يوم الشهيد... يوم غدت أجسادهم جسورا ليعبر المستضعفون إلى الحرية

2010-11-12
0
216

هم الذين جعلوا من أجسادهم جسورا ليعبر المستضعفون إلى الحرية... هم الذين بلسموا جراحات الأرض بدمائهم الذكية... هم الشهداء الذين طيبوا خاطر تلك المدن والقرى التي أنَت طويلاً بفعل عدو جائر نجس... لكن أرض الجنوب وأهلها أبوا الضيم والوهن فجعلوا من هاماتهم شعلة النصر الموعود... في الساعة السابعة من صباح يوم الخميس 11 تشرين الثاني 1982، كانت مدينة صور الجنوبية على موعد مع افتتاح عهد الاستشهاديين، الذين زلزلوا الأرض تحت أقدام الطغاة، وقضوا على ما كان يسمى يومها (القبضة الحديدية)...

 

انكسار الصمت..

 

كانت مدينة صور كما كل مدن الجنوب ولبنان وقراه حزينة يائسة توقفت فيها أجراس الكنائس وأصوات المآذن، لم يعد يسمع أصوات الزغاريد، ولم تعرف حينها  ساحات (الضيع) طعم الفرح فقد يبست ضحكات الجنوبيين كالكروم التي صامت كردة فعل غاضبة على فعل آثم من أيادي مغطسة بدم الأبرياء...

 

في ذلك اليوم، هزّ المدينة انفجار ضخم كسر الصمت ليتصاعد بعدها  دخان أسود هائل، غطت سحبه سماء المدينة والمنطقة، وتسارع الأهالي لمعرفة الحدث، وتناقلت الألسن أن أحد المقاومين من أبناء جبل عامل المخلصين الشرفاء المؤمنين، قام بعملية استشهادية استهدفت مقر الحاكم العسكري، الواقع في (بناية عزمي) وفجر نفسه بالمبنى وسقط المبنى كاملاً على من فيه...

 

لم يكشف النقاب حينها عن الجهة التي نفذت العملية أو اسم الاستشهادي، الذي بقي مجهولاً إلى ما بعد تحرير منطقة صور، وذلك في 19 أيار 1985، حيث أعلنت المقاومة الإسلامية مسؤوليتها عن العملية، وكشفت أن منفذها هو الشاب أحمد قصير من دير قانون النهر، ويبلغ من العمر 18 عاماً.

 

من هو أحمد قصير؟

 

هو الاستشهادي أحمد جعفر قصير، من مواليد بلدة دير قانون النهر (قضاء صور) عام 1963.

 

تربَّى الاستشهادي التي انبتت يداه براعم العمل المقاوم الجاد والواعد منذ طفولتهِ على المبادئ الأخلاقيةِ والدينية، وتمتعَ بصفاتٍ وخصالٍ نبيلة ميّزتهُ عن كثيرٍ من أترابه. إرتبط اسم أحمد قصير بيوم الشهيد، إذْ إنه كان أول منفذٍ لعمليةٍ استشهادية ضد قوات الاحتلال الصهيوني في جنوب لبنان، بعد 5 أشهرٍ و7 أيامٍ على بداية الاجتياح الإسرائيلي، وسقوط آلاف الشهداء والجرحى اللبنانيين، فضلاً عن آلاف المعتقلين.

 

يومها قاد ذلك الفتى الذي لم يتجاوز عمره 18 عاماًَ سيارته المفخخة بكمياتٍ كبيرة من المتفجرات، واقتحم بها مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي الذي كان يضمّ القيادة العسكرية، وفجّر نفسه بالمبنى المؤلف من 8 طبقات ويضمُّ مكاتبَ تابعة مباشرةً للمخابرات الإسرائيلية، بينما خُصِّصَ أحدُ الطوابق كمقرٍ لوحدة المساعدة التابعة للقيادة الإسرائيلية في المنطقة، وحوِّلَ الطابقُ الرابع إلى مقرٍ يبيتُ فيه عددٌ من الضباط والرتباء ممن يُكَلَّفونَ بمهماتٍ محدودة كالمخابراتِ واللوجيستيك والارتباط.

 

ومع حدوث الانفجار سرعان ما هوى المقر على من فيه، وشبَّ حريقٌ هائلٌ وارتفعت سحب الدخان، وامتزجَ صراخُ الجنود مع طلقاتٍ ناريةٍ متقطعة، وتحوّلَ المكان إلى ساحة من الجثث المتناثرة التي وصلَ عددها باعتراف من الناطق العسكري الإسرائيلي إلى 74 ضابطًا وجنديًا بمن فيهم الحاكم العسكري، واعْتُبِرَ 27 منهم في عداد المفقودين، وفي محصّلةٍ أوردتها الصحف الإسرائيلية بعد بضعة أيام أن هناك 141 قتيلاً و10 جنود في عداد المفقودين. وبعد 3 أيام على العملية البطولية، اجتمعت حكومة العدو وأعلنت الحداد، حيثُ أُطلِقتْ صفارةٌ في جميع أنحاء الكيان الصهيوني، وواصلت وسائل الإعلام قطع برامجها وبث الموسيقى الحزينة.

 

بدورها، أبقت المقاومة الإسلامية إسمَ الاستشهادي أحمد قصير مجهولاً، كذلك الجهة التي نفذت العملية، حتى التاسع عشر من أيار عام 1985، عندما أقامتْ إحتفالاً بذكرى شهدائها في بلدة دير قانون النهر كشفتْ فيه النقابَ عن الاستشهادي البطل أحمد قصير، وذلك خلال كلمة ألقاها الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله.

 

انطلاقة للعمليات الاستشهادية...

 

كانت هذه العملية الجريئة فاتحة عهد العمليات الاستشهادية حيث انطلقت بعدها قافلة كبيرة من المجاهدين الإستشهاديين، الذين أذاقوا جنود العدو الصهيوني كأس المرارة، وتحوّل تاريخ تنفيذ العملية البطولية في 11 تشرين الثاني 1982 إلى مناسبة سنوية تحتفل بها المقاومة الإسلامية تحت شعار يوم شهيد حزب الله.

 

دماء أحمد قصير ذاك الفتى الجنوبي خطت مقدمة مباركة لكتاب تاريخ جديد.. عنوانه رصع بدرر الإرادة الصلبة التي كانت النموذج الحسن لكل ثورات الأرض ولكل صرخة ثائر لا يرضى الذل ويأبى الانكسار...

 

إنه يوم الشهيد، يوم السر، سر انتصاراتنا وفخارنا.. انه يوم انتفضت فيه الأرض معلنة أنها تعشق الشهداء، تعشق من يحافظ على كرامتها، فهي بالطبع لا تحب الظالمين الأشقياء..

 

 

 


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق