عندما غابت (انتصار)

2010-10-16
0
201

إلى ملائكة الله على درب الشهادة، أطفالنا الشهداء المنسيين وشابّاتنا… ومنهنّ انتصار ناظم حمادة التي بكيتها صديقة منذ عقود ثلاثةٍ ونيف وأكتبها اليوم ابنة انتصرت بشهادتها على تراكم النسيان، وإلى سناء التي جدّد لقاؤها في قلبي ذكرى «انتصار».‏

 

صباح الخير يا حلوتي…‏

 

هذا صباحٌ آخرُ جديد…‏

 

هيا استيقظي يا صغيرتي..‏

 

ثيابكِ كعادتَها أنيقة.‏

 

مريولك الأزرق مكويٌّ بعناية وجَواربكِ نظيفة وحذَاؤك الجديد مُلمّعٌ منذ المساء.‏

 

ودُرْجُكِ مغلقٌ على موضوعك الإنشائي الجميل الذّي قرأته ليلاً، خلسةً عنكِ. هذا يومٌ ربيعي رائع. كوبك الساخن، حليبه ينتظر شفتيك القرمزيتين، ترتشفانه على عجل، ومحفظتك تنتفخ بالكتب والدفاتر وأشياء أخرى، مشابك شعرك الطويل، وشرائطه الملونة، أقلام الرسم، و»مواكب» جبران وسيرة أبراهام لنكولن.‏

 

هيا يا ابنتي، يا ملاك عمري وريحانة قلبي… هاك مصروف هذا النهار. أسرعي فسائق الحافلة يستعجلك بنغماتِ زمّوره الطويلة… هيَّا لقد تأخرت كثيراً يا طفلتي …‏

 

ولم تستفق انتصار لملاقاة شمس ذاك الصباح، فيدا أمها المفجوعتان لم تهزّا سوى فراغ شراشف السرير. فانتصار استغرقت في سُباتها الملائكي العميق، في مكان ناءٍ بعيد. أمس، رأتها تفكّ عقدة حذائها الجديد بعد أن رمت ثقل حقيبتها جانباً، لكن هواءً لئيماً قذفها بعيداً عنها وحال دون عناقهما، وترك انتصار تهوي وحدها عند الباب، جثّة معجونة بدمائها ونثار مريولها الأزرق.‏

 

لقد تركت « انتصار» قلب أمّها ممزقاً مفجوعاً، قرب أشيائها الجميلة والروايات الحزينة. ومضت دون إذنها للمرّة الأولى… لتغفو تحت رخام مثواها الأخير.‏

 

ما بكِ يا حنان؟ هيّا أغلقي الباب… ألا تسمعين صوت الجرس الثاني يعلن بَدء الحصةِ الأولى؟‏

 

- بلى يا أستاذ، ولكنني أنتظر « انتصار». لقد تأخرت كثيراً على غير عادة..!.‏

 

- لا تقلقي عليها، أكّد الأستاذ رجب - سنستقبلها بمجرّد وصولها ونعيد لها ما فاتها، فهي متفوقة لا تستحق عقاباً… وتأخرها اليوم غريبٌ فعلاً… هيا نبدأ.‏

 

وكتبت حنان تاريخ ذلك اليوم على اللوح والدفتر 17/3/1978 وتابعته مع رفيقاتها، خلود ولارمندا…‏

 

وبجوارها بقي مقعد انتصار خالياً ينتظر صاحبته ومحفظتها الثقيلة وابتسامتها الجملية.‏

 

وعندما قرع جرسُ الانصراف، ونقلت حافلات المدرسة التلاميذ إلى بيوتهم، أوقف الأستاذ رجب سائق الحافلة وخصّ حنان بقوله ووجهه يتقطر حزناً وصوته يرتعش ألماً:‏

 

- حنان، لا تنتظري انتصار بعد اليوم فقد استشهدت أمس إثر غارةٍ إسرائيلية على منـزلها في الأوزاعيّ. وصرخت حنان وفي قلبها تتردد أصداء الفجيعة القاسية على عمرها الغضّ البريء.‏

 

يا إلهي كيف سنتابع بقية العام دونها؟ لقد ودعتنا أمس جميعاً ومازحتنا وهي تلفت انتباهنا لصوت الطائرات المخيف.‏

 

وبكت عينا حنان الخضراوتان طويلاً صديقتها الفضلى.‏

 

واشتعلت النار في قلبي لدى قراءتي الخبر البارد في صحف ذلك اليوم: «ومن ضحايا الغارة الصهيونية، الطفلة انتصار حمادة وأمّ حامل وأطفالها الثلاثة»‏

 

ظننتها طفلةً لا أعرفها ومع ذلك أمضيت نهاري كئيبة إلى أن زارتني حنان باكيةً تحمل في يدها صورة تضم وجهيهما المفعمين ببراءة ذلك العمر الجميل. فصار مسائي حزيناً حالك السواد والتاع قلبي بعد أن أضافت من خلال دموعها: لقد سجل الناظر اليوم اسمها في دفتر التفقد غائبةً للمرة الأولى. وتبادلنا نظراتٍ حزينةً تفيد أنها صارت الأخيرة أيضا.‏

 

ورمتنا الأيام على مفارق دروب مختلفة، وبقيتِ انتصار حديث كل لقاءٍ كان يجمعنا بلى أيتها الشهيدة الغالية. عندما حدّثتني تلميذتي يوماً عن اضطهاد بعض ذوي قرباها لها وجدتني استعيد صوتك الأغن ونصحتها بقولكِ: الخالد في ذاكرتي: «كان أبراهام لنكولن نجار خشب واستطاع تحرير الزنوج من العبودية». وعندما لاحت تباشير المقاومة عام 1982 وأجبرتُ على مغادرة الضاحية تاركةً فيها أحد أخوتي شهيداً تذكرت مزاحك الهادف الواعي لأحد أهم وجوه الصراع مع العدو، يوم كنا نتحدث عن القدس: (سأحاربً إسرائيل بعقلي وعملي، لأن الكلاشينكوف أطولُ مني أما عقلي فلا حدود له).‏

 

بلى يا انتصار لئن استطاعت إسرائيل قتل فرح عشناه سوياً على مقاعد الدراسة، فقد عجزت عن قتل براءتك وعقلك في رفاقك الذي تابعوا بعدك وهم يلمحون طيف ابتسامتك الحلوة، يلوح لهم خلف كل خريجة متفوقة، يباركها سعيداً شبابها الناجح المقبل على بناء وطن الإنسان بالعلم والمقاومة.‏

 

سيبقى اسمك الجميل زينة خواطرنا، مطلع قصائدنا ولحناً خالداً تردده أناشيدنا… بلى يا صديقتي الشهيدة، سيبقى اسمك العظيم هدفاً سامياً تحققه مقاومتنا الباسلة فتنشده لها الروابي والوديان مع فجر كل انتصار جديد… لقد عجنت بدمائك الطاهرة تراب الوطن خبزاً على مائدة الكرامة التي طالما سعيت إليها علماً وصبراً وثباتاً… وقدّمته دافئاً مع مطلع كل عام دراسي جديد، لطلاب الجهاد وجياع المبادئ وظمأى القيم، فأزهرت منك ورودُ الانتصار. والله ما غبتِ وما اندثرتِ فصهيونهم إلى زوال ووحشهم إلى دوس الأقدام، أمّا أنتِ فخالدة مع ملائكة قوافل الشهداء على همجية الوحش الصهيوني أجمل… انتصار.‏

 

 

 


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق