الأمة الإسلامية وكل واحد من المسلمين ويتفقون عليه ويتفاهمون بشأنه هكذا ومن جميع النواحي والجهات، سواء الجهات العقلية، أو العاطفية، أو الروحية، أو المعنوية والأخلاقية. هذه هي النقطة المركزية والمحورية. القرآن والكعبة والفرائض والعقائد مشتركة كلها، لكن كل واحدة منها تسترعي اهتمام بعد واحد من شخصية الإنسان كالعقيدة، والمحبة، والنـزعة الروحية، وحالة التقليد والتشبه والتخلّق العملي. ثم إن معظم هذه الأمور المذكورة كانت موضع اهتمام المسلمين بتفاسير ووجهات نظر مختلفة، أما الشيء المشترك بين كافة المسلمين من الناحية الفكرية والعقيدية والوحدوية - فوق قضية العاطفة والمشاعر - فهو الوجود المقدس للرسول الخاتم والنبي الأكرم سيدنا محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلّم). هذه نقطة ينبغي إكبارها وإجلالها. ولابد من مضاعفة هذه المحبة يوماً بعد يوم، كما ينبغي تكريس هذه النـزعة المعنوية والروحية نحو ذلك الكيان المقدس في أذهان المسلمين وفي قلوب كل الناس. تلاحظون في سياق التآمر والغزو الثقافي ضد الإسلام أن من المواطن التي تتعرض لتآمر الأعداء بكل خبث هو هذا الكيان المقدس الجليل الذي تعرض للهجوم في ذلك الكتاب الشيطاني (كتاب الآيات الشيطانية)، وكشف هذا عن ما ترمي إليه مؤامرة العدو من أهداف في المنظومة العقيدية والعاطفية للأمة الإسلامية.

من كلمته في مقرئي أربعين بلد في العالم وعدد من المكفوفين بمناسبة بعثة الرسول 4/12/1368ش (23/2/1990م )

وجود نبي الإسلام المكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أكبر رصيد للوحدة في كافة العصور الإسلامية، وبوسعه أن يكون كذلك اليوم أيضاً، ذلك أن إيمان كل واحد من المسلمين بذلك الوجود المقدس العظيم مصحوب بالعاطفة والحب، لذلك كان هذا الإنسان الكبير محور العواطف والعقائد عند جميع المسلمين، وهذه المحورية من أسباب استئناس قلوب المسلمين وتقارب الفرق الإسلامية من بعضها. ما من إنسان بمقدوره تبيان أبعاد شخصية النبي الأكرم بشكل كامل وتقديم صورة له تكون قريبة من شخصيته الجليلة. ما عرفناه وعلمناه عن سيد الرسل في كل التاريخ والشخص الذي اصطفاه رب العالمين، إنْ هو إلا ظل وقبس طفيف من الوجود المعنوي الباطني الحقيقي لذلك الإنسان العظيم. ولكن حتى هذا القدر من المعرفة يكفي للمسلمين كي يضمن لهم أولاً حركتهم صوب الكمال ويضع نصب أعينهم قمة الإنسانية وذروة التكامل البشري، وثانياً كي يشجعهم على الوحدة الإسلامية والتجمع حول هذا المحور. وعليه فإن توصيتنا لكل مسلمي العالم أن يضاعفوا من نشاطهم حول أبعاد شخصية الرسول وحياته وسيرته وأخلاقه والتعاليم المأثورة والمنصوصة عن ذلك العظيم.

يتعين علينا الجد في تعريف الرسول الأكرم (ص). بعد حقبة القرون الوسطى حيث شنت في العالم الغربي والمسيحي هجمات دعائية واسعة ضد شخصية النبي الأكرم (ص)، وأدرك أعداء الإسلام الألداء أن من طرق محاربة الإسلام تشويه صورة نبي الإسلام المكرم (صلى الله عليه وآله وسلّم) وقد فعلوا الكثير على هذا الصعيد، إلى أن راح العدو في يومنا هذا يعمل بشكل مستمر وبأساليب مختلفة على تبديد شخصية الرسول في أذهان أحرار العالم، ثمة في العالم حالياً الكثير من الناس لو عرفوا رسول الإسلام بمقدار ما يعرفه المسلمون أو حتى أقل من ذلك - أي لو تجلّى مجرد ظل لذلك الوجة النيّر على قلوبهم - لأمكن ضمان اعتقادهم وميلهم إلى الإسلام والنـزعة المعنوية في الدين الإسلامي. لابد لنا من العمل في هذا المجال. ربما كانت الدعوة الأفضل للإسلام هي أن نعرض شخصية رسول الإسلام على المتلقّين والباحثين عن الحقيقة. ومن المناسب جداً أن يمارس الفنانون المسلمون والمطّلعون والخبراء بالأساليب المختلفة في العالم أنشطتهم العلمية والثقافية والفنية والتبليغية بشأن هذه الشخصية المعظمة المكرمة من قبل أن يبادر الأعداء والمعارضون لتشويهها في أذهان الناس غير المطّلعين في العالم بأساليبهم الثقافية والفنية المعقدة. هذه أنشطة واجبة وضرورية. لقد لاحظتم خلال الفترة الأخيرة أن الاستكبار العالمي حينما واجه التنامي المعنوي الإسلامي الحاصل بفضل الثورة الإسلامية، ولم يستطع دحر وهزيمة الثورة والجمهورية الإسلامية - وهي اليوم مظهر الإسلام العملي ومؤشره - على الصعيد العسكري والسياسي، واعتزموا شن الغزو الثقافي، كلّفوا عميلهم المرتزق بإهانة الرسول الأكرم والنبي المعظم، وبأن يكتب بنـزعته الشيطانية وبأمر من شياطين المال والسطوة في العالم ذلك الكتاب الشيطاني (كتاب الآيات الشيطانية)، وقد واجهوا بالطبع رداً حاسماً من قبل مسلمي العالم وفي طليعتهم إمامنا الجليل وقائدنا العظيم الراحل الذي حكم بإهدار دم ذلك الشيطان وإعدامه. إذن، إحدى المسائل هي أن نعمل على تعريف شخصية الرسول الأكرم، وشخصيته هنا لا تعني فقط حياته، إنما ينبغي الاهتمام أيضاً بالأبعاد المختلفة لوجوده العظيم كأخلاقه وأسلوبه في الحكم ورعايته للناس وعبادته وسياسته وجهاده وتعليماته. وليس أن نؤلف الكتب فقط، بل علينا البدء بالأعمال الفنية والدعوية بأساليب حديثة وباستخدام التقنيات المتوفرة، وليس في الجمهورية الإسلامية وحسب، بل في كل أنحاء العالم الإسلامي.

من كلمته في ضيوف مؤتمر الوحدة الإسلامية، ورجال الدين والمسؤولين وأئمة الجمعة والأخوة السنة والشيعة في محافظتي كردستان وكرمانشاه وجماهير مدن قزوين، ومباركة، وسرخه، وخواف 24/7/1368ش (16/10/1989م)

 

مُنقذ الإنسانية الكبير

لاشك أن يوم ولادة الرسول الذي تنوّر فيه العالم المظلم بالنور الإلهي لهذا الوجود المقدس ينبغي أن يعد منطلق تاريخ جديد للإنسانية. وكما قال الإمام علي عليه الصلاة والسلام فقد كانت المجتمعات البشرية تفتقر يومذاك لأنوار السعادة بسبب سيادة القوانين والسلطات الظالمة؛ »والدنيا كاسفة النور ظاهرة الغرور«. أنوار وجود الرسول أفشت منذ البداية علامات سيادة الحق ودلائل البرهان الإلهي بين الناس. العجائب التي وقعت عند ولادة الرسول الأكرم كانت في الحقيقة إنذاراً للإنسانية والتاريخ. أن يتعرض قصر كسرى للتصدع عند ولادته، أو تنطفئ النار في المعابد فلهذا معناه الرمزي. المعنى الرمزي لهذه الحقائق والحوادث هو أن ظهور هذا الوليد المبارك سيفتح أمام الإنسانية طريقاً جديداً، وعلى الإنسانية أن تنجو من ظلمات الأوهام والنظم الظالمة. أما مَن هم الذين سيختارون هذا الطريق ويسيرون فيه بقوة، ومن هم الذين سيعرضون عنه ولا ينالون خيراته، فهذا يعود إلى إرادة الأفراد واختياراهم، فهم الذين يختارون مصائرهم ومستقبلهم بأنفسهم. لكن هذا الطريق مفتوح أمام البشرية. أضف إلى ذلك أن السُّنّة الإلهية تقتضي حركة الإنسانية العامة نحو هذه الأهداف السامية. هذا هو الشيء الذي يسير المجتمع البشري نحوه حتمياً وطبيعياً، وهذا ما تدل عليه جميع أحداث التاريخ. السمو العلمي للبشرية والتقدم المعرفي للإنسان يتجه كله صوب تعاليم نبي الإسلام المكرم ونحو نهاية هذا الطريق. واليوم أيضاً يشعر البشر أكثر من أي وقت آخر بالحاجة لتعاليم الرسول النيّرة. شعبنا يفخر أولاً بأنه اختار هذا الطريق بوعيه وإرادته وقراره وصموده ومقاومته، ويفخر ثانياً بأنه أصرَّ على السير في هذا الطريق. إنه لفخر كبير للشعب الإيراني أن يحمل راية الدعوة النبوية في جميع ميادين الحياة. لم يأت الدين الإسلامي لمجرد أن يزرع عقيدة في زاوية من قلب الإنسان أو ذهنه حتى لو لم تترك تلك العقيدة أي تأثير في سلوكيات الإنسان وحياته. جاء الإسلام ليغيّر الحياة ويصحّح حياة البشرية. الاعتقاد بالإسلام ينبوع العمل الإنساني. أحكام الإسلام وقوانينه تشمل كافة صعد الحياة الإنسانية - الاجتماعية، والفردية، والسياسية، والاقتصادية - وللإسلام برامجه وإرشاداته لكل هذه الصعد والمجالات. الشعب الإيراني اليوم يفخر والحمد لله بإدراج كافة مجالات حياته ضمن تعاليم الإسلام. طبعاً لا يزال البون شاسعاً بين واقع حياتنا وما يريده الإسلام منا، غير أن مسيرة النظام الإسلامي متجهة نحو ردم هذه الهوة، وقد سرنا في هذا الاتجاه والحمد لله طوال الأعوام الماضية، وكان ذلك بفضل الثورة وإرشادات الإمام الكبير والهمة الجهادية التي تحلّى بها الشعب الإيراني، وقد ترسخت خطوات الشعب الإيراني في هذا الطريق يوماً بعد يوم.

من كلمته في مدراء الدولة بمناسبة ولادة النبي الأكرم (ص) والإمام الصادق (ع) 20/3/1380ش (10/6/2006م)

في المعايير البشرية، ترتبط بركة الوليد والولادة بالآثار المباشرة أو غير المباشرة التي تترتب عليها. إذا صح هذا المعيار - وهو صحيح - يتوجب القول إن الوليد الأكثر بركة ممن ظهروا إلى الحياة طوال التاريخ هو الكيان المقدس لنبي الإسلام المكرم صلى الله عليه وآله وسلم. تبتدئ هذه البركات منذ لحظة ولادته، وهذا ليس بالشيء العجيب. قال النبي عيسى عليه الصلاة والسلام منذ بدء ولادته: ﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ ﴾. إنه يعلن بركاته منذ الساعات الأولى أو الأيام الأولى لولادته. وكذا الحال بالنسبة لرسولنا. ما سجلته التواريخ من تهاوي قمة قصر كسرى، أو انطفاء النار في معبد النار القديم - وغيرها من العلامات والدلائل المسجلة - هذه كلها بشائر بركات هذا الكائن العظيم. كل ما كان في هذا العالم من ظواهر قائمة على أساس سيادة الشرك والكفر والاستبداد والظلم والتفرقة بين البشر، ينبغي أن تزول تدريجياً ببركة وجود هذا الإنسان السامي، والممتاز، والمنقطع النظير. ما أخذه ذلك العظيم على عاتقه في مقام العمل والجهاد هو الجزء الأصعب من هذه المهمة. انطلاقة هذا الطريق وبداية هذه الدعوة هي الجزء الأهم من المهمة. مشكلة العالم في ذلك العصر هي أن الناس وطبقات المجتمع في كل أنحاء العالم كانوا قد اعتادوا سيادة ما سوى الله، وأدمنوا حكومة الطواغيت والظلم والتباين الطبقي. من هم الذين يجب أن يقفوا أمام هذه الظواهر؟ المظلومون كما يفترض، وحين يؤمن المظلومون أنفسهم بسيادة حكومة الظلم فسوف تتبدد آمال الإصلاح. توعية الناس وإيقاظ العالم والبشرية هو المهمة الكبرى التي اضطلع بها الرسول الأكرم في دعوته النبوية؛﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ إنها تذكرة وتذكير وتحذير وتوعية لكل البشرية. المحطة التي تولّى فيها ذلك الرجل العظيم مهمات التوعية كانت من أصعب المحطّات؛ فالعصبيات، والنـزعات القبلية، والاعتبارات الشخصية والفردية المختلفة زادت من صعوبة المهمة الملقاة على عاتقه. تحمّل(ص) جهاداً مضنياً حتى استطاع فتح هذا الطريق الإنساني المسدود وتحطيم هذه الصخرة العاتية. وكل من تحرك وعمل منذ ذلك اليوم وإلى الآن فإنما فعل ذلك تبعاً لذلك الإنسان العظيم واحتذاءً لخطاه وبمساعدة سيرته ونموذجه. ليس المسلمون وحدهم من استفادوا من التعاليم النبوية. فالعلوم، والحضارة، والمعرفة، وتقدم قافلة البشرية في عالم اليوم رهن بوجوده.

من كلمته في مدراء الدولة بمناسبة ولادة الرسول الأكرم (ص) والإمام الصادق (ع) 10/4/1378ش (1/7/1999م )

ولادة النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم جديرة باهتمامنا نحن المسلمين من عدة نواح . إنها ذكرى ذات معانٍ ومضامين جمّة. الناحية الأولى هي أن ولادته وقعت، عالمياً وتاريخياً، في زمن كان للبشرية عموماً - وليس لشعب معين أو أهل بلد بذاته، بل للبشرية ككل - خصوصيتان بارزتان. إحدى هاتين الخصوصيتين هي أنها كانت متقدمة جداً على ما كانت عليه في السابق من الناحية العلمية، والعقلانية، والفكرية. فقد ظهر في الإنسانية فلاسفة وعلماء - علماء رياضيات، وأطباء، ومهندسون كبار - وحضارات ضخمة. وما كان لهذه الحضارات أن تنهض لولا العلم! الأكاديميات في الغرب، وأمثال مدينة هغمتانه في الشرق، وحضارة الصين، وحضارة مصر، والحضارات التاريخية الكبرى، كانت جميعها قد مرت ومضت. أي إن البشرية كانت قد اكتملت. هذه إحدى الخصوصيتين، والخصوصية الثانية - والجمع بين هاتين الخصوصيتين عجيب جداً - هي أن البشرية في ذلك العصر كانت أشد انحطاطاً على الصعيد الأخلاقي من أي وقت سابق. وإذا لم نشأ أن ننعتها بهذا وجب القول إنها كانت في ذروة الانحطاط. هذه الإنسانية المتمتعة بالعلم والمعرفة كانت شديدة الخضوع لأسر العصبيات والخرافات والأنانيات والظلم والجور والحكومات اللاإنسانية المجرمة. هذا هو الواقع الذي ساد العالم آنذاك. لو طالع الإنسان التاريخ للاحظ أن الإنسانية كافة كانت أسيرة في ذلك الحين. وكما جاء في كلام الإمام علي عليه الصلاة والسلام »في فتن داستهم بأخفافها ووطأتهم بأظلافها وقامت على سنابكها«. كانوا في أوج الفتن والضغوط والمشكلات والاقتتال. البشرية كانت تعيش حياة مريرة. يقول الإمام علي في نفس الخطبة: »نومهم سهود«. أي إنهم لم يكونوا ينامون رغداً... ما ورد في الآثار والتواريخ من أن قمة قصر كسرى تحطمت وعلامات الوثنية والشرك في العالم تزلزلت، إذا صحّت هذه الآثار، فلربما كانت عرضاً للقدرات الإلهية للإعلان الرمزي عن مجيء هذه القوة التي يراد لها تحطيم جميع أركان الظلم والفساد وتطهير العلم من الخرافة، والحضارة من الجور والفساد. هذا ما فعله نبينا العظيم. واجه هذا الوليد المقدس عند بعثته الكبرى مثل هذا العالم، وأنقذ الإنسانية بجهاده المضني من الجهل والخرافة والفساد والظلم والعصبيات المدمرة وتعامل البشر فيما بينهم بمنطق القوة وظلمهم واستغلالهم لبعضهم. بل لقد قلب واقع الإنسانية رأساً على عقب، وأطلق في العالم واقعاً ووضعاً جديداً. من البديهي أن مهمة الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن إصلاح الدنيا برمتها، لا! كان عليه أن يأخذ النموذج السليم من الوحي ويعطيه للبشر ليطبقوه طوال حياتهم وفي كل لحظة من لحظاتهم. أما من الذي طبّقه ومن الذي فرّط به فهذا موضوع آخر. لقد أدى ذلك الإنسان الجليل رسالته بتمامها وأكمل مهمته والتحقق برحمة ربه.

من كلمته في مدراء الدولة وشرائح الشعب المختلفة بمناسبة ولادة الرسول الأكرم (ص) والإمام الصادق (ع) 14/6/1372ش (5/9/1993م)

أمرنا الله تعالى نحن المسلمين أن نتبع الرسول. وهو اتباع يتعلق بكل شيء في الحياة. لقد كان ذلك الرجل العظيم أسوة ونموذجاً لا في أقواله فقط، بل في سلوكه وأسلوب حياته أيضاً وطريقة معاشرته للناس والعائلة والأصدقاء، وتعامله مع الأعداء والأجانب، ومع الضعفاء والأقوياء، وفي كل شيء. مجتمعنا الإسلامي لا يكون إسلامياً متكاملاً بالمعنى الحقيقي للكلمة إلا حينما يطابق سلوكه سلوك الرسول. وإذا كانت مطابقة سلوكه مائة بالمائة أمراً غير متاح عملياً - وهو غير متاح - فلا أقل من التشبه به، فلا يسود حياتنا الوضع المضاد لحياة النبي الأكرم، بل نتحرك في خط حياته.

الدعوة والجهاد المشهد الأول في حياة الرسول (ص)

سأتحدث باختصار عن ثلاثة مشاهد مهمة في حياة الرسول الأكرم. طبعاً وُضعت في هذا الباب الكثير من الكتب، والكلام أطول من أن يمكن أداء حقه في مثل هذه الكلمات، إنما ينبغي اقتطاف زهرة أو غصن من كل روضة من أجل أن تبقى ذكرى هذا الإنسان الكبير حية في أذهاننا. المشهد الأول من حياة الرسول مشهد الدعوة والجهاد. العمل المهم الذي اضطلع به رسول الله هو الدعوة للحق والحقيقة، والجهاد في سبيل هذه الدعوة. لم يعترِ الرسول الأكرم التردد والتذبذب حيال العالم الحالك في زمانه، سواء يوم كان وحيداً في مكة أو أنَّ جماعة قليلة من المسلمين كانت تحيطه ويقف حياله زعماء العرب المتغطرسون وصناديد قريش وأشقياؤها بأخلاقهم العنيفة وأياديهم المقتدرة، مضافاً إلى عامة الناس ممن لم ينالوا نصيباً من الوعي والمعرفة..لم تأخذه الرهبة والخوف، وأطلق كلمة الحق، وأعادها، وبيّنها، وأوضحها، وصبر على الإهانات والمتاعب والآلام، حتى استطاع إدخال عدد كبير من الناس في الإسلام، أو يوم أقام الحكومة الإسلامية وتولّى هو زمام السلطة كرئيس لهذه الحكومة، يومذاك أيضاً كان ثمة أعداء ومعارضون من صنوف شتى يقفون بوجه الرسول، منهم جماعات العرب المسلحة - البدو المتوزّعون في صحاري الحجاز واليمامة وكل مكان وكان ينبغي لدعوة الإسلام أن تصلحهم لكنهم قاوموها - ومنهم أيضاً الملوك الكبار في العالم آنذاك - القوتان العظميان في العالم يومذاك إيران والامبراطورية الرومانية - وقد كتب الرسول الرسائل، وخاض السجالات والمحاججات، وتحدث وتكلم، وساق الجيوش، وتحمل المتاعب والعنت، وتعرض للخطر الاقتصادي، وبلغت الأمور حداً لم يكن أهل المدينة يجدون ما يأكلونه ليومين أو ثلاثة. مخاطر كثيرة أحاطت الرسول من كل صوب. بعض الناس كان يصيبهم القلق، والبعض كانوا يتزلزلون، والبعض يتململون، والبعض يحثون الرسول على اللين والاستسلام، بيد أن الرسول لم يصب بالضعف والخور في ميدان الدعوة والجهاد حتى للحظة واحدة، وسار بالمجتمع الإسلامي نحو الأمام بقوة إلى أن بلغ به ذروة العزة والاقتدار. واستطاع هذا المجتمع في السنين اللاحقة بفضل ثبات الرسول في سوح القتال والدعوة أن يتحول إلى القوة الأولى في العالم.

السلوك مع الناس المشهد الثاني في حياة الرسول (ص)

المشهد الثاني من حياة النبي (ص) مشهد سلوكه وتعامله مع الناس. لم ينس الرسول أبداً أخلاق رعاية الناس ومحبتهم والرفق بهم والسعي لتكريس العدالة بينهم. عاش كالناس وبين ظهرانيهم، وقام وقعد معهم، وصادق العبيد والطبقات المسحوقة ورافقهم، وأكل الطعام معهم، وجالسهم، وأبدى لهم المحبة والمداراة. لم تغيّره السلطة ولا الثروة الوطنية. لم يتغير سلوكه في عهد المشاق ولا في العهد الذي تبددت فيه تلك المشاق. كان مع الناس ومنهم في كل الأحوال. يرفق بالناس ويطلب لهم العدالة. في معركة الخندق حينما كان المسلمون محاصرون في المدينة من كل النواحي تقريباً، ولم يكن يصل المدينة ما تحتاجه من طعام حتى نفد قوت الناس وكان البعض منهم لا يجد ما يأكله ليومين أو ثلاثة، في مثل تلك الظروف كان الرسول يشارك الناس حفر الخندق قبال الأعداء ويذوق طعم الجوع مثلهم.

الذكر والعبادة المشهد الثالث في حياة الرسول (ص)

وبالتالي فإن المشهد الثالث في حياة الرسول هو مشهد ذكر الله وعبادته، إذ لم يكن يغفل رغم مقامه وشأنه وعظمته عن العبادة.. يبكي في منتصف الليل ويدعو ويستغفر. ذات ليلة لم تجد أم سلمة الرسول في مكانه، وبحثت عنه فوجدته يدعو ويذرف الدموع ويستغفر ويقول: »اللهم ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين«. فاختنقت بعبرتها وبكت، فانتبه لها الرسول والتفت ليسألها: ما تفعلين هنا؟ فقالت: يا رسول الله، مالك تبكي وتقول اللهم لا تكلني لنفسي مادام الله تعالى قد أعزّ قدرك وغفر ذنوبك ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾؟ فقال لها: »وما يُؤمنني؟« ما الذي سيحفظني ويبقي عليَّ إذا غفلت عن ربي؟ هذا درس لنا. في أيام العزة، وفي أيام الذلة، وفي أيام العنت والشدة، وفي أيام الرخاء، وفي أيام الحصار الذي يفرضه الأعداء على الإنسان، وفي الأيام التي يفرض فيها الأعداء أنفسهم بكل سطوتهم وجبروتهم على أعين الإنسان ووجوده، أن يتذكر الإنسان ربه في كل هذه الأحوال والآنات، ولا ينساه، ويعتمد عليه، ويطلب منه حوائجه، فهذا درس عظيم يقدمه الرسول لنا.

من خطبتي صلاة الجمعة بطهران 5/7/1370ش (27/9/1991م)

رَحْمَة للعالمين

كانت هذه الولادة طليعة الرحمة الإلهية في تاريخ الإنسانية. ذكر القرآن الكريم الرسول باعتباره ﴿ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾. إنها رحمة غير محدودة تشمل التربية، والتزكية، والتعليم، وهداية البشر للصراط المستقيم والتقدّم بالناس في مجالات حياتهم المادية والمعنوية. وهي رحمة لا تختص بالناس في ذلك الزمن، إنما تفيض على كل التاريخ: ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾. طريق الوصول إلى ذلك الهدف هو العمل بالمعارف والقوانين الإسلامية المرسومة للبشر.

من كلمته في مدراء الدولة بمناسبة ولادة الرسول الأكرم (ص) 29/2/1382 (19/5/2003م)

هذه الولادة الكبرى هي ولادة أرقى نماذج الرحمة الإلهية للبشرية، لأن وجود ذلك الإنسان العظيم وإرسال هذا الرسول الكبير كان رحمة الحق تعالى لعباده. إنها ولادة الرحمة. على العالم الإسلامي إدراك فكرة أن هذه الرحمة ليست رحمةً منقطعة، بل هي رحمة مستمرة. الكثير من الناس حاربوا - يومذاك - مظهر النور والهداية الإنسانية هذا بسبب جهلهم أو عصبياتهم الأنانية. مع أن الرسول (ص) جاء ليرفع الأعباء عن كاهل الإنسانية: ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾. أعباء ثقيلة كانت على عاتق كل واحد من أبناء الإنسانية يومذاك، وأغلال ثقيلة كانت تطوّق أعناقهم! والحال كذلك اليوم أيضاً. لو قال قائل إن ثمة اليوم أعباء تثقل كاهل البشرية وتفوق في ثقلها الأعباء التي كانت تثقل عاتق المجتمع الجاهلي في جزيرة العرب حينذاك، لما كان قوله هذا شططاً. الظلم الذي يمارس ضد أفراد البشر، وتضييع الحقوق الذي يسود المجتمعات الإنسانية، وتغليب النـزعة المادية على حياة البشر وإقصاء الميول المعنوية عن بيئة الحياة الإنسانية، وهو ما يفرض اليوم بالقوة وبأساليب مختلفة على أبناء البشر، هذه أعباء على أكتاف البشرية. ما تشعر به البشرية اليوم في عهد الحضارة الصناعية وتحت بريق المادية الخلابة الساحرة أصعب وأشد وأكثر مرارةً في بعض الأحيان مما كانت تشعر به ويثقل كواهلها في ظلمات الجاهلية عند ظهور الإسلام. إذا تنبّهت البشرية المعاصرة لهذه الرحمة ؛ رحمة وجود الإسلام ورحمة التعاليم النبوية، وهذا الينبوع الدفّاق للوحدة ، وتداركته وارتوت منه فسوف تعالج أكبر مشكلاتها. مع أن الحضارات العالمية اليوم استقت من تعاليم الإسلام بلا شك، وما يوجد بين البشر من صفات وأساليب حسنة ومفاهيم سامية مقتبس بلا مراء من الأدياء الإلهية وتعاليم الأنبياء والوحي السماوي، ويعود جزء كبير منه للإسلام، لكن البشرية اليوم بحاجة للمعنوية والنقاء والمعارف النيرة والحقة والشيقة في الإسلام، وهي معارف يتقبلها ويفهمها كل قلب منصف. لذلك اكتسبت الدعوة الإسلامية في العالم أنصاراً لها وتقبلها الكثيرون من غير المسلمين.

من كلمته في مدراء الدولة وضيوف مؤتمر الوحدة الإسلامية 13/5/1375ش (13/5/1996م)

الذخر الإلهي الأكبر

أوجد هذا اليوم الكبير وهو يوم ولادة الرسول الأكرم وولادة الإمام جعفر الصادق عليه الصلاة والسلام، أوجد إحدى الحقب العظيمة في تاريخ الإنسانية. في مثل هذا اليوم أظهر الله تعالى إلى مسرح الوجود أكبر ذخر إلهي هو الكيان المقدس للرسول الكريم. وهذه طبعاً بداية حقبة مؤثرة في مصير البشرية. قالوا في آيات ولادة الرسول إنه حينما ولد تهدمت قمم قصر كسرى، وآلت للانطفاء نيران معبد آذرگشسب التي ظلت موقدة قروناً طويلةً، وجفّت بحيرة ساوه ذات المكانة المقدسة عند بعض الناس آنذاك، وتساقطت وتحطمت الأصنام المعلقة حول الكعبة. تدل هذه العلامات وهي رمزية تماماً على اتجاه الإرادة والسنة الإلهية في خلع لبوس الوجود على هذا الموجود العظيم وهذه الشخصية السامية الفذة. معنى هذه الوقائع الرمزية هو أن واقع الذل الإنساني الذي فرضه الجبابرة والمستبدون- من قبيل ما كان في إيران وبلاد الروم يومذاك - أو الذي فرضته عبادة سوى الله، يجب أن يتغيّر وينقلب. ينبغي للإنسانية أن تتحرر بواسطة هذا الوليد المبارك. ينبغي أن تتحرر من قيود الظلم المفروضة من قبل حكّام الجور على المظلومين طوال التاريخ، وأيضاً من قيود الخرافات والعقائد الخاطئة المذلِّة التي تجعل الإنسان خاضعاً ذليلاً مدّاحاً أمام من هو أدنى مرتبة منه أو أمام غيره. لذلك تقول الآية القرآنية حول بعثة النبي الأكرم: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾. لم تحدد الآية الكريمة موعداً زمنياً لإظهار دين الحق على الدين كله، إنما حددت الاتجاه العام. إذ يجب على الإنسانية أن تسير بفضل هذا الحدث نحو الحرية المعنوية، والاجتماعية، والحقيقية، والعقلانية. لقد انطلق هذا المشروع، واستمراره رهن بجهودنا نحن البشر. هذه أيضاً سُنّة أخرى في عالم الخلقة. إذا أبدى الناس جهوداً ونشاطاً وهمةً أكبر فسوف يبلغون الأهداف الإلهية - وهي البرامج الإلهية المرسومة - أسرع، أما إذا لم يبدو


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق